حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
مدرسة سلامنكا اللاهوتية والأساطير المؤسسة لإيديولوجيا حقوق الإنسان (هام جداً لفهم العصر الحديث والليبرالية بالتحديد)
_________

أمراض العالم الحديث هي البنات غير الشرعية للفكر الثيولوجي المسيحي
~ آلان دو بنوا
🔥4
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
2
من أين يستمد الليبرالي شرعيته؟

كما هو ربما معروف، ترتكز الليبرالية على نظرية أو بالأحرى أسطورة مؤسسة نشأت في مدرسة "سلامنكا" اللاهوتية في إسبانيا خلال القرن 16 وهي نظرية "الحالة الطبيعية" State of nature التي تفترض بأن المجتمع حالة غير طبيعية والفرد هو وحده الطبيعي لكنه أضطر إلى تأسيس مجتمع فقط من أجل حماية مصالحه وتجنب حالة "حرب الجميع ضد الجميع" the war of all against all التي كانت سابقة للمجتمع بحسب النظرية. لكن طبعاً يبقى كل هذا مجرد أسطورة وهمية ولا تملك اي سند علمي أو تاريخي.

أما من حيث الواقع، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه والمجتمع هو الحالة الطبيعية الوحيدة له، ولم تكن المجتمعات خلال كل عمر البشرية بحاجة لصديقنا اليبرالي لتعيش في حالة سلم داخلي قائم على انسجام إثني قومي أو ديني أو عرقي... [الأمر يختلف من مجتمع لآخر]، وحتى ولو وجدت أقليات فوجودها لم يكن يسبب أزمات تنتهي إلى حرب أهلية ما ظلت الأغلبية تتمتع بنوع من Superiority يعترف بها الجميع، هكذا عاش البشر ونظموا حياتهم دائماً إلى أن جاء الليبرالي وقرر بأن كل هذا غير حقيقي وأن الحقيقة الوحيدة هي الفرد المنعزل [الفردانية] بدون أي هوية باستثناء نوعه البيولوجي "إنسان" [الإنسانوية وديني الإنسانية وأنا إنسان فقط] وبأن المجتمع لا وجود له أصلاً وأكيد لن توجد هوية جامعة، أما ما نعتبره مجتمع فهو مجرد شركة تجارية يملك فيها كل فرد سهم واحد ولا ينبغي أن يتشكل أي تكتل يملك أغلبية الأسهم، أما الحقوق فهي مستمدة من الطبيعة وليس من المجتمع وبالتالي كل الأسهم متساوية [مساواتية] بغض النظر عن أي معطيات اجتماعية وبالتالي لا يجوز "التمييز" لأن ذلك سيخالف طبعاً حقوق الإنسان الطبيعية Natural law [إذا كنت تعتقد بوجود حقوق طبيعية، اذهب للغابة وانظر جيداً فربما ستجدها هناك].

من هذا الباب سيقدم الليبرالي نفسه كحامي الفرد أمام المجتمع، وكحامي الأقليات أمام الأغلبية التي ستُعتبر مصدر كل الشر والاستبداد، أما الأغلبية فستنظر إلى ذلك على أنه اعتداء على حقها الطبيعي [حتى بمنطق الشركة والديموقراطية] واستبداد من قبل الفرد والأقليات التي قدم لها الليبرالي ما يشبه السهم الذهبي Golden share في الشركة.

في هكذا وضع لابد أن يدخل الليبرالي في صراع مع المجتمع/الأغلبية، سيحاول بأي ثمن كسر وإضعاف تماسك المجتمع/الأغلبية من خلال خلق أكبر عدد من أصناف الأقليات التقليدية [عرقية، دينية...] والوهمية [هويات جنسية، المرأة...] لاستمالة أكبر عدد ممكن ممن يصنفون أنفسهم كجزء من الأغلبية إلى أن يتحول المجتمع كله تقريباً إلى مجموعة أفراد وأقليات بدون أي كتلة رئيسية وتعيش كلها في صراع حول من يتحصل على أكبر عدد ممكن من الإمتيازات [تسمى حقوق] ضمن سباق المظلومية الذي سيكون فيه الليبرالي هو الحكم والضامن للاستقرار.

أما الأغلبية [أو ربما بقايا الأغلبية التاريخية] التي تخشى زوالها وتحاول مقاومة تهميشها ستنظر إلى الأقليات على أنها متأمرة عن وعي مع النظام الليبرالي الذي يستمد شرعيته من حمايتها وبالتالي سيعتقد البعض أن ضرب تلك الأقليات سيوجع النظام الليبرالي أو سيجعل الأقليات تختفي، وهذا ما يفسر ليس فقط مذبحة كريس شورش في نيوزيلاندا وأغلب الحوادث في الدول الغربية التي يقدمها لنا الإعلام الليبرالي على أنها جرائم كراهية مستعملاً بذلك أسلوبه المعتاد في نفسنة spychiatrization كل ظاهرة لا يرضى عنها لتجنب نقاش جدي حول الموضوع.
لكن هنا سنخطئ إذا اعتبرنا أن الأمر يقتصر على الغرب، أغلب دول العالم المعاصرة أساسها ليبرالي من حيث هذا الجانب وقائمة على شرعية حماية الأقليات إن وجدت ولو من حيث الخطاب، عندما يتم مثلاً تفجير كنيسة للأقباط في مصر فإن الفاعل هنا أيضاً لا يختلف من حيث الدوافع والمبررات السياسية التي يصوغها عن ذلك النيوزيلاندي، وينظر إلى الأقباط على أنهم الطفل المدلل لدى النظام الحاكم وحلفاءه وبارتكاب مجزرة في حقهم سيجعل النظام يتراجع حمايةً لهم.

لكن كل هؤلاء [وبغض النظر عن التقييم الأخلاقي] لا يخدمون بهذا الأسلوب ولا بأي شكل من الأشكال قضيتهم ولا يتعدى فعلهم الانتقام المجاني، والسبب تركيزهم على الأعراض وترك المرض الأصلي الذي خلق حالة الارتياب والاضطراب في المجتمع، والنتيجة ستكون إجراءات ليبرالية أكثر وتدعيم أكثر للسلطة الليبرالية فهي تعتاش في الأساس على التخويف من الحرب الأهلية أو "حرب الجميع ضد الجميع"، وهنا يشبه الليبرالي ذلك الإطفائي المصاب بهوس الحرائق pyromania، يفعل كل شيء لخلق الظروف المناسبة لإشتعال الحرائق ثم يعود مرة أخرى ليطفئها وينال التصفيق والأوسمة على ذلك.
———————————
🔥42🤯1
يجب الإنتباه أيضاً إلى أن الليبرالية وحقوق الإنسان هي الرافعة الإيديولوجية التي تقوم عليها العولمة التي تريد فرض نموذج إنساني واحد وأسلوب حياة [نموذج وأسلوب الأقوى] واحد على كل البشر [قطيع واحد كبير بإستعمال مفردات التنويري] ولا تعترف بأي حق للمجتمعات في أن تكون لها شخصيتها الخاصة، والغريب في الأمر أنه لا أكثر من كلمة "تنوع" و"تعددية" على لسانهم.
6
2
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
3
تقول الروايات أن أحد الخلفاء سمع وهو يتجول في المدينة ليلاً إمرأةً تنشد شعرًا عن وحدتها وقد خرج زوجها مع الجيش:

تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني أن لا خليل ألاعبـه
فوالله لولا الله أني أراقبـــه *** لحرك من هذا السرير جوانبه

توجه مباشرةً بعدها الخليفة إلى إبنته يسألها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال الخليفة: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.

هذا الخليفة هو عمر بن الخطاب، لكن أغلب المسلمين اليوم (حتى لا أقول كلهم) يكاد يكون من شبه المستحيل أن يخطر على بال أحدهم للحظة أن يسأل ابنته هكذا سؤال مهما كانت درجة ادعاءه "الانفتاح" وعلى الأرجح كان سيكون له موقف سلبي من صاحبة الآبيات.
لكن ردة فعل عمر بن الخطاب لم تكن على الأغلب ميزة استثنائية متعلقة بشخصه كما قد يحب أن يتصور أي مسلم اليوم بقدر ما هي ردة فعل طبيعية منبعها البيئة التي عاش فيها سواءً قبل الإسلام أو بعده والتي لا ترى في الجنس في حد ذاته أي نزعة حيوانية دنيئة أو ممارسة قذرة تستدعي الخجل، بشرط أن يكون ذلك ضمن علاقة شرعية. ومن السهل أن نجد أمثلة كثير تعكس قدر الارتياح في الحديث عن موضوع الجنس في التاريخ الإسلامي منذ بدايته إلى غاية ما قبل آخر قرنين، كما سنجد عدة مؤلفات عن الجنس كتبها أحيانًا فقهاء، منها مؤلفات تصل جرأتها جرأة نصوص الكاماسوترا الهندية، كما وجدت دورات حول الجماع للمتزوجين والمقبلين على الزواج داخل الجوامع، بالإضافة إلى قضاة مختصين دورهم الفصل في النزاعات الخاصة بين الأزواج.
من جهة أخرى لا يمكن أن نقول عن هذه النظرة للجنس في البيئة العربية-الإسلامية القديمة بأنها نظرة إستثنائية بين المجتمعات البشرية، بل هي السائدة والطبيعية لدى البشر، وتعتبر محافظة نوعًا ما إذا ما قارناها مثلاً مع ما هو موجود في اليابان أو الهند أو الصين أو إفريقيا.
لكن لسبب ما طرأ تغيير كامل على الخطاب العام وأصبح يُنظر إلى الجنس في حد ذاته على أنه ممارسة قذرة تمثل الجانب الحيواني في الإنسان بغض النظر عن ظروفه، تقريبًا كل الناس من أقصى اليمين (إسلاميين ومحافظين) مرورًا بالمسلمين العاديين إلى غاية أقصى اليسار (علمانيين، ليبراليين...) يجمعهم خطاب المزايدة الذي يتهم الآخر بالهوس الجنسي والشهوانية. فما الذي حصل؟

«وحدها المسيحية، بضغينتها العميقة ضد الحياة هي التي جعلت من الجنس دنسًا : لقد لطخت بالوحل شرط حياتنا الأول»
~ فريدريك نيتشه

منذ بدايتها، أو ربما مع بولس الرسول تحديدًا، فصلت المسيحية بين الروح والجسد وأعتبرتهما متناقضين وراحت تقدس الروح باعتبارها تمثل الجانب الملائكي في الإنسان الذي قدم من جنة عدن، وتحتقر الجسد الدنيوي باعتباره الجانب الشيطاني ومكمن الرذائل كلها. بالنسبة للمسيحية الأعضاء الجنسية هي لعنة أصابت آدم عند سقوطه إلى الدنيا بجسد "حيواني" بعد إرتكابه الخطيئة الأولى التي كان قبلها روحًا ملائكية غير مجنسنة، لا هو ذكر ولا هو أنثى androgynous. فكان لابد للمسيحي الذي يبتغي الحياة الفضلى والعودة إلى ما قبل الخطيئة الأولى أن يقمع هذا الجسد ويعيش حياة بتولية إقتداءً بالمسيح الذي قيل أنه كان بتولًا ولم يتزوج مريم المجدلية، وولد من أم بتول قيل أنها لم تتزوج بعد إنجابه، وعمده نبي بتول هو يوحنا المعمدان، وعهد بأمه إلى رسول بتول هو يوحنا الحبيب.

«البتولية هي الوضع الطبيعي، والزواج أتى بعد السقوط»
~ القديس جيروم

«أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا»
~ بولس الرسول

لكن الجنس حاجة طبيعية وضرورة بديهية لبقاء البشر، ومن غير المعقول منعه على كل الناس، وفي كل الأحوال لن يلتزم غالبيتهم بذلك مهما فعلت. يقول بولس الرسول «من تزوج فحسنًا يفعل ومن لا يتزوج يفعل أحسن».
لكن هذا لا يعني أن الجنس في ظل الزواج قد أصبح مباحًا بالمطلق. بالنسبة للمسيحية؛ لم يوجد الزواج إلا لضرورة واحدة هي الإنجاب ولا يسمح بأن يكون وسيلة للمتعة الجسدية الصرفة بأي حل من الأحوال، وكل من يستعمل الزواج لذلك فهو أثم ولا يختلف عن أي "زاني"، من هذا المنطلق حرمت الكنيسة مثلاً إستعمال موانع الحمل فهي تعني بالضرورة أن الجنس سيكون للمتعة فقط. يقول القديس توما الأكويني «استعمال الزواج هو دائمًا ذنب وخطيئة ما لم تكن نية الأزواج هي الإنجاب» ويقول البابا إينوست 11 «العلاقة الزوجية الممارسة من أجل المتعة فقط، مدانة كخطيئة سواءً من أشخاص متزوجين أو عزاب».
من هنا ظهر الخطاب المسيحي الذي يؤكد على تقديم الجانب الروحي في العلاقة الزوجية، وهو نفس الخطاب الذي أنتقل إلى الزمن المعاصر، نجده بالأخص لدى الرومنسيات ومدعي الطهارة الزائفة. قرون من الفصل المسيحي بين الروحي والجسدي وتفضيل البتولية على الزواج لا تزول من الأذهان بالسهولة التي قد نتوقعها.

«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~ غلبرت كايث تشيسترتون
7👍5🔥1
الوعي الغربي تشكل خلال الألفي سنة الماضية إما عبر قيم مسيحية أو قيم ضد مسيحية مثل حركة الإباحيين بالقرن 16 التي أنتهت بالثورة الجنسية لدى عوام الناس بالقرن 20. صحيح الثورة الجنسية أسقطت تقريبًا كل محرم مسيحي في طريقها وخلقت حالة هيدونية معاكسة تمامًا وتضع الجسد والمتعة (الجنسية وغير الجنسية) في مركز اهتمام المجتمع. لكن الخطاب العام المصاحب لتلك الثورة ظل دائمًا كما هو مسيحي في جوهره يقدس الروح ويمقت الجسد، كل ما حدث هو علمنة للخطاب المسيحي. من هنا نفهم سبب ظهور طهرانية حديثة في طريقة التعبير عن الجنسانية تستعمل "الحب" كقيمة روحية تبرر الفعل الجسدي وتهمشه. لم تعد الناس تمارس الجنس فهو ممارسة حيوانية جسدية، بل فقط تمارس الحب حتى بين مومس وزبونها. ومنه أصبح يمكن تبرير تقريبًا أي ممارسة جنسية أو "ضد جنسية" كالشذوذ في وجه القيم العائلية التقليدية بمجرد بإعطاءها لمسة رومنسية روحية. المهم والشرط الوحيد بالنسبة لرهبان اليوم هو الحب...

لكن المجتمع وجد نفسه هنا وسط مفارقة Paradox، من جهة هناك احتفاء وعرض مبالغ فيه للجنسانية (بالأخص لدى المرأة)، ومن جهة أخرى هناك استنكار لكل من يرى في ذلك جنسانية، بالنسبة لهم لا توجد علاقة بين التعري والجنس وكل من يرى ذلك فهو شهواني مريض يحتاج لعلاج حتى لا يرى في الجسد المجنسن "جنس". نفس منطق الرهبنة لكن بطريقة أخرى، في الماضي كان الراهب يعتزل المجتمع في أديرة منعزلة حتى لا يتأثر بالمغريات، أما اليوم فعلى الفرد أن يكون راهب على طريقة القديس سمعان الحمصي "المتباله" الذي كان يقتحم حمامات النساء ليرقص عاري، كان ذلك يعتبر لدى محبيه تحرر من ضغوط الجسد. بالنسبة لهم؛ انعدام الشهوة الجنسية "كرامة". أما بالنسبة لنظرائهم المعاصرين، فالرجل الذي تحدث له ردة فعل فيزيولوجية طبيعية أثناء تواجده في أحد شواطئ العراة، سيعتبر همجي ومنحرف شهواني Pervert، في الماضي غير المسيحي كان سيعتبر هذا الموقف من كمال الرجل. وفي الماضي أيضاً كانت الناس أقل نفاقاً، أفعالهم محافظة، لكن لغتهم قد يصفها المعاصرون بالبذيئة، نلاحظ هذا في الإحراج الذي يشعر به الشباب أحيانًا أمام طريقة كلام كبار السن. أما المعاصرين فأفعالهم لا يحدها شيء، لكنهم يصرون على لغة محافظة.

يعيدنا هذا إلى سؤال الأول، ما الذي حصل لبقية العالم؟
الذي حصل هو أن الغرب خلال المئتين سنة الأخيرة وأثناء توسعه العسكري حول العالم، قام كذلك بنشر قيمه التي هي في الأساس قيم مسيحية أو ضد مسيحية، في البداية كان ذلك بشكل مباشر من خلال قواته الغازية ثم إستمر الأمر عبر العولمة والأنظمة السياسية والنخب الثقافية التي رسخت التبعية للأجيال اللاحقة عبر المدرسة والإعلام والأدب، ولم يسلم من ذلك حتى التيارات التي تعتبر محافظة بعد أن تبنت هي الأخرى إلى حدٍ كبير الخطاب الجنسي البتولي إلى درجة أنها تجد صعوبة حتى في التعامل مع بعض الألفاظ الواردة في الأحاديث النبوية.

«أمراض العالم الحديث هي البنات غير الشرعية للفكر الثيولوجي المسيحي»
~ آلان دو بنوا
8🕊1
😁3
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
3
ترجمة لجزء من نص للفيلسوف والثيولوجي الفرنسي Paul Valadier يساعدنا على فهم جذور النزعة الإنسانوية التي أدت بدورها إلى ظهور الإلحاد المؤدلج وعلاقة ذلك بالمسيحية ضمن السياق النتشوي.

____________________________________

نيتشه، الذي عرف الإنسان على أنه "صانع ألهة" هو قبل شيء ناقد للوثنية التي قد تأخذ عدة أشكال أخرى غير الدين. المسيحية حسب نيتشه هي المسبب الأصلي «لإنتحارها» والناتج عن التناقض الذي وقع بين الاخلاق المستقيمة والدوغما.
نهاية المسيحية ليست في حد ذاتها إذَنّ خبراً سعيداً ولا خبراً مطمئناً. لكن؛ درس نيتشه هو أن المستقبل في جوهره مازال مفتوحاً بما في ذلك "إحياء الإله".

هل من الممكن أن يكون لفكر نيشته أي فائدة لدى من يتسائل عن مستقبل الدين في بداية هذه الألفية الثالثة؟ إذا اختزلنا نيتشه في الفولغاتا التي نخلطها بفلسفته الدينية، وهي موت الإله وبروز إنسان حر ومستقل أخيراً، منفك عن المعتقدات الطفولية والمخدِرة، فسيكون من الخطأ التوقف عند فكره. نرى جيداً استمرار وجود الأديان حتى تحت أشكال مقلقة وخطيرة؛ نعلم أيضاً إلى أي مدى هي أسطورة الإنسان البالغ والمتحرر أخيراً من الأوهام قد تبخرت حتى لا نتوقف كثيراً عند مثل هذه النبوءات الكاذبة. لهذا إذا كان نيتشه يثير اهتمامنا، بمعنى يساعدنا كفيلسوف على التفكير في وضعنا الديني الأصلي، فـ لأن فكره لا يتناسب مع هذه التصورات المبتذلة حتى وإن اختزله بعض القراء المتعجلين والمهتمين بتلك التصورات الهزيلة، بما في ذلك ثيولوجيون مسيحيون.

يجب التأكيد فوراً بأن نيتشه لم يتوقف كثيراً عند مستقبل الدين في حد ذاته، إذا قصدنا بذلك حديثه عن الدين بشكل عام، أو التشكيك في مزاعم شعور ديني لإظهار ابتذاله، لم يقدم فلسفة تتنبىٔ بمستقبل الدين في حد ذاته. كما يجب أن نؤكد أيضاً على أنه لم يشكك فعلاً في حيوية ودوام الشعور الديني لدى الإنسان الذي عرفه بوصفه «صانع ألهة» وصاحب مقدرة خصبة ولا تنضب في ابتكار الأوثان، إلى درجة أنه أكد في مقدمة كتابه «غسق الأوثان» على ذلك بقوله "هناك في العالم أوثان أكثر من الحقائق". صيغة تعبر عن إلى أي مدى هو صنع الأوثان خاصية بشرية وصيغة معبرة أيضاً عن ما تريد أن تنبهنا إليه: كم من ديانات تلاشت وضعفت، وبالأخص المسيحية، ورغم ذلك لم تمنع الإنسان من أن يكون مدفوعًا بـ «الرغبة في الإيمان» بمعنى حاجته للخضوع إلى أوثان، إلى يقين لا يتزعزع، إلى دعائم يرتكز عليها لتحمُل ودعم وجوده. من الواضح بالنسبة لنيتشه بأن العالم الحديث مليء بهكذا أوثان تحمل إسم «التقدمية»، «العلموية»، «نشر السعادة من أجل الجميع»، «الاشتراكية» أو «حقوق الإنسان»، بل وحتى «الإلحاد» الذي إذا صدقنا «جنيالوجيا الأخلاق» فهو ليس إلا التأويل الأكثر مكراً والأكثر تخفياً للرغبة في الحقيقة بأي ثمن، وبالتالي الرغبة في الايمان.
من هنا يمكن للدين أن يبقى على قيد الحياة رغم انحصار سيطرته المؤسساتية والدوغمائية والاخلاقية على الأنفس، تحت شكل وثنية معاصرة تحمل في جوهرها حسب نيتشه نفس خصائص الديانات القديمة، لكن مع إضافة وهم التحرر من الدين. ديانة من غير ديانة، إيمان بدون قناع ديني، هنا يقع «القادم متأخراً» أو «الإنسان الأعلى» الذي يعتقد أنه أذكى من البشر في الماضي، في فخاخ سيكون من الصعب عليه تجنبها.
لذلك من الضروري أن نقف قليلاً عند مصير الدين في العصر الحديث، وبالتحديد عند مصير المسيحية. أكد نيتشه كثيراً على كونه يتحدث انطلاقاً من ذاته وتجربته الحية والمؤلمة أثناء نشأته ومن مرضه ومصيره الذاتي، يتحدث في الأساس عن المسيحية، المسيحية التاريخية التي بالتأكيد شكلت أوروبا، وبالتحديد حركة التقوية اللوثرية التي صاغت شخصيته إلى الأفضل والأسوء. الحديث عن الدين، هو إذن بالنسبة لنيتشه حديث عن المسيحية بشكل أساسي، كذلك هي الأطروحات التي سأقدمها في هذه المداخلة.
نحن على «فراش موت المسيحية» على حد تعبير الأفوريزم 92 من كتابه «الفجر»؛ لكن هذا «الانتحار» لا ينبئ بخير، وسيفرز اضطرابات لا حصر لها ستسرع من خسارة البشرية؛ لأن في موت المسيحية يكمن مصير العدمية، وبالتالي لا ضمان أبداً لحكم الحقيقة والحرية والإنسان الذي سيكون أخيراً نفسه؛ ولهذا يجب أن نقف عند سؤال كيف سيكون شكل بنية الدين في المستقبل؟

إذا ضرب الموت المسيحية، فلا ينبغي حسب نيتشه أن نبحث عن السبب خارج المسيحية نفسها. الأمر الذي خالف فيه تيار العقلانية الذي ساد قرنه، وحتى فلسفة الأنوار التي أُعجب بها خلال حقبة «إنسان مفرط في إنسانيته»، لم يرى بأن الدين سيتراجع أمام عقلانية لا تتعدى كونها عشيقة نفسها، ولا أمام "تقدم" العلوم.
2👏1
بل هو يؤكد في الأفوريزم 300 في «العلم المرح» بأن الديانات هي من قدمت الدافع الحاسم نحو التعطش للمعرفة الذي ولدت منه العلوم، لأنها هي من جعلت الإنسان ينفتح نحو أبعاد أوسع من البعد المألوف للعالم المحسوس، وحفزته للشعور «بجوع ذاته وبعطشها، وأن يجد الشبع والارتواء»، وفي نفس النص استشهد بشكل معبر جداً بـ «بروميثيوس» بوصفه من خصائص ذلك الوهم الديني بإمتياز «وقد سرق النور»، قبل أن يكتشف أن هذه الرغبة في النور هي «من صنع يديه». لكن يبقى أصل الدافع نحو المعرفة في البداية هو الدين. بشكلٍ أعم، إذا لم تكن هناك أي «حقيقة» في الأديان، حسب الأفوريزم 110 في كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته»، فإن للدين أهميته، بل ضروري للإنسان لما يقدمه له من قوة للعيش؛ وبالتالي لا يمكن أن نضعه بجانب الأوهام التي كلها شر، ولا أيضاً بجانب الأخطاء التي يمكن تجاوزها بسهولة. إذا كان الدين يعطي الإنسان قوة العيش ثم هذا الدين تلاشى، فمن أين سنجد هذه القوة للعيش؟ هل من الممكن حتى أن يجدها الإنسان المعاصر بسهولة؟

أصالة النقد النيتشوي للمسيحية ترجع إلى اعتبار نيتشه المسيحية ديانة تفاعلية في جوهرها، بمعنى غير مستقرة ومتناقضة. مبنية على تناقضات لا يمكن إلا أن تنهار على المدى الطويل، وقد حان ذلك وقت. إذ اقتفينا أثر التحليلات للأفوريزم 357 من «العلم المرح» (ويمكن أن نرتكز على نصوص أخرى تقودنا إلى مقاربات ذات اختلافات ملحوظة، لكنها متسقة من حيث الجوهر مع هذا النص) سنقول: بأن موت المسيحية سببه التناقض الحاصل داخلها بين الأخلاق والدوغما. المؤمن ينشأ في الحقيقة على مراجعة ضميره ليوافق دقة تحليل أفعاله إلى غاية أدنى حركات روحه بالنسبة للإرادة الإلهية. من زاوية النظر هذه جاءت المسيحية بفكرة الإصرار على الذاتية وهو ما كان مجهولاً لدى الإغريق، إصرار جعل اي عودة إلى الإغريق مستحيلة، بما أننا نعجز حتى على فهم عالمهم الأخلاقي والديني. لكن هذه التنشئة التي أخذت قرون من الزمن، عظمت من صدق المفكر المؤمن، وبشكل أعم الاوروبي الذي شكله كرسي الاعتراف وتوجيه الوعي. جاء اليوم الذي انقلبت فيه هذه النزاهة الفكرية على النظام العقدي؛ هذا الأخير أصبح غير قابل للتصديق (الإيمان بعناية إلهية تقود التاريخ، بطيبة إلهٍ يدفع بكل شيء نحو الأفضل، وبالتالي فكرة «نهاية أخلاقية للنظام الكوني»، الإيمان بالفداء الذبيحي من قبل المسيح ...إلخ). ما يتعارض إذن مع المسيحية، هي ليست فعلاً حججنا بقدر ما هي أذواقنا: لم نعد قادرين «نحن الأوروبيين ورثة هذه الإرادة الأكثر ديمومةً والأكثر شجاعةً التي أظهرتها اوروبا» على دخول النظام العقدي الذي تطرحه المسيحية. هذا النظام بوصفه مربٍّ ارتهننا لذاته ثم انهار من الداخل من خلال تآكلٍ بطيء من مظاهره الاصلاح اللوثري على سبيل المثال، لقد كانت لحظةً أساسية وبالخصوص تفاعلية (أعتقد لوثر أنه سيعيد الحيوية الأولى للإيمان، لكنه ساهم في الحقيقة في خرابه بنزع القدسية عن القس والكتاب المقدس).

يمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن المسيحية بالغت في تقدير الإنسان، وضعته في المركز، جعلته يؤمن بأن له قيمة لا حدود لها عند الرب إلى درجة أنه كان لزاماً على الرب أن يقبل بالتضحية بابنه من أجل خلاصه (حسب نسخة بولس للمسيحية التي انتقدها نيتشه بشكل خاص). من المهم جداً أن ننتبه هنا إلى التهمة المركزية، في أغلب الأحيان مجهولة لدى المفسرين، وبالأخص الثيولوجيين المسيحيين: هي موجهة ضد «مركزية الإنسان» anthropocentrism التي في المسيحية، ضد هذه الغطرسة المتعاظمة في الإنسان التي جعلته يعتقد أنه أهم مما هو عليه في الواقع، بما أنه حسب المبادئ الأساسية في المسيحية، الرب نظر نحوه وهو قلق بشأن خلاصه- مركزية إنسان جديرة بالسخرية- بما أن الإنسان ليس سوى نملة تائهة في هذا الكون الواسع، لم يتوقف نيتشه عن تكرار ذلك في نصوصٍ مبهرة من حيث شدة تشكيكها في غرور الإنسان المفرط في إنسانيته. المسيحية هي -حسب نيتشه- من أعطت مكانة مفرطة للانسان، أخرجت الوجود عن توازنه وبالتالي أعطته أهمية أكثر مما لديه في الواقع. هكذا «اعتزاز بالذات» ستكون نتيجته اندفاع نحو أخلاق زهدية مثيرة للشفقة، بما أن المسيحي عليه أن يكون في مستوى سقف تطلعات عالية ويلغي من حياته كل تعلق عاطفي لا يليق به. لكن لديه نتيجة أخرى على المدى الطويل بجعل الإنسان يدرك قيمته الفريدة. وكـ ارتداد لذلك يكتشف أن الرب المسيحي، الطيب والرحيم جداً لديه صفات مفرطة في الإنسانية، وأنه الحالة المثالية للإنسان التي تحت غطاءها يؤكد الإنسان نفسه ويعطيها قيمتها؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الرب God إلا كربٍّ مثير للشفقة، وليس كإله Divine. هذا المنطق الذاتي التدمير هو من أفرز الالحاد المعاصر، إذن الإله المسيحي هو من دفعته رخاوته، تناقضه وضعفه نحو موته. من هنا يكون الإلحاد نتاج المسيحية نفسها، مخرجاً بذلك إلى العلن جوهرها المدمر والعدمي.
_____________________
👏31
« الإلحاد هو الانتصار الكبير للمسيحية، لأن المسيحية لم تعد بحاجة لإله لتفرض نفسها كإيديولوجية أخلاقية»
Peter Sjostedt-H

«يصبح الإنسان ملحداً عندما يعتقد أنه أفضل من إلهه»
~ بيير جوزيف برودون ـ فيلسوف آناركي

«فقط مسيحي حقيقي يمكنه أن يكون ملحداً جيداً، فقط ملحد حقيقي يمكنه أن يكون مسيحياً جيداً»
~ إرنست بلوخ ~ فيلسوف ماركسي

«الله مصدر إزعاج الإنسان الحديث. الكثيرون يحبّون "الإنسانية"، فقط من أجل أن ينسوا الله بضميرٍ مرتاح»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
👏21💯1
2
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
4
التحرش والإغراء الجنسي:

ما هو التحرش؟
التحرش (المعاكسة) هو استخدام ألفاظ معينة (لا يجب الخلط بين التحرش والإعتداء الجنسي) من أجل التقرب من الجنس الآخر ولفت إنتباهه على أمل إقامة علاقة جنسية معه في النهاية، وينسب عادةً هذا الأسلوب في التحرش «السمعي» للذكر حصراً، باعتبار أنه تعريف للتحرش من وجهة نظر «أنثوية» فقط، مبني على أساس أن الأنثى تُستثار جنسياً بشكل أساسي عن طريق السمع، لهذا برع الرجل لوحده ودائماً في نظم الغزل ونسج الكلام المعسول والرومنسي.

ما هو إذن أسلوب الأنثى للتقرب من الجنس الآخر للوصول للجنس في النهاية؟
الأنثى تعتمد على استهداف حاسة البصر لدى الذكر، أي عن طريق الإغراء الجسدي وإظهار تفاصيل الجسد والإيحاءات الجنسية، باعتبار أن الذكر يُستثار جنسياً بشكل أساسي «بصرياً»، لهذا كانت وما تزال المرأة تهتم دائماً بمظهرها وزينتها ومكياجها، كما برعت دائماً في استعمال جسدها قصد الإغراء من خلال الرقص.

وعلى عكس التحرش الذكري الذي يستهدف أنثى بعينها، فإن الإغراء الأنثوي قد يستهدف ذكراً بعينه أحياناً، وقد يكون موجه لمجموعة الذكور كلها على أمل الوصول لذكر معين (قد تستعمل المرأة أحياناً الإغراء لمجرد التلويح الوهمي بالجنس من أجل الحصول على معاملة خاصة، كما تفعل ذلك مع الشرطي مثلاً). لهذا يقال «الرجل يطارد الفريسة، والمرأة ترمي شباكها» (أوقعته في شباكها) أي أن الرجل يستهدف ويلاحق فريسة معينة إلى أن يحصل عليها أو يدرك أنه ليس من مستوى سرعتها أو مقاومتها نتيجة سوء تقديره للوضع، في حين أن المرأة تلقي بالشبكة نحو كل الأسماك الموجودة في البحر وتنتظر من السمكة المناسبة أن تعلق بها، وإلى أن يحصل ذلك ستتخلص المرأة من أي سمكة تعلق في شباكها وتراها غير مناسبة. إذن نحن هنا أمام مفهوم واحد بأسلوبين مختلفين، أحدهما فعال (active) والآخر غير فعال (passive).

هل اختلاف شكل الاستثارة (سمعي/بصري) لدى الجنسين هو السبب الوحيد لاختلاف الأسلوبين؟ بعبارة أخرى، لماذا تختار الأنثى الإغراء الأمن (الصيد بالشبكة) بانتظار «الأفضل»، في حين يختار الذكر المغامرة والتحرش الخطر (مطاردة الفريسة)؟

السبب يعود إلى اختلاف عواقب «الجنس» على كلا الجنسين، بمعنى أن المرأة التي تملك بويضة واحدة في الشهر ستشهد في حالة تخصيبها تغيراً شاملاً في حياتها لعدة سنوات، هذا ما يسمى «الاستثمار الأبوي الأعلى». هذا ما يجعل المرأة من حيث المبدأ وبشكل غريزي تخشى الجنس مع كل من هب ودب وتفضل القيام بفرز واختيار أفضل ما يمكنها الحصول عليه.
أما الرجل، فيملك ملايين الحيوانات المنوية ويستطيع نظرياً التزاوج مع أكثر من أنثى في اليوم بدون أدنى عواقب على جسده وحياته، هذا ما يسمى «الإستثمار الأبوي الأدنى»، لهذا لا يبدي الرجل أي انزعاج من تحرش المرأة به الذي قد يصل أحياناً للمس باليد والعبث بما يلبس وحتى الاحتكاك الجسدي بدون أن يعتبر ذلك تعدياً عليه، إلا طبعاً من أجل دوافع دينية لكن ليس لكونه ذكراً.

لكن البشر وضعوا حداً لهذه الحالة التي يمكن تسميتها بالبدائية من خلال منظومة اجتماعية تخلق توازن بين الجنسين وتشكل أساس الحضارة البشرية، تهدف إلى مساعدة المرأة وتوفير ظروف عيش أفضل للأطفال، ويكون ذلك عبر حرمان الرجل من الجنس غير المشروط والسهل بغية الحصول منه على إستثمار أكبر، الأمر الذي سيجعله يفكر بمنطق المرأة، أي الفرز واختيار الافضل، بمعنى البحث عن الأجمل والأصح بدنياً، والأهم من ذلك البحث عن من تقدم ضمانات بـ «الثقة» الضرورية لدخول هكذا مغامرة خطرة على الرجل، والمرأة التي تتعمد إظهار مفاتنها للجميع لا توحي بالثقة لدى أغلب الرجال. هذه المنظومة نسميها «الزواج» والذي يعني في جوهره اجبار الرجل على التحول من مجرد «سلف» إلى «أب» يتحمل مسؤولية ما ينسب إليه.

سقوط هذه المنظومة الاجتماعية مع الثورة الجنسية التي فكت الارتباط بين الجنس والزواج وما صاحب ذلك من محاربة للزواج التقليدي (زواج العقل والمصلحة) الذي كان هو القاعدة لدى البشر وتم تعويضه بزواج معياره الوحيد هو الحب والرومنسية (العواطف) والذي ألغى كل أشكال الوساطة بين الرجل والمرأة بحيث لم يعد الزواج علاقة مصاهرة بين عائلتين بل مجرد علاقة بين فردين، أعاد هذا الجنسين إلى أسلوب التحرش والإغراء الجنسي، بمعنى أن الجنسين أصبحوا بحاجة للتواصل المباشر والاعتماد على الغرائز البدائية فقط بينهما للوصول إلى العلاقات الجنسية (الرومنسية كما يحلو للبعض تسميتها)، الأمر الذي أدخلهما في وضعية جديدة من الفوضى ضمن لعبة لم يضع لها أحد قواعد واضحة كما كان موجوداً في السابق، إلى أن انتهى الأمر بسن قوانين تجرم التحرش الذكري دوناً عن ما يمكن اعتباره تحرشاً أنثوياً (العرف كان يضع حد للطرفين معاً)، الأمر الذي فاقم الفوضى أكثر.

لماذا جُرم التحرش الذكري وفي نفس الوقت اعتبر الإغراء الأنثوي حق أصيل من حقوق المرأة؟
2
لا يستطيع عاقل أن ينكر بأن أيديولوجيا "النسوية" هي من أكثر الأيديولوجيات قوةً وانتشاراً، وقوتها تعود إلى كونها جزء لا يتجزء من السلطة الحاكمة والإعلام في كل دول العالم تقريباً بدرجات متفاوتة، فلا وجود للنسوية إذا غابت الدولة الداعمة لها بعكس الوهم الذي أقنعت النسوية نفسها به بأنها «ثائرة».
هذه الحركة النسوية قائمة على التفوق الأنثوي أو على الأقل هذا هو ظاهرها، ونسوية الجيل الثالث تحمل تناقض قد يبدو غريب بين نوع من التطهيرية الجديدة ممزوجة بالتحرر الجنسي، هذا التناقض داخل النسوية ليس انفصاماً في الشخصية، لكنه في الواقع مجرد ازدواجية معايير. بمعنى أن النسوية مع التحرر الجنسي المطلق عندما يتعلق الأمر بالمرأة وضد أي تقييد لعرضها أو لتعبيرها عن جنسانيتها الأنثوية مهما كان شكلها وبدون أي حدود، لكن في نفس الوقت تحاول إنكار ونزع صفة «الجنس» عن التصرفات الأنثوية لتحافظ على الصورة المثالية لطهارة المرأة البريئة والساذجة التي لا تدرك معنى تصرفاتها. في المقابل تُركت التطهيرية للرجل، بمعنى أن الرجل أصبح يعتبر نجس ويحتاج لتطهير ليصل مرتبة المرأة، ما جعل النسوية مهوسة بشيطنة كل ما يميز الجنسانية الذكرية وتسعى لتصويرها دائماً على أنها عنف واغتصاب (أدبيات النسوية تعتبر أن أي علاقة جنسية بين الرجل والمرأة هي عنف واغتصاب)، وتريد أن تفرض على الرجل تبني الجنسانية الأنثوية التي أصبحت تمثل لديها قمة الطهارة بعد أن فشلت نسوية الموجة الثانية في إقناع المرأة بأن تكون كالرجال، بمعنى أن تفصل بين العواطف والجنس، وتقيم علاقات مع كل من هب ودب، أي بدون فرز. النسوية المعاصرة هي إذن شكل جديد من الشرطة الأخلاقية، ولفظ "أخلاقية" هنا مجازية، فليس الهدف هو الأخلاق كما نعرفها أو حتى المصلحة العامة، الهدف هو تحقيق أسطورة «المساواة» (هذا لا ينفي استعمال النسوية الاسلامية للدين). نر هذا واضحاً مثلاً في القوانين التي صدرت مؤخراً في بعض الدول (كندا، السويد، فرنسا…) والتي تُعاقب زبون المومس ولا تعاقب المومس نفسها، بل وتعتبرها ضحية الزبون، وكأنك تعاقب مشتري المخدرات وتترك المروج وتتعاطف معه أيضًا، أي أن المحظور هنا ليس الدعارة في حد ذاتها، لكن المحظور هو الجنسانية الذكرية وأسلوب استعمال المال لوضع حاجز بين العواطف والجنس، وهذا أسلوب يحرر الرجل من الابتزاز العاطفي ويعفيه من تقديم تعهدات مكلفة (ماديًا ومعنويًا) للمرأة، أما المومس فيطبق عليها المبدأ النسوي الذي يعامل المرأة كالأطفال والذي يقول «للمرأة الحق في كل شيء، لكنها غير مسؤولة عن أي شيء»، الأنثى ضحية فقط لأنها أنثى ولا يمكنها أن تكون غير ذلك، وإذا حدث وصدر منها ما قد يجعلها في موقع الجلاد فالمجتمع هو من أجبرها على أن تكون كذلك.
نفس هذا المبدأ السابق طُبق على التحرش والإغراء، بحيث تم إدراج الإغراء تحت اسم «الحرية الشخصية» التي هي إسم آخر لـ الفردانية والأنانية. في حين اعتبر التحرش جريمة، ولم يتم إدراجه بنفس المنطق تحت اسم «حرية التعبير» أي بعكس المنظومة القديمة التي كانت تقمع التحرش والإغراء الجنسي معاً. باختصار؛ الوضع الحالي هو عبارة عن فوضى، لا هو حضاري يقوم على تقييد كل جنس حسب ظروفه، ولا هو طبيعي يترك الغرائز تعبر عن نفسها.

هل فعلاً ترفض المرأة التحرش بها؟
قوانين التحرش مطاطية، ولا تحدد بشكل واضح ما هو التحرش، وكذلك هو رأي المرأة عن التحرش، وبالتالي التحرش هو ما تفسره كل امرأة على أنه تحرش بها. هذا ما يخلق ازدواجية في التعامل مع الموضوع، بمعنى أنه يخضع لمبدأ الفرز، أي أن تصنيف التحرش متوقف على تقييم المتحرش كشخص لا على تقييم ما صدر منه، قد تصنف امرأة ما «صباح الخير» على أنها تحرش وتعدي عليها من الشخص (أ)، في حين وبعد أمتار فقط من (ب) قد تصنف وصف قوام جسدها من الشخص (ب) على أنه ذوق ولباقة …Oh merci. الفرق بين الحالتين هو أن (أ) اعتبر بمبدأ الفرز غير مناسب ولا يملك المواصفات المطلوبة التي تؤهله لمخاطبتها، وبالتالي تفسر تصرفه هذا على أنه اعتداء عليها (سمكة غير مناسبة علقت في الشبكةالطعم، في حين تم تقبل ما صدر عن (ب) لامتلاكه المواصفات المطلوبة (وسامة، مستوى اجتماعي، سلطة، قوة…). إذن المرأة المعاصرة ذات النزعة التحررية تريد التحرش من حيث المبدأ فهو الطريق الرئيسي للتعارف وبالتالي اقامة العلاقات الغرامية والرومنسية التي تتمناها، لكنها ترفض التعامل مع ما فيه من سلبيات بالنسبة لها.

فقط نوعان من النساء لا تنطبق عليهما هذه القاعدة وترفضان التحرش بغض النظر عن تقييم الفاعل، وترفضان كذلك اظهار أي شكل من أشكال الإغراء.
2
الأولى هي المرأة ذات التربية المحافظة والتي تعيش على نسق المنظومة القديمة التي تضع وساطة بين الرجل والمرأة وتفرض تقديم تعهدات لها (هذا لا ينفي سعادتها الداخلية بذلك وإن كان ذلك لا يغير من معاملتها للجميع بمعيار واحد)، الثانية هي السحاقية (المسترجلة أو النسوية) التي ترفض كل ما يذكرها بأنها أنثى وأن الذكور ينجذبون إليها جنسياً.

ما هي محفزات التحرش ؟ (المحفزات وليس الأسباب)

- الإغراء: المرأة التي تُبرز مفاتن أكثر من الطبيعي أن تتعرض للتحرش أكثر من غيرها. لكن ستقول إحداهن هنا كالعادة أنها ورغم احتشامها فهي تتعرض للتحرش، كما قلت سابقاً اللبس ليس هو سبب التحرش، هو مجرد محفز فقط، السبب هو التجاوب. من كانت فعلاً محتشمة لكنها تتجاوب مع التحرش أو تكون تصرفاتها غير محافظة كأن يكون لها عشيق بشكل علني مثلاً في بيئة محافظة، ستجعل الرجال يخرجون بنتيجة أنه حتى مع المحتشمات لديهم معهن فرصة، الأمر الذي سيجعلهم يتجرأون على بقية المحتشمات ويجربون حظهم معهن. تمت تجربة اجتماعية في الولايات المتحدة عن الفرق بين من تلبس حجاب ومن لا تلبسه، النتيجة لم يتحرش أحد بها وهي محجبة، بعكس وهي غير محجبة، لكن نفس التجربة في بلد آخر إسلامي على الأغلب ستفشل وتعطي نتيجة أخرى والسبب هو أن لدى رجال الولايات المتحدة اعتقاد بأن المحجبة محافظة وترفض فعلاً التحرش، أما في البلد الإسلامي فهي لم تعد تمثل رمز للمحافظة.
- المكان: احتمالية حدوث تحرش تختلف من مكان لآخر، فاحتمالية حدوثه في مستشفى ليست هي نفسها في الطريق، وليست هي نفسها في مرقص، وليست هي نفسها في قرية.

ما هي محفزات الإغراء؟
- المنافسة: لعبة الإغراء في جوهرها هي منافسة بين الإناث، الأمر الذي يعني أن المرأة لن ترضى أن تتميز عليها أخرى وتستفرد لوحدها بلفت الأنظار، وكما يشرح ذلك الفيلسوف René Girard «المنافسة تؤدي إلى التقليد»، درجنا على تسمية هذا بـ «الموضة»، وهذا أحد الأسباب التي تجعل كل موضة جديدة تبرز مفاتن أكثر من التي قبلها، ولا يحدث العكس أبداً ولو من باب التغيير.
- التعوُد: إبراز المفاتن الأنثوية يؤدي إلى تعود الرجل عليها مع الزمن وقتل كل غموض وخيال بذهنه حول جسد المرأة، وبالتالي نوع من الضعف الجنسي وعدم مبالاته بها، وربما يُحدِث ذلك انحرافات جنسية لديه، ما يسبب ضغط أكبر على المرأة لتزيد من جرعة الإغراء للفت انتباه الرجل الذي أصبح يشبه المدمن الذي يحتاج لزيادة الجرعة بعد كل فترة. هذا الأمر سيعود بالسلب على حياتها الشخصية ايضاً، فهي ستبدل مجهود أكبر مع شريكها، وسيتم اللجوء لألعاب وممارسات جنسية منحرفة لإيقاظ الغرائز الذكرية، الأمر الذي كان سهل على المرأة في الماضي أين كان يكفي القليل منها لتأخذ ما تريده.
- الخوف: كلما كانت قوانين التحرش أكثر صرامة كلما ازدادت خشية الرجال من القيام بالخطوة الأولى نحو المرأة، الأمر الذي يجعل المرأة تبالغ في إبراز مفاتنها لدفع الرجل إلى القفز على مخاوفه والتوجه نحوها. لكنها حلقة مفرغة، فالمرأة تريد أن تنزل أشد العقوبات على الرجل الغير كفء لها والذي تجرأ على التحرش بها، وفي نفس الوقت تنتظر ممن تعتقد أنه كفء لها أن يتحرش بها، وإذا حدث وتجاهلها تعتبر ذلك إهانة لشخصها وتصفه بالشاذ جنسياً. لهذا لم يعد غريباً أن تقرأ مقالاً للتذمر الانثوي من ذلك، يوصف فيه الجيل الحالي بالمخصيين «men have no balls anymore» (ستجد ذلك في التعليقات)
- غياب الثقة والتكافؤ: هناك نساء يتخلين عن إبراز المفاتن في المجال العام ويحصرنه فقط بالمجال الخاص بمجرد الحصول على شريك، فبالنسبة لهن اللعبة قد أنتهت. لكن هذا يستوجب وجود الثقة والتكافؤ، فالمرأة التي تشعر بأن شريكها قد يتخلى عنها أو أنه باستطاعتها الحصول على ما هو أحسن، ستبقى ضمن اللعبة وترفض ترك إبراز المفاتن.

هل فعلاً يمكن إنهاء التحرش كما تتمنى النسوية ؟
لا يمكن إنهاء التحرش، لأنه ببساطة لا يوجد استعداد حقيقي لدى الجنسين للعودة للمنظومة القديمة، مخافة فقدان الأماني الجنسية والرومنسية التي نشأوا عليها وتلقوها من الإعلام والروايات، وأغلب النساء اللاتي يدعين الرغبة في وقف التحرش لا يملكن أي إرادة لذلك، فالأمر لا يحتاج أكثر من توافق نسائي على الالتزام بعدم التجاوب مع أي تحرش.
من غير المعقول أن تقول لمراهق أن المرأة تعتبر التحرش اعتداء عليها في كل الأحوال، وتستعمل معه كل أساليب shaming tactics لمنعه من مناقشة الموضوع، مثل ربط ذلك بالرجولة أو باللعب علىوتر العواطف من قبيل «هل ترضاه لأختك»، ثم عندما ينزل للشارع يجد المرأة تستجيب لمن يتحرش بها وتقدم له رقمها، في هذه الحالة أكيد سيقول في النهاية «سأجرب حظي أنا أيضاً».
🤯6👍21🔥1
2