يتقبل تميز الأفراد ويشجعه حتى لو كان ذلك من خلال البذاءة، لكن يرفض أي تميز للمجتمعات عن بعضها خارج المظاهر الفولكلورية.
...يتبع
...يتبع
❤5
3- الـ Psychiatrization: الدفاع عن الأقليات والصواب السياسي
كما هو معروف، يملك علم النفس سلطة وتأثير قوي على حياة المعاصرين، يحيط تقريباً بكل نواحي الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد: علم النفس التربوي، الأسري، الاجتماعي، التعليمي... وبشكل من الأشكال أخذ الخبير النفسي كل أدوار "القس" القديمة بما في ذلك الاعتراف بالخطايا كما يتطلبه الضمير المسيحي الذي يرجو راحة البال. أضف إلى ذلك تخصصات لكل نواحي حياة المجتمع التي قد تخطر على البال: علم نفس القانوني، المروري، الحربي، البيئي، السياحي...
تقريباً لكل معضلة اجتماعية/شخصية خبير نفسي، تماماً كما هناك خبير في الحواسيب أو العمارة، باستثناء أن الحواسيب والعمارة تقوم على علوم دقيقة بعكس علم النفس الذي ينتمي للعلوم الانسانية التي تتبنى الخطاب العلمي بشكل لا يعكس حقيقتها دائماً، هذا لا يعني أبداً أنه علم زائف من حيث المبدأ، فقط هو علم متقلب وغير دقيق، هذا ما يجعله قابل للتزييف وسهل التأثر بالتيارات الأيديولوجية والسياسية [ومثله في ذلك بقية العلوم الإنسانية] وبالتالي إمكانية تحويله إلى أداة تستعمل لتوجيه الرأي العام تحت تهديد وهم العلم [قال علماء، قالت دراسة علمية...].
إحدى أوجه ذلك الاستعمال الذي تبرع فيه التيارات اليسارية/التنويرية هو ما يعرف بـ النفسنة Psychiatrization [أي ترجمة أخرى مرحبٌ بها] وهي عملية توجيه النقاش نحو الجانب السيكولوجي بغية إما تبرير أفعال [جرائم عادةً] طرف ما عبر رفع المسؤولية عنه بدعوى الحالة النفسية السيئة، وقد تُحمل تلك المسؤولية لطرف آخر [شخص X، الوالدين، المجتمع...] بدعوى تسببه في تلك الحالة. أو لرفع المصداقية عن الخصم السياسي/الأيديولوجي من خلال تصوير موقفه على أنه مجرد انعكاس لحالة نفسية مرضية واعتلال عاطفي وليس نتيجة موقف عقلاني قابل للنقاش.
ربما أقدم وأبسط أنواع هذه النفسنة والتي ما تزال منتشرة بقوة وبالأخص لدى اليسار التنويري، هي تلك الثنائية العاطفية [يمكن وصفها بالطفولية] التي كانت المسيحية هي أول من جعل منها معياراً لتقييم الحالة الإنسانية بالشكل المبالغ فيه اليوم: الحب/الكراهية. الأشرار تحركهم مشاعر الكراهية والأخيار يحركهم الحب. كل مشاكل البشرية سببها الكراهية وكل حلولها تكمن في الحب. الكراهية حالة مرضية لا مبرر لها والحب هو الحالة الصحية التي لا تحتاج لتبرير.
مع البدايات الأولى لظهور علم النفس الحديث بدأت النفسنة تأخذ شكلاً علمي أكثر تعقيداً، من أمثلة ذلك نجد الدربتومانيا Drapetomania أو الرغبة في التحرر من العبودية وهو مرض عقلي افترضه الطبيب الأمريكي Samuel Cartwright سنة 1851 لتفسير ظاهرة هروب العبيد السود من قبضة ملاكهم في الجنوب نحو الشمال. طبعاً هذا المرض المتخيل لم يلقى ذلك النجاح الكبير، خاصةً وأنه كان ضد سلطة وروح عصره، وربما لو قام بنفسنة حالة ملاك العبيد بدل ذلك للقي نجاح أكبر.
سنة 1933 وأثناء صعود الفاشية والنازية خرج الفرويدو-ماركسي الطبيب النفسي Wilhelm Reich بفرضيته المشهورة والتي لا يزال يتبناها إلى اليوم اليسار التنويري عن علاقة الكبت الجنسي بصعود الفاشية. بالنسبة لـ Reich [وكأي فرويدي يفسر كل الظواهر البشرية من خلال الجنس] فإن الفاشية كانت نتاج عدم الاشباع الجنسي لدى الجماهير والثورة الجنسية هي الحل لكل ذلك.
لم يكن Reich هو الشيوعي الوحيد الذي برع في نفسنة الخصوم، فقد جعل الاتحاد السوفييتي من نفسنة المعارضين سياسة دولة. بدأ ذلك سنة 1948 مع نائب وزير الخارجية Andrey Vyshinsky الذي اصدر أوامره باستعمال السيكولوجيا كسلاح قمع وإرسال المعارضين إلى المستشفيات العقلية بدل إرسالهم إلى معسكرات الغولاغ، وبهذا يتم الجمع بين سجن المعارضين ونزع المصداقية عنهم بوصفهم مجرد مجانين لم يدركوا قيمة جنة الشيوعية التي هم فيها. وهكذا قفز عدد أسرة المستشفيات العقلية من 34 ألف سنة 1935 إلى 390 ألف سنة 1974.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخلال الستينات خرج الطبيب النفسي Andrei Snezhnevsky بمرض عقلي جديد سماه "الفُصام البطيء" sluggish schizophrenia. هذا المرض يصيب المعارضين حصراً وأعراضه: القلق، التشائم، ضعف التكيف الاجتماعي، الأوهام الاصلاحية...
بعد الشيوعيين انتقلت العدوى إلى الليبراليين الذين جعلوا من النفسنة سلاحهم للدفاع عن الأقليات والصواب السياسي، بالإضافة لنزع المصداقية عن الشخصيات غير المرغوب فيها.
بالنسبة للأقليات [الحقيقية والوهمية] يعتمد الليبرالي على عاطفتي الكراهية والخوف لنفسنة أي حديث عن الأقليات بشكل لا يناسب صوابه السياسي. أما الكراهية فهي تفسيره الكلاسيكي الذي نجده في نعوته القديمة مثل معاداة السامية والعنصرية والميسوجينية (كره النساء) يصاحبها حديث عن كراهية مرضية وعقد نفسية. أما الخوف أو الرهاب Phobia فقد اصبح تفسيره المفضل: ترانسفوبيا، زينوفوبيا، الاسلاموفوبيا [في الغرب]، هوموفوبيا...
كما هو معروف، يملك علم النفس سلطة وتأثير قوي على حياة المعاصرين، يحيط تقريباً بكل نواحي الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد: علم النفس التربوي، الأسري، الاجتماعي، التعليمي... وبشكل من الأشكال أخذ الخبير النفسي كل أدوار "القس" القديمة بما في ذلك الاعتراف بالخطايا كما يتطلبه الضمير المسيحي الذي يرجو راحة البال. أضف إلى ذلك تخصصات لكل نواحي حياة المجتمع التي قد تخطر على البال: علم نفس القانوني، المروري، الحربي، البيئي، السياحي...
تقريباً لكل معضلة اجتماعية/شخصية خبير نفسي، تماماً كما هناك خبير في الحواسيب أو العمارة، باستثناء أن الحواسيب والعمارة تقوم على علوم دقيقة بعكس علم النفس الذي ينتمي للعلوم الانسانية التي تتبنى الخطاب العلمي بشكل لا يعكس حقيقتها دائماً، هذا لا يعني أبداً أنه علم زائف من حيث المبدأ، فقط هو علم متقلب وغير دقيق، هذا ما يجعله قابل للتزييف وسهل التأثر بالتيارات الأيديولوجية والسياسية [ومثله في ذلك بقية العلوم الإنسانية] وبالتالي إمكانية تحويله إلى أداة تستعمل لتوجيه الرأي العام تحت تهديد وهم العلم [قال علماء، قالت دراسة علمية...].
إحدى أوجه ذلك الاستعمال الذي تبرع فيه التيارات اليسارية/التنويرية هو ما يعرف بـ النفسنة Psychiatrization [أي ترجمة أخرى مرحبٌ بها] وهي عملية توجيه النقاش نحو الجانب السيكولوجي بغية إما تبرير أفعال [جرائم عادةً] طرف ما عبر رفع المسؤولية عنه بدعوى الحالة النفسية السيئة، وقد تُحمل تلك المسؤولية لطرف آخر [شخص X، الوالدين، المجتمع...] بدعوى تسببه في تلك الحالة. أو لرفع المصداقية عن الخصم السياسي/الأيديولوجي من خلال تصوير موقفه على أنه مجرد انعكاس لحالة نفسية مرضية واعتلال عاطفي وليس نتيجة موقف عقلاني قابل للنقاش.
ربما أقدم وأبسط أنواع هذه النفسنة والتي ما تزال منتشرة بقوة وبالأخص لدى اليسار التنويري، هي تلك الثنائية العاطفية [يمكن وصفها بالطفولية] التي كانت المسيحية هي أول من جعل منها معياراً لتقييم الحالة الإنسانية بالشكل المبالغ فيه اليوم: الحب/الكراهية. الأشرار تحركهم مشاعر الكراهية والأخيار يحركهم الحب. كل مشاكل البشرية سببها الكراهية وكل حلولها تكمن في الحب. الكراهية حالة مرضية لا مبرر لها والحب هو الحالة الصحية التي لا تحتاج لتبرير.
مع البدايات الأولى لظهور علم النفس الحديث بدأت النفسنة تأخذ شكلاً علمي أكثر تعقيداً، من أمثلة ذلك نجد الدربتومانيا Drapetomania أو الرغبة في التحرر من العبودية وهو مرض عقلي افترضه الطبيب الأمريكي Samuel Cartwright سنة 1851 لتفسير ظاهرة هروب العبيد السود من قبضة ملاكهم في الجنوب نحو الشمال. طبعاً هذا المرض المتخيل لم يلقى ذلك النجاح الكبير، خاصةً وأنه كان ضد سلطة وروح عصره، وربما لو قام بنفسنة حالة ملاك العبيد بدل ذلك للقي نجاح أكبر.
سنة 1933 وأثناء صعود الفاشية والنازية خرج الفرويدو-ماركسي الطبيب النفسي Wilhelm Reich بفرضيته المشهورة والتي لا يزال يتبناها إلى اليوم اليسار التنويري عن علاقة الكبت الجنسي بصعود الفاشية. بالنسبة لـ Reich [وكأي فرويدي يفسر كل الظواهر البشرية من خلال الجنس] فإن الفاشية كانت نتاج عدم الاشباع الجنسي لدى الجماهير والثورة الجنسية هي الحل لكل ذلك.
لم يكن Reich هو الشيوعي الوحيد الذي برع في نفسنة الخصوم، فقد جعل الاتحاد السوفييتي من نفسنة المعارضين سياسة دولة. بدأ ذلك سنة 1948 مع نائب وزير الخارجية Andrey Vyshinsky الذي اصدر أوامره باستعمال السيكولوجيا كسلاح قمع وإرسال المعارضين إلى المستشفيات العقلية بدل إرسالهم إلى معسكرات الغولاغ، وبهذا يتم الجمع بين سجن المعارضين ونزع المصداقية عنهم بوصفهم مجرد مجانين لم يدركوا قيمة جنة الشيوعية التي هم فيها. وهكذا قفز عدد أسرة المستشفيات العقلية من 34 ألف سنة 1935 إلى 390 ألف سنة 1974.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخلال الستينات خرج الطبيب النفسي Andrei Snezhnevsky بمرض عقلي جديد سماه "الفُصام البطيء" sluggish schizophrenia. هذا المرض يصيب المعارضين حصراً وأعراضه: القلق، التشائم، ضعف التكيف الاجتماعي، الأوهام الاصلاحية...
بعد الشيوعيين انتقلت العدوى إلى الليبراليين الذين جعلوا من النفسنة سلاحهم للدفاع عن الأقليات والصواب السياسي، بالإضافة لنزع المصداقية عن الشخصيات غير المرغوب فيها.
بالنسبة للأقليات [الحقيقية والوهمية] يعتمد الليبرالي على عاطفتي الكراهية والخوف لنفسنة أي حديث عن الأقليات بشكل لا يناسب صوابه السياسي. أما الكراهية فهي تفسيره الكلاسيكي الذي نجده في نعوته القديمة مثل معاداة السامية والعنصرية والميسوجينية (كره النساء) يصاحبها حديث عن كراهية مرضية وعقد نفسية. أما الخوف أو الرهاب Phobia فقد اصبح تفسيره المفضل: ترانسفوبيا، زينوفوبيا، الاسلاموفوبيا [في الغرب]، هوموفوبيا...
👍10❤3🔥1
أي أقلية تتحدث عنها بشكل غير مناسب في نظره فأنت تفعل ذلك رغماً عنك وبدون وعي كامل لما تقوله نتيجة رهاب مرضي اتجاهها يجعلك ترتعد خوفاً وتفقد أعصابك أمامها [من يدري، ربما تعض].
وأحياناً يلجأ الليبرالي إلى تكتيكات سيكولوجية أخرى بالإضافة إلى الرهاب والكراهية مثل تكتيك ما يشبه "علم النفس العكسي" Reverse psychology بحيث يلعب على خلق مشاعر متناقضة لدى الشخص المستهدف:
- الشخص المعادي للشذوذ الجنسي هو شخص يعاني من "شذوذ جنسي كامن" Latent homosexuality وبالتالي إما أنت مع الشذوذ الجنسي أو أنت نفسك شاذ [مؤخراً بدأ الحديث عن الهوفوبيا كمرض نفسي يحتاج متابعة نفسية في انقلاب تام للأدوار].
- المرأة التي ترفض المساواة مع الرجل هي امرأة غير واعية إلى أنها مضطهدة نتيجة إصابتها بمتلازمة ستوكهولم، وبالتالي إما أن تردد ما نقوله أو هي مختطفة.
- الرجل الغيور على زوجته أو الذي يعتقد أن لكل جنس دوره الخاص هو رجل ضعيف الشخصية وغير متأكد من نفسه وعنده هشاشة في الرجولة.
أما بالنسبة للشخصيات السياسية التي يراد نزع مصداقيتها فيمررها الإعلام إلى كتيبة "المختصين" ليشرحوا لنا سبب رعشة اليد اليسرى للسياسي الفلاني أو لماذا يرفع رأسه عند الوقوف لأخذ الصور، ثم يقدموا لنا في النهاية تحليل نفسي يجعل ذلك السياسي فاقد للأهلية تماماً، ربما القذافي هو من أكثر السياسيين تعرضاً للتحليل النفسي، لكن أيضا صدام الذي على ما يبدو كان شديد النرجسية وعنده بارانويا، أما بوتين فهو مصاب بالتوحد، أما ترمب فقد خصصت له عشرات المقالات والكتب التي تشرح حالته العقلية المضطربة وتبشر بتدميره العالم [مازلنا ننتظر للأسف]. في فرنسا أوصت محكمة بمعاينة خبير نفسي للمعارضة اليمينية مارين لوبين. ولدينا أردوغان الذي كان له أيضاً نصيبه من النفسنة، لكن ليس فقط السلبية، الإعلام المساند له لا يفوت أي فرصة ليحدثنا عن مشيته الواثقة وطريقة جلوسه كالأسد أمام ضيفته الألمانية المرتعبة خوفاً والمستعدة للتنازل له عن كل شيء.
كل هذه النفسنة للقادة السياسيين قد يكون فيها شيء من الصحة وربما تكون ممتعة لو وجدت في المجلات النسائية، لكنها لا تقول لنا اي شيء عن الواقع السياسي خاصةً مع شكل الدولة الحديثة وليست إلا أداة للشيطنة او لتلميع صورة بعض الشخصيات، وفي كل الأحوال شخصيات القادة في غالب الأحيان تكون مضطربة بالنسبة للإنسان العادي لأن السلطة بطبيعتها تجذب ذلك النوع من الشخصيات.
«ألف سنة من الحرب دعّمت الغرب. قرن من السيكولوجيا جعله في وضع ميؤوس منه».
-إميل سيوران.
وأحياناً يلجأ الليبرالي إلى تكتيكات سيكولوجية أخرى بالإضافة إلى الرهاب والكراهية مثل تكتيك ما يشبه "علم النفس العكسي" Reverse psychology بحيث يلعب على خلق مشاعر متناقضة لدى الشخص المستهدف:
- الشخص المعادي للشذوذ الجنسي هو شخص يعاني من "شذوذ جنسي كامن" Latent homosexuality وبالتالي إما أنت مع الشذوذ الجنسي أو أنت نفسك شاذ [مؤخراً بدأ الحديث عن الهوفوبيا كمرض نفسي يحتاج متابعة نفسية في انقلاب تام للأدوار].
- المرأة التي ترفض المساواة مع الرجل هي امرأة غير واعية إلى أنها مضطهدة نتيجة إصابتها بمتلازمة ستوكهولم، وبالتالي إما أن تردد ما نقوله أو هي مختطفة.
- الرجل الغيور على زوجته أو الذي يعتقد أن لكل جنس دوره الخاص هو رجل ضعيف الشخصية وغير متأكد من نفسه وعنده هشاشة في الرجولة.
أما بالنسبة للشخصيات السياسية التي يراد نزع مصداقيتها فيمررها الإعلام إلى كتيبة "المختصين" ليشرحوا لنا سبب رعشة اليد اليسرى للسياسي الفلاني أو لماذا يرفع رأسه عند الوقوف لأخذ الصور، ثم يقدموا لنا في النهاية تحليل نفسي يجعل ذلك السياسي فاقد للأهلية تماماً، ربما القذافي هو من أكثر السياسيين تعرضاً للتحليل النفسي، لكن أيضا صدام الذي على ما يبدو كان شديد النرجسية وعنده بارانويا، أما بوتين فهو مصاب بالتوحد، أما ترمب فقد خصصت له عشرات المقالات والكتب التي تشرح حالته العقلية المضطربة وتبشر بتدميره العالم [مازلنا ننتظر للأسف]. في فرنسا أوصت محكمة بمعاينة خبير نفسي للمعارضة اليمينية مارين لوبين. ولدينا أردوغان الذي كان له أيضاً نصيبه من النفسنة، لكن ليس فقط السلبية، الإعلام المساند له لا يفوت أي فرصة ليحدثنا عن مشيته الواثقة وطريقة جلوسه كالأسد أمام ضيفته الألمانية المرتعبة خوفاً والمستعدة للتنازل له عن كل شيء.
كل هذه النفسنة للقادة السياسيين قد يكون فيها شيء من الصحة وربما تكون ممتعة لو وجدت في المجلات النسائية، لكنها لا تقول لنا اي شيء عن الواقع السياسي خاصةً مع شكل الدولة الحديثة وليست إلا أداة للشيطنة او لتلميع صورة بعض الشخصيات، وفي كل الأحوال شخصيات القادة في غالب الأحيان تكون مضطربة بالنسبة للإنسان العادي لأن السلطة بطبيعتها تجذب ذلك النوع من الشخصيات.
«ألف سنة من الحرب دعّمت الغرب. قرن من السيكولوجيا جعله في وضع ميؤوس منه».
-إميل سيوران.
👍6❤2🔥1
مبدأ عدم التمييز Non-discrimination principle - كيف تهدد أيديولوجيا حقوق الإنسان وجود المجتمع والتنوع الثقافي في العالم
❤2
مدرسة سلامنكا اللاهوتية والأساطير المؤسسة لإيديولوجيا حقوق الإنسان (هام جداً لفهم العصر الحديث والليبرالية بالتحديد)
_________
أمراض العالم الحديث هي البنات غير الشرعية للفكر الثيولوجي المسيحي
~ آلان دو بنوا
_________
أمراض العالم الحديث هي البنات غير الشرعية للفكر الثيولوجي المسيحي
~ آلان دو بنوا
🔥4
من أين يستمد الليبرالي شرعيته؟
كما هو ربما معروف، ترتكز الليبرالية على نظرية أو بالأحرى أسطورة مؤسسة نشأت في مدرسة "سلامنكا" اللاهوتية في إسبانيا خلال القرن 16 وهي نظرية "الحالة الطبيعية" State of nature التي تفترض بأن المجتمع حالة غير طبيعية والفرد هو وحده الطبيعي لكنه أضطر إلى تأسيس مجتمع فقط من أجل حماية مصالحه وتجنب حالة "حرب الجميع ضد الجميع" the war of all against all التي كانت سابقة للمجتمع بحسب النظرية. لكن طبعاً يبقى كل هذا مجرد أسطورة وهمية ولا تملك اي سند علمي أو تاريخي.
أما من حيث الواقع، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه والمجتمع هو الحالة الطبيعية الوحيدة له، ولم تكن المجتمعات خلال كل عمر البشرية بحاجة لصديقنا اليبرالي لتعيش في حالة سلم داخلي قائم على انسجام إثني قومي أو ديني أو عرقي... [الأمر يختلف من مجتمع لآخر]، وحتى ولو وجدت أقليات فوجودها لم يكن يسبب أزمات تنتهي إلى حرب أهلية ما ظلت الأغلبية تتمتع بنوع من Superiority يعترف بها الجميع، هكذا عاش البشر ونظموا حياتهم دائماً إلى أن جاء الليبرالي وقرر بأن كل هذا غير حقيقي وأن الحقيقة الوحيدة هي الفرد المنعزل [الفردانية] بدون أي هوية باستثناء نوعه البيولوجي "إنسان" [الإنسانوية وديني الإنسانية وأنا إنسان فقط] وبأن المجتمع لا وجود له أصلاً وأكيد لن توجد هوية جامعة، أما ما نعتبره مجتمع فهو مجرد شركة تجارية يملك فيها كل فرد سهم واحد ولا ينبغي أن يتشكل أي تكتل يملك أغلبية الأسهم، أما الحقوق فهي مستمدة من الطبيعة وليس من المجتمع وبالتالي كل الأسهم متساوية [مساواتية] بغض النظر عن أي معطيات اجتماعية وبالتالي لا يجوز "التمييز" لأن ذلك سيخالف طبعاً حقوق الإنسان الطبيعية Natural law [إذا كنت تعتقد بوجود حقوق طبيعية، اذهب للغابة وانظر جيداً فربما ستجدها هناك].
من هذا الباب سيقدم الليبرالي نفسه كحامي الفرد أمام المجتمع، وكحامي الأقليات أمام الأغلبية التي ستُعتبر مصدر كل الشر والاستبداد، أما الأغلبية فستنظر إلى ذلك على أنه اعتداء على حقها الطبيعي [حتى بمنطق الشركة والديموقراطية] واستبداد من قبل الفرد والأقليات التي قدم لها الليبرالي ما يشبه السهم الذهبي Golden share في الشركة.
في هكذا وضع لابد أن يدخل الليبرالي في صراع مع المجتمع/الأغلبية، سيحاول بأي ثمن كسر وإضعاف تماسك المجتمع/الأغلبية من خلال خلق أكبر عدد من أصناف الأقليات التقليدية [عرقية، دينية...] والوهمية [هويات جنسية، المرأة...] لاستمالة أكبر عدد ممكن ممن يصنفون أنفسهم كجزء من الأغلبية إلى أن يتحول المجتمع كله تقريباً إلى مجموعة أفراد وأقليات بدون أي كتلة رئيسية وتعيش كلها في صراع حول من يتحصل على أكبر عدد ممكن من الإمتيازات [تسمى حقوق] ضمن سباق المظلومية الذي سيكون فيه الليبرالي هو الحكم والضامن للاستقرار.
أما الأغلبية [أو ربما بقايا الأغلبية التاريخية] التي تخشى زوالها وتحاول مقاومة تهميشها ستنظر إلى الأقليات على أنها متأمرة عن وعي مع النظام الليبرالي الذي يستمد شرعيته من حمايتها وبالتالي سيعتقد البعض أن ضرب تلك الأقليات سيوجع النظام الليبرالي أو سيجعل الأقليات تختفي، وهذا ما يفسر ليس فقط مذبحة كريس شورش في نيوزيلاندا وأغلب الحوادث في الدول الغربية التي يقدمها لنا الإعلام الليبرالي على أنها جرائم كراهية مستعملاً بذلك أسلوبه المعتاد في نفسنة spychiatrization كل ظاهرة لا يرضى عنها لتجنب نقاش جدي حول الموضوع.
لكن هنا سنخطئ إذا اعتبرنا أن الأمر يقتصر على الغرب، أغلب دول العالم المعاصرة أساسها ليبرالي من حيث هذا الجانب وقائمة على شرعية حماية الأقليات إن وجدت ولو من حيث الخطاب، عندما يتم مثلاً تفجير كنيسة للأقباط في مصر فإن الفاعل هنا أيضاً لا يختلف من حيث الدوافع والمبررات السياسية التي يصوغها عن ذلك النيوزيلاندي، وينظر إلى الأقباط على أنهم الطفل المدلل لدى النظام الحاكم وحلفاءه وبارتكاب مجزرة في حقهم سيجعل النظام يتراجع حمايةً لهم.
لكن كل هؤلاء [وبغض النظر عن التقييم الأخلاقي] لا يخدمون بهذا الأسلوب ولا بأي شكل من الأشكال قضيتهم ولا يتعدى فعلهم الانتقام المجاني، والسبب تركيزهم على الأعراض وترك المرض الأصلي الذي خلق حالة الارتياب والاضطراب في المجتمع، والنتيجة ستكون إجراءات ليبرالية أكثر وتدعيم أكثر للسلطة الليبرالية فهي تعتاش في الأساس على التخويف من الحرب الأهلية أو "حرب الجميع ضد الجميع"، وهنا يشبه الليبرالي ذلك الإطفائي المصاب بهوس الحرائق pyromania، يفعل كل شيء لخلق الظروف المناسبة لإشتعال الحرائق ثم يعود مرة أخرى ليطفئها وينال التصفيق والأوسمة على ذلك.
———————————
كما هو ربما معروف، ترتكز الليبرالية على نظرية أو بالأحرى أسطورة مؤسسة نشأت في مدرسة "سلامنكا" اللاهوتية في إسبانيا خلال القرن 16 وهي نظرية "الحالة الطبيعية" State of nature التي تفترض بأن المجتمع حالة غير طبيعية والفرد هو وحده الطبيعي لكنه أضطر إلى تأسيس مجتمع فقط من أجل حماية مصالحه وتجنب حالة "حرب الجميع ضد الجميع" the war of all against all التي كانت سابقة للمجتمع بحسب النظرية. لكن طبعاً يبقى كل هذا مجرد أسطورة وهمية ولا تملك اي سند علمي أو تاريخي.
أما من حيث الواقع، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه والمجتمع هو الحالة الطبيعية الوحيدة له، ولم تكن المجتمعات خلال كل عمر البشرية بحاجة لصديقنا اليبرالي لتعيش في حالة سلم داخلي قائم على انسجام إثني قومي أو ديني أو عرقي... [الأمر يختلف من مجتمع لآخر]، وحتى ولو وجدت أقليات فوجودها لم يكن يسبب أزمات تنتهي إلى حرب أهلية ما ظلت الأغلبية تتمتع بنوع من Superiority يعترف بها الجميع، هكذا عاش البشر ونظموا حياتهم دائماً إلى أن جاء الليبرالي وقرر بأن كل هذا غير حقيقي وأن الحقيقة الوحيدة هي الفرد المنعزل [الفردانية] بدون أي هوية باستثناء نوعه البيولوجي "إنسان" [الإنسانوية وديني الإنسانية وأنا إنسان فقط] وبأن المجتمع لا وجود له أصلاً وأكيد لن توجد هوية جامعة، أما ما نعتبره مجتمع فهو مجرد شركة تجارية يملك فيها كل فرد سهم واحد ولا ينبغي أن يتشكل أي تكتل يملك أغلبية الأسهم، أما الحقوق فهي مستمدة من الطبيعة وليس من المجتمع وبالتالي كل الأسهم متساوية [مساواتية] بغض النظر عن أي معطيات اجتماعية وبالتالي لا يجوز "التمييز" لأن ذلك سيخالف طبعاً حقوق الإنسان الطبيعية Natural law [إذا كنت تعتقد بوجود حقوق طبيعية، اذهب للغابة وانظر جيداً فربما ستجدها هناك].
من هذا الباب سيقدم الليبرالي نفسه كحامي الفرد أمام المجتمع، وكحامي الأقليات أمام الأغلبية التي ستُعتبر مصدر كل الشر والاستبداد، أما الأغلبية فستنظر إلى ذلك على أنه اعتداء على حقها الطبيعي [حتى بمنطق الشركة والديموقراطية] واستبداد من قبل الفرد والأقليات التي قدم لها الليبرالي ما يشبه السهم الذهبي Golden share في الشركة.
في هكذا وضع لابد أن يدخل الليبرالي في صراع مع المجتمع/الأغلبية، سيحاول بأي ثمن كسر وإضعاف تماسك المجتمع/الأغلبية من خلال خلق أكبر عدد من أصناف الأقليات التقليدية [عرقية، دينية...] والوهمية [هويات جنسية، المرأة...] لاستمالة أكبر عدد ممكن ممن يصنفون أنفسهم كجزء من الأغلبية إلى أن يتحول المجتمع كله تقريباً إلى مجموعة أفراد وأقليات بدون أي كتلة رئيسية وتعيش كلها في صراع حول من يتحصل على أكبر عدد ممكن من الإمتيازات [تسمى حقوق] ضمن سباق المظلومية الذي سيكون فيه الليبرالي هو الحكم والضامن للاستقرار.
أما الأغلبية [أو ربما بقايا الأغلبية التاريخية] التي تخشى زوالها وتحاول مقاومة تهميشها ستنظر إلى الأقليات على أنها متأمرة عن وعي مع النظام الليبرالي الذي يستمد شرعيته من حمايتها وبالتالي سيعتقد البعض أن ضرب تلك الأقليات سيوجع النظام الليبرالي أو سيجعل الأقليات تختفي، وهذا ما يفسر ليس فقط مذبحة كريس شورش في نيوزيلاندا وأغلب الحوادث في الدول الغربية التي يقدمها لنا الإعلام الليبرالي على أنها جرائم كراهية مستعملاً بذلك أسلوبه المعتاد في نفسنة spychiatrization كل ظاهرة لا يرضى عنها لتجنب نقاش جدي حول الموضوع.
لكن هنا سنخطئ إذا اعتبرنا أن الأمر يقتصر على الغرب، أغلب دول العالم المعاصرة أساسها ليبرالي من حيث هذا الجانب وقائمة على شرعية حماية الأقليات إن وجدت ولو من حيث الخطاب، عندما يتم مثلاً تفجير كنيسة للأقباط في مصر فإن الفاعل هنا أيضاً لا يختلف من حيث الدوافع والمبررات السياسية التي يصوغها عن ذلك النيوزيلاندي، وينظر إلى الأقباط على أنهم الطفل المدلل لدى النظام الحاكم وحلفاءه وبارتكاب مجزرة في حقهم سيجعل النظام يتراجع حمايةً لهم.
لكن كل هؤلاء [وبغض النظر عن التقييم الأخلاقي] لا يخدمون بهذا الأسلوب ولا بأي شكل من الأشكال قضيتهم ولا يتعدى فعلهم الانتقام المجاني، والسبب تركيزهم على الأعراض وترك المرض الأصلي الذي خلق حالة الارتياب والاضطراب في المجتمع، والنتيجة ستكون إجراءات ليبرالية أكثر وتدعيم أكثر للسلطة الليبرالية فهي تعتاش في الأساس على التخويف من الحرب الأهلية أو "حرب الجميع ضد الجميع"، وهنا يشبه الليبرالي ذلك الإطفائي المصاب بهوس الحرائق pyromania، يفعل كل شيء لخلق الظروف المناسبة لإشتعال الحرائق ثم يعود مرة أخرى ليطفئها وينال التصفيق والأوسمة على ذلك.
———————————
🔥4❤2🤯1
يجب الإنتباه أيضاً إلى أن الليبرالية وحقوق الإنسان هي الرافعة الإيديولوجية التي تقوم عليها العولمة التي تريد فرض نموذج إنساني واحد وأسلوب حياة [نموذج وأسلوب الأقوى] واحد على كل البشر [قطيع واحد كبير بإستعمال مفردات التنويري] ولا تعترف بأي حق للمجتمعات في أن تكون لها شخصيتها الخاصة، والغريب في الأمر أنه لا أكثر من كلمة "تنوع" و"تعددية" على لسانهم.
❤6
تقول الروايات أن أحد الخلفاء سمع وهو يتجول في المدينة ليلاً إمرأةً تنشد شعرًا عن وحدتها وقد خرج زوجها مع الجيش:
تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني أن لا خليل ألاعبـه
فوالله لولا الله أني أراقبـــه *** لحرك من هذا السرير جوانبه
توجه مباشرةً بعدها الخليفة إلى إبنته يسألها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال الخليفة: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.
هذا الخليفة هو عمر بن الخطاب، لكن أغلب المسلمين اليوم (حتى لا أقول كلهم) يكاد يكون من شبه المستحيل أن يخطر على بال أحدهم للحظة أن يسأل ابنته هكذا سؤال مهما كانت درجة ادعاءه "الانفتاح" وعلى الأرجح كان سيكون له موقف سلبي من صاحبة الآبيات.
لكن ردة فعل عمر بن الخطاب لم تكن على الأغلب ميزة استثنائية متعلقة بشخصه كما قد يحب أن يتصور أي مسلم اليوم بقدر ما هي ردة فعل طبيعية منبعها البيئة التي عاش فيها سواءً قبل الإسلام أو بعده والتي لا ترى في الجنس في حد ذاته أي نزعة حيوانية دنيئة أو ممارسة قذرة تستدعي الخجل، بشرط أن يكون ذلك ضمن علاقة شرعية. ومن السهل أن نجد أمثلة كثير تعكس قدر الارتياح في الحديث عن موضوع الجنس في التاريخ الإسلامي منذ بدايته إلى غاية ما قبل آخر قرنين، كما سنجد عدة مؤلفات عن الجنس كتبها أحيانًا فقهاء، منها مؤلفات تصل جرأتها جرأة نصوص الكاماسوترا الهندية، كما وجدت دورات حول الجماع للمتزوجين والمقبلين على الزواج داخل الجوامع، بالإضافة إلى قضاة مختصين دورهم الفصل في النزاعات الخاصة بين الأزواج.
من جهة أخرى لا يمكن أن نقول عن هذه النظرة للجنس في البيئة العربية-الإسلامية القديمة بأنها نظرة إستثنائية بين المجتمعات البشرية، بل هي السائدة والطبيعية لدى البشر، وتعتبر محافظة نوعًا ما إذا ما قارناها مثلاً مع ما هو موجود في اليابان أو الهند أو الصين أو إفريقيا.
لكن لسبب ما طرأ تغيير كامل على الخطاب العام وأصبح يُنظر إلى الجنس في حد ذاته على أنه ممارسة قذرة تمثل الجانب الحيواني في الإنسان بغض النظر عن ظروفه، تقريبًا كل الناس من أقصى اليمين (إسلاميين ومحافظين) مرورًا بالمسلمين العاديين إلى غاية أقصى اليسار (علمانيين، ليبراليين...) يجمعهم خطاب المزايدة الذي يتهم الآخر بالهوس الجنسي والشهوانية. فما الذي حصل؟
«وحدها المسيحية، بضغينتها العميقة ضد الحياة هي التي جعلت من الجنس دنسًا : لقد لطخت بالوحل شرط حياتنا الأول»
~ فريدريك نيتشه
منذ بدايتها، أو ربما مع بولس الرسول تحديدًا، فصلت المسيحية بين الروح والجسد وأعتبرتهما متناقضين وراحت تقدس الروح باعتبارها تمثل الجانب الملائكي في الإنسان الذي قدم من جنة عدن، وتحتقر الجسد الدنيوي باعتباره الجانب الشيطاني ومكمن الرذائل كلها. بالنسبة للمسيحية الأعضاء الجنسية هي لعنة أصابت آدم عند سقوطه إلى الدنيا بجسد "حيواني" بعد إرتكابه الخطيئة الأولى التي كان قبلها روحًا ملائكية غير مجنسنة، لا هو ذكر ولا هو أنثى androgynous. فكان لابد للمسيحي الذي يبتغي الحياة الفضلى والعودة إلى ما قبل الخطيئة الأولى أن يقمع هذا الجسد ويعيش حياة بتولية إقتداءً بالمسيح الذي قيل أنه كان بتولًا ولم يتزوج مريم المجدلية، وولد من أم بتول قيل أنها لم تتزوج بعد إنجابه، وعمده نبي بتول هو يوحنا المعمدان، وعهد بأمه إلى رسول بتول هو يوحنا الحبيب.
«البتولية هي الوضع الطبيعي، والزواج أتى بعد السقوط»
~ القديس جيروم
«أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا»
~ بولس الرسول
لكن الجنس حاجة طبيعية وضرورة بديهية لبقاء البشر، ومن غير المعقول منعه على كل الناس، وفي كل الأحوال لن يلتزم غالبيتهم بذلك مهما فعلت. يقول بولس الرسول «من تزوج فحسنًا يفعل ومن لا يتزوج يفعل أحسن».
لكن هذا لا يعني أن الجنس في ظل الزواج قد أصبح مباحًا بالمطلق. بالنسبة للمسيحية؛ لم يوجد الزواج إلا لضرورة واحدة هي الإنجاب ولا يسمح بأن يكون وسيلة للمتعة الجسدية الصرفة بأي حل من الأحوال، وكل من يستعمل الزواج لذلك فهو أثم ولا يختلف عن أي "زاني"، من هذا المنطلق حرمت الكنيسة مثلاً إستعمال موانع الحمل فهي تعني بالضرورة أن الجنس سيكون للمتعة فقط. يقول القديس توما الأكويني «استعمال الزواج هو دائمًا ذنب وخطيئة ما لم تكن نية الأزواج هي الإنجاب» ويقول البابا إينوست 11 «العلاقة الزوجية الممارسة من أجل المتعة فقط، مدانة كخطيئة سواءً من أشخاص متزوجين أو عزاب».
من هنا ظهر الخطاب المسيحي الذي يؤكد على تقديم الجانب الروحي في العلاقة الزوجية، وهو نفس الخطاب الذي أنتقل إلى الزمن المعاصر، نجده بالأخص لدى الرومنسيات ومدعي الطهارة الزائفة. قرون من الفصل المسيحي بين الروحي والجسدي وتفضيل البتولية على الزواج لا تزول من الأذهان بالسهولة التي قد نتوقعها.
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~ غلبرت كايث تشيسترتون
تطاول هذا الليل واسود جانبه *** وأرقني أن لا خليل ألاعبـه
فوالله لولا الله أني أراقبـــه *** لحرك من هذا السرير جوانبه
توجه مباشرةً بعدها الخليفة إلى إبنته يسألها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال الخليفة: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر من ذلك.
هذا الخليفة هو عمر بن الخطاب، لكن أغلب المسلمين اليوم (حتى لا أقول كلهم) يكاد يكون من شبه المستحيل أن يخطر على بال أحدهم للحظة أن يسأل ابنته هكذا سؤال مهما كانت درجة ادعاءه "الانفتاح" وعلى الأرجح كان سيكون له موقف سلبي من صاحبة الآبيات.
لكن ردة فعل عمر بن الخطاب لم تكن على الأغلب ميزة استثنائية متعلقة بشخصه كما قد يحب أن يتصور أي مسلم اليوم بقدر ما هي ردة فعل طبيعية منبعها البيئة التي عاش فيها سواءً قبل الإسلام أو بعده والتي لا ترى في الجنس في حد ذاته أي نزعة حيوانية دنيئة أو ممارسة قذرة تستدعي الخجل، بشرط أن يكون ذلك ضمن علاقة شرعية. ومن السهل أن نجد أمثلة كثير تعكس قدر الارتياح في الحديث عن موضوع الجنس في التاريخ الإسلامي منذ بدايته إلى غاية ما قبل آخر قرنين، كما سنجد عدة مؤلفات عن الجنس كتبها أحيانًا فقهاء، منها مؤلفات تصل جرأتها جرأة نصوص الكاماسوترا الهندية، كما وجدت دورات حول الجماع للمتزوجين والمقبلين على الزواج داخل الجوامع، بالإضافة إلى قضاة مختصين دورهم الفصل في النزاعات الخاصة بين الأزواج.
من جهة أخرى لا يمكن أن نقول عن هذه النظرة للجنس في البيئة العربية-الإسلامية القديمة بأنها نظرة إستثنائية بين المجتمعات البشرية، بل هي السائدة والطبيعية لدى البشر، وتعتبر محافظة نوعًا ما إذا ما قارناها مثلاً مع ما هو موجود في اليابان أو الهند أو الصين أو إفريقيا.
لكن لسبب ما طرأ تغيير كامل على الخطاب العام وأصبح يُنظر إلى الجنس في حد ذاته على أنه ممارسة قذرة تمثل الجانب الحيواني في الإنسان بغض النظر عن ظروفه، تقريبًا كل الناس من أقصى اليمين (إسلاميين ومحافظين) مرورًا بالمسلمين العاديين إلى غاية أقصى اليسار (علمانيين، ليبراليين...) يجمعهم خطاب المزايدة الذي يتهم الآخر بالهوس الجنسي والشهوانية. فما الذي حصل؟
«وحدها المسيحية، بضغينتها العميقة ضد الحياة هي التي جعلت من الجنس دنسًا : لقد لطخت بالوحل شرط حياتنا الأول»
~ فريدريك نيتشه
منذ بدايتها، أو ربما مع بولس الرسول تحديدًا، فصلت المسيحية بين الروح والجسد وأعتبرتهما متناقضين وراحت تقدس الروح باعتبارها تمثل الجانب الملائكي في الإنسان الذي قدم من جنة عدن، وتحتقر الجسد الدنيوي باعتباره الجانب الشيطاني ومكمن الرذائل كلها. بالنسبة للمسيحية الأعضاء الجنسية هي لعنة أصابت آدم عند سقوطه إلى الدنيا بجسد "حيواني" بعد إرتكابه الخطيئة الأولى التي كان قبلها روحًا ملائكية غير مجنسنة، لا هو ذكر ولا هو أنثى androgynous. فكان لابد للمسيحي الذي يبتغي الحياة الفضلى والعودة إلى ما قبل الخطيئة الأولى أن يقمع هذا الجسد ويعيش حياة بتولية إقتداءً بالمسيح الذي قيل أنه كان بتولًا ولم يتزوج مريم المجدلية، وولد من أم بتول قيل أنها لم تتزوج بعد إنجابه، وعمده نبي بتول هو يوحنا المعمدان، وعهد بأمه إلى رسول بتول هو يوحنا الحبيب.
«البتولية هي الوضع الطبيعي، والزواج أتى بعد السقوط»
~ القديس جيروم
«أقول لغير المتزوجين وللأرامل إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا»
~ بولس الرسول
لكن الجنس حاجة طبيعية وضرورة بديهية لبقاء البشر، ومن غير المعقول منعه على كل الناس، وفي كل الأحوال لن يلتزم غالبيتهم بذلك مهما فعلت. يقول بولس الرسول «من تزوج فحسنًا يفعل ومن لا يتزوج يفعل أحسن».
لكن هذا لا يعني أن الجنس في ظل الزواج قد أصبح مباحًا بالمطلق. بالنسبة للمسيحية؛ لم يوجد الزواج إلا لضرورة واحدة هي الإنجاب ولا يسمح بأن يكون وسيلة للمتعة الجسدية الصرفة بأي حل من الأحوال، وكل من يستعمل الزواج لذلك فهو أثم ولا يختلف عن أي "زاني"، من هذا المنطلق حرمت الكنيسة مثلاً إستعمال موانع الحمل فهي تعني بالضرورة أن الجنس سيكون للمتعة فقط. يقول القديس توما الأكويني «استعمال الزواج هو دائمًا ذنب وخطيئة ما لم تكن نية الأزواج هي الإنجاب» ويقول البابا إينوست 11 «العلاقة الزوجية الممارسة من أجل المتعة فقط، مدانة كخطيئة سواءً من أشخاص متزوجين أو عزاب».
من هنا ظهر الخطاب المسيحي الذي يؤكد على تقديم الجانب الروحي في العلاقة الزوجية، وهو نفس الخطاب الذي أنتقل إلى الزمن المعاصر، نجده بالأخص لدى الرومنسيات ومدعي الطهارة الزائفة. قرون من الفصل المسيحي بين الروحي والجسدي وتفضيل البتولية على الزواج لا تزول من الأذهان بالسهولة التي قد نتوقعها.
«العالم الحديث مليء بالفضائل المسيحية القديمة التي أصبحت مجنونة»
~ غلبرت كايث تشيسترتون
❤7👍5🔥1