ترجمة لجزء من نص للفيلسوف والثيولوجي الفرنسي Paul Valadier يساعدنا على فهم جذور النزعة الإنسانوية التي أدت بدورها إلى ظهور الإلحاد المؤدلج وعلاقة ذلك بالمسيحية ضمن السياق النتشوي.
____________________________________
نيتشه، الذي عرف الإنسان على أنه "صانع ألهة" هو قبل شيء ناقد للوثنية التي قد تأخذ عدة أشكال أخرى غير الدين. المسيحية حسب نيتشه هي المسبب الأصلي «لإنتحارها» والناتج عن التناقض الذي وقع بين الاخلاق المستقيمة والدوغما.
نهاية المسيحية ليست في حد ذاتها إذَنّ خبراً سعيداً ولا خبراً مطمئناً. لكن؛ درس نيتشه هو أن المستقبل في جوهره مازال مفتوحاً بما في ذلك "إحياء الإله".
هل من الممكن أن يكون لفكر نيشته أي فائدة لدى من يتسائل عن مستقبل الدين في بداية هذه الألفية الثالثة؟ إذا اختزلنا نيتشه في الفولغاتا التي نخلطها بفلسفته الدينية، وهي موت الإله وبروز إنسان حر ومستقل أخيراً، منفك عن المعتقدات الطفولية والمخدِرة، فسيكون من الخطأ التوقف عند فكره. نرى جيداً استمرار وجود الأديان حتى تحت أشكال مقلقة وخطيرة؛ نعلم أيضاً إلى أي مدى هي أسطورة الإنسان البالغ والمتحرر أخيراً من الأوهام قد تبخرت حتى لا نتوقف كثيراً عند مثل هذه النبوءات الكاذبة. لهذا إذا كان نيتشه يثير اهتمامنا، بمعنى يساعدنا كفيلسوف على التفكير في وضعنا الديني الأصلي، فـ لأن فكره لا يتناسب مع هذه التصورات المبتذلة حتى وإن اختزله بعض القراء المتعجلين والمهتمين بتلك التصورات الهزيلة، بما في ذلك ثيولوجيون مسيحيون.
يجب التأكيد فوراً بأن نيتشه لم يتوقف كثيراً عند مستقبل الدين في حد ذاته، إذا قصدنا بذلك حديثه عن الدين بشكل عام، أو التشكيك في مزاعم شعور ديني لإظهار ابتذاله، لم يقدم فلسفة تتنبىٔ بمستقبل الدين في حد ذاته. كما يجب أن نؤكد أيضاً على أنه لم يشكك فعلاً في حيوية ودوام الشعور الديني لدى الإنسان الذي عرفه بوصفه «صانع ألهة» وصاحب مقدرة خصبة ولا تنضب في ابتكار الأوثان، إلى درجة أنه أكد في مقدمة كتابه «غسق الأوثان» على ذلك بقوله "هناك في العالم أوثان أكثر من الحقائق". صيغة تعبر عن إلى أي مدى هو صنع الأوثان خاصية بشرية وصيغة معبرة أيضاً عن ما تريد أن تنبهنا إليه: كم من ديانات تلاشت وضعفت، وبالأخص المسيحية، ورغم ذلك لم تمنع الإنسان من أن يكون مدفوعًا بـ «الرغبة في الإيمان» بمعنى حاجته للخضوع إلى أوثان، إلى يقين لا يتزعزع، إلى دعائم يرتكز عليها لتحمُل ودعم وجوده. من الواضح بالنسبة لنيتشه بأن العالم الحديث مليء بهكذا أوثان تحمل إسم «التقدمية»، «العلموية»، «نشر السعادة من أجل الجميع»، «الاشتراكية» أو «حقوق الإنسان»، بل وحتى «الإلحاد» الذي إذا صدقنا «جنيالوجيا الأخلاق» فهو ليس إلا التأويل الأكثر مكراً والأكثر تخفياً للرغبة في الحقيقة بأي ثمن، وبالتالي الرغبة في الايمان.
من هنا يمكن للدين أن يبقى على قيد الحياة رغم انحصار سيطرته المؤسساتية والدوغمائية والاخلاقية على الأنفس، تحت شكل وثنية معاصرة تحمل في جوهرها حسب نيتشه نفس خصائص الديانات القديمة، لكن مع إضافة وهم التحرر من الدين. ديانة من غير ديانة، إيمان بدون قناع ديني، هنا يقع «القادم متأخراً» أو «الإنسان الأعلى» الذي يعتقد أنه أذكى من البشر في الماضي، في فخاخ سيكون من الصعب عليه تجنبها.
لذلك من الضروري أن نقف قليلاً عند مصير الدين في العصر الحديث، وبالتحديد عند مصير المسيحية. أكد نيتشه كثيراً على كونه يتحدث انطلاقاً من ذاته وتجربته الحية والمؤلمة أثناء نشأته ومن مرضه ومصيره الذاتي، يتحدث في الأساس عن المسيحية، المسيحية التاريخية التي بالتأكيد شكلت أوروبا، وبالتحديد حركة التقوية اللوثرية التي صاغت شخصيته إلى الأفضل والأسوء. الحديث عن الدين، هو إذن بالنسبة لنيتشه حديث عن المسيحية بشكل أساسي، كذلك هي الأطروحات التي سأقدمها في هذه المداخلة.
نحن على «فراش موت المسيحية» على حد تعبير الأفوريزم 92 من كتابه «الفجر»؛ لكن هذا «الانتحار» لا ينبئ بخير، وسيفرز اضطرابات لا حصر لها ستسرع من خسارة البشرية؛ لأن في موت المسيحية يكمن مصير العدمية، وبالتالي لا ضمان أبداً لحكم الحقيقة والحرية والإنسان الذي سيكون أخيراً نفسه؛ ولهذا يجب أن نقف عند سؤال كيف سيكون شكل بنية الدين في المستقبل؟
إذا ضرب الموت المسيحية، فلا ينبغي حسب نيتشه أن نبحث عن السبب خارج المسيحية نفسها. الأمر الذي خالف فيه تيار العقلانية الذي ساد قرنه، وحتى فلسفة الأنوار التي أُعجب بها خلال حقبة «إنسان مفرط في إنسانيته»، لم يرى بأن الدين سيتراجع أمام عقلانية لا تتعدى كونها عشيقة نفسها، ولا أمام "تقدم" العلوم.
____________________________________
نيتشه، الذي عرف الإنسان على أنه "صانع ألهة" هو قبل شيء ناقد للوثنية التي قد تأخذ عدة أشكال أخرى غير الدين. المسيحية حسب نيتشه هي المسبب الأصلي «لإنتحارها» والناتج عن التناقض الذي وقع بين الاخلاق المستقيمة والدوغما.
نهاية المسيحية ليست في حد ذاتها إذَنّ خبراً سعيداً ولا خبراً مطمئناً. لكن؛ درس نيتشه هو أن المستقبل في جوهره مازال مفتوحاً بما في ذلك "إحياء الإله".
هل من الممكن أن يكون لفكر نيشته أي فائدة لدى من يتسائل عن مستقبل الدين في بداية هذه الألفية الثالثة؟ إذا اختزلنا نيتشه في الفولغاتا التي نخلطها بفلسفته الدينية، وهي موت الإله وبروز إنسان حر ومستقل أخيراً، منفك عن المعتقدات الطفولية والمخدِرة، فسيكون من الخطأ التوقف عند فكره. نرى جيداً استمرار وجود الأديان حتى تحت أشكال مقلقة وخطيرة؛ نعلم أيضاً إلى أي مدى هي أسطورة الإنسان البالغ والمتحرر أخيراً من الأوهام قد تبخرت حتى لا نتوقف كثيراً عند مثل هذه النبوءات الكاذبة. لهذا إذا كان نيتشه يثير اهتمامنا، بمعنى يساعدنا كفيلسوف على التفكير في وضعنا الديني الأصلي، فـ لأن فكره لا يتناسب مع هذه التصورات المبتذلة حتى وإن اختزله بعض القراء المتعجلين والمهتمين بتلك التصورات الهزيلة، بما في ذلك ثيولوجيون مسيحيون.
يجب التأكيد فوراً بأن نيتشه لم يتوقف كثيراً عند مستقبل الدين في حد ذاته، إذا قصدنا بذلك حديثه عن الدين بشكل عام، أو التشكيك في مزاعم شعور ديني لإظهار ابتذاله، لم يقدم فلسفة تتنبىٔ بمستقبل الدين في حد ذاته. كما يجب أن نؤكد أيضاً على أنه لم يشكك فعلاً في حيوية ودوام الشعور الديني لدى الإنسان الذي عرفه بوصفه «صانع ألهة» وصاحب مقدرة خصبة ولا تنضب في ابتكار الأوثان، إلى درجة أنه أكد في مقدمة كتابه «غسق الأوثان» على ذلك بقوله "هناك في العالم أوثان أكثر من الحقائق". صيغة تعبر عن إلى أي مدى هو صنع الأوثان خاصية بشرية وصيغة معبرة أيضاً عن ما تريد أن تنبهنا إليه: كم من ديانات تلاشت وضعفت، وبالأخص المسيحية، ورغم ذلك لم تمنع الإنسان من أن يكون مدفوعًا بـ «الرغبة في الإيمان» بمعنى حاجته للخضوع إلى أوثان، إلى يقين لا يتزعزع، إلى دعائم يرتكز عليها لتحمُل ودعم وجوده. من الواضح بالنسبة لنيتشه بأن العالم الحديث مليء بهكذا أوثان تحمل إسم «التقدمية»، «العلموية»، «نشر السعادة من أجل الجميع»، «الاشتراكية» أو «حقوق الإنسان»، بل وحتى «الإلحاد» الذي إذا صدقنا «جنيالوجيا الأخلاق» فهو ليس إلا التأويل الأكثر مكراً والأكثر تخفياً للرغبة في الحقيقة بأي ثمن، وبالتالي الرغبة في الايمان.
من هنا يمكن للدين أن يبقى على قيد الحياة رغم انحصار سيطرته المؤسساتية والدوغمائية والاخلاقية على الأنفس، تحت شكل وثنية معاصرة تحمل في جوهرها حسب نيتشه نفس خصائص الديانات القديمة، لكن مع إضافة وهم التحرر من الدين. ديانة من غير ديانة، إيمان بدون قناع ديني، هنا يقع «القادم متأخراً» أو «الإنسان الأعلى» الذي يعتقد أنه أذكى من البشر في الماضي، في فخاخ سيكون من الصعب عليه تجنبها.
لذلك من الضروري أن نقف قليلاً عند مصير الدين في العصر الحديث، وبالتحديد عند مصير المسيحية. أكد نيتشه كثيراً على كونه يتحدث انطلاقاً من ذاته وتجربته الحية والمؤلمة أثناء نشأته ومن مرضه ومصيره الذاتي، يتحدث في الأساس عن المسيحية، المسيحية التاريخية التي بالتأكيد شكلت أوروبا، وبالتحديد حركة التقوية اللوثرية التي صاغت شخصيته إلى الأفضل والأسوء. الحديث عن الدين، هو إذن بالنسبة لنيتشه حديث عن المسيحية بشكل أساسي، كذلك هي الأطروحات التي سأقدمها في هذه المداخلة.
نحن على «فراش موت المسيحية» على حد تعبير الأفوريزم 92 من كتابه «الفجر»؛ لكن هذا «الانتحار» لا ينبئ بخير، وسيفرز اضطرابات لا حصر لها ستسرع من خسارة البشرية؛ لأن في موت المسيحية يكمن مصير العدمية، وبالتالي لا ضمان أبداً لحكم الحقيقة والحرية والإنسان الذي سيكون أخيراً نفسه؛ ولهذا يجب أن نقف عند سؤال كيف سيكون شكل بنية الدين في المستقبل؟
إذا ضرب الموت المسيحية، فلا ينبغي حسب نيتشه أن نبحث عن السبب خارج المسيحية نفسها. الأمر الذي خالف فيه تيار العقلانية الذي ساد قرنه، وحتى فلسفة الأنوار التي أُعجب بها خلال حقبة «إنسان مفرط في إنسانيته»، لم يرى بأن الدين سيتراجع أمام عقلانية لا تتعدى كونها عشيقة نفسها، ولا أمام "تقدم" العلوم.
❤2👏1
بل هو يؤكد في الأفوريزم 300 في «العلم المرح» بأن الديانات هي من قدمت الدافع الحاسم نحو التعطش للمعرفة الذي ولدت منه العلوم، لأنها هي من جعلت الإنسان ينفتح نحو أبعاد أوسع من البعد المألوف للعالم المحسوس، وحفزته للشعور «بجوع ذاته وبعطشها، وأن يجد الشبع والارتواء»، وفي نفس النص استشهد بشكل معبر جداً بـ «بروميثيوس» بوصفه من خصائص ذلك الوهم الديني بإمتياز «وقد سرق النور»، قبل أن يكتشف أن هذه الرغبة في النور هي «من صنع يديه». لكن يبقى أصل الدافع نحو المعرفة في البداية هو الدين. بشكلٍ أعم، إذا لم تكن هناك أي «حقيقة» في الأديان، حسب الأفوريزم 110 في كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته»، فإن للدين أهميته، بل ضروري للإنسان لما يقدمه له من قوة للعيش؛ وبالتالي لا يمكن أن نضعه بجانب الأوهام التي كلها شر، ولا أيضاً بجانب الأخطاء التي يمكن تجاوزها بسهولة. إذا كان الدين يعطي الإنسان قوة العيش ثم هذا الدين تلاشى، فمن أين سنجد هذه القوة للعيش؟ هل من الممكن حتى أن يجدها الإنسان المعاصر بسهولة؟
أصالة النقد النيتشوي للمسيحية ترجع إلى اعتبار نيتشه المسيحية ديانة تفاعلية في جوهرها، بمعنى غير مستقرة ومتناقضة. مبنية على تناقضات لا يمكن إلا أن تنهار على المدى الطويل، وقد حان ذلك وقت. إذ اقتفينا أثر التحليلات للأفوريزم 357 من «العلم المرح» (ويمكن أن نرتكز على نصوص أخرى تقودنا إلى مقاربات ذات اختلافات ملحوظة، لكنها متسقة من حيث الجوهر مع هذا النص) سنقول: بأن موت المسيحية سببه التناقض الحاصل داخلها بين الأخلاق والدوغما. المؤمن ينشأ في الحقيقة على مراجعة ضميره ليوافق دقة تحليل أفعاله إلى غاية أدنى حركات روحه بالنسبة للإرادة الإلهية. من زاوية النظر هذه جاءت المسيحية بفكرة الإصرار على الذاتية وهو ما كان مجهولاً لدى الإغريق، إصرار جعل اي عودة إلى الإغريق مستحيلة، بما أننا نعجز حتى على فهم عالمهم الأخلاقي والديني. لكن هذه التنشئة التي أخذت قرون من الزمن، عظمت من صدق المفكر المؤمن، وبشكل أعم الاوروبي الذي شكله كرسي الاعتراف وتوجيه الوعي. جاء اليوم الذي انقلبت فيه هذه النزاهة الفكرية على النظام العقدي؛ هذا الأخير أصبح غير قابل للتصديق (الإيمان بعناية إلهية تقود التاريخ، بطيبة إلهٍ يدفع بكل شيء نحو الأفضل، وبالتالي فكرة «نهاية أخلاقية للنظام الكوني»، الإيمان بالفداء الذبيحي من قبل المسيح ...إلخ). ما يتعارض إذن مع المسيحية، هي ليست فعلاً حججنا بقدر ما هي أذواقنا: لم نعد قادرين «نحن الأوروبيين ورثة هذه الإرادة الأكثر ديمومةً والأكثر شجاعةً التي أظهرتها اوروبا» على دخول النظام العقدي الذي تطرحه المسيحية. هذا النظام بوصفه مربٍّ ارتهننا لذاته ثم انهار من الداخل من خلال تآكلٍ بطيء من مظاهره الاصلاح اللوثري على سبيل المثال، لقد كانت لحظةً أساسية وبالخصوص تفاعلية (أعتقد لوثر أنه سيعيد الحيوية الأولى للإيمان، لكنه ساهم في الحقيقة في خرابه بنزع القدسية عن القس والكتاب المقدس).
يمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن المسيحية بالغت في تقدير الإنسان، وضعته في المركز، جعلته يؤمن بأن له قيمة لا حدود لها عند الرب إلى درجة أنه كان لزاماً على الرب أن يقبل بالتضحية بابنه من أجل خلاصه (حسب نسخة بولس للمسيحية التي انتقدها نيتشه بشكل خاص). من المهم جداً أن ننتبه هنا إلى التهمة المركزية، في أغلب الأحيان مجهولة لدى المفسرين، وبالأخص الثيولوجيين المسيحيين: هي موجهة ضد «مركزية الإنسان» anthropocentrism التي في المسيحية، ضد هذه الغطرسة المتعاظمة في الإنسان التي جعلته يعتقد أنه أهم مما هو عليه في الواقع، بما أنه حسب المبادئ الأساسية في المسيحية، الرب نظر نحوه وهو قلق بشأن خلاصه- مركزية إنسان جديرة بالسخرية- بما أن الإنسان ليس سوى نملة تائهة في هذا الكون الواسع، لم يتوقف نيتشه عن تكرار ذلك في نصوصٍ مبهرة من حيث شدة تشكيكها في غرور الإنسان المفرط في إنسانيته. المسيحية هي -حسب نيتشه- من أعطت مكانة مفرطة للانسان، أخرجت الوجود عن توازنه وبالتالي أعطته أهمية أكثر مما لديه في الواقع. هكذا «اعتزاز بالذات» ستكون نتيجته اندفاع نحو أخلاق زهدية مثيرة للشفقة، بما أن المسيحي عليه أن يكون في مستوى سقف تطلعات عالية ويلغي من حياته كل تعلق عاطفي لا يليق به. لكن لديه نتيجة أخرى على المدى الطويل بجعل الإنسان يدرك قيمته الفريدة. وكـ ارتداد لذلك يكتشف أن الرب المسيحي، الطيب والرحيم جداً لديه صفات مفرطة في الإنسانية، وأنه الحالة المثالية للإنسان التي تحت غطاءها يؤكد الإنسان نفسه ويعطيها قيمتها؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الرب God إلا كربٍّ مثير للشفقة، وليس كإله Divine. هذا المنطق الذاتي التدمير هو من أفرز الالحاد المعاصر، إذن الإله المسيحي هو من دفعته رخاوته، تناقضه وضعفه نحو موته. من هنا يكون الإلحاد نتاج المسيحية نفسها، مخرجاً بذلك إلى العلن جوهرها المدمر والعدمي.
_____________________
أصالة النقد النيتشوي للمسيحية ترجع إلى اعتبار نيتشه المسيحية ديانة تفاعلية في جوهرها، بمعنى غير مستقرة ومتناقضة. مبنية على تناقضات لا يمكن إلا أن تنهار على المدى الطويل، وقد حان ذلك وقت. إذ اقتفينا أثر التحليلات للأفوريزم 357 من «العلم المرح» (ويمكن أن نرتكز على نصوص أخرى تقودنا إلى مقاربات ذات اختلافات ملحوظة، لكنها متسقة من حيث الجوهر مع هذا النص) سنقول: بأن موت المسيحية سببه التناقض الحاصل داخلها بين الأخلاق والدوغما. المؤمن ينشأ في الحقيقة على مراجعة ضميره ليوافق دقة تحليل أفعاله إلى غاية أدنى حركات روحه بالنسبة للإرادة الإلهية. من زاوية النظر هذه جاءت المسيحية بفكرة الإصرار على الذاتية وهو ما كان مجهولاً لدى الإغريق، إصرار جعل اي عودة إلى الإغريق مستحيلة، بما أننا نعجز حتى على فهم عالمهم الأخلاقي والديني. لكن هذه التنشئة التي أخذت قرون من الزمن، عظمت من صدق المفكر المؤمن، وبشكل أعم الاوروبي الذي شكله كرسي الاعتراف وتوجيه الوعي. جاء اليوم الذي انقلبت فيه هذه النزاهة الفكرية على النظام العقدي؛ هذا الأخير أصبح غير قابل للتصديق (الإيمان بعناية إلهية تقود التاريخ، بطيبة إلهٍ يدفع بكل شيء نحو الأفضل، وبالتالي فكرة «نهاية أخلاقية للنظام الكوني»، الإيمان بالفداء الذبيحي من قبل المسيح ...إلخ). ما يتعارض إذن مع المسيحية، هي ليست فعلاً حججنا بقدر ما هي أذواقنا: لم نعد قادرين «نحن الأوروبيين ورثة هذه الإرادة الأكثر ديمومةً والأكثر شجاعةً التي أظهرتها اوروبا» على دخول النظام العقدي الذي تطرحه المسيحية. هذا النظام بوصفه مربٍّ ارتهننا لذاته ثم انهار من الداخل من خلال تآكلٍ بطيء من مظاهره الاصلاح اللوثري على سبيل المثال، لقد كانت لحظةً أساسية وبالخصوص تفاعلية (أعتقد لوثر أنه سيعيد الحيوية الأولى للإيمان، لكنه ساهم في الحقيقة في خرابه بنزع القدسية عن القس والكتاب المقدس).
يمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن المسيحية بالغت في تقدير الإنسان، وضعته في المركز، جعلته يؤمن بأن له قيمة لا حدود لها عند الرب إلى درجة أنه كان لزاماً على الرب أن يقبل بالتضحية بابنه من أجل خلاصه (حسب نسخة بولس للمسيحية التي انتقدها نيتشه بشكل خاص). من المهم جداً أن ننتبه هنا إلى التهمة المركزية، في أغلب الأحيان مجهولة لدى المفسرين، وبالأخص الثيولوجيين المسيحيين: هي موجهة ضد «مركزية الإنسان» anthropocentrism التي في المسيحية، ضد هذه الغطرسة المتعاظمة في الإنسان التي جعلته يعتقد أنه أهم مما هو عليه في الواقع، بما أنه حسب المبادئ الأساسية في المسيحية، الرب نظر نحوه وهو قلق بشأن خلاصه- مركزية إنسان جديرة بالسخرية- بما أن الإنسان ليس سوى نملة تائهة في هذا الكون الواسع، لم يتوقف نيتشه عن تكرار ذلك في نصوصٍ مبهرة من حيث شدة تشكيكها في غرور الإنسان المفرط في إنسانيته. المسيحية هي -حسب نيتشه- من أعطت مكانة مفرطة للانسان، أخرجت الوجود عن توازنه وبالتالي أعطته أهمية أكثر مما لديه في الواقع. هكذا «اعتزاز بالذات» ستكون نتيجته اندفاع نحو أخلاق زهدية مثيرة للشفقة، بما أن المسيحي عليه أن يكون في مستوى سقف تطلعات عالية ويلغي من حياته كل تعلق عاطفي لا يليق به. لكن لديه نتيجة أخرى على المدى الطويل بجعل الإنسان يدرك قيمته الفريدة. وكـ ارتداد لذلك يكتشف أن الرب المسيحي، الطيب والرحيم جداً لديه صفات مفرطة في الإنسانية، وأنه الحالة المثالية للإنسان التي تحت غطاءها يؤكد الإنسان نفسه ويعطيها قيمتها؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الرب God إلا كربٍّ مثير للشفقة، وليس كإله Divine. هذا المنطق الذاتي التدمير هو من أفرز الالحاد المعاصر، إذن الإله المسيحي هو من دفعته رخاوته، تناقضه وضعفه نحو موته. من هنا يكون الإلحاد نتاج المسيحية نفسها، مخرجاً بذلك إلى العلن جوهرها المدمر والعدمي.
_____________________
👏3❤1
« الإلحاد هو الانتصار الكبير للمسيحية، لأن المسيحية لم تعد بحاجة لإله لتفرض نفسها كإيديولوجية أخلاقية»
Peter Sjostedt-H
«يصبح الإنسان ملحداً عندما يعتقد أنه أفضل من إلهه»
~ بيير جوزيف برودون ـ فيلسوف آناركي
«فقط مسيحي حقيقي يمكنه أن يكون ملحداً جيداً، فقط ملحد حقيقي يمكنه أن يكون مسيحياً جيداً»
~ إرنست بلوخ ~ فيلسوف ماركسي
«الله مصدر إزعاج الإنسان الحديث. الكثيرون يحبّون "الإنسانية"، فقط من أجل أن ينسوا الله بضميرٍ مرتاح»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
Peter Sjostedt-H
«يصبح الإنسان ملحداً عندما يعتقد أنه أفضل من إلهه»
~ بيير جوزيف برودون ـ فيلسوف آناركي
«فقط مسيحي حقيقي يمكنه أن يكون ملحداً جيداً، فقط ملحد حقيقي يمكنه أن يكون مسيحياً جيداً»
~ إرنست بلوخ ~ فيلسوف ماركسي
«الله مصدر إزعاج الإنسان الحديث. الكثيرون يحبّون "الإنسانية"، فقط من أجل أن ينسوا الله بضميرٍ مرتاح»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
👏2❤1💯1
التحرش والإغراء الجنسي:
ما هو التحرش؟
التحرش (المعاكسة) هو استخدام ألفاظ معينة (لا يجب الخلط بين التحرش والإعتداء الجنسي) من أجل التقرب من الجنس الآخر ولفت إنتباهه على أمل إقامة علاقة جنسية معه في النهاية، وينسب عادةً هذا الأسلوب في التحرش «السمعي» للذكر حصراً، باعتبار أنه تعريف للتحرش من وجهة نظر «أنثوية» فقط، مبني على أساس أن الأنثى تُستثار جنسياً بشكل أساسي عن طريق السمع، لهذا برع الرجل لوحده ودائماً في نظم الغزل ونسج الكلام المعسول والرومنسي.
ما هو إذن أسلوب الأنثى للتقرب من الجنس الآخر للوصول للجنس في النهاية؟
الأنثى تعتمد على استهداف حاسة البصر لدى الذكر، أي عن طريق الإغراء الجسدي وإظهار تفاصيل الجسد والإيحاءات الجنسية، باعتبار أن الذكر يُستثار جنسياً بشكل أساسي «بصرياً»، لهذا كانت وما تزال المرأة تهتم دائماً بمظهرها وزينتها ومكياجها، كما برعت دائماً في استعمال جسدها قصد الإغراء من خلال الرقص.
وعلى عكس التحرش الذكري الذي يستهدف أنثى بعينها، فإن الإغراء الأنثوي قد يستهدف ذكراً بعينه أحياناً، وقد يكون موجه لمجموعة الذكور كلها على أمل الوصول لذكر معين (قد تستعمل المرأة أحياناً الإغراء لمجرد التلويح الوهمي بالجنس من أجل الحصول على معاملة خاصة، كما تفعل ذلك مع الشرطي مثلاً). لهذا يقال «الرجل يطارد الفريسة، والمرأة ترمي شباكها» (أوقعته في شباكها) أي أن الرجل يستهدف ويلاحق فريسة معينة إلى أن يحصل عليها أو يدرك أنه ليس من مستوى سرعتها أو مقاومتها نتيجة سوء تقديره للوضع، في حين أن المرأة تلقي بالشبكة نحو كل الأسماك الموجودة في البحر وتنتظر من السمكة المناسبة أن تعلق بها، وإلى أن يحصل ذلك ستتخلص المرأة من أي سمكة تعلق في شباكها وتراها غير مناسبة. إذن نحن هنا أمام مفهوم واحد بأسلوبين مختلفين، أحدهما فعال (active) والآخر غير فعال (passive).
هل اختلاف شكل الاستثارة (سمعي/بصري) لدى الجنسين هو السبب الوحيد لاختلاف الأسلوبين؟ بعبارة أخرى، لماذا تختار الأنثى الإغراء الأمن (الصيد بالشبكة) بانتظار «الأفضل»، في حين يختار الذكر المغامرة والتحرش الخطر (مطاردة الفريسة)؟
السبب يعود إلى اختلاف عواقب «الجنس» على كلا الجنسين، بمعنى أن المرأة التي تملك بويضة واحدة في الشهر ستشهد في حالة تخصيبها تغيراً شاملاً في حياتها لعدة سنوات، هذا ما يسمى «الاستثمار الأبوي الأعلى». هذا ما يجعل المرأة من حيث المبدأ وبشكل غريزي تخشى الجنس مع كل من هب ودب وتفضل القيام بفرز واختيار أفضل ما يمكنها الحصول عليه.
أما الرجل، فيملك ملايين الحيوانات المنوية ويستطيع نظرياً التزاوج مع أكثر من أنثى في اليوم بدون أدنى عواقب على جسده وحياته، هذا ما يسمى «الإستثمار الأبوي الأدنى»، لهذا لا يبدي الرجل أي انزعاج من تحرش المرأة به الذي قد يصل أحياناً للمس باليد والعبث بما يلبس وحتى الاحتكاك الجسدي بدون أن يعتبر ذلك تعدياً عليه، إلا طبعاً من أجل دوافع دينية لكن ليس لكونه ذكراً.
لكن البشر وضعوا حداً لهذه الحالة التي يمكن تسميتها بالبدائية من خلال منظومة اجتماعية تخلق توازن بين الجنسين وتشكل أساس الحضارة البشرية، تهدف إلى مساعدة المرأة وتوفير ظروف عيش أفضل للأطفال، ويكون ذلك عبر حرمان الرجل من الجنس غير المشروط والسهل بغية الحصول منه على إستثمار أكبر، الأمر الذي سيجعله يفكر بمنطق المرأة، أي الفرز واختيار الافضل، بمعنى البحث عن الأجمل والأصح بدنياً، والأهم من ذلك البحث عن من تقدم ضمانات بـ «الثقة» الضرورية لدخول هكذا مغامرة خطرة على الرجل، والمرأة التي تتعمد إظهار مفاتنها للجميع لا توحي بالثقة لدى أغلب الرجال. هذه المنظومة نسميها «الزواج» والذي يعني في جوهره اجبار الرجل على التحول من مجرد «سلف» إلى «أب» يتحمل مسؤولية ما ينسب إليه.
سقوط هذه المنظومة الاجتماعية مع الثورة الجنسية التي فكت الارتباط بين الجنس والزواج وما صاحب ذلك من محاربة للزواج التقليدي (زواج العقل والمصلحة) الذي كان هو القاعدة لدى البشر وتم تعويضه بزواج معياره الوحيد هو الحب والرومنسية (العواطف) والذي ألغى كل أشكال الوساطة بين الرجل والمرأة بحيث لم يعد الزواج علاقة مصاهرة بين عائلتين بل مجرد علاقة بين فردين، أعاد هذا الجنسين إلى أسلوب التحرش والإغراء الجنسي، بمعنى أن الجنسين أصبحوا بحاجة للتواصل المباشر والاعتماد على الغرائز البدائية فقط بينهما للوصول إلى العلاقات الجنسية (الرومنسية كما يحلو للبعض تسميتها)، الأمر الذي أدخلهما في وضعية جديدة من الفوضى ضمن لعبة لم يضع لها أحد قواعد واضحة كما كان موجوداً في السابق، إلى أن انتهى الأمر بسن قوانين تجرم التحرش الذكري دوناً عن ما يمكن اعتباره تحرشاً أنثوياً (العرف كان يضع حد للطرفين معاً)، الأمر الذي فاقم الفوضى أكثر.
لماذا جُرم التحرش الذكري وفي نفس الوقت اعتبر الإغراء الأنثوي حق أصيل من حقوق المرأة؟
ما هو التحرش؟
التحرش (المعاكسة) هو استخدام ألفاظ معينة (لا يجب الخلط بين التحرش والإعتداء الجنسي) من أجل التقرب من الجنس الآخر ولفت إنتباهه على أمل إقامة علاقة جنسية معه في النهاية، وينسب عادةً هذا الأسلوب في التحرش «السمعي» للذكر حصراً، باعتبار أنه تعريف للتحرش من وجهة نظر «أنثوية» فقط، مبني على أساس أن الأنثى تُستثار جنسياً بشكل أساسي عن طريق السمع، لهذا برع الرجل لوحده ودائماً في نظم الغزل ونسج الكلام المعسول والرومنسي.
ما هو إذن أسلوب الأنثى للتقرب من الجنس الآخر للوصول للجنس في النهاية؟
الأنثى تعتمد على استهداف حاسة البصر لدى الذكر، أي عن طريق الإغراء الجسدي وإظهار تفاصيل الجسد والإيحاءات الجنسية، باعتبار أن الذكر يُستثار جنسياً بشكل أساسي «بصرياً»، لهذا كانت وما تزال المرأة تهتم دائماً بمظهرها وزينتها ومكياجها، كما برعت دائماً في استعمال جسدها قصد الإغراء من خلال الرقص.
وعلى عكس التحرش الذكري الذي يستهدف أنثى بعينها، فإن الإغراء الأنثوي قد يستهدف ذكراً بعينه أحياناً، وقد يكون موجه لمجموعة الذكور كلها على أمل الوصول لذكر معين (قد تستعمل المرأة أحياناً الإغراء لمجرد التلويح الوهمي بالجنس من أجل الحصول على معاملة خاصة، كما تفعل ذلك مع الشرطي مثلاً). لهذا يقال «الرجل يطارد الفريسة، والمرأة ترمي شباكها» (أوقعته في شباكها) أي أن الرجل يستهدف ويلاحق فريسة معينة إلى أن يحصل عليها أو يدرك أنه ليس من مستوى سرعتها أو مقاومتها نتيجة سوء تقديره للوضع، في حين أن المرأة تلقي بالشبكة نحو كل الأسماك الموجودة في البحر وتنتظر من السمكة المناسبة أن تعلق بها، وإلى أن يحصل ذلك ستتخلص المرأة من أي سمكة تعلق في شباكها وتراها غير مناسبة. إذن نحن هنا أمام مفهوم واحد بأسلوبين مختلفين، أحدهما فعال (active) والآخر غير فعال (passive).
هل اختلاف شكل الاستثارة (سمعي/بصري) لدى الجنسين هو السبب الوحيد لاختلاف الأسلوبين؟ بعبارة أخرى، لماذا تختار الأنثى الإغراء الأمن (الصيد بالشبكة) بانتظار «الأفضل»، في حين يختار الذكر المغامرة والتحرش الخطر (مطاردة الفريسة)؟
السبب يعود إلى اختلاف عواقب «الجنس» على كلا الجنسين، بمعنى أن المرأة التي تملك بويضة واحدة في الشهر ستشهد في حالة تخصيبها تغيراً شاملاً في حياتها لعدة سنوات، هذا ما يسمى «الاستثمار الأبوي الأعلى». هذا ما يجعل المرأة من حيث المبدأ وبشكل غريزي تخشى الجنس مع كل من هب ودب وتفضل القيام بفرز واختيار أفضل ما يمكنها الحصول عليه.
أما الرجل، فيملك ملايين الحيوانات المنوية ويستطيع نظرياً التزاوج مع أكثر من أنثى في اليوم بدون أدنى عواقب على جسده وحياته، هذا ما يسمى «الإستثمار الأبوي الأدنى»، لهذا لا يبدي الرجل أي انزعاج من تحرش المرأة به الذي قد يصل أحياناً للمس باليد والعبث بما يلبس وحتى الاحتكاك الجسدي بدون أن يعتبر ذلك تعدياً عليه، إلا طبعاً من أجل دوافع دينية لكن ليس لكونه ذكراً.
لكن البشر وضعوا حداً لهذه الحالة التي يمكن تسميتها بالبدائية من خلال منظومة اجتماعية تخلق توازن بين الجنسين وتشكل أساس الحضارة البشرية، تهدف إلى مساعدة المرأة وتوفير ظروف عيش أفضل للأطفال، ويكون ذلك عبر حرمان الرجل من الجنس غير المشروط والسهل بغية الحصول منه على إستثمار أكبر، الأمر الذي سيجعله يفكر بمنطق المرأة، أي الفرز واختيار الافضل، بمعنى البحث عن الأجمل والأصح بدنياً، والأهم من ذلك البحث عن من تقدم ضمانات بـ «الثقة» الضرورية لدخول هكذا مغامرة خطرة على الرجل، والمرأة التي تتعمد إظهار مفاتنها للجميع لا توحي بالثقة لدى أغلب الرجال. هذه المنظومة نسميها «الزواج» والذي يعني في جوهره اجبار الرجل على التحول من مجرد «سلف» إلى «أب» يتحمل مسؤولية ما ينسب إليه.
سقوط هذه المنظومة الاجتماعية مع الثورة الجنسية التي فكت الارتباط بين الجنس والزواج وما صاحب ذلك من محاربة للزواج التقليدي (زواج العقل والمصلحة) الذي كان هو القاعدة لدى البشر وتم تعويضه بزواج معياره الوحيد هو الحب والرومنسية (العواطف) والذي ألغى كل أشكال الوساطة بين الرجل والمرأة بحيث لم يعد الزواج علاقة مصاهرة بين عائلتين بل مجرد علاقة بين فردين، أعاد هذا الجنسين إلى أسلوب التحرش والإغراء الجنسي، بمعنى أن الجنسين أصبحوا بحاجة للتواصل المباشر والاعتماد على الغرائز البدائية فقط بينهما للوصول إلى العلاقات الجنسية (الرومنسية كما يحلو للبعض تسميتها)، الأمر الذي أدخلهما في وضعية جديدة من الفوضى ضمن لعبة لم يضع لها أحد قواعد واضحة كما كان موجوداً في السابق، إلى أن انتهى الأمر بسن قوانين تجرم التحرش الذكري دوناً عن ما يمكن اعتباره تحرشاً أنثوياً (العرف كان يضع حد للطرفين معاً)، الأمر الذي فاقم الفوضى أكثر.
لماذا جُرم التحرش الذكري وفي نفس الوقت اعتبر الإغراء الأنثوي حق أصيل من حقوق المرأة؟
❤2
لا يستطيع عاقل أن ينكر بأن أيديولوجيا "النسوية" هي من أكثر الأيديولوجيات قوةً وانتشاراً، وقوتها تعود إلى كونها جزء لا يتجزء من السلطة الحاكمة والإعلام في كل دول العالم تقريباً بدرجات متفاوتة، فلا وجود للنسوية إذا غابت الدولة الداعمة لها بعكس الوهم الذي أقنعت النسوية نفسها به بأنها «ثائرة».
هذه الحركة النسوية قائمة على التفوق الأنثوي أو على الأقل هذا هو ظاهرها، ونسوية الجيل الثالث تحمل تناقض قد يبدو غريب بين نوع من التطهيرية الجديدة ممزوجة بالتحرر الجنسي، هذا التناقض داخل النسوية ليس انفصاماً في الشخصية، لكنه في الواقع مجرد ازدواجية معايير. بمعنى أن النسوية مع التحرر الجنسي المطلق عندما يتعلق الأمر بالمرأة وضد أي تقييد لعرضها أو لتعبيرها عن جنسانيتها الأنثوية مهما كان شكلها وبدون أي حدود، لكن في نفس الوقت تحاول إنكار ونزع صفة «الجنس» عن التصرفات الأنثوية لتحافظ على الصورة المثالية لطهارة المرأة البريئة والساذجة التي لا تدرك معنى تصرفاتها. في المقابل تُركت التطهيرية للرجل، بمعنى أن الرجل أصبح يعتبر نجس ويحتاج لتطهير ليصل مرتبة المرأة، ما جعل النسوية مهوسة بشيطنة كل ما يميز الجنسانية الذكرية وتسعى لتصويرها دائماً على أنها عنف واغتصاب (أدبيات النسوية تعتبر أن أي علاقة جنسية بين الرجل والمرأة هي عنف واغتصاب)، وتريد أن تفرض على الرجل تبني الجنسانية الأنثوية التي أصبحت تمثل لديها قمة الطهارة بعد أن فشلت نسوية الموجة الثانية في إقناع المرأة بأن تكون كالرجال، بمعنى أن تفصل بين العواطف والجنس، وتقيم علاقات مع كل من هب ودب، أي بدون فرز. النسوية المعاصرة هي إذن شكل جديد من الشرطة الأخلاقية، ولفظ "أخلاقية" هنا مجازية، فليس الهدف هو الأخلاق كما نعرفها أو حتى المصلحة العامة، الهدف هو تحقيق أسطورة «المساواة» (هذا لا ينفي استعمال النسوية الاسلامية للدين). نر هذا واضحاً مثلاً في القوانين التي صدرت مؤخراً في بعض الدول (كندا، السويد، فرنسا…) والتي تُعاقب زبون المومس ولا تعاقب المومس نفسها، بل وتعتبرها ضحية الزبون، وكأنك تعاقب مشتري المخدرات وتترك المروج وتتعاطف معه أيضًا، أي أن المحظور هنا ليس الدعارة في حد ذاتها، لكن المحظور هو الجنسانية الذكرية وأسلوب استعمال المال لوضع حاجز بين العواطف والجنس، وهذا أسلوب يحرر الرجل من الابتزاز العاطفي ويعفيه من تقديم تعهدات مكلفة (ماديًا ومعنويًا) للمرأة، أما المومس فيطبق عليها المبدأ النسوي الذي يعامل المرأة كالأطفال والذي يقول «للمرأة الحق في كل شيء، لكنها غير مسؤولة عن أي شيء»، الأنثى ضحية فقط لأنها أنثى ولا يمكنها أن تكون غير ذلك، وإذا حدث وصدر منها ما قد يجعلها في موقع الجلاد فالمجتمع هو من أجبرها على أن تكون كذلك.
نفس هذا المبدأ السابق طُبق على التحرش والإغراء، بحيث تم إدراج الإغراء تحت اسم «الحرية الشخصية» التي هي إسم آخر لـ الفردانية والأنانية. في حين اعتبر التحرش جريمة، ولم يتم إدراجه بنفس المنطق تحت اسم «حرية التعبير» أي بعكس المنظومة القديمة التي كانت تقمع التحرش والإغراء الجنسي معاً. باختصار؛ الوضع الحالي هو عبارة عن فوضى، لا هو حضاري يقوم على تقييد كل جنس حسب ظروفه، ولا هو طبيعي يترك الغرائز تعبر عن نفسها.
هل فعلاً ترفض المرأة التحرش بها؟
قوانين التحرش مطاطية، ولا تحدد بشكل واضح ما هو التحرش، وكذلك هو رأي المرأة عن التحرش، وبالتالي التحرش هو ما تفسره كل امرأة على أنه تحرش بها. هذا ما يخلق ازدواجية في التعامل مع الموضوع، بمعنى أنه يخضع لمبدأ الفرز، أي أن تصنيف التحرش متوقف على تقييم المتحرش كشخص لا على تقييم ما صدر منه، قد تصنف امرأة ما «صباح الخير» على أنها تحرش وتعدي عليها من الشخص (أ)، في حين وبعد أمتار فقط من (ب) قد تصنف وصف قوام جسدها من الشخص (ب) على أنه ذوق ولباقة …Oh merci. الفرق بين الحالتين هو أن (أ) اعتبر بمبدأ الفرز غير مناسب ولا يملك المواصفات المطلوبة التي تؤهله لمخاطبتها، وبالتالي تفسر تصرفه هذا على أنه اعتداء عليها (سمكة غير مناسبة علقت في الشبكةالطعم، في حين تم تقبل ما صدر عن (ب) لامتلاكه المواصفات المطلوبة (وسامة، مستوى اجتماعي، سلطة، قوة…). إذن المرأة المعاصرة ذات النزعة التحررية تريد التحرش من حيث المبدأ فهو الطريق الرئيسي للتعارف وبالتالي اقامة العلاقات الغرامية والرومنسية التي تتمناها، لكنها ترفض التعامل مع ما فيه من سلبيات بالنسبة لها.
فقط نوعان من النساء لا تنطبق عليهما هذه القاعدة وترفضان التحرش بغض النظر عن تقييم الفاعل، وترفضان كذلك اظهار أي شكل من أشكال الإغراء.
هذه الحركة النسوية قائمة على التفوق الأنثوي أو على الأقل هذا هو ظاهرها، ونسوية الجيل الثالث تحمل تناقض قد يبدو غريب بين نوع من التطهيرية الجديدة ممزوجة بالتحرر الجنسي، هذا التناقض داخل النسوية ليس انفصاماً في الشخصية، لكنه في الواقع مجرد ازدواجية معايير. بمعنى أن النسوية مع التحرر الجنسي المطلق عندما يتعلق الأمر بالمرأة وضد أي تقييد لعرضها أو لتعبيرها عن جنسانيتها الأنثوية مهما كان شكلها وبدون أي حدود، لكن في نفس الوقت تحاول إنكار ونزع صفة «الجنس» عن التصرفات الأنثوية لتحافظ على الصورة المثالية لطهارة المرأة البريئة والساذجة التي لا تدرك معنى تصرفاتها. في المقابل تُركت التطهيرية للرجل، بمعنى أن الرجل أصبح يعتبر نجس ويحتاج لتطهير ليصل مرتبة المرأة، ما جعل النسوية مهوسة بشيطنة كل ما يميز الجنسانية الذكرية وتسعى لتصويرها دائماً على أنها عنف واغتصاب (أدبيات النسوية تعتبر أن أي علاقة جنسية بين الرجل والمرأة هي عنف واغتصاب)، وتريد أن تفرض على الرجل تبني الجنسانية الأنثوية التي أصبحت تمثل لديها قمة الطهارة بعد أن فشلت نسوية الموجة الثانية في إقناع المرأة بأن تكون كالرجال، بمعنى أن تفصل بين العواطف والجنس، وتقيم علاقات مع كل من هب ودب، أي بدون فرز. النسوية المعاصرة هي إذن شكل جديد من الشرطة الأخلاقية، ولفظ "أخلاقية" هنا مجازية، فليس الهدف هو الأخلاق كما نعرفها أو حتى المصلحة العامة، الهدف هو تحقيق أسطورة «المساواة» (هذا لا ينفي استعمال النسوية الاسلامية للدين). نر هذا واضحاً مثلاً في القوانين التي صدرت مؤخراً في بعض الدول (كندا، السويد، فرنسا…) والتي تُعاقب زبون المومس ولا تعاقب المومس نفسها، بل وتعتبرها ضحية الزبون، وكأنك تعاقب مشتري المخدرات وتترك المروج وتتعاطف معه أيضًا، أي أن المحظور هنا ليس الدعارة في حد ذاتها، لكن المحظور هو الجنسانية الذكرية وأسلوب استعمال المال لوضع حاجز بين العواطف والجنس، وهذا أسلوب يحرر الرجل من الابتزاز العاطفي ويعفيه من تقديم تعهدات مكلفة (ماديًا ومعنويًا) للمرأة، أما المومس فيطبق عليها المبدأ النسوي الذي يعامل المرأة كالأطفال والذي يقول «للمرأة الحق في كل شيء، لكنها غير مسؤولة عن أي شيء»، الأنثى ضحية فقط لأنها أنثى ولا يمكنها أن تكون غير ذلك، وإذا حدث وصدر منها ما قد يجعلها في موقع الجلاد فالمجتمع هو من أجبرها على أن تكون كذلك.
نفس هذا المبدأ السابق طُبق على التحرش والإغراء، بحيث تم إدراج الإغراء تحت اسم «الحرية الشخصية» التي هي إسم آخر لـ الفردانية والأنانية. في حين اعتبر التحرش جريمة، ولم يتم إدراجه بنفس المنطق تحت اسم «حرية التعبير» أي بعكس المنظومة القديمة التي كانت تقمع التحرش والإغراء الجنسي معاً. باختصار؛ الوضع الحالي هو عبارة عن فوضى، لا هو حضاري يقوم على تقييد كل جنس حسب ظروفه، ولا هو طبيعي يترك الغرائز تعبر عن نفسها.
هل فعلاً ترفض المرأة التحرش بها؟
قوانين التحرش مطاطية، ولا تحدد بشكل واضح ما هو التحرش، وكذلك هو رأي المرأة عن التحرش، وبالتالي التحرش هو ما تفسره كل امرأة على أنه تحرش بها. هذا ما يخلق ازدواجية في التعامل مع الموضوع، بمعنى أنه يخضع لمبدأ الفرز، أي أن تصنيف التحرش متوقف على تقييم المتحرش كشخص لا على تقييم ما صدر منه، قد تصنف امرأة ما «صباح الخير» على أنها تحرش وتعدي عليها من الشخص (أ)، في حين وبعد أمتار فقط من (ب) قد تصنف وصف قوام جسدها من الشخص (ب) على أنه ذوق ولباقة …Oh merci. الفرق بين الحالتين هو أن (أ) اعتبر بمبدأ الفرز غير مناسب ولا يملك المواصفات المطلوبة التي تؤهله لمخاطبتها، وبالتالي تفسر تصرفه هذا على أنه اعتداء عليها (سمكة غير مناسبة علقت في الشبكةالطعم، في حين تم تقبل ما صدر عن (ب) لامتلاكه المواصفات المطلوبة (وسامة، مستوى اجتماعي، سلطة، قوة…). إذن المرأة المعاصرة ذات النزعة التحررية تريد التحرش من حيث المبدأ فهو الطريق الرئيسي للتعارف وبالتالي اقامة العلاقات الغرامية والرومنسية التي تتمناها، لكنها ترفض التعامل مع ما فيه من سلبيات بالنسبة لها.
فقط نوعان من النساء لا تنطبق عليهما هذه القاعدة وترفضان التحرش بغض النظر عن تقييم الفاعل، وترفضان كذلك اظهار أي شكل من أشكال الإغراء.
❤2
الأولى هي المرأة ذات التربية المحافظة والتي تعيش على نسق المنظومة القديمة التي تضع وساطة بين الرجل والمرأة وتفرض تقديم تعهدات لها (هذا لا ينفي سعادتها الداخلية بذلك وإن كان ذلك لا يغير من معاملتها للجميع بمعيار واحد)، الثانية هي السحاقية (المسترجلة أو النسوية) التي ترفض كل ما يذكرها بأنها أنثى وأن الذكور ينجذبون إليها جنسياً.
ما هي محفزات التحرش ؟ (المحفزات وليس الأسباب)
- الإغراء: المرأة التي تُبرز مفاتن أكثر من الطبيعي أن تتعرض للتحرش أكثر من غيرها. لكن ستقول إحداهن هنا كالعادة أنها ورغم احتشامها فهي تتعرض للتحرش، كما قلت سابقاً اللبس ليس هو سبب التحرش، هو مجرد محفز فقط، السبب هو التجاوب. من كانت فعلاً محتشمة لكنها تتجاوب مع التحرش أو تكون تصرفاتها غير محافظة كأن يكون لها عشيق بشكل علني مثلاً في بيئة محافظة، ستجعل الرجال يخرجون بنتيجة أنه حتى مع المحتشمات لديهم معهن فرصة، الأمر الذي سيجعلهم يتجرأون على بقية المحتشمات ويجربون حظهم معهن. تمت تجربة اجتماعية في الولايات المتحدة عن الفرق بين من تلبس حجاب ومن لا تلبسه، النتيجة لم يتحرش أحد بها وهي محجبة، بعكس وهي غير محجبة، لكن نفس التجربة في بلد آخر إسلامي على الأغلب ستفشل وتعطي نتيجة أخرى والسبب هو أن لدى رجال الولايات المتحدة اعتقاد بأن المحجبة محافظة وترفض فعلاً التحرش، أما في البلد الإسلامي فهي لم تعد تمثل رمز للمحافظة.
- المكان: احتمالية حدوث تحرش تختلف من مكان لآخر، فاحتمالية حدوثه في مستشفى ليست هي نفسها في الطريق، وليست هي نفسها في مرقص، وليست هي نفسها في قرية.
ما هي محفزات الإغراء؟
- المنافسة: لعبة الإغراء في جوهرها هي منافسة بين الإناث، الأمر الذي يعني أن المرأة لن ترضى أن تتميز عليها أخرى وتستفرد لوحدها بلفت الأنظار، وكما يشرح ذلك الفيلسوف René Girard «المنافسة تؤدي إلى التقليد»، درجنا على تسمية هذا بـ «الموضة»، وهذا أحد الأسباب التي تجعل كل موضة جديدة تبرز مفاتن أكثر من التي قبلها، ولا يحدث العكس أبداً ولو من باب التغيير.
- التعوُد: إبراز المفاتن الأنثوية يؤدي إلى تعود الرجل عليها مع الزمن وقتل كل غموض وخيال بذهنه حول جسد المرأة، وبالتالي نوع من الضعف الجنسي وعدم مبالاته بها، وربما يُحدِث ذلك انحرافات جنسية لديه، ما يسبب ضغط أكبر على المرأة لتزيد من جرعة الإغراء للفت انتباه الرجل الذي أصبح يشبه المدمن الذي يحتاج لزيادة الجرعة بعد كل فترة. هذا الأمر سيعود بالسلب على حياتها الشخصية ايضاً، فهي ستبدل مجهود أكبر مع شريكها، وسيتم اللجوء لألعاب وممارسات جنسية منحرفة لإيقاظ الغرائز الذكرية، الأمر الذي كان سهل على المرأة في الماضي أين كان يكفي القليل منها لتأخذ ما تريده.
- الخوف: كلما كانت قوانين التحرش أكثر صرامة كلما ازدادت خشية الرجال من القيام بالخطوة الأولى نحو المرأة، الأمر الذي يجعل المرأة تبالغ في إبراز مفاتنها لدفع الرجل إلى القفز على مخاوفه والتوجه نحوها. لكنها حلقة مفرغة، فالمرأة تريد أن تنزل أشد العقوبات على الرجل الغير كفء لها والذي تجرأ على التحرش بها، وفي نفس الوقت تنتظر ممن تعتقد أنه كفء لها أن يتحرش بها، وإذا حدث وتجاهلها تعتبر ذلك إهانة لشخصها وتصفه بالشاذ جنسياً. لهذا لم يعد غريباً أن تقرأ مقالاً للتذمر الانثوي من ذلك، يوصف فيه الجيل الحالي بالمخصيين «men have no balls anymore» (ستجد ذلك في التعليقات)
- غياب الثقة والتكافؤ: هناك نساء يتخلين عن إبراز المفاتن في المجال العام ويحصرنه فقط بالمجال الخاص بمجرد الحصول على شريك، فبالنسبة لهن اللعبة قد أنتهت. لكن هذا يستوجب وجود الثقة والتكافؤ، فالمرأة التي تشعر بأن شريكها قد يتخلى عنها أو أنه باستطاعتها الحصول على ما هو أحسن، ستبقى ضمن اللعبة وترفض ترك إبراز المفاتن.
هل فعلاً يمكن إنهاء التحرش كما تتمنى النسوية ؟
لا يمكن إنهاء التحرش، لأنه ببساطة لا يوجد استعداد حقيقي لدى الجنسين للعودة للمنظومة القديمة، مخافة فقدان الأماني الجنسية والرومنسية التي نشأوا عليها وتلقوها من الإعلام والروايات، وأغلب النساء اللاتي يدعين الرغبة في وقف التحرش لا يملكن أي إرادة لذلك، فالأمر لا يحتاج أكثر من توافق نسائي على الالتزام بعدم التجاوب مع أي تحرش.
من غير المعقول أن تقول لمراهق أن المرأة تعتبر التحرش اعتداء عليها في كل الأحوال، وتستعمل معه كل أساليب shaming tactics لمنعه من مناقشة الموضوع، مثل ربط ذلك بالرجولة أو باللعب علىوتر العواطف من قبيل «هل ترضاه لأختك»، ثم عندما ينزل للشارع يجد المرأة تستجيب لمن يتحرش بها وتقدم له رقمها، في هذه الحالة أكيد سيقول في النهاية «سأجرب حظي أنا أيضاً».
ما هي محفزات التحرش ؟ (المحفزات وليس الأسباب)
- الإغراء: المرأة التي تُبرز مفاتن أكثر من الطبيعي أن تتعرض للتحرش أكثر من غيرها. لكن ستقول إحداهن هنا كالعادة أنها ورغم احتشامها فهي تتعرض للتحرش، كما قلت سابقاً اللبس ليس هو سبب التحرش، هو مجرد محفز فقط، السبب هو التجاوب. من كانت فعلاً محتشمة لكنها تتجاوب مع التحرش أو تكون تصرفاتها غير محافظة كأن يكون لها عشيق بشكل علني مثلاً في بيئة محافظة، ستجعل الرجال يخرجون بنتيجة أنه حتى مع المحتشمات لديهم معهن فرصة، الأمر الذي سيجعلهم يتجرأون على بقية المحتشمات ويجربون حظهم معهن. تمت تجربة اجتماعية في الولايات المتحدة عن الفرق بين من تلبس حجاب ومن لا تلبسه، النتيجة لم يتحرش أحد بها وهي محجبة، بعكس وهي غير محجبة، لكن نفس التجربة في بلد آخر إسلامي على الأغلب ستفشل وتعطي نتيجة أخرى والسبب هو أن لدى رجال الولايات المتحدة اعتقاد بأن المحجبة محافظة وترفض فعلاً التحرش، أما في البلد الإسلامي فهي لم تعد تمثل رمز للمحافظة.
- المكان: احتمالية حدوث تحرش تختلف من مكان لآخر، فاحتمالية حدوثه في مستشفى ليست هي نفسها في الطريق، وليست هي نفسها في مرقص، وليست هي نفسها في قرية.
ما هي محفزات الإغراء؟
- المنافسة: لعبة الإغراء في جوهرها هي منافسة بين الإناث، الأمر الذي يعني أن المرأة لن ترضى أن تتميز عليها أخرى وتستفرد لوحدها بلفت الأنظار، وكما يشرح ذلك الفيلسوف René Girard «المنافسة تؤدي إلى التقليد»، درجنا على تسمية هذا بـ «الموضة»، وهذا أحد الأسباب التي تجعل كل موضة جديدة تبرز مفاتن أكثر من التي قبلها، ولا يحدث العكس أبداً ولو من باب التغيير.
- التعوُد: إبراز المفاتن الأنثوية يؤدي إلى تعود الرجل عليها مع الزمن وقتل كل غموض وخيال بذهنه حول جسد المرأة، وبالتالي نوع من الضعف الجنسي وعدم مبالاته بها، وربما يُحدِث ذلك انحرافات جنسية لديه، ما يسبب ضغط أكبر على المرأة لتزيد من جرعة الإغراء للفت انتباه الرجل الذي أصبح يشبه المدمن الذي يحتاج لزيادة الجرعة بعد كل فترة. هذا الأمر سيعود بالسلب على حياتها الشخصية ايضاً، فهي ستبدل مجهود أكبر مع شريكها، وسيتم اللجوء لألعاب وممارسات جنسية منحرفة لإيقاظ الغرائز الذكرية، الأمر الذي كان سهل على المرأة في الماضي أين كان يكفي القليل منها لتأخذ ما تريده.
- الخوف: كلما كانت قوانين التحرش أكثر صرامة كلما ازدادت خشية الرجال من القيام بالخطوة الأولى نحو المرأة، الأمر الذي يجعل المرأة تبالغ في إبراز مفاتنها لدفع الرجل إلى القفز على مخاوفه والتوجه نحوها. لكنها حلقة مفرغة، فالمرأة تريد أن تنزل أشد العقوبات على الرجل الغير كفء لها والذي تجرأ على التحرش بها، وفي نفس الوقت تنتظر ممن تعتقد أنه كفء لها أن يتحرش بها، وإذا حدث وتجاهلها تعتبر ذلك إهانة لشخصها وتصفه بالشاذ جنسياً. لهذا لم يعد غريباً أن تقرأ مقالاً للتذمر الانثوي من ذلك، يوصف فيه الجيل الحالي بالمخصيين «men have no balls anymore» (ستجد ذلك في التعليقات)
- غياب الثقة والتكافؤ: هناك نساء يتخلين عن إبراز المفاتن في المجال العام ويحصرنه فقط بالمجال الخاص بمجرد الحصول على شريك، فبالنسبة لهن اللعبة قد أنتهت. لكن هذا يستوجب وجود الثقة والتكافؤ، فالمرأة التي تشعر بأن شريكها قد يتخلى عنها أو أنه باستطاعتها الحصول على ما هو أحسن، ستبقى ضمن اللعبة وترفض ترك إبراز المفاتن.
هل فعلاً يمكن إنهاء التحرش كما تتمنى النسوية ؟
لا يمكن إنهاء التحرش، لأنه ببساطة لا يوجد استعداد حقيقي لدى الجنسين للعودة للمنظومة القديمة، مخافة فقدان الأماني الجنسية والرومنسية التي نشأوا عليها وتلقوها من الإعلام والروايات، وأغلب النساء اللاتي يدعين الرغبة في وقف التحرش لا يملكن أي إرادة لذلك، فالأمر لا يحتاج أكثر من توافق نسائي على الالتزام بعدم التجاوب مع أي تحرش.
من غير المعقول أن تقول لمراهق أن المرأة تعتبر التحرش اعتداء عليها في كل الأحوال، وتستعمل معه كل أساليب shaming tactics لمنعه من مناقشة الموضوع، مثل ربط ذلك بالرجولة أو باللعب علىوتر العواطف من قبيل «هل ترضاه لأختك»، ثم عندما ينزل للشارع يجد المرأة تستجيب لمن يتحرش بها وتقدم له رقمها، في هذه الحالة أكيد سيقول في النهاية «سأجرب حظي أنا أيضاً».
🤯6👍2❤1🔥1
الذكرى الخمسين لـ ماي 68
22 مارس 1968؛ تندلع أعمال شغب على يد مجموعة من الطلاب الأناركيين على رأسهم Daniel Cohn-Bendit في جامعة "نانتير" الفرنسية، مطالبهم كانت مثل كل مطالب الأناركيين: اطلاق الحريات وإنهاء كل ما كانوا يعتبرونه مجتمع سلطوي.
2 ماي؛ جامعة نانتير تغلق أبوابها وتأخذ أعمال الشغب في التوسع إلى أغلب شوارع باريس الرئيسية والمدن الكبرى على يد طلاب أغلبهم من خلفيات شيوعية تروتسكية.
13ماي؛ مع تصاعد الاحتجاجات تنضم النقابات العمالية للحراك وتعلن الإضراب الشامل. فرنسا كلها في حالة شلل تام وفوضى عارمة في الشوارع مع شائعات بحدوث انقلاب عسكري على الرئيس الفرنسي ديغول الذي بدى غير مرغوبٍ فيه من قبل الشعب، وأخرى تتحدث عن استعداد الجيش لاقتحام باريس بغية إخماد التمرد (ديغول كان يفضل إدخال الجيش، لكن رئيس حكومته أقنعه بالاكتفاء بنشر شائعة دخول الجيش). مع هذا التوتر السياسي الحاد في باريس كان ديغول يخشى فعلاً انقلاب الجيش عليه، فما كان منه سوى التوجه بالمروحية إلى ألمانيا في سرية تامة حتى عن أقرب مساعديه، هناك استقر في قاعدة عسكرية فرنسية تحت قيادة أحد الجنرالات الثقاة.
30 ماي؛ الرئيس يلقي خطاب يعلن فيه حل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مسبقة، في المقابل أعلن المتمردون انتصار ارادة الشباب (الاسم الآخر لحماقة الشباب) على ما كانوا يسمونه الطاغية والفاشي ديغول.
30 جوان (يونيو) فرز أصوات الناخبين، النتيجة كانت صدمة حقيقية: فوز تحالف الرئيس بنسبة أعلى من الإنتخابات السابقة.
هذا ما يسمى في فرنسا بـ ثورة ماي 68، طلاب يحملون أفكاراً ماركسية اقتصادياً وليبرالية اجتماعياً، اغلبهم من ابناء الطبقة البورجوازية والبورجوازية الصغيرة من موظفي الحكومة، نزلوا للشوارع ضد ما يسمونه القيم البورجوازية القمعية وضد كل أشكال السلطة او المعايير والقيم الثابتة التي لا تخضع للنسبية والمساومة، حاملين شعارات «ممنوع المنع» «استمتع بدون قيود» «أنظر لرغباتك على أنها واقع». انضم إليهم فيما بعد العمال بمطالبهم الاجتماعية، فرحة الطلاب بهم كانت كبيرة، أخيراً ثورة اشتراكية تأخذهم للشيوعية المثالية.
بعد 50 سنة من ماي 68، تأكد بدون أدنى شك بأن الجانبين (الطلاب، العمال) لا تربطهم أي قيم او مطالب اجتماعية. أولئك الطلاب من جيل الـ Baby Boomers كانوا خلاصة أفكار ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت صعود النهج البنيوي الذي ينظر للمجتمع على أنه مجرد بناء مصطنع وبرز في التنظير لذلك أسماء فرنسية مشهورة (ليفي ستروس، ديبوفوار، دولوز، لاكان) لتنتقل بعد ذلك الى الضفة الاخرى من الأطلسي لتكون هي موضة الجامعات الأمريكية أين أطلق عليها اسم "النظرية الفرنسية" French Theory وأصبحت هناك هي الملهمة لكل من يحلم بتفكيك هياكل المجتمع وإعادة تشكيلها مثل العجين لتتلائم مع أحلامه المثالية وتصوراته الشخصية. مجتمع الـ LGBT، النسويات، الجندريين، البيداغوجيين في المدرسة والأقليات، كلهم تبنوا النهج التفكيكي في حربهم ضد بقايا قيم "العالم القديم" التي نجت من محرقة الثورة الفرنسية 1789: الأب، الأسرة، الدين، الوطن، الحدود، الجنس...
شهدت الفترة الأولى لتصاعد ذلك التفكيك (الستينات، السبعينات وإلى حد ما الثمانينات) انفلاتاً تاماً في الحريات مثل ما يحدث دائماً في المراحل الإنتقالية من نظام قديم إلى نظام جديد. بالنسبة للأنظمة الصاعدة، الحرية هي مجرد وسيلة مؤقتة يتم بها هدم النظام القديم، ومع بداية التسعينات بدأ النظام الجديد يفرض قيمه كطابوهات وممنوعات جديدة للمجتمع تُعرف اليوم بالصواب السياسي مع اعلان "الفرد" سلطاناً مطلقاً ومعياراً لكل شيء. لكن رغم ذلك، سعى هذا النظام دائماً للحفاظ على صفة "المتمرد" بعد أن جعل من "التمرد" قيمة إيجابية في حد ذاتها، الأمر الذي أنتج جيلاً متمرد تمرداً مزيف وسهل أو ما سماهم Phillip Muray بـ التمردقراطيين rebellocrates، شباب يدعي الثورية لكنه لا يواجه أبداً السلطة الحقيقة والأيديولوجيات المهيمنة فعلاً ويكتفي بتحطيم أبواب مشرعة، وهذا أسوء أنواع الإستلاب. هذا الشباب هو ما أصبح يعرف لاحقاً بـ "البوبو" les bobos
أما العمال فأغلبهم اليوم يصوت لأقصى اليمين (كانوا سبب فوز ترمب) ومعادين بشدة لليسار بشكل عام وكل ما يمثله من قيم يصفها بـ "التقدمية" والمعادية للقيم المحافظة التي تأسس عليها المجتمع وتمنع تفككه أمام أيديولوجيا تعدد الثقافات وحقوق الإنسان.
وبعكس ما يدعيه شباب ماي 68 من تمرد على الرأسمالية، كانوا هم أكثر من خدم الرأسمالية "المعولمة" وكانوا فعلاً "حمقى مفيدين" useful ediots بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي لا يمكن ان تنزعج أمام التحطيم الكامل للثقافات والحدود والخصوصيات المحلية وتعويضها بالقيم الفردانية والهيدونية وثقافة الاستهلاك.
-----------------
22 مارس 1968؛ تندلع أعمال شغب على يد مجموعة من الطلاب الأناركيين على رأسهم Daniel Cohn-Bendit في جامعة "نانتير" الفرنسية، مطالبهم كانت مثل كل مطالب الأناركيين: اطلاق الحريات وإنهاء كل ما كانوا يعتبرونه مجتمع سلطوي.
2 ماي؛ جامعة نانتير تغلق أبوابها وتأخذ أعمال الشغب في التوسع إلى أغلب شوارع باريس الرئيسية والمدن الكبرى على يد طلاب أغلبهم من خلفيات شيوعية تروتسكية.
13ماي؛ مع تصاعد الاحتجاجات تنضم النقابات العمالية للحراك وتعلن الإضراب الشامل. فرنسا كلها في حالة شلل تام وفوضى عارمة في الشوارع مع شائعات بحدوث انقلاب عسكري على الرئيس الفرنسي ديغول الذي بدى غير مرغوبٍ فيه من قبل الشعب، وأخرى تتحدث عن استعداد الجيش لاقتحام باريس بغية إخماد التمرد (ديغول كان يفضل إدخال الجيش، لكن رئيس حكومته أقنعه بالاكتفاء بنشر شائعة دخول الجيش). مع هذا التوتر السياسي الحاد في باريس كان ديغول يخشى فعلاً انقلاب الجيش عليه، فما كان منه سوى التوجه بالمروحية إلى ألمانيا في سرية تامة حتى عن أقرب مساعديه، هناك استقر في قاعدة عسكرية فرنسية تحت قيادة أحد الجنرالات الثقاة.
30 ماي؛ الرئيس يلقي خطاب يعلن فيه حل البرلمان وإجراء انتخابات نيابية مسبقة، في المقابل أعلن المتمردون انتصار ارادة الشباب (الاسم الآخر لحماقة الشباب) على ما كانوا يسمونه الطاغية والفاشي ديغول.
30 جوان (يونيو) فرز أصوات الناخبين، النتيجة كانت صدمة حقيقية: فوز تحالف الرئيس بنسبة أعلى من الإنتخابات السابقة.
هذا ما يسمى في فرنسا بـ ثورة ماي 68، طلاب يحملون أفكاراً ماركسية اقتصادياً وليبرالية اجتماعياً، اغلبهم من ابناء الطبقة البورجوازية والبورجوازية الصغيرة من موظفي الحكومة، نزلوا للشوارع ضد ما يسمونه القيم البورجوازية القمعية وضد كل أشكال السلطة او المعايير والقيم الثابتة التي لا تخضع للنسبية والمساومة، حاملين شعارات «ممنوع المنع» «استمتع بدون قيود» «أنظر لرغباتك على أنها واقع». انضم إليهم فيما بعد العمال بمطالبهم الاجتماعية، فرحة الطلاب بهم كانت كبيرة، أخيراً ثورة اشتراكية تأخذهم للشيوعية المثالية.
بعد 50 سنة من ماي 68، تأكد بدون أدنى شك بأن الجانبين (الطلاب، العمال) لا تربطهم أي قيم او مطالب اجتماعية. أولئك الطلاب من جيل الـ Baby Boomers كانوا خلاصة أفكار ما بعد الحرب العالمية الثانية التي شهدت صعود النهج البنيوي الذي ينظر للمجتمع على أنه مجرد بناء مصطنع وبرز في التنظير لذلك أسماء فرنسية مشهورة (ليفي ستروس، ديبوفوار، دولوز، لاكان) لتنتقل بعد ذلك الى الضفة الاخرى من الأطلسي لتكون هي موضة الجامعات الأمريكية أين أطلق عليها اسم "النظرية الفرنسية" French Theory وأصبحت هناك هي الملهمة لكل من يحلم بتفكيك هياكل المجتمع وإعادة تشكيلها مثل العجين لتتلائم مع أحلامه المثالية وتصوراته الشخصية. مجتمع الـ LGBT، النسويات، الجندريين، البيداغوجيين في المدرسة والأقليات، كلهم تبنوا النهج التفكيكي في حربهم ضد بقايا قيم "العالم القديم" التي نجت من محرقة الثورة الفرنسية 1789: الأب، الأسرة، الدين، الوطن، الحدود، الجنس...
شهدت الفترة الأولى لتصاعد ذلك التفكيك (الستينات، السبعينات وإلى حد ما الثمانينات) انفلاتاً تاماً في الحريات مثل ما يحدث دائماً في المراحل الإنتقالية من نظام قديم إلى نظام جديد. بالنسبة للأنظمة الصاعدة، الحرية هي مجرد وسيلة مؤقتة يتم بها هدم النظام القديم، ومع بداية التسعينات بدأ النظام الجديد يفرض قيمه كطابوهات وممنوعات جديدة للمجتمع تُعرف اليوم بالصواب السياسي مع اعلان "الفرد" سلطاناً مطلقاً ومعياراً لكل شيء. لكن رغم ذلك، سعى هذا النظام دائماً للحفاظ على صفة "المتمرد" بعد أن جعل من "التمرد" قيمة إيجابية في حد ذاتها، الأمر الذي أنتج جيلاً متمرد تمرداً مزيف وسهل أو ما سماهم Phillip Muray بـ التمردقراطيين rebellocrates، شباب يدعي الثورية لكنه لا يواجه أبداً السلطة الحقيقة والأيديولوجيات المهيمنة فعلاً ويكتفي بتحطيم أبواب مشرعة، وهذا أسوء أنواع الإستلاب. هذا الشباب هو ما أصبح يعرف لاحقاً بـ "البوبو" les bobos
أما العمال فأغلبهم اليوم يصوت لأقصى اليمين (كانوا سبب فوز ترمب) ومعادين بشدة لليسار بشكل عام وكل ما يمثله من قيم يصفها بـ "التقدمية" والمعادية للقيم المحافظة التي تأسس عليها المجتمع وتمنع تفككه أمام أيديولوجيا تعدد الثقافات وحقوق الإنسان.
وبعكس ما يدعيه شباب ماي 68 من تمرد على الرأسمالية، كانوا هم أكثر من خدم الرأسمالية "المعولمة" وكانوا فعلاً "حمقى مفيدين" useful ediots بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات التي لا يمكن ان تنزعج أمام التحطيم الكامل للثقافات والحدود والخصوصيات المحلية وتعويضها بالقيم الفردانية والهيدونية وثقافة الاستهلاك.
-----------------
❤6🔥1
لابد هنا من التذكير ببعض الحقائق، وبالأخص لمن أسميهم بـ "يمين الميمز" الذي يميل لتبسيط كل شيء ولسبب ما حصروا اليمين في الرأسمالية التي حولوها بدورها الى دين وقسموا العالم لجهتين، جهة الشيوعيين الأشرار ومن جهة أخرى الرأسماليين الطيبين والمدافعين عن القيم المحافظة ضد الإنحطاط.
صحيح ان من حمل شعارات منظمات الشواذ والنسويات والأقليات كانوا يتبنون الفكر الشيوعي بشكل أو آخر، على الأقل من حيث الأدوات ومنهاجية تفسير التاريخ، لكن إذا نظرنا للواقع فسنجد ان الشعوب التي عاشت تحت ظل حكم الشيوعية هي الأكثر محافظةً وعداوة لليبرالية (روسيا، دول شرق أوروبا، الصين، وحتى ألمانيا الشرقية) أما دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة التي تعد رمز الرأسمالية فهي من شهدت ظهور وازدهار الليبرالية الاجتماعية التي يقول يمين الميمز انه ضدها.
صحيح ان من حمل شعارات منظمات الشواذ والنسويات والأقليات كانوا يتبنون الفكر الشيوعي بشكل أو آخر، على الأقل من حيث الأدوات ومنهاجية تفسير التاريخ، لكن إذا نظرنا للواقع فسنجد ان الشعوب التي عاشت تحت ظل حكم الشيوعية هي الأكثر محافظةً وعداوة لليبرالية (روسيا، دول شرق أوروبا، الصين، وحتى ألمانيا الشرقية) أما دول مثل بريطانيا والولايات المتحدة التي تعد رمز الرأسمالية فهي من شهدت ظهور وازدهار الليبرالية الاجتماعية التي يقول يمين الميمز انه ضدها.
❤7🔥2
ما وراء #MeToo
أحياناً؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الآن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
حملة MeToo هي قبل كل شيء حملة أإيدولوجية، أطلقتها الحركات النسوية ضد ما تسميه المجتمع الذكوري، وبالتالي هدفها لم يخرج عن التوجه المعتاد للحركة النسوية في تكريس فكرة مظلومية المرأة. لكن هذه الحملة لم تبدأ فجأة مع إطلاق الهشتاغ ولديها مقدمات تمتد لعقود سابقة.
نعود إلى البداية، إلى نيويورك 4 ماي 1975، وبالضبط داخل مركز اجتماعي صغير يسمى Greater Ithaca Activities Center، إجتمع هناك عدة نسوة للحديث عن المضايقات التي يتعرضن لها في العمل من قبل رؤسائهن. وضمن المتابعين لشهادات تلك النسوة كانت الصحفية النسوية Lin Farley [توصف بالسحاقية الراديكالية] التي كانت قد عينت قبل سنة من ذلك في جامعة كورنيل كمديرة قسم دراسات المرأة Women's studies [جامعة كورنيل كانت هي مهد هذا القسم قبل ذلك ببضع سنوات]. لدى عودة Farley لقسم دراسات المرأة ناقشت مع زميلاتها وطالباتها قضية ذلك الإجتماع وخرجن لأول مرة بمصطلح "تحرش جنسي" sexual harassment أو بالتحديد "التحرش الجنسي بالمرأة في العمل" بما أن التحرش إلى غاية ذلك الوقت وسنوات عديدة في ما بعد، كان قضية مرتبطة حصراً بعمل المرأة.
في نفس السنة ،اقتربت الموظفة السوداء في قسم الفيزياء Carmita Wood من Farley لمساعدتها بعد أن اضطرت لترك العمل نتيجة ما تقول أنه مضايقات جنسية تعرضت لها لسنوات من قبل رئيسها عالم الفيزياء النووية المشهور Boyce McDaniel. أنشأت على إثر ذلك Farley و Wood مع زميلاتهن منظمة Working Women United ورفعت Wood أول قضية تحرش جنسي، لكن القانون لم يكن يعترف بالتحرش الجنسي بشكل مباشر وخسرت Wood قضيتها في النهاية. لكن تبع قضيتها عدة قضايا لنساء أخريات في محاكم مختلفة، وقضت سنة 1977 ثلاث محاكم بقبول دعوى التحرش الجنسي بوصفه مخالف لقانون المساواة الجنسية في العمل لسنة 1964، وفي سنة 1986 أقرت المحكمة العليا الأمريكية بالتحرش الجنسي بوصفه شكل من أشكال التمييز الجنسي في العمل، ومع مرور الزمن تبنت كل دول العالم تقريباً قوانين لتجريم التحرش الجنسي في العمل (بعضها قبل و.م.أ) ثم مع مرور السنوات عمم مفهوم التحرش على كل جوانب الحياة الاجتماعية.
لكن رغم مرور سنوات عديدة على رصد التحرش الجنسي كظاهرة، لم يكن إلى غاية سنة 2000 تقريباً قضية ذات أهمية سواءً في أحاديث أغلبية الناس العادية أو الإعلام والنخب، وحتى لدى الحركات النسوية التقليدية. وكان من الغريب جداً سماع لفظ تحرش جنسي، وغالباً ما كان يُستعمل في الإعلام العربي وبين النخب لفظ "معاكسة" وفي الإنجليزي "hitting on" وفي الفرنسي "draguer" لوصف أغلب ما يوصف اليوم بالتحرش الجنسي في الأماكن العامة.
تحوُل التحرش إلى قضية رأي عام كما هو اليوم، بدأ فقط مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات النسوية الرقمية وأوصاف مثل: مدون، ناشط عبر الأنترنت... ومعهم بدأت حركات ضد للتحرش في الظهور، تبناها لجاذبيتها الإعلام سريعاً وبمرور السنوات أخذ الأمر في التوسع إلى غاية الهوس الحقيقي. وأصبح التحرش الجنسي يستعمل لوصف كل شيء تقريباً، ما بين الموظفة التي يلاحقها يومياً مديرها إلى غاية "صباح الخير" في ناصية الشارع، كلها أصبحت تدخل ضمن إحصاءات "100٪ من نساء الدولة X تعرضن للتحرش" التي لم يسلم منها أي بلد، وأصبح التحرش هو المشكل العالمي المستعجل رقم واحد. وحتى الفرق الشاسع بين التحرش والاغتصاب لم يعد له معنى في الأذهان. كما ساد الاعلام خطاب بيوريتاني مزيف لا مثيل له ومراقبة لكل حركة أو كلمة في غير مكانها.
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى والتباس أكبر في استعمال المصطلح، لو حدث عراك مثلاً بين رجل وامرأة يوصف مباشرةً من قبل الجميع في الأنترنت والإعلام (الحريص على جذب الإنتباه) بالتحرش مع أن نفس الشجار كان يمكن أن يكون بين رجلين أو امرأتين.
كل هذا الهوس بالتحرش والقضايا الجنسية بشكل عام التي يباركها التقدميون اليوم غير مدركين إلى أي مدى ستعود العجلة التاريخية إلى الخلف بالنسبة لنموذج الانفتاح الجنسي والاختلاط بين الجنسين الذي ناضلوا من أجله في الماضي (ناضلوا = ضجيج). مظاهر مثل سيارات أجرة وعربات قطارات مخصصة للإناث في دول مثل اليابان وكندا وأستراليا وغيرها كانت ستصيب ليبرالي الستينات بالجنون، وهي مجرد البداية فقط. مع حملة MeToo أصبح الثمن الاقتصادي والأكاديمي لهذا النموذج المنفتح يشكل عبء حقيقي على المجتمع. أكثر من 250 شخصية من النخبة الأولى سقط في الشهور الأخيرة، رؤساء شركات كبيرة، ممثلين، علماء، أكاديميين ومشاهير في كل المجالات [آخرهم مبسط العلوم المشهور "نيل ديجراس تايسون"] بعض الذين سقطوا شاركوا بأنفسهم في اطلاق الحملة.
أحياناً؛ بعض الأفكار تنتهي إلى عكس ما كانت تسعى إليه وتنقلب على أصحابها. نرى ذلك الآن جيداً مع حملة MeToo على العنف والتحرش الجنسي التي تحولت إلى ما يشبه كرة ثلج متدحرجة.
حملة MeToo هي قبل كل شيء حملة أإيدولوجية، أطلقتها الحركات النسوية ضد ما تسميه المجتمع الذكوري، وبالتالي هدفها لم يخرج عن التوجه المعتاد للحركة النسوية في تكريس فكرة مظلومية المرأة. لكن هذه الحملة لم تبدأ فجأة مع إطلاق الهشتاغ ولديها مقدمات تمتد لعقود سابقة.
نعود إلى البداية، إلى نيويورك 4 ماي 1975، وبالضبط داخل مركز اجتماعي صغير يسمى Greater Ithaca Activities Center، إجتمع هناك عدة نسوة للحديث عن المضايقات التي يتعرضن لها في العمل من قبل رؤسائهن. وضمن المتابعين لشهادات تلك النسوة كانت الصحفية النسوية Lin Farley [توصف بالسحاقية الراديكالية] التي كانت قد عينت قبل سنة من ذلك في جامعة كورنيل كمديرة قسم دراسات المرأة Women's studies [جامعة كورنيل كانت هي مهد هذا القسم قبل ذلك ببضع سنوات]. لدى عودة Farley لقسم دراسات المرأة ناقشت مع زميلاتها وطالباتها قضية ذلك الإجتماع وخرجن لأول مرة بمصطلح "تحرش جنسي" sexual harassment أو بالتحديد "التحرش الجنسي بالمرأة في العمل" بما أن التحرش إلى غاية ذلك الوقت وسنوات عديدة في ما بعد، كان قضية مرتبطة حصراً بعمل المرأة.
في نفس السنة ،اقتربت الموظفة السوداء في قسم الفيزياء Carmita Wood من Farley لمساعدتها بعد أن اضطرت لترك العمل نتيجة ما تقول أنه مضايقات جنسية تعرضت لها لسنوات من قبل رئيسها عالم الفيزياء النووية المشهور Boyce McDaniel. أنشأت على إثر ذلك Farley و Wood مع زميلاتهن منظمة Working Women United ورفعت Wood أول قضية تحرش جنسي، لكن القانون لم يكن يعترف بالتحرش الجنسي بشكل مباشر وخسرت Wood قضيتها في النهاية. لكن تبع قضيتها عدة قضايا لنساء أخريات في محاكم مختلفة، وقضت سنة 1977 ثلاث محاكم بقبول دعوى التحرش الجنسي بوصفه مخالف لقانون المساواة الجنسية في العمل لسنة 1964، وفي سنة 1986 أقرت المحكمة العليا الأمريكية بالتحرش الجنسي بوصفه شكل من أشكال التمييز الجنسي في العمل، ومع مرور الزمن تبنت كل دول العالم تقريباً قوانين لتجريم التحرش الجنسي في العمل (بعضها قبل و.م.أ) ثم مع مرور السنوات عمم مفهوم التحرش على كل جوانب الحياة الاجتماعية.
لكن رغم مرور سنوات عديدة على رصد التحرش الجنسي كظاهرة، لم يكن إلى غاية سنة 2000 تقريباً قضية ذات أهمية سواءً في أحاديث أغلبية الناس العادية أو الإعلام والنخب، وحتى لدى الحركات النسوية التقليدية. وكان من الغريب جداً سماع لفظ تحرش جنسي، وغالباً ما كان يُستعمل في الإعلام العربي وبين النخب لفظ "معاكسة" وفي الإنجليزي "hitting on" وفي الفرنسي "draguer" لوصف أغلب ما يوصف اليوم بالتحرش الجنسي في الأماكن العامة.
تحوُل التحرش إلى قضية رأي عام كما هو اليوم، بدأ فقط مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي والمجموعات النسوية الرقمية وأوصاف مثل: مدون، ناشط عبر الأنترنت... ومعهم بدأت حركات ضد للتحرش في الظهور، تبناها لجاذبيتها الإعلام سريعاً وبمرور السنوات أخذ الأمر في التوسع إلى غاية الهوس الحقيقي. وأصبح التحرش الجنسي يستعمل لوصف كل شيء تقريباً، ما بين الموظفة التي يلاحقها يومياً مديرها إلى غاية "صباح الخير" في ناصية الشارع، كلها أصبحت تدخل ضمن إحصاءات "100٪ من نساء الدولة X تعرضن للتحرش" التي لم يسلم منها أي بلد، وأصبح التحرش هو المشكل العالمي المستعجل رقم واحد. وحتى الفرق الشاسع بين التحرش والاغتصاب لم يعد له معنى في الأذهان. كما ساد الاعلام خطاب بيوريتاني مزيف لا مثيل له ومراقبة لكل حركة أو كلمة في غير مكانها.
في الدول العربية مثلاً [مصر خاصةً] يلاحظ فيها نتيجة طبيعة المجتمع المحافظ/العاطفي فوضى والتباس أكبر في استعمال المصطلح، لو حدث عراك مثلاً بين رجل وامرأة يوصف مباشرةً من قبل الجميع في الأنترنت والإعلام (الحريص على جذب الإنتباه) بالتحرش مع أن نفس الشجار كان يمكن أن يكون بين رجلين أو امرأتين.
كل هذا الهوس بالتحرش والقضايا الجنسية بشكل عام التي يباركها التقدميون اليوم غير مدركين إلى أي مدى ستعود العجلة التاريخية إلى الخلف بالنسبة لنموذج الانفتاح الجنسي والاختلاط بين الجنسين الذي ناضلوا من أجله في الماضي (ناضلوا = ضجيج). مظاهر مثل سيارات أجرة وعربات قطارات مخصصة للإناث في دول مثل اليابان وكندا وأستراليا وغيرها كانت ستصيب ليبرالي الستينات بالجنون، وهي مجرد البداية فقط. مع حملة MeToo أصبح الثمن الاقتصادي والأكاديمي لهذا النموذج المنفتح يشكل عبء حقيقي على المجتمع. أكثر من 250 شخصية من النخبة الأولى سقط في الشهور الأخيرة، رؤساء شركات كبيرة، ممثلين، علماء، أكاديميين ومشاهير في كل المجالات [آخرهم مبسط العلوم المشهور "نيل ديجراس تايسون"] بعض الذين سقطوا شاركوا بأنفسهم في اطلاق الحملة.
❤4👏2
أضف إلى ذلك مئات الموظفين الذي تعرضوا للفصل لمجرد أن إحدى الزميلات أتهمتهم بالقيام بتصرف غير لائق معهن، كل هذا لن يمر بدون ردة فعل وبحث عن حلول لتقليل الخسائر المادية والنزيف البشري.
الشركات اليوم وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي بين حماية لابد منها للموظفات من التحرش وتوفير لهن جو عمل مقبول، وبين حماية الموظفين من الوقوع ضحية اتهامات كيدية ستضع الشركة في حرج في كل الأحوال سواءً تعاملت معها أو تركتها. هذا ما دفع شركات مؤخراً لوضع قوانين صارمة ونصائح داخلية هي في الحقيقة عودة جزئية للفصل بين الجنسين وكانت ستوصف قبل عقود من قبل التنويري بأنها إجراءات ترعاها حركة طالبان الأفغانية، منها على سبيل المثال: ممنوع النظر إلى زميل آخر أكثر من 5 ثواني، ممنوع المصافحة، تجنب تناول الطعام مع الزميلات، تجنب أي وضعية خلوة مع الزميلات، لا تجلس أمام زميلتك في الطائرة خلال السفر، تجنب حجز غرفة من الفندق في نفس طابق زميلتك. (الروابط في التعليقات)
----------------------------------
الملفت للنظر في هذا الموضوع والمهم فعلاً ليس التحرش كظاهرة فهو لن يتوقف ولا أحد من الجنسين له الرغبة في وقفه على الأقل في الوقت الراهن، الملفت هو مدى صدق ما تصوره البشر دائماً في الماضي عن التاريخ البشري بوصفه دورة حياة لا تكف عن الدوران أو كأنه مثل أمواج بحر تذهب وتجيء، في مقابل زيف ادعاءات أيديولوجية التقدم التي روجت بالاعتماد على تأثير التقدم التقني على الأذهان لفكرة زائفة بغية تبرير كل ما يطرحوه تقول بأن البشر في تطور اجتماعي/أخلاقي دائم ضمن خط مستقيم لا نهاية له وأن القيم المعاصرة لم يعرفها أحد من قبل وأن القيم التي سبقت مباشرةً هذا العصر ذهبت ولن تعود لأنها حسب تصورهم قائمة على أسباب غير موضوعية، وبالتحديد وضعوا اللوم على الدين (والتقاليد أيضاً) الذي حملوه كل ما أعتبروه غير مناسب، وهنا تكمن مغالطة أخرى من قبلهم لأنهم لا ينظرون للدين بشكل إيماني محض أو مادي محض، فإذا كان الدين أو بالأحرى تشريعات الدين هي فعلاً ذات مصدر سماوي فسيكون من الغباء الشديد مخالفتها، وإذا لم تكن كذلك فهي إذن مجرد إجتهاد بشري نتيجة واقع فرض نفسه وبالتالي لا يمكن اعتبارها ظاهرة نتجت عن طفرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد أهواء.
الشركات اليوم وجدت نفسها أمام مأزق حقيقي، فهي بين حماية لابد منها للموظفات من التحرش وتوفير لهن جو عمل مقبول، وبين حماية الموظفين من الوقوع ضحية اتهامات كيدية ستضع الشركة في حرج في كل الأحوال سواءً تعاملت معها أو تركتها. هذا ما دفع شركات مؤخراً لوضع قوانين صارمة ونصائح داخلية هي في الحقيقة عودة جزئية للفصل بين الجنسين وكانت ستوصف قبل عقود من قبل التنويري بأنها إجراءات ترعاها حركة طالبان الأفغانية، منها على سبيل المثال: ممنوع النظر إلى زميل آخر أكثر من 5 ثواني، ممنوع المصافحة، تجنب تناول الطعام مع الزميلات، تجنب أي وضعية خلوة مع الزميلات، لا تجلس أمام زميلتك في الطائرة خلال السفر، تجنب حجز غرفة من الفندق في نفس طابق زميلتك. (الروابط في التعليقات)
----------------------------------
الملفت للنظر في هذا الموضوع والمهم فعلاً ليس التحرش كظاهرة فهو لن يتوقف ولا أحد من الجنسين له الرغبة في وقفه على الأقل في الوقت الراهن، الملفت هو مدى صدق ما تصوره البشر دائماً في الماضي عن التاريخ البشري بوصفه دورة حياة لا تكف عن الدوران أو كأنه مثل أمواج بحر تذهب وتجيء، في مقابل زيف ادعاءات أيديولوجية التقدم التي روجت بالاعتماد على تأثير التقدم التقني على الأذهان لفكرة زائفة بغية تبرير كل ما يطرحوه تقول بأن البشر في تطور اجتماعي/أخلاقي دائم ضمن خط مستقيم لا نهاية له وأن القيم المعاصرة لم يعرفها أحد من قبل وأن القيم التي سبقت مباشرةً هذا العصر ذهبت ولن تعود لأنها حسب تصورهم قائمة على أسباب غير موضوعية، وبالتحديد وضعوا اللوم على الدين (والتقاليد أيضاً) الذي حملوه كل ما أعتبروه غير مناسب، وهنا تكمن مغالطة أخرى من قبلهم لأنهم لا ينظرون للدين بشكل إيماني محض أو مادي محض، فإذا كان الدين أو بالأحرى تشريعات الدين هي فعلاً ذات مصدر سماوي فسيكون من الغباء الشديد مخالفتها، وإذا لم تكن كذلك فهي إذن مجرد إجتهاد بشري نتيجة واقع فرض نفسه وبالتالي لا يمكن اعتبارها ظاهرة نتجت عن طفرة لا يمكن تفسيرها بوصفها مجرد أهواء.
👏5❤1👍1