ما وراء #MeToo
أحياناً؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الآن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
حملة MeToo هي قبل كل شيء حملة أإيدولوجية، أطلقتها الحركات النسوية ضد ما تسميه المجتمع الذكوري، وبالتالي هدفها لم يخرج عن التوجه المعتاد للحركة النسوية في تكريس فكرة مظلومية المرأة. لكن هذه الحملة لم تبدأ فجأة مع إطلاق الهشتاغ ولديها مقدمات تمتد لعقود سابقة.
نعود إلى البداية، إلى نيويورك 4 ماي 1975، وبالضبط داخل مركز اجتماعي صغير يسمى Greater Ithaca Activities Center، إجتمع هناك عدة نسوة للحديث عن المضايقات التي يتعرضن لها في العمل من قبل رؤسائهن. وضمن المتابعين لشهادات تلك النسوة كانت الصحفية النسوية Lin Farley [توصف بالسحاقية الراديكالية] التي كانت قد عينت قبل سنة من ذلك في جامعة كورنيل كمديرة قسم دراسات المرأة Women's studies [جامعة كورنيل كانت هي مهد هذا القسم قبل ذلك ببضع سنوات]. لدى عودة Farley لقسم دراسات المرأة ناقشت مع زميلاتها وطالباتها قضية ذلك الإجتماع وخرجن لأول مرة بمصطلح "تحرش جنسي" sexual harassment أو بالتحديد "التحرش الجنسي بالمرأة في العمل" بما أن التحرش إلى غاية ذلك الوقت وسنوات عديدة في ما بعد، كان قضية مرتبطة حصراً بعمل المرأة.
في نفس السنة ،اقتربت الموظفة السوداء في قسم الفيزياء Carmita Wood من Farley لمساعدتها بعد أن اضطرت لترك العمل نتيجة ما تقول أنه مضايقات جنسية تعرضت لها لسنوات من قبل رئيسها عالم الفيزياء النووية المشهور Boyce McDaniel. أنشأت على إثر ذلك Farley و Wood مع زميلاتهن منظمة Working Women United ورفعت Wood أول قضية تحرش جنسي، لكن القانون لم يكن يعترف بالتحرش الجنسي بشكل مباشر وخسرت Wood قضيتها في النهاية. لكن تبع قضيتها عدة قضايا لنساء أخريات في محاكم مختلفة، وقضت سنة 1977 ثلاث محاكم بقبول دعوى التحرش الجنسي بوصفه مخالف لقانون المساواة الجنسية في العمل لسنة 1964، وفي سنة 1986 أقرت المحكمة العليا الأمريكية بالتحرش الجنسي بوصفه شكل من أشكال التمييز الجنسي في العمل، ومع مرور الزمن تبنت كل دول العالم تقريباً قوانين لتجريم التحرش الجنسي في العمل (بعضها قبل و.م.أ) ثم مع مرور السنوات عمم مفهوم التحرش على كل جوانب الحياة الاجتماعية.
لكن رغم مرور سنوات عديدة على رصد التحرش الجنسي كظاهرة، لم يكن إلى غاية سنة 2000 تقريباً قضية ذات أهمية سواءً في أحاديث أغلبية الناس العادية أو الإعلام والنخب، وحتى لدى الحركات النسوية التقليدية. وكان من الغريب جداً سماع لفظ تحرش جنسي، وغالباً ما كان يُستعمل في الإعلام العربي وبين النخب لفظ "معاكسة" وفي الإنجليزي "hitting on" وفي الفرنسي "draguer" لوصف أغلب ما يوصف اليوم بالتحرش الجنسي في الأماكن العامة.
تحوُل التحرش إلى قضية رأي عام كما هو اليوم، بدأ فقط مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات النسوية الرقمية وأوصاف مثل: مدون، ناشط عبر الأنترنت... ومعهم بدأت حركات ضد للتحرش في الظهور، تبناها لجاذبيتها الإعلام سريعاً وبمرور السنوات أخذ الأمر في التوسع إلى غاية الهوس الحقيقي. وأصبح التحرش الجنسي يستعمل لوصف كل شيء تقريباً، ما بين الموظفة التي يلاحقها يومياً مديرها إلى غاية "صباح الخير" في ناصية الشارع، كلها أصبحت تدخل ضمن إحصاءات "100٪ من نساء الدولة X تعرضن للتحرش" التي لم يسلم منها أي بلد، وأصبح التحرش هو المشكل العالمي المستعجل رقم واحد. وحتى الفرق الشاسع بين التحرش والاغتصاب لم يعد له معنى في الأذهان. كما ساد الاعلام خطاب بيوريتاني مزيف لا مثيل له ومراقبة لكل حركة أو كلمة في غير مكانها.
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى والتباس أكبر في استعمال المصطلح، لو حدث عراك مثلاً بين رجل وامرأة يوصف مباشرةً من قبل الجميع في الأنترنت والإعلام (الحريص على جذب الإنتباه) بالتحرش مع أن نفس الشجار كان يمكن أن يكون بين رجلين أو امرأتين.
كل هذا الهوس بالتحرش والقضايا الجنسية بشكل عام التي يباركها التقدميون اليوم غير مدركين إلى أي مدى ستعود العجلة التاريخية إلى الخلف بالنسبة لنموذج الانفتاح الجنسي والاختلاط بين الجنسين الذي ناضلوا من أجله في الماضي (ناضلوا = ضجيج). مظاهر مثل سيارات أجرة وعربات قطارات مخصصة للإناث في دول مثل اليابان وكندا وأستراليا وغيرها كانت ستصيب ليبرالي الستينات بالجنون، وهي مجرد البداية فقط. مع حملة MeToo أصبح الثمن الاقتصادي والأكاديمي لهذا النموذج المنفتح يشكل عبء حقيقي على المجتمع. أكثر من 250 شخصية من النخبة الأولى سقط في الشهور الأخيرة، رؤساء شركات كبيرة، ممثلين، علماء، أكاديميين ومشاهير في كل المجالات [آخرهم مبسط العلوم المشهور "نيل ديجراس تايسون"] بعض الذين سقطوا شاركوا بأنفسهم في اطلاق الحملة.
أحياناً؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الآن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
حملة MeToo هي قبل كل شيء حملة أإيدولوجية، أطلقتها الحركات النسوية ضد ما تسميه المجتمع الذكوري، وبالتالي هدفها لم يخرج عن التوجه المعتاد للحركة النسوية في تكريس فكرة مظلومية المرأة. لكن هذه الحملة لم تبدأ فجأة مع إطلاق الهشتاغ ولديها مقدمات تمتد لعقود سابقة.
نعود إلى البداية، إلى نيويورك 4 ماي 1975، وبالضبط داخل مركز اجتماعي صغير يسمى Greater Ithaca Activities Center، إجتمع هناك عدة نسوة للحديث عن المضايقات التي يتعرضن لها في العمل من قبل رؤسائهن. وضمن المتابعين لشهادات تلك النسوة كانت الصحفية النسوية Lin Farley [توصف بالسحاقية الراديكالية] التي كانت قد عينت قبل سنة من ذلك في جامعة كورنيل كمديرة قسم دراسات المرأة Women's studies [جامعة كورنيل كانت هي مهد هذا القسم قبل ذلك ببضع سنوات]. لدى عودة Farley لقسم دراسات المرأة ناقشت مع زميلاتها وطالباتها قضية ذلك الإجتماع وخرجن لأول مرة بمصطلح "تحرش جنسي" sexual harassment أو بالتحديد "التحرش الجنسي بالمرأة في العمل" بما أن التحرش إلى غاية ذلك الوقت وسنوات عديدة في ما بعد، كان قضية مرتبطة حصراً بعمل المرأة.
في نفس السنة ،اقتربت الموظفة السوداء في قسم الفيزياء Carmita Wood من Farley لمساعدتها بعد أن اضطرت لترك العمل نتيجة ما تقول أنه مضايقات جنسية تعرضت لها لسنوات من قبل رئيسها عالم الفيزياء النووية المشهور Boyce McDaniel. أنشأت على إثر ذلك Farley و Wood مع زميلاتهن منظمة Working Women United ورفعت Wood أول قضية تحرش جنسي، لكن القانون لم يكن يعترف بالتحرش الجنسي بشكل مباشر وخسرت Wood قضيتها في النهاية. لكن تبع قضيتها عدة قضايا لنساء أخريات في محاكم مختلفة، وقضت سنة 1977 ثلاث محاكم بقبول دعوى التحرش الجنسي بوصفه مخالف لقانون المساواة الجنسية في العمل لسنة 1964، وفي سنة 1986 أقرت المحكمة العليا الأمريكية بالتحرش الجنسي بوصفه شكل من أشكال التمييز الجنسي في العمل، ومع مرور الزمن تبنت كل دول العالم تقريباً قوانين لتجريم التحرش الجنسي في العمل (بعضها قبل و.م.أ) ثم مع مرور السنوات عمم مفهوم التحرش على كل جوانب الحياة الاجتماعية.
لكن رغم مرور سنوات عديدة على رصد التحرش الجنسي كظاهرة، لم يكن إلى غاية سنة 2000 تقريباً قضية ذات أهمية سواءً في أحاديث أغلبية الناس العادية أو الإعلام والنخب، وحتى لدى الحركات النسوية التقليدية. وكان من الغريب جداً سماع لفظ تحرش جنسي، وغالباً ما كان يُستعمل في الإعلام العربي وبين النخب لفظ "معاكسة" وفي الإنجليزي "hitting on" وفي الفرنسي "draguer" لوصف أغلب ما يوصف اليوم بالتحرش الجنسي في الأماكن العامة.
تحوُل التحرش إلى قضية رأي عام كما هو اليوم، بدأ فقط مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات النسوية الرقمية وأوصاف مثل: مدون، ناشط عبر الأنترنت... ومعهم بدأت حركات ضد للتحرش في الظهور، تبناها لجاذبيتها الإعلام سريعاً وبمرور السنوات أخذ الأمر في التوسع إلى غاية الهوس الحقيقي. وأصبح التحرش الجنسي يستعمل لوصف كل شيء تقريباً، ما بين الموظفة التي يلاحقها يومياً مديرها إلى غاية "صباح الخير" في ناصية الشارع، كلها أصبحت تدخل ضمن إحصاءات "100٪ من نساء الدولة X تعرضن للتحرش" التي لم يسلم منها أي بلد، وأصبح التحرش هو المشكل العالمي المستعجل رقم واحد. وحتى الفرق الشاسع بين التحرش والاغتصاب لم يعد له معنى في الأذهان. كما ساد الاعلام خطاب بيوريتاني مزيف لا مثيل له ومراقبة لكل حركة أو كلمة في غير مكانها.
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى والتباس أكبر في استعمال المصطلح، لو حدث عراك مثلاً بين رجل وامرأة يوصف مباشرةً من قبل الجميع في الأنترنت والإعلام (الحريص على جذب الإنتباه) بالتحرش مع أن نفس الشجار كان يمكن أن يكون بين رجلين أو امرأتين.
كل هذا الهوس بالتحرش والقضايا الجنسية بشكل عام التي يباركها التقدميون اليوم غير مدركين إلى أي مدى ستعود العجلة التاريخية إلى الخلف بالنسبة لنموذج الانفتاح الجنسي والاختلاط بين الجنسين الذي ناضلوا من أجله في الماضي (ناضلوا = ضجيج). مظاهر مثل سيارات أجرة وعربات قطارات مخصصة للإناث في دول مثل اليابان وكندا وأستراليا وغيرها كانت ستصيب ليبرالي الستينات بالجنون، وهي مجرد البداية فقط. مع حملة MeToo أصبح الثمن الاقتصادي والأكاديمي لهذا النموذج المنفتح يشكل عبء حقيقي على المجتمع. أكثر من 250 شخصية من النخبة الأولى سقط في الشهور الأخيرة، رؤساء شركات كبيرة، ممثلين، علماء، أكاديميين ومشاهير في كل المجالات [آخرهم مبسط العلوم المشهور "نيل ديجراس تايسون"] بعض الذين سقطوا شاركوا بأنفسهم في اطلاق الحملة.
❤4👏2
أضف إلى ذلك مئات الموظفين الذي تعرضوا للفصل لمجرد أن إحدى الزميلات أتهمتهم بالقيام بتصرف غير لائق معهن، كل هذا لن يمر بدون ردة فعل وبحث عن حلول لتقليل الخسائر المادية والنزيف البشري.
الشركات اليوم وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي بين حماية لابد منها للموظفات من التحرش وتوفير لهن جو عمل مقبول، وبين حماية الموظفين من الوقوع ضحية اتهامات كيدية ستضع الشركة في حرج في كل الأحوال سواءً تعاملت معها أو تركتها. هذا ما دفع شركات مؤخراً لوضع قوانين صارمة ونصائح داخلية هي في الحقيقة عودة جزئية للفصل بين الجنسين وكانت ستوصف قبل عقود من قبل التنويري بأنها إجراءات ترعاها حركة طالبان الأفغانية، منها على سبيل المثال: ممنوع النظر إلى زميل آخر أكثر من 5 ثواني، ممنوع المصافحة، تجنب تناول الطعام مع الزميلات، تجنب أي وضعية خلوة مع الزميلات، لا تجلس أمام زميلتك في الطائرة خلال السفر، تجنب حجز غرفة من الفندق في نفس طابق زميلتك. (الروابط في التعليقات)
----------------------------------
الملفت للنظر في هذا الموضوع والمهم فعلاً ليس التحرش كظاهرة فهو لن يتوقف ولا أحد من الجنسين له الرغبة في وقفه على الأقل في الوقت الراهن، الملفت هو مدى صدق ما تصوره البشر دائماً في الماضي عن التاريخ البشري بوصفه دورة حياة لا تكف عن الدوران أو كأنه مثل أمواج بحر تذهب وتجيء، في مقابل زيف ادعاءات أيديولوجية التقدم التي روجت بالاعتماد على تأثير التقدم التقني على الأذهان لفكرة زائفة بغية تبرير كل ما يطرحوه تقول بأن البشر في تطور اجتماعي/أخلاقي دائم ضمن خط مستقيم لا نهاية له وأن القيم المعاصرة لم يعرفها أحد من قبل وأن القيم التي سبقت مباشرةً هذا العصر ذهبت ولن تعود لأنها حسب تصورهم قائمة على أسباب غير موضوعية، وبالتحديد وضعوا اللوم على الدين (والتقاليد أيضاً) الذي حملوه كل ما أعتبروه غير مناسب، وهنا تكمن مغالطة أخرى من قبلهم لأنهم لا ينظرون للدين بشكل إيماني محض أو مادي محض، فإذا كان الدين أو بالأحرى تشريعات الدين هي فعلاً ذات مصدر سماوي فسيكون من الغباء الشديد مخالفتها، وإذا لم تكن كذلك فهي إذن مجرد إجتهاد بشري نتيجة واقع فرض نفسه وبالتالي لا يمكن اعتبارها ظاهرة نتجت عن طفرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد أهواء.
الشركات اليوم وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي بين حماية لابد منها للموظفات من التحرش وتوفير لهن جو عمل مقبول، وبين حماية الموظفين من الوقوع ضحية اتهامات كيدية ستضع الشركة في حرج في كل الأحوال سواءً تعاملت معها أو تركتها. هذا ما دفع شركات مؤخراً لوضع قوانين صارمة ونصائح داخلية هي في الحقيقة عودة جزئية للفصل بين الجنسين وكانت ستوصف قبل عقود من قبل التنويري بأنها إجراءات ترعاها حركة طالبان الأفغانية، منها على سبيل المثال: ممنوع النظر إلى زميل آخر أكثر من 5 ثواني، ممنوع المصافحة، تجنب تناول الطعام مع الزميلات، تجنب أي وضعية خلوة مع الزميلات، لا تجلس أمام زميلتك في الطائرة خلال السفر، تجنب حجز غرفة من الفندق في نفس طابق زميلتك. (الروابط في التعليقات)
----------------------------------
الملفت للنظر في هذا الموضوع والمهم فعلاً ليس التحرش كظاهرة فهو لن يتوقف ولا أحد من الجنسين له الرغبة في وقفه على الأقل في الوقت الراهن، الملفت هو مدى صدق ما تصوره البشر دائماً في الماضي عن التاريخ البشري بوصفه دورة حياة لا تكف عن الدوران أو كأنه مثل أمواج بحر تذهب وتجيء، في مقابل زيف ادعاءات أيديولوجية التقدم التي روجت بالاعتماد على تأثير التقدم التقني على الأذهان لفكرة زائفة بغية تبرير كل ما يطرحوه تقول بأن البشر في تطور اجتماعي/أخلاقي دائم ضمن خط مستقيم لا نهاية له وأن القيم المعاصرة لم يعرفها أحد من قبل وأن القيم التي سبقت مباشرةً هذا العصر ذهبت ولن تعود لأنها حسب تصورهم قائمة على أسباب غير موضوعية، وبالتحديد وضعوا اللوم على الدين (والتقاليد أيضاً) الذي حملوه كل ما أعتبروه غير مناسب، وهنا تكمن مغالطة أخرى من قبلهم لأنهم لا ينظرون للدين بشكل إيماني محض أو مادي محض، فإذا كان الدين أو بالأحرى تشريعات الدين هي فعلاً ذات مصدر سماوي فسيكون من الغباء الشديد مخالفتها، وإذا لم تكن كذلك فهي إذن مجرد إجتهاد بشري نتيجة واقع فرض نفسه وبالتالي لا يمكن اعتبارها ظاهرة نتجت عن طفرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد أهواء.
👏5❤1👍1
أيديولوجيا حقوق الإنسان
«ينبغي العودة بعيدًا في الماضي للبحث عن جذور أو بذرة الفضيلة الأولى للأفكار التي تحكم العالم اليوم»
~ Jacques Maritain
يقال: فلاديمير لينين لا يعلم أنه يعتقد، هو يعتقد بأنه يعلم. هذه المقولة لا تصف لينين فقط.
يمكن أن نقول؛ بأن العصر الحديث كله لا يعلم بأنه يعتقد. التراجع في المعتقدات المسيحية والطقوس الدينية الذي عرفته أوروبا لم يجعل المقدس يتلاشى من الوعي الأوروبي، كل ما حدث هو تغيير لموقعه فقط، أو بالأحرى إعادة قولبتهُ في نمط عالماني. تقريبًا؛ كل الأيديولوجيات والممارسات التي تحكم العالم اليوم هي في جوهرها قيم دينية تم دنيوتها وفصلها عن اللاهوت. من تلك الإيديولوجيات نجد مثلاً "التقدمية" التي هي ليست سوى علمنة لفكرة العناية الإلهية والخلاص المسيحي.
أما من الممارسات فنجد مثلاً "الإلحاد المتعصب" militant atheism الذي هو في الحقيقة علمنة للنزعة التبشرية (الدعوية). الملحد من بيئة إسلامية أو مسيحية يعتقد لسبب هو لا يعلمه، أن عليه واجب دعوة أقرانه إلى "الحقيقة" التي توصل إليها وإخراجهم من "الظلمات".
«إدعاء تأسيس مجتمع وفكرة الشرط الإنساني على أسس جديدة ليس إلا وهم يدحضه نقل المحتوى الديني إلى مركز بلورة المنطق المعاصر»
~ Jean-claude Monod
ربما من السخرية بمكان أن تكون علمنة هذه القيم، الدينية في الأساس، وإبعادها عن دوافعها الأولى، قد جعلت معتنقي نسختها المؤدلجة من العالمانيين والماديين الذين يعتقدون أنهم تجاوزوا مرحلة الدين بفضل "العقل" غير قادرين بشكل paradoxical على الإجابة إجابةً وافية عن مسألة ما الذي يبرر وجود تلك الأيديولوجيات الدنيوية بنفس ذلك "العقل". يعتمدون إلى حدٍ كبير على ما تبقى من رصيد تقديس لها في ضمائر الناس، بعبارة أخرى لا يملكون سوى الدوغمائية لتخطي معضلة عدم تجاوزهم الدين فعلاً. من هنا نفهم سبب ندرة من يجرؤ على مناقشة الأسس الأولى لتلك الأيديولوجيات رغم أنها هي السائدة.
من بين تلك الإيديولوجيات: [حقوق الإنسان]
عبر عن ذلك "آلان دو بونوا" بقوله: « يبدو انتقاد "حقوق الإنسان" اليوم غير لائق، تجديفي، مُشين تمامًا كما كان في وقتٍ من الأوقات التشكيك بوجود الله».
ولأنها أخذت طابع طابوه ديني، فمن البديهي أن يكون طرح مسألة ماهي مبررات حقوق الإنسان ومناقشتها من المواضيع التي لا يمكن في أيامنا تقبلها بسهولة أو حتى تخيلها لدى جزء لا بأس به من البشر. يمكنك طبعًا مناقشتها بِنية المزيد من حقوق الإنسان، أما أن تتطرق لأسس وجودها في المقام الأول فهذا يعني أنك قد بلغت قمة الهرطقة بالمعنى المعاصر.
«أي رؤية متناسقة حول حقوق الإنسان لا يمكنها إلا أن تنطلق من الحقيقة الأولية التالية: لم تؤسس علميًا، لكن دوغمائيًا»
~ Julien Freund
ماذا تعني فعلاً إيديولوجيا حقوق الإنسان؟
إ.ح. إ هي عقيدة ذات نزعة كونية تدعي بأن كل إنسان في العالم يولد ومعه كل الحقوق لمجرد أنه إنسان ومساوي لجميع البشر في بقاعِ العالم كافةً.
وذلك بغض النظر عن شكل النظام السياسي والنسيج الاجتماعي والثقافي الذي يتواجد ضمنهم. ومثل باقي الدوغمائيات التي لها أساطير مؤسسة، فإن إ.ح.إ ترتكز في الأساس على تصور ليبرالي للإنسان من القرن 17 بأن هناك "حالة طبيعية" State of nature عاشها هذا الإنسان (الفرد) قبل تشكل أي روابط اجتماعية، وبالتالي هناك "حق طبيعي" Natural law يستمد منه هذا الإنسان كل الحقوق.
[المجتمع] بالنسبة لـ إ.ح.إ ليس جسدًا واحد، بل هو عبارة عن حالة مصطنعة وغير طبيعية تكونت من مجموعة أفراد كانوا منعزلين عن بعض في البرية (تمامًا كـ حيّ بن يقظان) ثم قرروا في لحظة معينة أن يجتمعوا من أجل المصلحة الذاتية الصرفة في حالة تشبه التعاقد التجاري، وهذا ما تنفيه طبعًا الأبحاث المعاصرة بشكل قاطع ومنذ زمن، وتؤكد أن الإنسان كائن اجتماعي قبل كل شيء، الأمر الذي يعني أن "الحق الطبيعي" هو مجرد وهم يتمسك به من يزعمون بأنهم رفعوا غطاء الأوهام عن البشر.
«مفارقة حقوق الإنسان هي أن تمددها يعني تجريف وتدمير كل الشروط التي بدونها يصبح تطبيقها مستحيلاً»
~ Paul Piccone
من المفارقات لدى إ.ح.إ إدعاءها أن ما تتضمنه من حقوق مثل التعليم والصحة والعمل وغيرها..
هي حقوق يكتسبها الإنسان (الفرد) لمجرد أنه إنسان ونابعة من الحالة الطبيعة (المتخيلة) وبالتالي منفصلة عن أي انتماء، في حين أن طبيعة تلك الحقوق نفسها لا يمكن أن تكون إلا اجتماعية تضامنية، وبالتالي ضرورة وجود روابط اجتماعية تضمنها.
سواءً كان موضوعنا هنا عن حق إلهي وضعي أو طبيعي، فإن الإنسان بحاجة إلى أن يكون عضوًا ضمن مجموعة بشرية تقر له بذلك الحق بناءً على انتماءه لها وتَحمله واجبات نحوها وليس لكونه مجرد "إنسان". لكن؛ ولأن إ.ح.
«ينبغي العودة بعيدًا في الماضي للبحث عن جذور أو بذرة الفضيلة الأولى للأفكار التي تحكم العالم اليوم»
~ Jacques Maritain
يقال: فلاديمير لينين لا يعلم أنه يعتقد، هو يعتقد بأنه يعلم. هذه المقولة لا تصف لينين فقط.
يمكن أن نقول؛ بأن العصر الحديث كله لا يعلم بأنه يعتقد. التراجع في المعتقدات المسيحية والطقوس الدينية الذي عرفته أوروبا لم يجعل المقدس يتلاشى من الوعي الأوروبي، كل ما حدث هو تغيير لموقعه فقط، أو بالأحرى إعادة قولبتهُ في نمط عالماني. تقريبًا؛ كل الأيديولوجيات والممارسات التي تحكم العالم اليوم هي في جوهرها قيم دينية تم دنيوتها وفصلها عن اللاهوت. من تلك الإيديولوجيات نجد مثلاً "التقدمية" التي هي ليست سوى علمنة لفكرة العناية الإلهية والخلاص المسيحي.
أما من الممارسات فنجد مثلاً "الإلحاد المتعصب" militant atheism الذي هو في الحقيقة علمنة للنزعة التبشرية (الدعوية). الملحد من بيئة إسلامية أو مسيحية يعتقد لسبب هو لا يعلمه، أن عليه واجب دعوة أقرانه إلى "الحقيقة" التي توصل إليها وإخراجهم من "الظلمات".
«إدعاء تأسيس مجتمع وفكرة الشرط الإنساني على أسس جديدة ليس إلا وهم يدحضه نقل المحتوى الديني إلى مركز بلورة المنطق المعاصر»
~ Jean-claude Monod
ربما من السخرية بمكان أن تكون علمنة هذه القيم، الدينية في الأساس، وإبعادها عن دوافعها الأولى، قد جعلت معتنقي نسختها المؤدلجة من العالمانيين والماديين الذين يعتقدون أنهم تجاوزوا مرحلة الدين بفضل "العقل" غير قادرين بشكل paradoxical على الإجابة إجابةً وافية عن مسألة ما الذي يبرر وجود تلك الأيديولوجيات الدنيوية بنفس ذلك "العقل". يعتمدون إلى حدٍ كبير على ما تبقى من رصيد تقديس لها في ضمائر الناس، بعبارة أخرى لا يملكون سوى الدوغمائية لتخطي معضلة عدم تجاوزهم الدين فعلاً. من هنا نفهم سبب ندرة من يجرؤ على مناقشة الأسس الأولى لتلك الأيديولوجيات رغم أنها هي السائدة.
من بين تلك الإيديولوجيات: [حقوق الإنسان]
عبر عن ذلك "آلان دو بونوا" بقوله: « يبدو انتقاد "حقوق الإنسان" اليوم غير لائق، تجديفي، مُشين تمامًا كما كان في وقتٍ من الأوقات التشكيك بوجود الله».
ولأنها أخذت طابع طابوه ديني، فمن البديهي أن يكون طرح مسألة ماهي مبررات حقوق الإنسان ومناقشتها من المواضيع التي لا يمكن في أيامنا تقبلها بسهولة أو حتى تخيلها لدى جزء لا بأس به من البشر. يمكنك طبعًا مناقشتها بِنية المزيد من حقوق الإنسان، أما أن تتطرق لأسس وجودها في المقام الأول فهذا يعني أنك قد بلغت قمة الهرطقة بالمعنى المعاصر.
«أي رؤية متناسقة حول حقوق الإنسان لا يمكنها إلا أن تنطلق من الحقيقة الأولية التالية: لم تؤسس علميًا، لكن دوغمائيًا»
~ Julien Freund
ماذا تعني فعلاً إيديولوجيا حقوق الإنسان؟
إ.ح. إ هي عقيدة ذات نزعة كونية تدعي بأن كل إنسان في العالم يولد ومعه كل الحقوق لمجرد أنه إنسان ومساوي لجميع البشر في بقاعِ العالم كافةً.
وذلك بغض النظر عن شكل النظام السياسي والنسيج الاجتماعي والثقافي الذي يتواجد ضمنهم. ومثل باقي الدوغمائيات التي لها أساطير مؤسسة، فإن إ.ح.إ ترتكز في الأساس على تصور ليبرالي للإنسان من القرن 17 بأن هناك "حالة طبيعية" State of nature عاشها هذا الإنسان (الفرد) قبل تشكل أي روابط اجتماعية، وبالتالي هناك "حق طبيعي" Natural law يستمد منه هذا الإنسان كل الحقوق.
[المجتمع] بالنسبة لـ إ.ح.إ ليس جسدًا واحد، بل هو عبارة عن حالة مصطنعة وغير طبيعية تكونت من مجموعة أفراد كانوا منعزلين عن بعض في البرية (تمامًا كـ حيّ بن يقظان) ثم قرروا في لحظة معينة أن يجتمعوا من أجل المصلحة الذاتية الصرفة في حالة تشبه التعاقد التجاري، وهذا ما تنفيه طبعًا الأبحاث المعاصرة بشكل قاطع ومنذ زمن، وتؤكد أن الإنسان كائن اجتماعي قبل كل شيء، الأمر الذي يعني أن "الحق الطبيعي" هو مجرد وهم يتمسك به من يزعمون بأنهم رفعوا غطاء الأوهام عن البشر.
«مفارقة حقوق الإنسان هي أن تمددها يعني تجريف وتدمير كل الشروط التي بدونها يصبح تطبيقها مستحيلاً»
~ Paul Piccone
من المفارقات لدى إ.ح.إ إدعاءها أن ما تتضمنه من حقوق مثل التعليم والصحة والعمل وغيرها..
هي حقوق يكتسبها الإنسان (الفرد) لمجرد أنه إنسان ونابعة من الحالة الطبيعة (المتخيلة) وبالتالي منفصلة عن أي انتماء، في حين أن طبيعة تلك الحقوق نفسها لا يمكن أن تكون إلا اجتماعية تضامنية، وبالتالي ضرورة وجود روابط اجتماعية تضمنها.
سواءً كان موضوعنا هنا عن حق إلهي وضعي أو طبيعي، فإن الإنسان بحاجة إلى أن يكون عضوًا ضمن مجموعة بشرية تقر له بذلك الحق بناءً على انتماءه لها وتَحمله واجبات نحوها وليس لكونه مجرد "إنسان". لكن؛ ولأن إ.ح.
❤6👍2👏1
إ ذات طابع فرداني فهي تعتبر الحقوق هي أساس العلاقة بين البشر وليس الواجبات، والمجتمع لم يوجد إلا لخدمة الفرد، والنتيجة كانت تزايد متصاعد في المطالبة بحقوق مزعومة إلى غاية أدق الرغبات والنزوات الفردية، مثل مراحيض للمتحولين جنسيًا أو كراء الأرحام، كلها تريد أن يعترف بها وأن توضع ضمن إطار قانوني، بل ويجب أن يحتفى بها أيضاً.
أي مطلب يمكن التعبير عنه هو بالنسبة لـ إ.ح.إ من الحقوق الطبيعة (بشرط أن لا يؤذي ذلك الأخرين كـ أفراد لا كمجتمع). في هكذا حالة تحتاج إ.ح.إ (وهذا ما يزيد من تناقضها) إلى وجود 'دولة رفاه تسلطية' تتدخل في جميع جوانب حياة الأفراد الذين لا تجمعهم سوى الحقوق والمصلحة لتفرض التضامن وتمنع تفكك النسيج الاجتماعي الذي تسببه الفردانية. هذا الأمر سيصاحبه بالضرورة تضاعف في عدد القوانين والملاحقات القضائية، والأهم من ذلك تضخم في سلطة الجهاز القضائي الذي سيعتبر نفسه حارس حقوق الإنسان على حساب السلطات ذات الشرعية الحقيقية في الحكم. هذا ما يطلق عليه اسم "الحراك القضائي" Judicial activism، نفس معنى التسمية نجده في الفرنسي لكن بصيغة أخرى "حكومة القضاة" Gouvernement des juges. في الحراك القضائي أو حكومة القضاة، يستعمل القضاة تأويل النصوص القانونية وبالأخص الدستورية لتلائم توجهاتهم الأيديولوجية من أجل تعطيل عمل السلطات ذات الشرعية أو دفعها بإتجاهٍ معين.
شاهدنا مثال على ذلك في حملة القضاة الأخيرة على ترمب الرئيس "المنتخب" تحت مسمى حقوق الإنسان لوقف إجراءاته نحو المهاجرين والمتحولين جنسيًا في الجيش وقبل ذلك الدور الذي لعبه القضاة في مسألة تشريع زواج الشواذ جنسيًا. نفس الأمر قامت به كذلك المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تريد أن تفرض على بعض دول شرق أوروبا استقبال المهاجرين رغم الرفض الشعبي والحكومي لذلك.
من هنا تتبين لنا مفارقة أخرى. وهذه المرة ليس ضمن إ.ح.إ نفسها، ولكن لدى مناصريها الذين يعتبرون أنفسهم في نفس الوقت مناصرين للديموقراطية التي لا تعترف في الواقع إلا بـ "المواطن" وصوت الأغلبية، في حين أن إ.ح.إ ذات النزعة الكونية معادية بطبيعتها لماهية الديموقراطية ولأي شكل من أشكال التنظيم السياسي أو الديني أو الثقافي وتعتبرها تمييزية وتسلب حقوق "الإنسان المجرد". لهذا يحاول من يحسبون أنفسهم على الديموقراطية أن يعيدوا صياغة معنى الديموقراطية بما يتماشى مع عقيدتهم الأساسية، فتصدر منهم عبارات مثل: "ديكتاتورية الأغلبية" عبارة ما كانت لتخطر ببال الأغريق أباء الديموقراطية الذين كانوا يقصون المدن المجاورة لحدود العدو من المشاركة في التصويت حول قرار الحرب.
«حقوق الإنسان هي قيمة غربية، لا يشترك معه فيها أي من مجتمعات الأرض، رغم الخطاب المقلد»
~ Sophia Mappa
ليس الأغريق القدماء فقط هم من لا يمكنهم إدراك معنى حقوق الإنسان الكونية، فكرة أن يكون للإنسان المجرد كل الحقوق فقط لأنه إنسان، هي فكرة لا يمكن حتى تخيلها لدى أغلب الأمم عبر مختلف الأزمنة. بالنسبة لأغلب شعوب الأرض لا يمكن تصور الفرد بمعزل عن مجتمع أو أن تكون له حقوق كونية. نجد ذلك أكثر وضوحًا كلما توجهنا نحو الشرق إلى أن نصل للشرق الأقصى أين نجد أن "الواجب" هو محور الحياة وأساس الروابط الاجتماعية. لهذا عندما شكلت منظمة اليونسكو سنة 1947 لجنة دولية مكونة من 150 مفكر من أرجاء العالم لوضع إطار فلسفي لحقوق الإنسان فشلت فشلاً ذريعًا ولم تتمكن حتى من تقريب وجهات النظر، الأمر الذي دفعها في الأخير إلى العزوف عن نشر تقرير اللجنة واكتفت الأمم المتحدة بتبني "إعلان حقوق الإنسان 1948" أو بالأحرى فرضه كأمر واقع تضمنه قوة الدول الغربية التي حوت البذرة الأولى لإيديولوجيا حقوق الإنسان.
«أغلب بنوده (إعلان حقوق الإنسان 1789) ليست سوى دوغمائيات مجردة، تعريفات ميتافيزيقية، بديهيّات أدبية تقريبًا»
~ Hippolyte Taine
لم تظهر إ.ح.إ ضمن جغرافيا بعينها وأثناء مرحلة تاريخية محددة بالصدفة ولم تكن مجرد نتاج "استنارة" عقول فلاسفة عصر التنوير خلال القرن 16 و17 في أوروبا. جذور إ.ح.إ أعمق من ذلك في الضمير الأوروبي ولا يمكن فهمها بدون الأخذ في الإعتبار الديانة المسيحية. شعار «مساواة، إخاء، حرية» الذي حملته الثورة الفرنسية 1789 ومعه "إعلان حقوق الإنسان" لم يكن سوى النتّاج الأخير لعملية علمنة القيم المسيحية التي بدأها عصر التنوير حتى وإن بدى من بعيد أن هناك تناقض شكلي بين المسيحية وعصر التنوير. عبر عن هذا Jacques Maritain بقوله: «إثبات حقوق؛ هي ذاتها مبنية على مبادئ مسيحية بدى وكأنه ثوري أمام التقاليد المسيحية»
«ممَ لا يقبل الجدل، أن المساواتيّة التي يتضمنها الحق الطبيعي في الانتماء للمجتمع البشري لا يمكن فصلها عن بعدها اليهودي-مسيحي، أو بالأحرى القيم الإنجيلية»
~ Olivier Mongin
أي مطلب يمكن التعبير عنه هو بالنسبة لـ إ.ح.إ من الحقوق الطبيعة (بشرط أن لا يؤذي ذلك الأخرين كـ أفراد لا كمجتمع). في هكذا حالة تحتاج إ.ح.إ (وهذا ما يزيد من تناقضها) إلى وجود 'دولة رفاه تسلطية' تتدخل في جميع جوانب حياة الأفراد الذين لا تجمعهم سوى الحقوق والمصلحة لتفرض التضامن وتمنع تفكك النسيج الاجتماعي الذي تسببه الفردانية. هذا الأمر سيصاحبه بالضرورة تضاعف في عدد القوانين والملاحقات القضائية، والأهم من ذلك تضخم في سلطة الجهاز القضائي الذي سيعتبر نفسه حارس حقوق الإنسان على حساب السلطات ذات الشرعية الحقيقية في الحكم. هذا ما يطلق عليه اسم "الحراك القضائي" Judicial activism، نفس معنى التسمية نجده في الفرنسي لكن بصيغة أخرى "حكومة القضاة" Gouvernement des juges. في الحراك القضائي أو حكومة القضاة، يستعمل القضاة تأويل النصوص القانونية وبالأخص الدستورية لتلائم توجهاتهم الأيديولوجية من أجل تعطيل عمل السلطات ذات الشرعية أو دفعها بإتجاهٍ معين.
شاهدنا مثال على ذلك في حملة القضاة الأخيرة على ترمب الرئيس "المنتخب" تحت مسمى حقوق الإنسان لوقف إجراءاته نحو المهاجرين والمتحولين جنسيًا في الجيش وقبل ذلك الدور الذي لعبه القضاة في مسألة تشريع زواج الشواذ جنسيًا. نفس الأمر قامت به كذلك المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي تريد أن تفرض على بعض دول شرق أوروبا استقبال المهاجرين رغم الرفض الشعبي والحكومي لذلك.
من هنا تتبين لنا مفارقة أخرى. وهذه المرة ليس ضمن إ.ح.إ نفسها، ولكن لدى مناصريها الذين يعتبرون أنفسهم في نفس الوقت مناصرين للديموقراطية التي لا تعترف في الواقع إلا بـ "المواطن" وصوت الأغلبية، في حين أن إ.ح.إ ذات النزعة الكونية معادية بطبيعتها لماهية الديموقراطية ولأي شكل من أشكال التنظيم السياسي أو الديني أو الثقافي وتعتبرها تمييزية وتسلب حقوق "الإنسان المجرد". لهذا يحاول من يحسبون أنفسهم على الديموقراطية أن يعيدوا صياغة معنى الديموقراطية بما يتماشى مع عقيدتهم الأساسية، فتصدر منهم عبارات مثل: "ديكتاتورية الأغلبية" عبارة ما كانت لتخطر ببال الأغريق أباء الديموقراطية الذين كانوا يقصون المدن المجاورة لحدود العدو من المشاركة في التصويت حول قرار الحرب.
«حقوق الإنسان هي قيمة غربية، لا يشترك معه فيها أي من مجتمعات الأرض، رغم الخطاب المقلد»
~ Sophia Mappa
ليس الأغريق القدماء فقط هم من لا يمكنهم إدراك معنى حقوق الإنسان الكونية، فكرة أن يكون للإنسان المجرد كل الحقوق فقط لأنه إنسان، هي فكرة لا يمكن حتى تخيلها لدى أغلب الأمم عبر مختلف الأزمنة. بالنسبة لأغلب شعوب الأرض لا يمكن تصور الفرد بمعزل عن مجتمع أو أن تكون له حقوق كونية. نجد ذلك أكثر وضوحًا كلما توجهنا نحو الشرق إلى أن نصل للشرق الأقصى أين نجد أن "الواجب" هو محور الحياة وأساس الروابط الاجتماعية. لهذا عندما شكلت منظمة اليونسكو سنة 1947 لجنة دولية مكونة من 150 مفكر من أرجاء العالم لوضع إطار فلسفي لحقوق الإنسان فشلت فشلاً ذريعًا ولم تتمكن حتى من تقريب وجهات النظر، الأمر الذي دفعها في الأخير إلى العزوف عن نشر تقرير اللجنة واكتفت الأمم المتحدة بتبني "إعلان حقوق الإنسان 1948" أو بالأحرى فرضه كأمر واقع تضمنه قوة الدول الغربية التي حوت البذرة الأولى لإيديولوجيا حقوق الإنسان.
«أغلب بنوده (إعلان حقوق الإنسان 1789) ليست سوى دوغمائيات مجردة، تعريفات ميتافيزيقية، بديهيّات أدبية تقريبًا»
~ Hippolyte Taine
لم تظهر إ.ح.إ ضمن جغرافيا بعينها وأثناء مرحلة تاريخية محددة بالصدفة ولم تكن مجرد نتاج "استنارة" عقول فلاسفة عصر التنوير خلال القرن 16 و17 في أوروبا. جذور إ.ح.إ أعمق من ذلك في الضمير الأوروبي ولا يمكن فهمها بدون الأخذ في الإعتبار الديانة المسيحية. شعار «مساواة، إخاء، حرية» الذي حملته الثورة الفرنسية 1789 ومعه "إعلان حقوق الإنسان" لم يكن سوى النتّاج الأخير لعملية علمنة القيم المسيحية التي بدأها عصر التنوير حتى وإن بدى من بعيد أن هناك تناقض شكلي بين المسيحية وعصر التنوير. عبر عن هذا Jacques Maritain بقوله: «إثبات حقوق؛ هي ذاتها مبنية على مبادئ مسيحية بدى وكأنه ثوري أمام التقاليد المسيحية»
«ممَ لا يقبل الجدل، أن المساواتيّة التي يتضمنها الحق الطبيعي في الانتماء للمجتمع البشري لا يمكن فصلها عن بعدها اليهودي-مسيحي، أو بالأحرى القيم الإنجيلية»
~ Olivier Mongin
👍5👏3❤1
بوصف المسيحية ديانة توحيدية، على الأقل بنظر معتنقيها (بغض النظر عن رفض الإسلام واليهودية لذلك) وتبشيرية (ذات نزعة كونية)، فإن وجود إله واحد لها يعني حتمًا أن البشر متساوين من حيث الجوهر أمام الله وأن ذلك مرتبط فقط باختياراتهم الشخصية، بخلاف الديانات المتعددة الألهة التي تؤمن بأن لكل مجموعة بشرية ألهتها الخاصة، وبالتالي لا يمكن تصور وحدة إنسانية ضمنها.
لهذا كان أول ما بدأت به وثيقة الإستقلال الأمريكي 1776: «كل البشر قد خلقوا متساوين، موهوبين من خالقهم بحقوق لا يجب ان تُصادر». ولأن كل البشر أبناء أدم فهم إذًا إخوة متساوين في كرامتهم وعلى كل فرد منهم أن لا يفرق بين إخوته. وكل واحد منهم يتمتع بحرية إرادة كاملة تجعله أسمى من باقي الكائنات، إرادة سيحاسب عنها لوحده أمام الله ولن يتحمل ذنوب أي من أخوته. هذه الجذور الميتافزيقية لشعار الثورة الفرنسية «مساواة، إخاء، حرية» هي من وضعت دائمًا منظري إ.ح.إ العالمانيين أمام مأزق، فهم من جهة مع مضمون هذه الشعارات، ومن جهة أخرى لديهم خطاب معادي لكل ما هو ديني وميتافزيقي، لكن هذا لا يمنع من قيامهم بمحاولات لتبرير إ.ح.إ وتقديم تنظير عالماني لها.
يقول بعضهم أن البشر متسّاوْون لأن الإنسان هو الكائن العاقل الوحيد، لكن ماذا نفعل بغير العقلاء من رضع ومرضى عقليين وكبار السن المصابين بالعجز والزهايمر؟ كما أن هذا سيطرح سؤال آخر، ما هو الإنسان؟ وهنا يقع المدافعين عن إ.ح.إ في مفارقة أخرى، كيف يعقل أن يسمح مثلاً: بالإجهاض بوصفه من حقوق الإنسان بدعوى أن الجنين ليس إنسان، لكن يمنع القيام بتجارب طبية على الأجنة بدعوى صوّن كرامة الإنسان.
بالنسبة لـ إ.ح.إ كل إنسان له كرامة مساوية لما لدى كل البشر ولا يمكن أن تنقص أو تزيد جراء أفعاله واختياراته في الحياة، لهذا يعارضون بشدة عقوبة الإعدام أو أي عقاب جسدي بصفة عامة، فحتى لو كان اسم الشخص [جنكيز خان] فإن افعاله لا تنقص من كرامته شيء في نظر إ.ح.إ.
أخرين يقولون بأن أي كائن؛ من الطبيعي أن يميل نحو أقرانه من نفس النوع، وبالتالي هناك علاقة إخاء تجمع البشر بحكم أنهم ينتمون لنفس النوع، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن يبقى السؤال هنا بأي معيار فضلنا النوع البشري بشكل حصري على باقي التصنيفات؟ لماذا لا ننزل درجات أقل؟ إلى العرق مثلاً أو القبيلة أو اي تصنيف بيولوجي أو ثقافي. أو لماذا لا نصعد درجات نحو الأعلى؟ نحو الرئيسيات مثلاً باعتبارهم قريبين جدًا من الإنسان بالمقارنة مع بقية الكائنات، خاصةً وأن القرد قد يساوي من حيث الذكاء طفل صغير، وهذه من الحجج القوية التي يستعملها المدافعين عن حقوق الحيوان الذين يعتبرون وضع الإنسان على قمة هرم الكائنات تمييزًا عنصري ويصفون هذا بأنه specism عنصري. وبالفعل كان لهؤلاء نصيب من سباق الحقوق يتجاوز نقطة حماية الحيوانات من التجاوزات غير المبررة إلى إعطاء بعض الحيوانات صفة قانونية وجعلها ذات شخصية اعتبارية، الأمر الذي لا يرفع من قيمة الحيوان بقدر ما يحط من القيمة الرمزية للإنسان.
«لكن اليوم؛ ليس هدف خطاب حقوق الإنسان هو فقط تقديم أيدولوجيا بديلة بعد انهيار الأطروحات الكبرى. بل محاولة فرض معيار أخلاقي معين على كل الشعوب، يهدف لإعادة راحة الضمير للغرب عبر السماح له مرة أخرى بأخذ موقع القدوة ووصف كل من يرفض ذلك بـ "البرابرة".
عبر التاريخ؛ "الحقوق" لم تكن غالبًا سوى ما يقرره سادة الأيدولوجيا المهيمنة أن يُعرف كذلك. مرتبط بتوسع الأسواق، خطاب حقوق الإنسان يشكل الدرع الإيدولوجي للعولمة. هو قبل كل شيء أداة سيطرة، ويجب النظر إليه كذلك»
~ آلان دو بونوا
رغم ادعاء مناصري إ.ح.إ ضرورة احترام تعدد الثقافات وتأكيدهم الدائم على ذلك، أحيانًا بحسن نية، إلا أن النزعة الكونية (التبشيرية) لـ إ.ح.إ لا يمكنها إلا أن تكون معادية لتعدد الثقافات ومع طمس كل معالم إختلاف في العالم، باستثناء طبعاً المظاهر الفلكلورية الاحتفالية التي تستعمل لادعاء رعاية التنوع والتعددية.
في الحقيقة كل ما تفعله إ.ح.إ هو جعل الثقافة الغربية التي نشأت منها هي المعيار الأسمى والوحيد للبشر.
يساعدها في ذلك الهيمنة العسكرية الغربية على العالم التي تمنح بشكل تلقائي كل ما هو غربي [بريستيج] لا يقاوم في وعي الشعوب الأخرى التي تريد أن تتماهى ولو شكليًا مع القوي.
ما يعني أن إ.ح.إ لا دور لها خارج الغرب إلا كوسيلة لاستمرار هيمنته الثقافية والاقتصادية وذريعة لفرض شرطة دولية تتدخل في أي وقت باسم حماية حقوق الإنسان. يحتاج المرء هنا إلى قدر لا بأس به من السذاجة والطوباوية ليعتقد أن التدخل الذي كان مثلاً في ليبيا أو يوغوسلافيا أو أفغانستان دوافعه فعلاً أخلاقية ولا علاقة له بفرض مزيد من السيطرة.
لهذا كان أول ما بدأت به وثيقة الإستقلال الأمريكي 1776: «كل البشر قد خلقوا متساوين، موهوبين من خالقهم بحقوق لا يجب ان تُصادر». ولأن كل البشر أبناء أدم فهم إذًا إخوة متساوين في كرامتهم وعلى كل فرد منهم أن لا يفرق بين إخوته. وكل واحد منهم يتمتع بحرية إرادة كاملة تجعله أسمى من باقي الكائنات، إرادة سيحاسب عنها لوحده أمام الله ولن يتحمل ذنوب أي من أخوته. هذه الجذور الميتافزيقية لشعار الثورة الفرنسية «مساواة، إخاء، حرية» هي من وضعت دائمًا منظري إ.ح.إ العالمانيين أمام مأزق، فهم من جهة مع مضمون هذه الشعارات، ومن جهة أخرى لديهم خطاب معادي لكل ما هو ديني وميتافزيقي، لكن هذا لا يمنع من قيامهم بمحاولات لتبرير إ.ح.إ وتقديم تنظير عالماني لها.
يقول بعضهم أن البشر متسّاوْون لأن الإنسان هو الكائن العاقل الوحيد، لكن ماذا نفعل بغير العقلاء من رضع ومرضى عقليين وكبار السن المصابين بالعجز والزهايمر؟ كما أن هذا سيطرح سؤال آخر، ما هو الإنسان؟ وهنا يقع المدافعين عن إ.ح.إ في مفارقة أخرى، كيف يعقل أن يسمح مثلاً: بالإجهاض بوصفه من حقوق الإنسان بدعوى أن الجنين ليس إنسان، لكن يمنع القيام بتجارب طبية على الأجنة بدعوى صوّن كرامة الإنسان.
بالنسبة لـ إ.ح.إ كل إنسان له كرامة مساوية لما لدى كل البشر ولا يمكن أن تنقص أو تزيد جراء أفعاله واختياراته في الحياة، لهذا يعارضون بشدة عقوبة الإعدام أو أي عقاب جسدي بصفة عامة، فحتى لو كان اسم الشخص [جنكيز خان] فإن افعاله لا تنقص من كرامته شيء في نظر إ.ح.إ.
أخرين يقولون بأن أي كائن؛ من الطبيعي أن يميل نحو أقرانه من نفس النوع، وبالتالي هناك علاقة إخاء تجمع البشر بحكم أنهم ينتمون لنفس النوع، وهذا صحيح إلى حد ما. لكن يبقى السؤال هنا بأي معيار فضلنا النوع البشري بشكل حصري على باقي التصنيفات؟ لماذا لا ننزل درجات أقل؟ إلى العرق مثلاً أو القبيلة أو اي تصنيف بيولوجي أو ثقافي. أو لماذا لا نصعد درجات نحو الأعلى؟ نحو الرئيسيات مثلاً باعتبارهم قريبين جدًا من الإنسان بالمقارنة مع بقية الكائنات، خاصةً وأن القرد قد يساوي من حيث الذكاء طفل صغير، وهذه من الحجج القوية التي يستعملها المدافعين عن حقوق الحيوان الذين يعتبرون وضع الإنسان على قمة هرم الكائنات تمييزًا عنصري ويصفون هذا بأنه specism عنصري. وبالفعل كان لهؤلاء نصيب من سباق الحقوق يتجاوز نقطة حماية الحيوانات من التجاوزات غير المبررة إلى إعطاء بعض الحيوانات صفة قانونية وجعلها ذات شخصية اعتبارية، الأمر الذي لا يرفع من قيمة الحيوان بقدر ما يحط من القيمة الرمزية للإنسان.
«لكن اليوم؛ ليس هدف خطاب حقوق الإنسان هو فقط تقديم أيدولوجيا بديلة بعد انهيار الأطروحات الكبرى. بل محاولة فرض معيار أخلاقي معين على كل الشعوب، يهدف لإعادة راحة الضمير للغرب عبر السماح له مرة أخرى بأخذ موقع القدوة ووصف كل من يرفض ذلك بـ "البرابرة".
عبر التاريخ؛ "الحقوق" لم تكن غالبًا سوى ما يقرره سادة الأيدولوجيا المهيمنة أن يُعرف كذلك. مرتبط بتوسع الأسواق، خطاب حقوق الإنسان يشكل الدرع الإيدولوجي للعولمة. هو قبل كل شيء أداة سيطرة، ويجب النظر إليه كذلك»
~ آلان دو بونوا
رغم ادعاء مناصري إ.ح.إ ضرورة احترام تعدد الثقافات وتأكيدهم الدائم على ذلك، أحيانًا بحسن نية، إلا أن النزعة الكونية (التبشيرية) لـ إ.ح.إ لا يمكنها إلا أن تكون معادية لتعدد الثقافات ومع طمس كل معالم إختلاف في العالم، باستثناء طبعاً المظاهر الفلكلورية الاحتفالية التي تستعمل لادعاء رعاية التنوع والتعددية.
في الحقيقة كل ما تفعله إ.ح.إ هو جعل الثقافة الغربية التي نشأت منها هي المعيار الأسمى والوحيد للبشر.
يساعدها في ذلك الهيمنة العسكرية الغربية على العالم التي تمنح بشكل تلقائي كل ما هو غربي [بريستيج] لا يقاوم في وعي الشعوب الأخرى التي تريد أن تتماهى ولو شكليًا مع القوي.
ما يعني أن إ.ح.إ لا دور لها خارج الغرب إلا كوسيلة لاستمرار هيمنته الثقافية والاقتصادية وذريعة لفرض شرطة دولية تتدخل في أي وقت باسم حماية حقوق الإنسان. يحتاج المرء هنا إلى قدر لا بأس به من السذاجة والطوباوية ليعتقد أن التدخل الذي كان مثلاً في ليبيا أو يوغوسلافيا أو أفغانستان دوافعه فعلاً أخلاقية ولا علاقة له بفرض مزيد من السيطرة.
❤6👍2
أضف إلى ذلك الضغوط التي تمارس على الحكومات لتبني قرارات ليبرالية تناقض تمامًا روح المجتمع المحلي بفردانيتها وبعيدة تمامًا عن المشاكل الحقيقية لذلك المجتمع على أمل تحسن تقييمه في التقرير السنوي للأمم المتحدة والولايات المتحدة عن حقوق الإنسان. لكن هذا لا يعني أن إ.ح.إ تهدد فقط وجود الشعوب غير الغربية، على المدى الطويل تشكل إ.ح.إ تهديد حقيقي للمجتمع الغربي سواءً من خلال الهجرات الوافدة من مناطق ترفض التبني الكامل للنموذج الغربي أو من خلال صراع الحقوق والمطالب الفردانية التي ستفكك النسيج الاجتماعي أكثر لصالح سطوة أكبر للدولة.
«فقط البشر المختزلين في إنسانيتهم الصرفة عبر تحطيم نماذجهم الطبيعية والسياسية للتضامن هم من يمكننا أن نفرض عليهم عبودية وإضطهاد مطلقين»
~ Hannah Arendt
توضيح: يتشارك الإسلام مع المسيحية في كثير من المبادئ التي جعلت إ.ح.إ قابلةً للتصور (توحيد-كونية- حرية إرادة-فردانية) باستثناء فصل الروحي عن الدنيوي (العلمانية) الذي ولد من رحم المسيحية وجعلته ممكنًا والذي جاء بفكرة الحقوق المطلقة للإنسان المجرد.
لكن؛ هذا لا يمنع بأن يكون الشخص من بيئة إسلامية هو الأقدر بعد الانسان الغربي على استيعاب وإدراك معنى حقوق الإنسان حتى وإن لم يتبناها فعلاً.
______________
بعض ما قيل عن إ.ح.إ:
«أيديولوجيا حقوق الإنسان لا تدعو لتحرير الشعوب بقدر ما هي تدعو لشرطة دولية»
~ Alain Bertho
«مفهوم الإنسانية هو أداة إيديولوجية تفيد بشكل خاص التوسع الإمبريالي، ووراء شكله الأخلاقي والخيري، تكمن القاطرة الخاصة بالإمبريالية الاقتصادية»
~ Cari Schmitt
«لا يمكننا فصل سيطرة منطق الحقوق الشخصية عن مبدأ تعظيم المصالح لدى نفس هؤلاء الأشخاص. هكذا نتجه من مجتمع الحقوق نحو مجتمع السوق»
~ Marcel Gauchet
«القول بأن كل البشر يمتلكون نفس الحقوق هو شيء، والقول بأن هذه الحقوق يجب أن يعترف بها في كل مكان بالشكل الذي تقدمه أيديولوجيا حقوق الإنسان هو شيء آخر مختلف تمامًا. هذا يطرح في الواقع سؤال من لديه سلطة فرض وجهة النظر هذه، من يضمن صحة خطابه؟»
~ Alain De Benoist
«كل نزعة كونية تميل لتجاهل وطمس الإختلافات. ضمن صياغتها المعتادة، تبدو نظرية الحقوق هي نفسها غير قادرة على الاعتراف بالتنوع الثقافي، وهذا لسببين: من جهة فردانيتها الراسخة، والشخصية بالغة التجرد للموضوع الذي تطالب له بحقوق، ومن جهة أخرى روابطها التاريخية المميزة مع الثقافة الغربية»
~ Alain De Benoist
«في الحقيقة، إذا كان مفهوم حقوق الإنسان غربي صرف، فإن نزعته الكونية على مستوى العالم تمثل بكل تأكيد تدخلاً خارجي، طريقة ملتوية للتغيير والسيطرة، بمعنى هو استمرار لظاهرة الإستعمار»
~ Alain De Benoist
«خطاب حقوق الإنسان سمح مرةً أخرى للغرب بأن ينصب نفسه قاضي أخلاقي للنوع البشري»
~ Alain De Benoist
«ليس من الصدفة أن تكون حقوق الإنسان مطروحة بقوة في مجتمع يُجرد أكثر فأكثر من إنسانيته، أين يميل الناس أنفسهم لأن يكونوا أشياءً، أين تسليع العلاقات الاجتماعية خلق ظاهرة عزلة غير مسبوقة.
مصاحبًا توسع الأسواق، خطاب حقوق الإنسان يشكل الدعامة الإيديولوجية للعولمة»
~ Alain De Benoist
«عقيدة حقوق الإنسان هي أحدث دياناتنا المدنية، روح عالم بدون روح»
~ Régis Debray
«حقوق الإنسان هي أخر دياناتنا الدنيوية»
~ Jean Carbonnier
«فقط البشر المختزلين في إنسانيتهم الصرفة عبر تحطيم نماذجهم الطبيعية والسياسية للتضامن هم من يمكننا أن نفرض عليهم عبودية وإضطهاد مطلقين»
~ Hannah Arendt
توضيح: يتشارك الإسلام مع المسيحية في كثير من المبادئ التي جعلت إ.ح.إ قابلةً للتصور (توحيد-كونية- حرية إرادة-فردانية) باستثناء فصل الروحي عن الدنيوي (العلمانية) الذي ولد من رحم المسيحية وجعلته ممكنًا والذي جاء بفكرة الحقوق المطلقة للإنسان المجرد.
لكن؛ هذا لا يمنع بأن يكون الشخص من بيئة إسلامية هو الأقدر بعد الانسان الغربي على استيعاب وإدراك معنى حقوق الإنسان حتى وإن لم يتبناها فعلاً.
______________
بعض ما قيل عن إ.ح.إ:
«أيديولوجيا حقوق الإنسان لا تدعو لتحرير الشعوب بقدر ما هي تدعو لشرطة دولية»
~ Alain Bertho
«مفهوم الإنسانية هو أداة إيديولوجية تفيد بشكل خاص التوسع الإمبريالي، ووراء شكله الأخلاقي والخيري، تكمن القاطرة الخاصة بالإمبريالية الاقتصادية»
~ Cari Schmitt
«لا يمكننا فصل سيطرة منطق الحقوق الشخصية عن مبدأ تعظيم المصالح لدى نفس هؤلاء الأشخاص. هكذا نتجه من مجتمع الحقوق نحو مجتمع السوق»
~ Marcel Gauchet
«القول بأن كل البشر يمتلكون نفس الحقوق هو شيء، والقول بأن هذه الحقوق يجب أن يعترف بها في كل مكان بالشكل الذي تقدمه أيديولوجيا حقوق الإنسان هو شيء آخر مختلف تمامًا. هذا يطرح في الواقع سؤال من لديه سلطة فرض وجهة النظر هذه، من يضمن صحة خطابه؟»
~ Alain De Benoist
«كل نزعة كونية تميل لتجاهل وطمس الإختلافات. ضمن صياغتها المعتادة، تبدو نظرية الحقوق هي نفسها غير قادرة على الاعتراف بالتنوع الثقافي، وهذا لسببين: من جهة فردانيتها الراسخة، والشخصية بالغة التجرد للموضوع الذي تطالب له بحقوق، ومن جهة أخرى روابطها التاريخية المميزة مع الثقافة الغربية»
~ Alain De Benoist
«في الحقيقة، إذا كان مفهوم حقوق الإنسان غربي صرف، فإن نزعته الكونية على مستوى العالم تمثل بكل تأكيد تدخلاً خارجي، طريقة ملتوية للتغيير والسيطرة، بمعنى هو استمرار لظاهرة الإستعمار»
~ Alain De Benoist
«خطاب حقوق الإنسان سمح مرةً أخرى للغرب بأن ينصب نفسه قاضي أخلاقي للنوع البشري»
~ Alain De Benoist
«ليس من الصدفة أن تكون حقوق الإنسان مطروحة بقوة في مجتمع يُجرد أكثر فأكثر من إنسانيته، أين يميل الناس أنفسهم لأن يكونوا أشياءً، أين تسليع العلاقات الاجتماعية خلق ظاهرة عزلة غير مسبوقة.
مصاحبًا توسع الأسواق، خطاب حقوق الإنسان يشكل الدعامة الإيديولوجية للعولمة»
~ Alain De Benoist
«عقيدة حقوق الإنسان هي أحدث دياناتنا المدنية، روح عالم بدون روح»
~ Régis Debray
«حقوق الإنسان هي أخر دياناتنا الدنيوية»
~ Jean Carbonnier
❤6👍1
عقيدة المحبة وزواج الحب
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~ Gilbert Keith Chesterton
«الحب هو أهم ما في الحياة» هذه العبارة المبتذلة ومثيلاتها التي نجدها أينما إلتفتنا تقريباً، تعكس ذلك التقديس لمفهوم الحب في هذا العصر، وفي كثيرٍ من الأحيان على حساب المبادئ والدين والأعراف، بل وحتى على حساب الأطفال. هذا التقديس لم يظهر لدى البشر المعاصرين نتيجة انتصار مفاجئ لعقيدة الحب في حد ذاتها بقدر ما هو جزء من انتصار للعقيدة المسيحية وخضوع العالم للمبادئ الغربية التي قد تبدو معادية للدين أحياناً من حيث الظاهر، لكنها في العمق مشبعة حد التخمة بالتراث الكنسي الذي ظل كما هو في الوجدان الغربي ولم يتغير منه شيء إذا ما استثنينا جانب الغيبيات وانطلاقه بشكل مجنون في كل اتجاه.
حتى الاحتفال السنوي بعيد «الحب» الذي تبناه العالم كله هو في النهاية احتفال بـ «قديس». احذف من خطاب أي قس عادي ألفاظ «الرب، الابن، روح القدس، العذراء» ولن تجد فيه تقريباً أي اختلاف جوهري عن خطاب «المحبة» لدى ذلك الهيبيز وهو يقول وفي يده سيجارة ماريجوانا "مارسوا الحب لا الحرب" أو تلك المراهقة ذات 30 ربيعاً التي تكتب "علموا أبناءكم الحب" أو ذلك الملتحي صاحب العمامة الذي قال "يكون الدين محبة .. عندما تكون المحبة ديناً" (علي الجفري).
«إن ما ينفّرنا هو الكنيسة وليس سمّها... فبقطع النظر عن الكنيسة نحن أيضاً نحبّ السمّ"»
~ نيتشه وهو يصف أحد الكتاب الملحدين من نوع "ديني الإنسانية"
المسيحية كدين ظهر في البداية بين اليهود كدعوة لليهود، ولكنه لم يأتي بجديد يضيفه للشرائع التوراتية التي كانت تحكم حياة اليهود. هذا النقص في الخطاب الديني لدى المسيحية عوضته بخطاب تبشيري يرتكز تقريباً على فكرة مثالية واحدة هي «المحبة». حاولت المسيحية من خلال ذلك تمييز نفسها عن منافستها اليهودية. والنتيجة؛ أصبحت المحبة هي بالمطلق أسمى قيمة أخلاقية قد يصل إليها المسيحي. هذه الفكرة الطوباية من أقوى العوامل التي شكلت وعي "الفرد" الغربي البسيط الذي نعرفه الآن. بالنسبة للغربي المعاصر المحبة هي الحل السحري والمفتاح لكل شيء، المحبة هي الجواب المعلب لكل شيء. لديك مشكلة مع تربية الأطفال؟ ما عليك سوى إغراقهم بالحب فهو كل ما يحتاجونه. تعتقد أنك غير سعيد في حياتك؟ إذن ينقصك بعضٌ من الحب في حياتك. تجد صعوبة في تسويق أفكارك؟ ما عليك سوى تضمينها عبارات عن المحبة وسيتقبلها الجميع.
وفي المقابل أصبحت الكراهية هي الأخرى بالمطلق، أعظم إثم قد يرتكبه إنسان، و يعلق عليها كل الأوزار والأثام في العالم. عليك أن تحب كل الناس مهما كانوا، وإلا ستعتبر مهرطقاً وصاحب خطاب كراهية مقيت تجب محاربته، وقد تقع تحت طائلة قانون العقوبات الذي لا يتسامح مع من ينشر «الكراهية». لم يعرف البشر أبداً عبر التاريخ قبل هذا العصر جريمة إسمها «نشر الكراهية» ولك أن تتخيل كيف يمكن استعمال هكذا قوانين في كل المناسبات والحالات. عقيدة شمولية مثل كل العقائد الطوباوية وتناقض كلياً الفطرة البشرية وتجعلهم مازوخيين، لا تنسى أن المسيح يقول «أحبوا أعدائكم».
«أغلبية الناس ما كانت لتقع أبداً في الحب، لو لم تسمع عنه من قبل»
~ La Bruyère - أديب فرنسي
عقيدة الحب؛ هي بالتأكيد أقوى ضربة تلقتها مؤسسة الزواج والأسرة مع ضربة «الثورة الجنسية»، وجعلتها تحيد عن دورها الرئيسي. زواج الحب جعل مركز الثقل في الأسرة يتحول من الأطفال إلى الزوجين، و بالتالي تقديس العلاقة الزوجية بدل العلاقة الأبوية والأسرية، و بالتالي تغليب مصلحة الزوجين (في أغلب الأحيان أحدهما فقط) على مصلحة الأطفال والأسرة ككل. الأمر الذي جعل قرار الطلاق في أيامنا يتخذ بسهولة، وكأنه إجراء روتيني عادي، و يحدث لأتفه الأسباب، قد يكون مجرد نسيان تاريخ عيد الميلاد أو عيد الزواج أو حتى مجرد تعليق في غير محله سبباً كافياً لإنهاء زواج. هذا النوع من الزواج العاطفي وبخلاف ما قد يخطر على بال البعض، كان في الحقيقة أول من شجعه هو الكنيسة ضد الزواج التقليدي والأرستوقراطي الذي كان هو إلى وقت قريب، القاعدة العامة لدى البشر ويميزه عن زواج الحب كونه رابطة بين عائلتين أكثر من كونه علاقة بين فردين حتى لو جمعهما علاقة حب.
«الإنسان الحديث لا يحبّ، بل ينشد ملاذاً في الحبّ. إنّه لا يأمل، بل يطلب ملجأً في الأمل. وهو لا يؤمن، بل يبحث عن مأوىً في عقيدة».
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
هذا النوع من الزواج القائم على «العشق»، حول العلاقة الزوجية من علاقة بين رجل وامرأة ثم بين أب وأم مسؤولين عن أسرة، إلى علاقة بين عشيقين. فأصبح بذلك الحب هو الدافع الوحيد للزواج والسبب الأوحد لبقاءه، ولا شيء غيره. حتى أنه من المألوف سماع إحدى تلك الكليشيهات المعاصرة التي تقول بأن الزواج بدون علاقة «غرامية» سابقة ولاحقة هو نوعٌ من البربرية، بالنسبة لهم معنى «العلاقة غير شرعية» و«الزنا» هو الزواج بدون حب سابق.
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~ Gilbert Keith Chesterton
«الحب هو أهم ما في الحياة» هذه العبارة المبتذلة ومثيلاتها التي نجدها أينما إلتفتنا تقريباً، تعكس ذلك التقديس لمفهوم الحب في هذا العصر، وفي كثيرٍ من الأحيان على حساب المبادئ والدين والأعراف، بل وحتى على حساب الأطفال. هذا التقديس لم يظهر لدى البشر المعاصرين نتيجة انتصار مفاجئ لعقيدة الحب في حد ذاتها بقدر ما هو جزء من انتصار للعقيدة المسيحية وخضوع العالم للمبادئ الغربية التي قد تبدو معادية للدين أحياناً من حيث الظاهر، لكنها في العمق مشبعة حد التخمة بالتراث الكنسي الذي ظل كما هو في الوجدان الغربي ولم يتغير منه شيء إذا ما استثنينا جانب الغيبيات وانطلاقه بشكل مجنون في كل اتجاه.
حتى الاحتفال السنوي بعيد «الحب» الذي تبناه العالم كله هو في النهاية احتفال بـ «قديس». احذف من خطاب أي قس عادي ألفاظ «الرب، الابن، روح القدس، العذراء» ولن تجد فيه تقريباً أي اختلاف جوهري عن خطاب «المحبة» لدى ذلك الهيبيز وهو يقول وفي يده سيجارة ماريجوانا "مارسوا الحب لا الحرب" أو تلك المراهقة ذات 30 ربيعاً التي تكتب "علموا أبناءكم الحب" أو ذلك الملتحي صاحب العمامة الذي قال "يكون الدين محبة .. عندما تكون المحبة ديناً" (علي الجفري).
«إن ما ينفّرنا هو الكنيسة وليس سمّها... فبقطع النظر عن الكنيسة نحن أيضاً نحبّ السمّ"»
~ نيتشه وهو يصف أحد الكتاب الملحدين من نوع "ديني الإنسانية"
المسيحية كدين ظهر في البداية بين اليهود كدعوة لليهود، ولكنه لم يأتي بجديد يضيفه للشرائع التوراتية التي كانت تحكم حياة اليهود. هذا النقص في الخطاب الديني لدى المسيحية عوضته بخطاب تبشيري يرتكز تقريباً على فكرة مثالية واحدة هي «المحبة». حاولت المسيحية من خلال ذلك تمييز نفسها عن منافستها اليهودية. والنتيجة؛ أصبحت المحبة هي بالمطلق أسمى قيمة أخلاقية قد يصل إليها المسيحي. هذه الفكرة الطوباية من أقوى العوامل التي شكلت وعي "الفرد" الغربي البسيط الذي نعرفه الآن. بالنسبة للغربي المعاصر المحبة هي الحل السحري والمفتاح لكل شيء، المحبة هي الجواب المعلب لكل شيء. لديك مشكلة مع تربية الأطفال؟ ما عليك سوى إغراقهم بالحب فهو كل ما يحتاجونه. تعتقد أنك غير سعيد في حياتك؟ إذن ينقصك بعضٌ من الحب في حياتك. تجد صعوبة في تسويق أفكارك؟ ما عليك سوى تضمينها عبارات عن المحبة وسيتقبلها الجميع.
وفي المقابل أصبحت الكراهية هي الأخرى بالمطلق، أعظم إثم قد يرتكبه إنسان، و يعلق عليها كل الأوزار والأثام في العالم. عليك أن تحب كل الناس مهما كانوا، وإلا ستعتبر مهرطقاً وصاحب خطاب كراهية مقيت تجب محاربته، وقد تقع تحت طائلة قانون العقوبات الذي لا يتسامح مع من ينشر «الكراهية». لم يعرف البشر أبداً عبر التاريخ قبل هذا العصر جريمة إسمها «نشر الكراهية» ولك أن تتخيل كيف يمكن استعمال هكذا قوانين في كل المناسبات والحالات. عقيدة شمولية مثل كل العقائد الطوباوية وتناقض كلياً الفطرة البشرية وتجعلهم مازوخيين، لا تنسى أن المسيح يقول «أحبوا أعدائكم».
«أغلبية الناس ما كانت لتقع أبداً في الحب، لو لم تسمع عنه من قبل»
~ La Bruyère - أديب فرنسي
عقيدة الحب؛ هي بالتأكيد أقوى ضربة تلقتها مؤسسة الزواج والأسرة مع ضربة «الثورة الجنسية»، وجعلتها تحيد عن دورها الرئيسي. زواج الحب جعل مركز الثقل في الأسرة يتحول من الأطفال إلى الزوجين، و بالتالي تقديس العلاقة الزوجية بدل العلاقة الأبوية والأسرية، و بالتالي تغليب مصلحة الزوجين (في أغلب الأحيان أحدهما فقط) على مصلحة الأطفال والأسرة ككل. الأمر الذي جعل قرار الطلاق في أيامنا يتخذ بسهولة، وكأنه إجراء روتيني عادي، و يحدث لأتفه الأسباب، قد يكون مجرد نسيان تاريخ عيد الميلاد أو عيد الزواج أو حتى مجرد تعليق في غير محله سبباً كافياً لإنهاء زواج. هذا النوع من الزواج العاطفي وبخلاف ما قد يخطر على بال البعض، كان في الحقيقة أول من شجعه هو الكنيسة ضد الزواج التقليدي والأرستوقراطي الذي كان هو إلى وقت قريب، القاعدة العامة لدى البشر ويميزه عن زواج الحب كونه رابطة بين عائلتين أكثر من كونه علاقة بين فردين حتى لو جمعهما علاقة حب.
«الإنسان الحديث لا يحبّ، بل ينشد ملاذاً في الحبّ. إنّه لا يأمل، بل يطلب ملجأً في الأمل. وهو لا يؤمن، بل يبحث عن مأوىً في عقيدة».
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
هذا النوع من الزواج القائم على «العشق»، حول العلاقة الزوجية من علاقة بين رجل وامرأة ثم بين أب وأم مسؤولين عن أسرة، إلى علاقة بين عشيقين. فأصبح بذلك الحب هو الدافع الوحيد للزواج والسبب الأوحد لبقاءه، ولا شيء غيره. حتى أنه من المألوف سماع إحدى تلك الكليشيهات المعاصرة التي تقول بأن الزواج بدون علاقة «غرامية» سابقة ولاحقة هو نوعٌ من البربرية، بالنسبة لهم معنى «العلاقة غير شرعية» و«الزنا» هو الزواج بدون حب سابق.
👍6❤3💯1
هذا يعني أن الزواج قضية ثانوية ومجرد مناسبة للاحتفال وأخذ الصور، وسينتهي بدون أدنى شك مع زوال مظاهر شغف العشاق الزائلة حتماً. وأقول مظاهر الشغف، لأن الناس في الواقع وبسبب التقديس المعاصر للحب بطريقة تشبه التدين، أصبحت تعشق فكرة «العشق» في حد ذاتها ولا تعشق الآخر فعلاً. ومع زوال تلك المظاهر (لم تعد تهتم بي مثل الاول)، تعود الناس لرحلة البحث عن عشقٍ جديد.
من العادي جداً في زممنا أن تسمع مثلاً سيدة تجاوزت الـ 35 سنة من عمرها، عاشت عدة علاقات غرامية (طبعاً، كل واحدة منها كانت هي حب العمر) وربما عدة زيجات وعدة أطفال في بعض الأحيان، تقول أنها ما تزال تبحث عن «حب العمر». وتعبيرها فعلاً دقيق، فهي لا تبحث في الحقيقة عن حب رجل ملائم لتعيش معه، هذا آخر همها في الواقع. هي تبحث فقط عن مظاهر «الحب» الرومنسية، أما المحبوب في حد ذاته كشخص، فهو مجرد تفصيلٌ ثانوي. الحب بالنسبة لها هو مجرد سلعة استهلاكية كغيرها من السلع، وهذا ما يتوافق تماماً مع روح العصر. ولا تستيقظ عادةً من أوهام المراهقات هذه إلا بعد أن يصفعها الواقع إذا لم تكن قد أنجبت ليذكرها بأن عمرها كأنثى أقصر مما كانت تتوقع وهي صبية مزهوة بملاحقة الشباب لها، فينقلب أحياناً لديها ذلك التعلق بالحب إلى نوعٍ من الحقد على الرجال الذين لم يحققوا حلمها.
ولأن الناس أدخلوا بدعة على الزواج ربما لم يعرفها البشر أبداً طيلة وجودهم على الأرض، وجعلوا المعيار الوحيد للزواج هو الحب الذي تسقط أمامه كل الحصون كما يقولون، وكل الحدود والثقافات والأديان والمعتقدات، فليس من الغريب أن تحدث انحرافات باسم هذا الحب عن الشكل الطبيعي للزواج وهو «رجل وامرأة» لتدفعه أكثر نحو الهاوية وتجعله مؤسسةً سخيفة من خلال زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وتجعل من ذلك مألوفاً لدى الناس التي أصبحت تعتقد أن المعيار الوحيد في الزواج هو وجود «الحب».
ما كان أبداً ليخطر في بال إنسان قبل عقود قليلة فقط فكرة زواج الشواذ جنسياً لولا معيارية الحب المعاصرة. مثلما لا يخطر على بال أغلب الناس الأن أن الليبرالية ستستعمل مرة اخرى «الحب» لتشريع زواج الأخ من أخته والأم من ابنها، سيقال كالعادة: ما دام الحب موجوداً، ولا يعتدون على أحد، فمن أنتم لتحكموا عليهم، يا من لا تدركون معنى الحب والموسيقى؟
وباسم الحب أيضاً سيشرع «الزواج الجماعي» لدى من حارب التعدد لزمنٍ طويل، زواج جماعي سيضم كل الاحتمالات الممكن تخيلها (موضوع مطروح فعلاً للنقاش في أوروبا وأعتمد رسمياً في الأرجنتين). سيقولون: ثلاث نساء ورجلين أحبوا بعضهم البعض فتزوجوا، من أنتم لتحكموا عليهم يا أعداء الإنسانية؟.
هل هذا يعني أنه لا ينبغي أن يوجد حب مع الزواج؟ أبداً ليس هذا هو القصد. لكن فقط لا ينبغي أن يكون هو الهدف من الزواج فيهدد بذلك وجود مؤسسة اجتماعية هي أحد أهم أسباب ظهور وبقاء الحضارة البشرية. ففي الأصل أوجد البشر مواثيق الزواج لإجبار الرجل على تحمل مسؤولية ما تنسب المرأة إليه من أولاد لتكوين أسرة مستقرة فيها أب وأم يكون دورهما الرئيسي فيها هو توفير أحسن ما يمكنهما توفيره لرعاية الأطفال، وليس من أجل إظهار حجم المحبة بين الأميرة والوحش للناس، ولا هو معيار لمدى محبة العاشق المجنون لمعشوقته. لكن إذا وجد حب حقيقي للشخص وليس لفكرة الحب، فلما لا؟ وكما يقال «من الأحسن أن تكون غني ومعافى على أن تكون فقير ومريض».
من العادي جداً في زممنا أن تسمع مثلاً سيدة تجاوزت الـ 35 سنة من عمرها، عاشت عدة علاقات غرامية (طبعاً، كل واحدة منها كانت هي حب العمر) وربما عدة زيجات وعدة أطفال في بعض الأحيان، تقول أنها ما تزال تبحث عن «حب العمر». وتعبيرها فعلاً دقيق، فهي لا تبحث في الحقيقة عن حب رجل ملائم لتعيش معه، هذا آخر همها في الواقع. هي تبحث فقط عن مظاهر «الحب» الرومنسية، أما المحبوب في حد ذاته كشخص، فهو مجرد تفصيلٌ ثانوي. الحب بالنسبة لها هو مجرد سلعة استهلاكية كغيرها من السلع، وهذا ما يتوافق تماماً مع روح العصر. ولا تستيقظ عادةً من أوهام المراهقات هذه إلا بعد أن يصفعها الواقع إذا لم تكن قد أنجبت ليذكرها بأن عمرها كأنثى أقصر مما كانت تتوقع وهي صبية مزهوة بملاحقة الشباب لها، فينقلب أحياناً لديها ذلك التعلق بالحب إلى نوعٍ من الحقد على الرجال الذين لم يحققوا حلمها.
ولأن الناس أدخلوا بدعة على الزواج ربما لم يعرفها البشر أبداً طيلة وجودهم على الأرض، وجعلوا المعيار الوحيد للزواج هو الحب الذي تسقط أمامه كل الحصون كما يقولون، وكل الحدود والثقافات والأديان والمعتقدات، فليس من الغريب أن تحدث انحرافات باسم هذا الحب عن الشكل الطبيعي للزواج وهو «رجل وامرأة» لتدفعه أكثر نحو الهاوية وتجعله مؤسسةً سخيفة من خلال زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وتجعل من ذلك مألوفاً لدى الناس التي أصبحت تعتقد أن المعيار الوحيد في الزواج هو وجود «الحب».
ما كان أبداً ليخطر في بال إنسان قبل عقود قليلة فقط فكرة زواج الشواذ جنسياً لولا معيارية الحب المعاصرة. مثلما لا يخطر على بال أغلب الناس الأن أن الليبرالية ستستعمل مرة اخرى «الحب» لتشريع زواج الأخ من أخته والأم من ابنها، سيقال كالعادة: ما دام الحب موجوداً، ولا يعتدون على أحد، فمن أنتم لتحكموا عليهم، يا من لا تدركون معنى الحب والموسيقى؟
وباسم الحب أيضاً سيشرع «الزواج الجماعي» لدى من حارب التعدد لزمنٍ طويل، زواج جماعي سيضم كل الاحتمالات الممكن تخيلها (موضوع مطروح فعلاً للنقاش في أوروبا وأعتمد رسمياً في الأرجنتين). سيقولون: ثلاث نساء ورجلين أحبوا بعضهم البعض فتزوجوا، من أنتم لتحكموا عليهم يا أعداء الإنسانية؟.
هل هذا يعني أنه لا ينبغي أن يوجد حب مع الزواج؟ أبداً ليس هذا هو القصد. لكن فقط لا ينبغي أن يكون هو الهدف من الزواج فيهدد بذلك وجود مؤسسة اجتماعية هي أحد أهم أسباب ظهور وبقاء الحضارة البشرية. ففي الأصل أوجد البشر مواثيق الزواج لإجبار الرجل على تحمل مسؤولية ما تنسب المرأة إليه من أولاد لتكوين أسرة مستقرة فيها أب وأم يكون دورهما الرئيسي فيها هو توفير أحسن ما يمكنهما توفيره لرعاية الأطفال، وليس من أجل إظهار حجم المحبة بين الأميرة والوحش للناس، ولا هو معيار لمدى محبة العاشق المجنون لمعشوقته. لكن إذا وجد حب حقيقي للشخص وليس لفكرة الحب، فلما لا؟ وكما يقال «من الأحسن أن تكون غني ومعافى على أن تكون فقير ومريض».
💯4❤3👍1
أيديولوجيا الضحية (1): مثلث الدراما والسلطة المطلقة
"مثلث الدراما" أو ما يعرف أيضًا بـ "مثلث كاربمن"، هو مثلث يشكل نموذج اجتماعي لعلاقة الصراع بين الأشخاص على السلطة، هذا النموذج يتضمن ثلاثة أطراف قد تكون حقيقية أو مزيفة هي: الجلاد، الضحية، المنقذ.
- الضحية: لديها شعور دائم بالمظلومية وتنشد الانتقام، عاجزة وغير قادرة على اتخاذ القرارات، لا تتحمل مسؤولياتها وتُحمل الآخرين فشلها، مدمنة على تسليط الضوء عليها ومستعدة لفعل أي شيء لجذب انتباه «المنقذ». مع الرغبة القوية للانتقام يمكن أن يتغير موقعها مع الزمن إلى «الجلاد».
المنقذ: يشعر بتأنيب الضمير نحو «الضحية» ويشعر بواجب إنقاذها، في حالة بحث دائم عن «ضحية» لينقذها ويتدخل في كل شيء. كل همه إيجاد ما يمكن إصلاحه لكنه لا يرى مشاكله، قد يتحول مع الزمن إلى «جلاد» إذا لم يتلقى العرفان الذي يعتقد أنه يستحقه.
الجلاد: سادي، غاضب، مستبد، لا يتقبل رأي غير رأيه. يعتقد أن «الضحية» هي سبب ما هي فيه وأن الخطأ خطأها لوحدها. مع الزمن إذا أحس بتأنيب الضمير قد ينتقل إلى موقع «المنقذ» ويبالغ في جلد الذات.
السلطة المطلقة: تعني الحصانة الكاملة من الانتقاد والمحاسبة ولا يمكنك تحقيق ذلك إلا في حالتين: إما الوقوف في زاوية مظلمة بحيث تكون خارج مجال رؤية الجمهور أو تكون ضمن مجال رؤية الجمهور لكن ينبغي عليك تعطيل قدرته على الإحساس بالريبة والخطر إتجاهك، لتضمن هذا الآخير عليك بأحد الموقعين في مثلث كاربمن، إما موقع «المنقذ» وهو موقع ليس من السهل الوصول إليه فهو أصلاً يتطلب امتلاك قدر من السلطة والقوة، أو عليك بأخذ موقع «الضحية» فهو الموقع الذي يعطي صاحبه حصانة مطلقة غير قابلة للجدال مع رضا كامل للجمهور الذي يعتبرها ضعيفة ومضطهدة وبالتالي لا معنى للخوف أو الريبة اتجاهها (ا لـ يهو د في الغرب مثال أو الأقليات بشكل عام).
لكن يستحيل على الضحية جعل هذه السلطة واقعاً بدون وجود بقية أطراف «مثلث الدراما». طرف يتحمل دور «الجلاد» تتم شيطنته، وطرف يلعب دور «المنقذ» يقوم بفرض سلطة «الضحية» وفرض سلطته من خلالها.
"مثلث الدراما" أو ما يعرف أيضًا بـ "مثلث كاربمن"، هو مثلث يشكل نموذج اجتماعي لعلاقة الصراع بين الأشخاص على السلطة، هذا النموذج يتضمن ثلاثة أطراف قد تكون حقيقية أو مزيفة هي: الجلاد، الضحية، المنقذ.
- الضحية: لديها شعور دائم بالمظلومية وتنشد الانتقام، عاجزة وغير قادرة على اتخاذ القرارات، لا تتحمل مسؤولياتها وتُحمل الآخرين فشلها، مدمنة على تسليط الضوء عليها ومستعدة لفعل أي شيء لجذب انتباه «المنقذ». مع الرغبة القوية للانتقام يمكن أن يتغير موقعها مع الزمن إلى «الجلاد».
المنقذ: يشعر بتأنيب الضمير نحو «الضحية» ويشعر بواجب إنقاذها، في حالة بحث دائم عن «ضحية» لينقذها ويتدخل في كل شيء. كل همه إيجاد ما يمكن إصلاحه لكنه لا يرى مشاكله، قد يتحول مع الزمن إلى «جلاد» إذا لم يتلقى العرفان الذي يعتقد أنه يستحقه.
الجلاد: سادي، غاضب، مستبد، لا يتقبل رأي غير رأيه. يعتقد أن «الضحية» هي سبب ما هي فيه وأن الخطأ خطأها لوحدها. مع الزمن إذا أحس بتأنيب الضمير قد ينتقل إلى موقع «المنقذ» ويبالغ في جلد الذات.
السلطة المطلقة: تعني الحصانة الكاملة من الانتقاد والمحاسبة ولا يمكنك تحقيق ذلك إلا في حالتين: إما الوقوف في زاوية مظلمة بحيث تكون خارج مجال رؤية الجمهور أو تكون ضمن مجال رؤية الجمهور لكن ينبغي عليك تعطيل قدرته على الإحساس بالريبة والخطر إتجاهك، لتضمن هذا الآخير عليك بأحد الموقعين في مثلث كاربمن، إما موقع «المنقذ» وهو موقع ليس من السهل الوصول إليه فهو أصلاً يتطلب امتلاك قدر من السلطة والقوة، أو عليك بأخذ موقع «الضحية» فهو الموقع الذي يعطي صاحبه حصانة مطلقة غير قابلة للجدال مع رضا كامل للجمهور الذي يعتبرها ضعيفة ومضطهدة وبالتالي لا معنى للخوف أو الريبة اتجاهها (ا لـ يهو د في الغرب مثال أو الأقليات بشكل عام).
لكن يستحيل على الضحية جعل هذه السلطة واقعاً بدون وجود بقية أطراف «مثلث الدراما». طرف يتحمل دور «الجلاد» تتم شيطنته، وطرف يلعب دور «المنقذ» يقوم بفرض سلطة «الضحية» وفرض سلطته من خلالها.
🔥4❤1