حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
2
وسائل دفاع التنويري: مقدمة

من مميزات الكثير من المعاصرين، ونتيجة إحساسهم بالتفوق على أجدادهم من حيث القيم، ميلهم نحو تفكيك والشك في كل ما جائهم عن القدماء: قيم، معتقدات، نظم إجتماعية، أحداث تاريخية... يطلقون على هذه الميزة إسم "التنوير"، بمعنى أنهم ينظرون إلى العالم على أنه كان في الماضي عبارة عن ظلام دامس، ثم فجأة أكتشفوا مصدراً للنور وراحوا يستعملونه لإكتشاف كهف التاريخ المظلم. هذه النظرة للتاريخ ناجمة عن "إيديولوجية التقدم" وهي تعني الإيمان الجازم بأن التاريخ البشري عبارة عن خط مستقيم نجد في نهايته الخلاص الأبدي [عملية علمنة العناية الإلهية في المسيحية وتعويض جنة السماء بجنة الأرض] وبالتالي يصبح الإحتكام إلى الزمن لدى التقدميين حجة كافية لتسويق وإثبات تفوق أي قيم جديدة [أو ما يعتقدونه جديد] على ما هو قديم وكأنها تشبه إصدارات الهواتف الذكية التي تلغي كل واحدةً منها سابقتها إلى الأبد. هنا ربما تلعب طفرة التقدم التقني/العلمي الدور الرئيسي في إحساس المعاصرين بأنهم يصبحون أكثر تفوقاً قيمياً مع مرور الزمن.

هذه الطريقة في تفكيك الواقع بهدف فهمه ليست سلبية بالضرورة. لكن ما يميز هؤلاء التنويريين [غالبيتهم الساحقة على الأقل] إلى جانب رغبتهم في تفكيك الماضي بأي ثمن واعتبار ذلك هو الحل السحري لكل معضلاتهم، هو عجزهم الكامل عن تفكيك وفهم أفكارهم وروح عصرهم عبر إستعمال نفس الأدوات، والسبب في ذلك إيمانهم العميق بأن أفكارهم هي قوانين فيزيائية ومسلمات لدى البشر وبالتالي لا يتقبلون [غالباً بحسن نية] أي محاولة للقيام بذلك يسكتونها مباشرةً وبشكل تلقائي عبر ثلاث طرق رئيسية:

1- نظرية المؤامرة: الدفاع عن السلطة
2- الذوق: الدفاع عن أسلوب الحياة الفرداني
3- الـ Psychiatrization: الدفاع عن الآقليات والصواب السياسي

----------------------------
ملحوظة: تنوري/يساري/تقدمي/ليبرالي كلها صفات يقصد بها هنا وفي بقية المقالات نفس الشخصية

...يتبع
5👍1💯1
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
2
1- نظرية المؤامرة: الدفاع عن السلطة

يمكن تعريف المؤامرة على أنها التخطيط السري من قبل مجموعة من الأشخاص لالحاق الضرر بأخرين أو ما يعتقده الآخرون ضرراً لهم...
أما نظرية المؤامرة فهي مصطلح إزدرائي يستعمل عادةً لوصف ما يراه المتحدث عملية التشكيك غير المبرر أو غير المعقول في حقيقة أحداث أو تغيرات قد تطرأ على حياة البشر أو التشكيك في حقيقة الجهة التي تقف وراءها ودوافعها. كما يمكن تعريفها أيضاً على أنها عملية إفتراض وجود شبكة عالمية واسعة تملك قوة ونفوذ لا حدود لهما تسمح لها بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة في العالم بحيث لا يخرج شيء تقريباً عن سلطتها.

على طرفي فكرة المؤامرة هذه نجد نوعين من البلادة العقلية [لم أجد وصفاً أحسن منه]. النوع الأول [عادةً من اليمين واليسار الإشتراكي] واسع الخيال ومتشكك إلى حد جنون الإرتياب Paranoia ويرى الرموز التآمرية أو الإساءة "المقصودة" لرموزه في كل زاوية [لفظ الله، محمد...مثلاً]، بالنسبة له التاريخ عبارة عن سلسلة مترابطة من الأحداث التي تتحكم فيها قوى خفية ولا مجال فيه للصدفة أو تراكم والتدرج، كل حدث يعتبره سلبي هو بالضرورة من تخطيط جهة ما قد يكون لها فعلاً تأثير حقيقي ومثبت عبر التاريخ والحاضر (اليهود، الماسونية، اليسوعيين...) أو جهة لا دليل على تأثيرها أو حتى وجودها من الأساس أحياناً (البابا الأسود، الفضائيين، المسيح الدجال...).
أخطر ما قد يقوم به هذا النوع هو تفسيره لتطور الظواهر والأفكار من بعضها البعض أو الدوافع الإيدولوجية لجهة ما على أنها مؤامرة مقصودة تقف وراءها نوايا سيئة، في حين قد تكون مجرد كرة ثلج تتدحرج ضمن مسار من السهولة توقعه وتفسيره بدون الحاجة لطرف خفي يوجهها بالضرورة. نأخذ كمثال على ذلك مسار إيديولوجية المساواة/الليبرالية، من السهل أن تتوقع بأن تنتهي الليبرالية إلى تقبل زنا/زواج المحارم مثلاً من باب الحرية الشخصية [وبإسم الحب طبعاً] ولن يكون ذلك مفاجئاً بعد عقود وسيتقبلها الناس مثل العادة، فهو نتيجة طبيعية وحتمية بما أن الناس تملك قابلية اللبرلة ولا يحتاج الأمر ليد خفية التي إن وجدت فلن يكون دورها أكثر من تسريع العملية.

أما النوع الثاني [يساري ليبرالي عادةً] فهو بعكس الأول يرى كل الأحداث في العالم ناجمة عن صدف غير مقصودة ويرفض أي محاولة مهما كانت منطقية لترتيب أحداث/مؤشرات/اعترافات ضمن نسق واحد يخدم مصالح جهة ما أو التشكيك في الرواية الرسمية عن حدثٍ ما. وفي غالب الأحيان كلما كانت الجهة المعنية ذات نفوذ كبير في العالم كلما كان رفض الشك فيها أقوى [لهذا لا بأس بالحديث عن مؤامرة روسية خلال الانتخابات الأمريكية] وكان المطلوب منك أن تعتمد الرواية الرسمية وما يقال في نشرة 8:00 الإخبارية مهما بدت لك الرواية غير مقنعة لأنه وكما تعلم: الجميع طيب وذوي نوايا حسنة وتزداد طيبتك وشفافيتك كلما إزداد نفوذك.

أما هيئات المخابرات ومراكز الدراسات الإستراتيجية وشركات العلاقات العامة في الدول العظمى خاصةً، فدورها محصور في متابعة عمل مزارع الذرة والتنبأ بأحوال الطقس. أما المجموعات السرية [إذا لم تكن مصنفة كإرهابية طبعاً] مثل "بيدلبيرغ" فهي مجرد نوادي لاحتساء الشاي الأخضر ومشاهدة طيور الجنة في هدوء بعيداً عن الكاميرات. أما العلم المسمى "هندسة إجتماعية" الذي يتناول كيفية إعادة تشكيل وتوجيه المجتمعات [وطنياً ودولياً] من أجل غايات سياسية/تجارية/إنتاجية، فهو في الواقع يستعمل فقط لتحسين انتاجية مجتمعات النحل من العسل. أما الشخصيات فاحشة الثراء وذات النفوذ الواسع مثل الملياردير "جورج سوروس" صاحب "مؤسسة المجتمع المنفتح" Open Society Foundations التي انفقت 11 مليار دولار منذ 1979 عبر شبكة منظمات NGO فرعية وحركات ثورية/اجتماعية منتشرة في 37 دولة، فهي وجدت من أجل دراسة تأثير شرب عصير قصب السكر على النخاع الشوكي. أما اتفاقية سايكس بيكو وبروتوكول سيفرز السري وعملية Mockingbird وعملية Northwood والتخطيط لإنقلابات أمريكا اللاتينية وإنقلاب مصدق... فهي كلها مجرد طفرات حدثت منذ ألاف السنين ولن تتكرر مرة أخرى، فلا تسمح لأحد أن يشكك في نزاهة القيادة الحالية الرشيدة وأصحاب النفوذ الطيبين.

أي محاولة تشكيك من قبلك في ما سبق من كلام أو ما شابهه أمام تنويري يتغنى دائماً بالشكوكية والشك في كل شيء، يعني ضمك مباشرةً إلى النوع الأول، وبالتالي أنت مع المؤامرة الماسونية منذ بابل، وبالتالي الأرض لديك مسطحة (1) وبالتالي مكانك المصحة العقلية أو عليك إستشارة مختصين نفسيين ليشرحوا لك بأنك مصاب بالهلوسة والبارانويا وأن ما تقوم به هو إحدى الميكانيزمات الدفاعية للنفس البشرية التي تجعلك تُحمل الأخرين مسؤولية فشلك، في المقابل لا تجد من يتحدث عن الطرف المقابل ونفسيته بوصفه ساذج ويعيش حالة إنكار تسمح له بتجاوز ما يعتبره حقائق مزعجة عبر حشرها في زاوية مظلمة من الذهن حتى لا يضطر للتعامل معها كواقع.
❤‍🔥5
وهكذا يجد أي مفكر جاد نفسه وهو يحاول فهم العالم على حقيقته بين من يرى مؤامرة في كل مكان ومن يرى نظرية مؤامرة في كل مكان، ويعيش حالة رعب دائم من تسخيف طرحه ومضطر لمراقبة كل كلمة تصدر عنه فقط لأنه يرفض نظرية العالم الزهري، وفي كثير من الأحيان يبدأ حديثه وينهيه بالتأكيد على أن ما قاله ليس من نظرية المؤامرة حتى لا يساء فهمه ويفقد مصداقيته بين زبائنه من "المثقفين" والاعلام الذي قد يصفه بالتآمري.
أن يوصف شخصٌ ما اليوم بأنه تآمري وبالتالي مصاب بالبارانويا لا يختلف كثيراً من حيث الأسلوب عن وصفه بالفاشي وبقية تكتيكات علم النفس التي استعملتها وتستعملها الحركات اليسارية والشيوعية دائماً لإرهاب وإخراس خصومها [سيأتي ذلك مفصل في موضوع Psychiatrization]. تهمة "نظرية المؤامرة" أصبحت فزاعة حقيقية في وجه كل معارض للرواية الرسمية، ومع ذلك لم يكن هذا كافياً، بل يجري الحديث اليوم عن وضع رقابة حكومية تحت باب قانون العقوبات في ما يعرف بمشروع قانون "الأخبار الكاذبة" Fake news [ظهر بعد انتخاب ترمب وماكرون] تماماً كما كانت تفعل دائماً الدول القمعية مع من تصفهم بـ ناشري الأخبار الكاذبة بغرض إثارة البلبلة وتهديد السلم الأهلي. لكن الاختلاف الحاصل اليوم بالمقارنة مع تلك الأنظمة التي توصف بالقمعية هو بروز رقابة "قطاع خاص" تتمثل في الشركات الرقمية [جوجل، فايسبوك...] العابرة للحدود التي أصبحت تعتبر نفسها راعية سلامة الوعي الجمعي.

لكن... [هناك دائماً "لكن" مع التنويري] ولأن التنويري تقدمي وطبيعته ينظر إلى الماضي بوصفه شرٌ محض والمستقبل خير خالص، فإنه إذا ما تعلق الأمر بالماضي أو ما يعتبره التقدمي بأنه مرتبط بالماضي، فإنه يتحول فجأةً إلى النوع الأول ويسمي ذلك "مراجعة تاريخية"، لا يمانع التنويري مخلص البشرية من نسج كل نظريات المؤامرة التي قد تخطر على البال إذا ما تعلق الأمر بالماضي، رغم أن الماضي لا يملك عشر الموارد/التقنيات/المعارف المعاصرة. التاريخ بالنسبة له هو سلسلة مؤامرات أنتهت بقدومه وإكتشافه النور، الملوك والقادة القدامى بالنسبة لليبرالي [وبغض النظر عن رأي أهل زمنهم] كانوا مجموعة من الطغاة المستبدين الذي يختلفون تماماً عن الأنظمة "الديموقراطية" الحديثة، اما رجال الدين بالنسبة للتنويري الواعي فهم ماسونية الماضي الذين ابتكروا الدين كمؤامرة للتحكم في البشر واغراقهم في ظلمات الجهل. أما بالنسبة للفرع الأنثوي للتنوير فهو يتحدث عن المؤامرة الذكورية ضد تمكين المرأة عبر القارات الخمس منذ ألاف السنين وما تزال مستمرة منذ الثورة الزراعية تقريباً، ودائماً تسمع منهن/منهم بعد بحثهم بالمجهر في التاريخ عن تميز أنثوي بأن فلانة قد تأمروا عليها فقط لأنها "إمرأة" أو أخرى سرق منها إنجازها بدون أي دليل على ذلك سوى أنها كانت زوجة/زميلة فلان.

هنا؛ يمكنك أن تتفوه بأي هراء مهما بدى جنونياً وغير معقول ومع ذلك ستبدو بفضله المثقف التنويري والمتشكك الذي لا يٌخدع، إلى ان تحول الأمر إلى مهرجان مفتوح: المسيح شخصية وهمية Christ myth theory. مملكة إسرائيل كانت في اليمن. أما الاسلام فهو مؤامرة من صناعة الخليفة عبد الملك بن مروان [هذه المؤامرة لديها عدد لا حصر له من النسخ]. الأقصى ليس هو الأقصى الذي نعرفه، والحقيقي كان موجود في الطائف. أما مكة الحقيقية فكانت في البتراء...
كل هذا بالاعتماد على حجج لو تعمم على التاريخ فلن يبقى منه شيء، وهذا ما قام به الفيزيائي والرياضي الفرنسي Jean-Baptiste Pérès لاظهار مدى سخافة هذا الأسلوب في التعامل مع التاريخ والرد على نظرية Christ myth theory حيث وضع سنة 1827 نظرية مفصلة تقول بأن الإمبراطور نابليون [كان قد توفي منذ 6 سنوات فقط] شخصية وهمية لم توجد قط وأنها مجرد إسقاط لأسطورة "أبولو" الإله الإغريقي مع العديد من التفاصيل الدقيقة تمتد لصفحات وصفحات.

طبعاً لا يعني هذا الكلام أن المراجعة التاريخية في حد ذاتها كفكرة تنظر إلى التاريخ نظرة مؤامراتية، بل الحديث هنا عن هذه الفلسفة التفكيكية Deconstruction التي أمتدت إلى التاريخ وتحاول تجريف كامل لحقائق وأحداث تاريخية كبرى وحتى جغرافية عاشها ملايين البشر وأمم ما تزال موجودة إلى اليوم ولم تندثر على الأقل ثقافياً، أو عندما يتم إعادة تقييم التاريخ بنظرة معاصرة مؤدلجة أو ما يعرف بالـ Presentism وهو أكبر خطيئة قد يقع فيها أي مؤرخ.
بعبارة أخرى، هناك فرق بين أن تناقش مثلاً مسألة من يقف وراء أحداث سبتمبر11 (2) [بغض النظر عن صحة رأيك] وبين أن تفترض أن تلك الأحداث لم تقع أصلاً أو وقعت في طوكيو.
أما مراجعة التاريخ الجادة وغير المؤدلجة فهي بالتأكيد إيجابية لمن يهمه الأمر من حيث إعادة النظر في بعض التفاصيل أو الشخصيات والأحداث الجانبية المبالغ فيها في ضوء إكتشافات أركيولوجية وكوديكولوجية أو لأن أحد المؤرخين وقعت يده على علبة مهملة في زاوية من الأرشيف. لكن الأكيد لن تأتي بتغيير راديكالي لتاريخ أمم ما تزال موجودة.
7🔥1
-------------------------
ملحوظات:
(1) - اعلام الـ mainstream وصفحات الفايسبوك الليبرالية لديهم ولع شديد بعرض مختلف نظريات المؤامرة السخيفة على الناس، وكأنهم يقولون: هذا هو شكل كل من يلمح لمؤامرة ما ونحن من سيحميكم منهم بالنبأ الصحيح.
(2) - يمكن أن نقول بأن أحداث 11/09 كانت هي بداية استعمال "نظرية المؤامرة" بشكل واسع كسلاح.

...يتبع
💯4
2
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
3
2- الذوق: الدفاع عن أسلوب الحياة الفرداني

عندما تقابل التنويري قيم وظواهر اجتماعية لا تتوافق وعالمه المثالي، فإنه تلقائياً يختزل دوافعها بشكل أو بآخر في صفتين: الجهل والاستبداد. وهذا إلى حد ما طبيعي في الصراعات بين البشر، كل طرف في أي صراع يحتاج إلى اختزال وتبسيط حالة الخصم في صفات ذات وقع سلبي واختزال وتبسيط الذات أيضاً لكن في صفات ذات وقع إيجابي لكسب المعركة الدعائية أمام الرأي العام، من هنا يصف التنويري من يعارضه بـ "التخلف" أو "التشدد" ويصف ما يقوم به هو بـ "التنوير" و "التسامح".
هذا على مستوى الشعارات والدعاية، لكن إذا نظرنا نحو التحليلات "الجادة" التي يقدمها ذلك التنويري فسنجدها لا تختلف عن شعاراته بشكل كبير سوى من حيث إطالة الجمل والتفنن في استعمال المصطلحات السيكولوجية والسوسيولوجية، أما من حيث المضمون فهو لا يحاول تفهم الحالة التي هي أمامه ولا حتى فهمها، فهو يبدأ التحليل ولا يريد سوى الوصول إلى هدف معين في ذهنه مسبقاً وهو أن تلك العادات والتقاليد مثلاً ساقطة قيمياً وليست سوى نتاج الجهل والاستبداد ولم تكن لها أي غاية وجدت نتيجة تجارب أجيال وواقع معين، على الأقل في الظروف التي نشأت فيها.

في المقابل، إذا ما سولت لأحدهم نفسه محاولة فهم "عادات وتقاليد" صديقنا التنويري فسيصرخ تلقائياً: إنه الذوق، إنه الذوق، لا يحق لك أن تقيم أذواق الناس، هل تحكم على إختيار أحدهم الفانيلا بدل الشيكولاطة؟ أكيد لا، إذن كذلك هي الإختيارات في العمارة والأدب والفن والمظهر الخارجي والتوجهات الجنسية...الخ، كلها أذواق غير قابلة للفهم والتقييم وما قد تعتبره أنت انحطاط وقبح وتصرف شاذ قد يراه غيرك إبداع وجمال وتصرف طبيعي جداً، وبالتالي هي مسائل شخصية جداً وتخص أصحابها فقط، أما أنت فلا يحق لك سوى التعبير عن مشاعرك نحوها فقط بـ "لم يعجبني/لم أحب" وبدون تعليل لو سمحت، أو يمكنك ان تكتبت مثل ذلك المعلق: آسف أن أقول لكِ أني أخالفك تماماً في الرأي، تقبلي مروري سيدتي.

- الإعجاب الكبير الذي لقيته رواية Fifty Shades of Grey (رواية رومنسية/اباحية) بين النساء كان مجرد ذوق أدبي ولا يمكنك أن ترى خلفه أي رغبات ودوافع غريزية، تلك الدوافع الغريزية نجدها فقط لدى الفريق الآخر "المتخلف"، أما نحن فمتنورون وواعون ولا تحكمنا قوانين الطبيعة غير موجودة اصلاً.
- ليس لأنك لم تدرك بعد ما أدركه غيرك من المعاني العميقة لتلك الأعمال الفنية الرائعة التي تصفها أنت بـ الخربشات معناه أن الفن في إنحطاط وأن ذلك الانحطاط سببه فتح الباب أمام من لا موهبة لهم، هذا الفن المعاصر يسمح للجميع بإخراج إبدعاتهم بدون تمييز وليس فتحاً للبالوعات كما تقول.
- لا يحق لك أن تحتج بمعايير آدبية بالية ومتجمدة لتصف أعمال تلك الروائية العظيمة بأنها تقيؤ عاطفي ورومانسية صدئة لا ينبغي أن تتجاوز المجلات النسائية والمسلسلات التركية، على الأقل احترم مشاعر معجبيها الكثر من عشاق القراءة والثقافة.
- ذلك الرجل يريد أن تتعامل معه بوصفه إمرأة، وتلك المرأة البيضاء هناك تعتبر نفسها سوداء، والتي بجانبها تعتقد أنها كلب، هذه خياراتهم الشخصية ويجب أن تحترمها وأن لا تقمعهم وتصفهم بالمضطربين عقلياً فقط لأن المبادئ الأساسية في البيولوجيا لا تعترف بهم.

نرى من خلال الأمثلة السابقة بأن فكرة الذوق ترتكز هذه على حجتين:

1- الحرية الشخصية:
هذه الحجة تقوم على مبدأ "أنت حر ما لم تضر" Harm principle، وهو مبدأ ليبرالي يفترض بأن لكل فرد الحق في فعل كل ما يشاء ما لم يسبب ذلك الفعل أذية مباشرة لفرد آخر وهذا هو المقياس الوحيد لتحديد ما هو التصرف الذي يمكن السماح به والذي لا يمكن السماح به لدى الليبراليين.

مبدأ الـ "لا ضرر" هذا قد يبدو معقول من حيث الظاهر، لكن مشكلته أنه يتجاهل تماماً الأذى والضرر غير المباشر الذي يسببه فعل ما قد يبدو غير مضر على بقية الأفراد، ويتجاهل أكثر من ذلك ما قد يسببه للمصلحة العامة للمجتمع ويحصر معنى الضرر في استعمال العنف او التهديد به. هذا التجاهل من قبل الليبراليين يعود في الأصل إلى فلسفتهم وأساطيرهم المؤسسة من القرن 17 التي ترفض أن يكون الإنسان كائن اجتماعي وتعتبر أن المجتمع هو مجرد حالة مصطنعة اضطر إليها الفرد لحماية نفسه وممتلكاته. اسطورة ترفضها حتى الأبحاث المعاصرة التي تؤكد على أن الانسان كائن اجتماعي وأن دماغه مصمم للعيش داخل مجتمع [قطيع] ومن ليس كذلك فهو يعاني من اضطراب عقلي هو "اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع" Sociopathy. هذا يعني أن الانسان [بشكل عام] سهل التأثر بتصرفات غيره من البشر ولديه ميول غريزية لتقليديهم. بل إن علم الاعصاب يتحدث عن خلايا عصبية مرآتية Mirror neurons تنشط عند مشاهدة أي فعل لكائن أخر [بالأخص إذا كان من نفس النوع] بشكل وكأن المشاهد هو من يقوم به، هذه الخلايا العصبية تلعب دور مهم في العلاقات الاجتماعية والتعليم وطبعاً التقليد والتجاوب العاطفي.
2
وبالتالي أي فعل يقوم به الإنسان في "المجال العام" وأمام الملأ هو نوع من تحفيز الأخرين على القيام به وبالتالي لا يمكن اعتباره مجرد فعل محايد خالٍ من إلحاق الضرر بالأخرين، ما يعطي الحق للمجتمع أو من يمثله سلطة تقدير ما ينبغي على الفرد الالتزام به في "المجال العام" على الأقل لحماية الأطفال وبقية الأفراد ذوي الشخصية سهلة التأثر بدون المساس بحرية الفرد في المجال الخاص [الملكيات الخاصة] والبعيدة عن الانظار.

ربما أبسط مثال يستشهد به حول النزعة الطبيعية لدى البشر نحو التقليد هو "الموضة" وكيف تنتقل بين الأفراد، وهناك أمثلة آخرى أكثر راديكالية مثل ما نجده في حالة انتحار الممثل الأمريكي "روبن ويليامز" شنقاً والتي كانت صدمة حقيقة في المجتمع الأمريكي، حيث تتحدث الإحصاءات عن زيادة غير متوقعة بـ 10٪ في عدد المنتحرين، و32٪ في عدد المنتحرين شنقاً. دراسات أخرى لاحظت زيادة في نسبة الانتحار بين الجنود الأمريكيين الذين سبق وانتحر أحد زملائهم.

هناك أيضاً تأثير سلبي أخر للحرية الشخصية [أو بالتحديد ما يسمى بـ حرية الاختيار] على المجتمع خارج موضوع التقليد يتمثل في بعض الرغبات التي يريد بعض الأفراد من المجتمع أن يدفع ثمنها ويتحمل مسؤوليتها الأخلاقية، مثل المتحولين جنسياً أو الراغبين في القتل الرحيم والإجهاض الذي يريدون من المجتمع توفير الموارد البشرية وتحمل ثمن خياراتهم الشخصية من خلال التأمين الصحي.
وهناك أيضاً بعض الخيارات الفردية التي قد تصبح عبء اجتماعي واقتصادي على المجتمع عندما تتجاوز حداً معين، مثل خيار الطلاق الذي قد يسبب مشاكل اجتماعية (جريمة، تسرب مدرسي...) أو قد يحدث أزمة في السكن بسبب زيادة الطلب.

إذن من السخافة التحجج بالحرية الشخصية لتبرير أفعال الفرد في المجال العام، كل ما يفعله قد يكون له تأثير مباشر أو غير مباشر على بقية المجتمع، سواءًا كان تأثير إيجابي أو سلبي، هذه الحرية الشخصية التي تتحدث عنها تنتهي عند عتبة باب بيتك أين تبدأ حرية المجتمع.

2- النسبوية:
وهي الفكرة القائلة بعدم وجود حقائق مطلقة في هذا العالم وبالتالي كل الآراء والقيم والحضارات والثقافات متساوية، هذا الادعاء الذي يهدم نفسه بنفسه هو ما يستعمله التنويري كحجة لتخطي أي معايير أو قوانين تحكم مجتمعه، بالنسبة له وجود معايير يعني القيام بترتيب القيم والمفاهيم بغية فصل الخطأ عن الصواب وبالتالي سيتشكل بالضرورة نمط هرمي للمجتمع وهذا ما يعتبره التنويري قمع والاستبداد بما أن مبدأ الهرمية يلغي مبدأ المساواة العزيز على قلبه. هناك من التنوريين حتى من يعتبر "اللغة" في حد ذاتها فاشية كما وصفها التفكيكي "رولان بارت" لأن اللغة فيها دائماً تلك الرغبة في الدقة التي بدونها تصبح غير قابلة للاستعمال كأداة تواصل. اللغة العربية مثلاً واحدة من أشد اللغات من حيث الاصرار على الدقة، يظهر ذلك من خلال عدد مفرداتها الكبير وصعوبة علم النحو والصرف لديها. وهذا ما يفسر ظهور تلك الطبقة من الكتاب المعاصرين الذين اختاروا العامية كبديل للفصحى لأنها تعطيهم حسب زعمهم مجال أكبر للتعبير وكأنها تفوق الفصحى في المفردات في حين أنها ليست سوى طريقة للتغطية على الأخطاء وانهيار المستوى... هل صادفت من قبل نص بالعامية فيه أخطاء؟.

وهكذا نجد تمدد للنسبوية إلى كل جوانب الحياة وأي محاولة للتذكير بالمعاني الأصلية للمصطلحات والمفاهيم توصف دائماً بالتشدد والاستبداد، في السياسة تجد مثلاً من يشعر بالقلق من تحديد معنى مفاهيم أساسية مثل اليسار/اليمين. أما في الدين فنلاحظ بروز نسبوية دينية بين العامة لم توجد في الماضي وعرفت فقط بين النخب باسم "وحدة الأديان"، لا فرق بين اليهودية والإسلام والهندوسية وكلها تهدي إلى الحق وبالتالي لا معنى لأن تكون يهودي أو مسلم أو هندوسي لأن المساواة دائماً تلغي المعنى. بعبارة أخرى، يمكنك من حيث المبدأ أن تعتبر كل الأديان بأنها على ضلال، لكن اعتبارها كلها على أنها على صواب فذلك بكل بساطة مستحيل. نفس الحديث قد يقال عن الوطنية، وكما تقول المذيعة لضيوفها عندما يشتد النقاش: دعونا لا نخون أحد، كلنا وطنيون هنا وكلنا نسعى لمصلحة هذا الوطن.

لكن؛ [وهناك دائماً "لكن" مع التنويري] وعلى عكس ما يظهره التنويري من احتكام للذوق والنسبوية فإنه شخص غارق في المطلقات ويعتقد أن القيم التي يدافع عنها هي قوانين فيزيائية متفق عليها بين كل البشر ويتعجب صادقاً كيف يمكن لأحد أن ينقض أسس معتقداته التي يظن بأنها من المسلمات البديهية مثل حقوق الانسان المطلقة ومفهوم الانسانية [حتى التنويري لا يعرف ما هو بالضبط] والمساواة... هذا يعني أن التنويري يستعمل حجج النسبوية فقط كسلاح لهدم قيم من يعتبرهم خصومه، لكنه يعود للقيم المطلقة إذا ما تعلق الأمر به. يتقبل أن للأفراد أذواق وحقوق خاصة بهم، لكن يرفض أي حديث عن أذواق وحقوق للمجتمعات بنفس المنطق.
5👍3😁1
يتقبل تميز الأفراد ويشجعه حتى لو كان ذلك من خلال البذاءة، لكن يرفض أي تميز للمجتمعات عن بعضها خارج المظاهر الفولكلورية.

...يتبع
5
😁4
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
3
3- الـ Psychiatrization: الدفاع عن الأقليات والصواب السياسي

كما هو معروف، يملك علم النفس سلطة وتأثير قوي على حياة المعاصرين، يحيط تقريباً بكل نواحي الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد: علم النفس التربوي، الأسري، الاجتماعي، التعليمي... وبشكل من الأشكال أخذ الخبير النفسي كل أدوار "القس" القديمة بما في ذلك الاعتراف بالخطايا كما يتطلبه الضمير المسيحي الذي يرجو راحة البال. أضف إلى ذلك تخصصات لكل نواحي حياة المجتمع التي قد تخطر على البال: علم نفس القانوني، المروري، الحربي، البيئي، السياحي...

تقريباً لكل معضلة اجتماعية/شخصية خبير نفسي، تماماً كما هناك خبير في الحواسيب أو العمارة، باستثناء أن الحواسيب والعمارة تقوم على علوم دقيقة بعكس علم النفس الذي ينتمي للعلوم الانسانية التي تتبنى الخطاب العلمي بشكل لا يعكس حقيقتها دائماً، هذا لا يعني أبداً أنه علم زائف من حيث المبدأ، فقط هو علم متقلب وغير دقيق، هذا ما يجعله قابل للتزييف وسهل التأثر بالتيارات الأيديولوجية والسياسية [ومثله في ذلك بقية العلوم الإنسانية] وبالتالي إمكانية تحويله إلى أداة تستعمل لتوجيه الرأي العام تحت تهديد وهم العلم [قال علماء، قالت دراسة علمية...].

إحدى أوجه ذلك الاستعمال الذي تبرع فيه التيارات اليسارية/التنويرية هو ما يعرف بـ النفسنة Psychiatrization [أي ترجمة أخرى مرحبٌ بها] وهي عملية توجيه النقاش نحو الجانب السيكولوجي بغية إما تبرير أفعال [جرائم عادةً] طرف ما عبر رفع المسؤولية عنه بدعوى الحالة النفسية السيئة، وقد تُحمل تلك المسؤولية لطرف آخر [شخص X، الوالدين، المجتمع...] بدعوى تسببه في تلك الحالة. أو لرفع المصداقية عن الخصم السياسي/الأيديولوجي من خلال تصوير موقفه على أنه مجرد انعكاس لحالة نفسية مرضية واعتلال عاطفي وليس نتيجة موقف عقلاني قابل للنقاش.

ربما أقدم وأبسط أنواع هذه النفسنة والتي ما تزال منتشرة بقوة وبالأخص لدى اليسار التنويري، هي تلك الثنائية العاطفية [يمكن وصفها بالطفولية] التي كانت المسيحية هي أول من جعل منها معياراً لتقييم الحالة الإنسانية بالشكل المبالغ فيه اليوم: الحب/الكراهية. الأشرار تحركهم مشاعر الكراهية والأخيار يحركهم الحب. كل مشاكل البشرية سببها الكراهية وكل حلولها تكمن في الحب. الكراهية حالة مرضية لا مبرر لها والحب هو الحالة الصحية التي لا تحتاج لتبرير.

مع البدايات الأولى لظهور علم النفس الحديث بدأت النفسنة تأخذ شكلاً علمي أكثر تعقيداً، من أمثلة ذلك نجد الدربتومانيا Drapetomania أو الرغبة في التحرر من العبودية وهو مرض عقلي افترضه الطبيب الأمريكي Samuel Cartwright سنة 1851 لتفسير ظاهرة هروب العبيد السود من قبضة ملاكهم في الجنوب نحو الشمال. طبعاً هذا المرض المتخيل لم يلقى ذلك النجاح الكبير، خاصةً وأنه كان ضد سلطة وروح عصره، وربما لو قام بنفسنة حالة ملاك العبيد بدل ذلك للقي نجاح أكبر.

سنة 1933 وأثناء صعود الفاشية والنازية خرج الفرويدو-ماركسي الطبيب النفسي Wilhelm Reich بفرضيته المشهورة والتي لا يزال يتبناها إلى اليوم اليسار التنويري عن علاقة الكبت الجنسي بصعود الفاشية. بالنسبة لـ Reich [وكأي فرويدي يفسر كل الظواهر البشرية من خلال الجنس] فإن الفاشية كانت نتاج عدم الاشباع الجنسي لدى الجماهير والثورة الجنسية هي الحل لكل ذلك.

لم يكن Reich هو الشيوعي الوحيد الذي برع في نفسنة الخصوم، فقد جعل الاتحاد السوفييتي من نفسنة المعارضين سياسة دولة. بدأ ذلك سنة 1948 مع نائب وزير الخارجية Andrey Vyshinsky الذي اصدر أوامره باستعمال السيكولوجيا كسلاح قمع وإرسال المعارضين إلى المستشفيات العقلية بدل إرسالهم إلى معسكرات الغولاغ، وبهذا يتم الجمع بين سجن المعارضين ونزع المصداقية عنهم بوصفهم مجرد مجانين لم يدركوا قيمة جنة الشيوعية التي هم فيها. وهكذا قفز عدد أسرة المستشفيات العقلية من 34 ألف سنة 1935 إلى 390 ألف سنة 1974.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فخلال الستينات خرج الطبيب النفسي Andrei Snezhnevsky بمرض عقلي جديد سماه "الفُصام البطيء" sluggish schizophrenia. هذا المرض يصيب المعارضين حصراً وأعراضه: القلق، التشائم، ضعف التكيف الاجتماعي، الأوهام الاصلاحية...

بعد الشيوعيين انتقلت العدوى إلى الليبراليين الذين جعلوا من النفسنة سلاحهم للدفاع عن الأقليات والصواب السياسي، بالإضافة لنزع المصداقية عن الشخصيات غير المرغوب فيها.
بالنسبة للأقليات [الحقيقية والوهمية] يعتمد الليبرالي على عاطفتي الكراهية والخوف لنفسنة أي حديث عن الأقليات بشكل لا يناسب صوابه السياسي. أما الكراهية فهي تفسيره الكلاسيكي الذي نجده في نعوته القديمة مثل معاداة السامية والعنصرية والميسوجينية (كره النساء) يصاحبها حديث عن كراهية مرضية وعقد نفسية. أما الخوف أو الرهاب Phobia فقد اصبح تفسيره المفضل: ترانسفوبيا، زينوفوبيا، الاسلاموفوبيا [في الغرب]، هوموفوبيا...
👍103🔥1
أي أقلية تتحدث عنها بشكل غير مناسب في نظره فأنت تفعل ذلك رغماً عنك وبدون وعي كامل لما تقوله نتيجة رهاب مرضي اتجاهها يجعلك ترتعد خوفاً وتفقد أعصابك أمامها [من يدري، ربما تعض].

وأحياناً يلجأ الليبرالي إلى تكتيكات سيكولوجية أخرى بالإضافة إلى الرهاب والكراهية مثل تكتيك ما يشبه "علم النفس العكسي" Reverse psychology بحيث يلعب على خلق مشاعر متناقضة لدى الشخص المستهدف:
- الشخص المعادي للشذوذ الجنسي هو شخص يعاني من "شذوذ جنسي كامن" Latent homosexuality وبالتالي إما أنت مع الشذوذ الجنسي أو أنت نفسك شاذ [مؤخراً بدأ الحديث عن الهوفوبيا كمرض نفسي يحتاج متابعة نفسية في انقلاب تام للأدوار].
- المرأة التي ترفض المساواة مع الرجل هي امرأة غير واعية إلى أنها مضطهدة نتيجة إصابتها بمتلازمة ستوكهولم، وبالتالي إما أن تردد ما نقوله أو هي مختطفة.
- الرجل الغيور على زوجته أو الذي يعتقد أن لكل جنس دوره الخاص هو رجل ضعيف الشخصية وغير متأكد من نفسه وعنده هشاشة في الرجولة.

أما بالنسبة للشخصيات السياسية التي يراد نزع مصداقيتها فيمررها الإعلام إلى كتيبة "المختصين" ليشرحوا لنا سبب رعشة اليد اليسرى للسياسي الفلاني أو لماذا يرفع رأسه عند الوقوف لأخذ الصور، ثم يقدموا لنا في النهاية تحليل نفسي يجعل ذلك السياسي فاقد للأهلية تماماً، ربما القذافي هو من أكثر السياسيين تعرضاً للتحليل النفسي، لكن أيضا صدام الذي على ما يبدو كان شديد النرجسية وعنده بارانويا، أما بوتين فهو مصاب بالتوحد، أما ترمب فقد خصصت له عشرات المقالات والكتب التي تشرح حالته العقلية المضطربة وتبشر بتدميره العالم [مازلنا ننتظر للأسف]. في فرنسا أوصت محكمة بمعاينة خبير نفسي للمعارضة اليمينية مارين لوبين. ولدينا أردوغان الذي كان له أيضاً نصيبه من النفسنة، لكن ليس فقط السلبية، الإعلام المساند له لا يفوت أي فرصة ليحدثنا عن مشيته الواثقة وطريقة جلوسه كالأسد أمام ضيفته الألمانية المرتعبة خوفاً والمستعدة للتنازل له عن كل شيء.

كل هذه النفسنة للقادة السياسيين قد يكون فيها شيء من الصحة وربما تكون ممتعة لو وجدت في المجلات النسائية، لكنها لا تقول لنا اي شيء عن الواقع السياسي خاصةً مع شكل الدولة الحديثة وليست إلا أداة للشيطنة او لتلميع صورة بعض الشخصيات، وفي كل الأحوال شخصيات القادة في غالب الأحيان تكون مضطربة بالنسبة للإنسان العادي لأن السلطة بطبيعتها تجذب ذلك النوع من الشخصيات.

«ألف سنة من الحرب دعّمت الغرب. قرن من السيكولوجيا جعله في وضع ميؤوس منه».
-إميل سيوران.
👍62🔥1
2👌1
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
3
كارل بوبر، جورج سوروس والمجتمع المفتوح - الشيوعية بقناع رأسمالي
2
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
2