الملحد المؤدلج
لا يشكل الإلحاد في حد ذاته أي خطر على المجتمع العربي والإسلامي. الخطر يكمن في دوافع الإلحاد التي تتجاوز الملحدين وتشمل جزء كبير من المسلمين.
كثير من المهتمين بالإلحاد اليوم يركزون على عوارض المرض ويتركون "خصمهم" هو من يعرف نفسه ويحدد مواضيع النقاش بدل أن يهتموا بالمرض الأصلي وتفكيك الدوافع الحقيقية للإلحاد في 99% من الحالات وهي الأيديولوجيا الليبرالية والنزعة الإنسانوية [بقية الـ 1٪ دوافعهم فلسفية ولا يملكون عداء ظاهر للدين بشكل عام].
هؤلاء الذين يتخلون عن دينهم من عوام الملحدين لا يفعلون ذلك لأنه لا يناسب العلم أو لا يليق بتقنيات العصر [العصر قد يقصد به النموذج الغربي للحياة] وبقية الحجج التي غالباً ما يبحث عنها الملحد "الليبرالي" بعد الإلحاد كنوع من تخفيف تأنيب الضمير الناجم عن ترك دين الأباء والأجداد، لهذا يحمل تلك العدوانية الشديدة إتجاه كل ما هو ديني. بعبارة أخرى؛ ما كان الملحد العامي المؤدلج ليترك دين أجداده لو كان يتوافق مع الليبرالية الغربية حتى لو أمرهم بعبادة الخنافس، لأن مشكلتهم ليست مع وجود الله بقدر ما هي مع التشريعات ورفض الدين اعتبار الإنسان مركز الكون (الإنسانوية).
إذن يجب التعامل مع هذا الملحد كـ ليبرالي بالدرجة الأولى وإلا لن تتجاوز النتائج بعض الحالات الفردية وتبقى الظاهرة العامة كما هي.
لكن كثير من هؤلاء المهتمين بالإلحاد لا يتجاهلون فقط أصل المرض، بل ويردون على الإلحاد بلبرلة الإسلام. وكأنهم يقولون : والله يا جماعة أنتم تفهمون الإسلام خطأ، تعالوا لنشرح لكم كم هو الإسلام ليبرالي ونسوي وليس كما تعتقدون.
سيبقى الرد على الإلحاد بالشكل الذي هو عليه مضعية للوقت ما لم يستوعب أن الملحد غير الليبرالي أقل خطراً بكثير ليس فقط من الملحد الليبرالي، بل ومن المسلم الليبرالي.
————————-
هناك بعض الملحدين يتخلون عن الليبرالية نتيجة إطلاعهم وثقافتهم الواسعة. لكن يجب الحذر من نوع من الملحدين غير الليبراليين المزيفين، هذا الصنف لا يعارض الليبرالية لذاتها، بل يفعل ذلك خشيةً على الغرب، لكن في الشرق الأوسط هو ليبرالي يساري مثل أي ليبرالي غربي
لا يشكل الإلحاد في حد ذاته أي خطر على المجتمع العربي والإسلامي. الخطر يكمن في دوافع الإلحاد التي تتجاوز الملحدين وتشمل جزء كبير من المسلمين.
كثير من المهتمين بالإلحاد اليوم يركزون على عوارض المرض ويتركون "خصمهم" هو من يعرف نفسه ويحدد مواضيع النقاش بدل أن يهتموا بالمرض الأصلي وتفكيك الدوافع الحقيقية للإلحاد في 99% من الحالات وهي الأيديولوجيا الليبرالية والنزعة الإنسانوية [بقية الـ 1٪ دوافعهم فلسفية ولا يملكون عداء ظاهر للدين بشكل عام].
هؤلاء الذين يتخلون عن دينهم من عوام الملحدين لا يفعلون ذلك لأنه لا يناسب العلم أو لا يليق بتقنيات العصر [العصر قد يقصد به النموذج الغربي للحياة] وبقية الحجج التي غالباً ما يبحث عنها الملحد "الليبرالي" بعد الإلحاد كنوع من تخفيف تأنيب الضمير الناجم عن ترك دين الأباء والأجداد، لهذا يحمل تلك العدوانية الشديدة إتجاه كل ما هو ديني. بعبارة أخرى؛ ما كان الملحد العامي المؤدلج ليترك دين أجداده لو كان يتوافق مع الليبرالية الغربية حتى لو أمرهم بعبادة الخنافس، لأن مشكلتهم ليست مع وجود الله بقدر ما هي مع التشريعات ورفض الدين اعتبار الإنسان مركز الكون (الإنسانوية).
إذن يجب التعامل مع هذا الملحد كـ ليبرالي بالدرجة الأولى وإلا لن تتجاوز النتائج بعض الحالات الفردية وتبقى الظاهرة العامة كما هي.
لكن كثير من هؤلاء المهتمين بالإلحاد لا يتجاهلون فقط أصل المرض، بل ويردون على الإلحاد بلبرلة الإسلام. وكأنهم يقولون : والله يا جماعة أنتم تفهمون الإسلام خطأ، تعالوا لنشرح لكم كم هو الإسلام ليبرالي ونسوي وليس كما تعتقدون.
سيبقى الرد على الإلحاد بالشكل الذي هو عليه مضعية للوقت ما لم يستوعب أن الملحد غير الليبرالي أقل خطراً بكثير ليس فقط من الملحد الليبرالي، بل ومن المسلم الليبرالي.
————————-
هناك بعض الملحدين يتخلون عن الليبرالية نتيجة إطلاعهم وثقافتهم الواسعة. لكن يجب الحذر من نوع من الملحدين غير الليبراليين المزيفين، هذا الصنف لا يعارض الليبرالية لذاتها، بل يفعل ذلك خشيةً على الغرب، لكن في الشرق الأوسط هو ليبرالي يساري مثل أي ليبرالي غربي
👍4🔥2
العبودية غيرت جلدها وأخذت اشكال أخرى أقل وضوحاً لأنها اكثر شمولاً. بمعنى أنه في الماضي كان الجميع يدرك معنى العبودية لأنهم يرون العبيد وصفاتهم أمامهم، الآن الجميع تقريباً في حالة عبودية وبالتالي يصعب عليهم إدراكها، خاصةً وأن لهم صورة هوليوودية عن العبودية الكلاسيكية، يعتقدون أن العبد الكلاسيكي هو ذلك الإنسان شبه العاري والمقيد بالسلاسل الذي يضرب بالسياط وهو يجر الصخر ولا يتمنى سوى إيجاد وسيلة للهرب. الامر لم يكن بهذا الشكل الدرامي الذي نتصوره وحياة العبيد لم تكن غالباً بتلك الصورة النمطية، بل إن حياة الحر كانت في كثير من الأحيان أقسى من حياة العبد الذي في كل الأحوال كان له سيد يأويه ويطعمه وقد يوفر له الترفيه يوم عطلته، ولهذا كان يواليه ويدافع عنه.
في الماضي كان الحر فقط هو من يموت جوعاً، وهذا يفسر لنا لماذا يعشق المعاصرون عبوديتهم ويرفضون الانعتاق، تماماً مثل اسلافهم
وبعكس الفكرة الرائجة اليوم، شعوب العالم الثالث تتمتع بحرية (أُفضل كلمة إستقلالية) في كثير من جوانب الحياة أكثر بكثير من شعوب العالم الأول أو كما يسمونه "العالم الحر" (تبدو Antiphrasis)، والسبب في ذلك انتشار فكرة مغلوطة في هذا العصر تقول بأن الحرية هي الحرية السياسية وحرية المتعة (الديموقراطية، الفردانية، الهيدونية)، وبالتالي كل المؤشرات الدولية عن الحرية مرتبطة بحرية التعبير والصحافة ونزاهة الإنتخابات والتعددية الحزبية والتوجهات الجنسية... لكن لا يدخل ضمن تلك المؤشرات مدى تدخل الدولة في أدق خصوصيات المجتمع، مدى تدخلها في طريقة تربية الأهل لأطفالهم، مدى كثرة القوانين المنظمة للحياة بدعوى السلامة والصحة، مدى قدرة الناس على العيش خارج المنظومة الاقتصادية والسياسية...
يمكن أن نختصر هذا بالقول بأن هناك تقييد للمجتمع وإطلاق كامل لحرية الفرد من حيث المتعة والثرثرة*
لكن دول عالم الثالث الآن أيضا وبضغط من العالم الأول الذي لا يتحمل نموذج حياة مخالف له، تقوم بكل شيء للحاق بالعالم الأول لكن بدون حرية سياسية.
————————
*ثرثرة لأنها لا تغير شيء في الواقع
الصور:
1) قانون كندي لسحب الأطفال من الأهل الذين يرفضون التحول الجنسي
2) سجن أم ألمانية لرفضها تقديم دروس عن الجنس في المدرسة
في الماضي كان الحر فقط هو من يموت جوعاً، وهذا يفسر لنا لماذا يعشق المعاصرون عبوديتهم ويرفضون الانعتاق، تماماً مثل اسلافهم
وبعكس الفكرة الرائجة اليوم، شعوب العالم الثالث تتمتع بحرية (أُفضل كلمة إستقلالية) في كثير من جوانب الحياة أكثر بكثير من شعوب العالم الأول أو كما يسمونه "العالم الحر" (تبدو Antiphrasis)، والسبب في ذلك انتشار فكرة مغلوطة في هذا العصر تقول بأن الحرية هي الحرية السياسية وحرية المتعة (الديموقراطية، الفردانية، الهيدونية)، وبالتالي كل المؤشرات الدولية عن الحرية مرتبطة بحرية التعبير والصحافة ونزاهة الإنتخابات والتعددية الحزبية والتوجهات الجنسية... لكن لا يدخل ضمن تلك المؤشرات مدى تدخل الدولة في أدق خصوصيات المجتمع، مدى تدخلها في طريقة تربية الأهل لأطفالهم، مدى كثرة القوانين المنظمة للحياة بدعوى السلامة والصحة، مدى قدرة الناس على العيش خارج المنظومة الاقتصادية والسياسية...
يمكن أن نختصر هذا بالقول بأن هناك تقييد للمجتمع وإطلاق كامل لحرية الفرد من حيث المتعة والثرثرة*
لكن دول عالم الثالث الآن أيضا وبضغط من العالم الأول الذي لا يتحمل نموذج حياة مخالف له، تقوم بكل شيء للحاق بالعالم الأول لكن بدون حرية سياسية.
————————
*ثرثرة لأنها لا تغير شيء في الواقع
الصور:
1) قانون كندي لسحب الأطفال من الأهل الذين يرفضون التحول الجنسي
2) سجن أم ألمانية لرفضها تقديم دروس عن الجنس في المدرسة
👍4🔥2❤1
تعليق على الفيديو
ليس دخول المرأة إلى السياسة هو سبب ضعف السلطة السياسية وعجزها اليوم، دخولها بذلك الشكل المكثف هو مجرد علامة على ضعف السياسة اليوم أمام التوسع الكبير لسلطة السوق والعولمة بشكل جعلت السياسي عاجز عن القيام بأي تغيير في واقع المجتمع الفعلي...
هذا ما جعل السياسي يتحول إلى افتعال مشاكل اجتماعية والتسلط على الحياة الخاصة للأفراد والعائلات للتغطية على عجزه الكامل والتظاهر بالقدرة على احداث تغيير عبر قضايا الشذوذ الجنسي والمتحولين والتحرش الجنسي أو الميراث ...إلخ
في هكذا وضع تحولت نخبة الرجال نحو الاقتصاد أين توجد الثروة والسلطة الحقيقية وتركوا بذلك المجال مفتوح أمام ضعاف الرجال والنساء المثاليات في القضايا الاجتماعية الخاصة والتواصل الاعلامي. وأصبحت مشاهد ضرب السياسي بالبيض والطحين أو ركوبه للدراجة تقدم لنا على أنها جزء من عملية التقدم والديموقراطية، في حين هي تعبر فقط عن ضعف السياسي وعجزه وهذا ما يجعل السياسي اليوم محتقر لدى الناس ويوصف بأسوء العبارات لأنه لم يعد يمتلك تلك الهيبة التي كان يتمتع بها في الماضي والمستمدة من سلطته وقدرته على القمع واحداث تغيير. تخيل فقط شخصية مثل الجنرال "ديغول" المنتخب ديموقراطياً تضرب بالبيض مثل ما حدث مع الرئيس "ساركوزي".
أما في الدول التي تصوف بالديكتاتورية فيستحيل تقريبا أن تجد إمرأة تملك سلطة إلا عبر زوج أو أب، مع بعض النساء في مناصب نيابية ووزارية هامشية يتم تعيينهن بغية تجميل الصورة أمام الغرب
لكن ليست فقط السياسية هي من فقدت مكانتها، يمكن ملاحظة عدة مجالات ذهب جزء كبير من تقديرها وكلها شهدت دخول كثيف للنساء إليها في آخر عقود.
مثل مهنة الطبيب التي يغلب عليها اليوم العنصر الأنثوي، وكلنا نلاحظ اليوم أن الطبيب فقد مكانة الحكيم التقليدية وربما ارتفاع عدد الأطباء لعب دوراً في ذلك أيضاً.
فقط الجراح هو من احتفظ بمكانته الاجتماعية السابقة، لكن اختصاص الجراحة يغلب عليه الرجال.
لدى الممرضين أيضا نجد أن الاختصاص الوحيد الذي يغلب عليه الرجال هو "ممرض التخدير" Nurse Anesthetist وهو الاختصاص الاكثر تقديراً ودخلاً أيضاً.
ويمكن أن نقول نفس الكلام عن مهنة التعليم وإنقلاب وضع المعلم.
__________
لا ينبغي أن يفهم من هذا التعليق بأن المرأة أفسدت السياسة أو العمل أو العلم، بل هو إشارة إلى أن دخول المرأة بكثافة الى بعض المجالات ترافق مع إنهيار مكانتها أو بشكل أدق كانت هي مؤشر على انهيارها، لكن ليست هي السبب، أو على الأقل ليست السبب الرئيسي (أستثني هنا التعليم المتعلق بالذكور لأسباب قد اوضحها في وقت آخر)، فلا يجب تحميل المرأة أو الفيمينزم بالتحديد كل أوزار العصر الحديث كما أرى الكثيرين يفعلون ذلك اليوم.
يجب ان تكون لدينا نظرة أوسع من ذلك نوعا ما، وهذه ملاحظة كنت دائماً أود الاشارة إليها، الفيمينزم هو مجرد نتاج بسيط لمنظومة ايديولوجية واقتصادية اوسع منه بكثير وبالتالي سيبقى ويزدهر ما بقيت هذه المنظومة ولن يغير من ذلك لا نقد ولا توعية الا في حالات فردية قليلة نتيجة مجهود ديني أو فلسفي ذاتي.
S.A
ليس دخول المرأة إلى السياسة هو سبب ضعف السلطة السياسية وعجزها اليوم، دخولها بذلك الشكل المكثف هو مجرد علامة على ضعف السياسة اليوم أمام التوسع الكبير لسلطة السوق والعولمة بشكل جعلت السياسي عاجز عن القيام بأي تغيير في واقع المجتمع الفعلي...
هذا ما جعل السياسي يتحول إلى افتعال مشاكل اجتماعية والتسلط على الحياة الخاصة للأفراد والعائلات للتغطية على عجزه الكامل والتظاهر بالقدرة على احداث تغيير عبر قضايا الشذوذ الجنسي والمتحولين والتحرش الجنسي أو الميراث ...إلخ
في هكذا وضع تحولت نخبة الرجال نحو الاقتصاد أين توجد الثروة والسلطة الحقيقية وتركوا بذلك المجال مفتوح أمام ضعاف الرجال والنساء المثاليات في القضايا الاجتماعية الخاصة والتواصل الاعلامي. وأصبحت مشاهد ضرب السياسي بالبيض والطحين أو ركوبه للدراجة تقدم لنا على أنها جزء من عملية التقدم والديموقراطية، في حين هي تعبر فقط عن ضعف السياسي وعجزه وهذا ما يجعل السياسي اليوم محتقر لدى الناس ويوصف بأسوء العبارات لأنه لم يعد يمتلك تلك الهيبة التي كان يتمتع بها في الماضي والمستمدة من سلطته وقدرته على القمع واحداث تغيير. تخيل فقط شخصية مثل الجنرال "ديغول" المنتخب ديموقراطياً تضرب بالبيض مثل ما حدث مع الرئيس "ساركوزي".
أما في الدول التي تصوف بالديكتاتورية فيستحيل تقريبا أن تجد إمرأة تملك سلطة إلا عبر زوج أو أب، مع بعض النساء في مناصب نيابية ووزارية هامشية يتم تعيينهن بغية تجميل الصورة أمام الغرب
لكن ليست فقط السياسية هي من فقدت مكانتها، يمكن ملاحظة عدة مجالات ذهب جزء كبير من تقديرها وكلها شهدت دخول كثيف للنساء إليها في آخر عقود.
مثل مهنة الطبيب التي يغلب عليها اليوم العنصر الأنثوي، وكلنا نلاحظ اليوم أن الطبيب فقد مكانة الحكيم التقليدية وربما ارتفاع عدد الأطباء لعب دوراً في ذلك أيضاً.
فقط الجراح هو من احتفظ بمكانته الاجتماعية السابقة، لكن اختصاص الجراحة يغلب عليه الرجال.
لدى الممرضين أيضا نجد أن الاختصاص الوحيد الذي يغلب عليه الرجال هو "ممرض التخدير" Nurse Anesthetist وهو الاختصاص الاكثر تقديراً ودخلاً أيضاً.
ويمكن أن نقول نفس الكلام عن مهنة التعليم وإنقلاب وضع المعلم.
__________
لا ينبغي أن يفهم من هذا التعليق بأن المرأة أفسدت السياسة أو العمل أو العلم، بل هو إشارة إلى أن دخول المرأة بكثافة الى بعض المجالات ترافق مع إنهيار مكانتها أو بشكل أدق كانت هي مؤشر على انهيارها، لكن ليست هي السبب، أو على الأقل ليست السبب الرئيسي (أستثني هنا التعليم المتعلق بالذكور لأسباب قد اوضحها في وقت آخر)، فلا يجب تحميل المرأة أو الفيمينزم بالتحديد كل أوزار العصر الحديث كما أرى الكثيرين يفعلون ذلك اليوم.
يجب ان تكون لدينا نظرة أوسع من ذلك نوعا ما، وهذه ملاحظة كنت دائماً أود الاشارة إليها، الفيمينزم هو مجرد نتاج بسيط لمنظومة ايديولوجية واقتصادية اوسع منه بكثير وبالتالي سيبقى ويزدهر ما بقيت هذه المنظومة ولن يغير من ذلك لا نقد ولا توعية الا في حالات فردية قليلة نتيجة مجهود ديني أو فلسفي ذاتي.
S.A
👍6👌3❤2
"بدلاً من تحضير رجال المستقبل لمواجهة الحياة، فإن المدرسة لا تحضرهم إلا للوظائف العامة حيث لا يتطلب النجاح أي جهد شخصي أو مبادرة ذاتية من طرف الطالب؛ فهو يخلق في أسفل السلم الإجتماعي جيوشاً من البروليتاريين الناقمين على وضعهم و المستعدين دائماً للتمرد."
-- غوستاف لوبون.
------------------------------------
لهذا كان يترافق تاريخياً مع دمقرطة التعليم [خفض مستوى التعليم/مجانية التعليم العالي] حصول ثورات واضطرابات اجتماعية وشعور واسع بعدم الرضا.
طبعاً يحلوا للشباب الاعتقاد بأن السبب هو وعيهم واتساع مداركهم، في حين هو مجرد احتقان سببه إحساس مزيف بأنهم يستحقون ما هو أحسن، في حين ان الواقع لا يسمح بذلك. فتضطر الدولة التي خلقت هذا الوضع إلى خلق مناصب عمل وهمية لامتصاص احتقان تلك الجيوش التي تتخرج سنوياً [بالاخص خريجي كليات العلوم الانسانية] وسيكون ذلك طبعاً على حساب الرواتب التي ستنهار، لهذا تسمع الموظف القديم دائماً يشتكي بأن راتبه في الستينات والسبعينات كان يكفيه ويزيد بما يسمح له بإرسال جزء منه إلى أهله في القرية واليوم بالكاد يغطي راتبه الضروريات [بعض الثانويات اصبحت ضرورية]. وفي الحصيلة تجد دخل أصحاب الحرف [سباك مثلاً] أعلى بكثير من دخل موظف حكومي حامل لشهادة جامعية نتيجة ندرة الحرفيين. ويحدث أيضا تدني في مستوى إتقان العمل نتيجة اختلال في سلم العمل من حيث توزيع القدرات الذهنية، بحيث من يجب ان يكون فلاحاً تجده بناء، والبناء تجده كهربائي، والكهربائي تجده موظف، والموظف تجده مهندس...
أما الحل فهو العودة إلى حكم الجدارة [ميريتوقراطية] بما يسمح لأصحاب الكفاءات بأخذ فرصتهم بما في ذلك تقديم منح دراسية للنجباء من محدودي الدخل [نظام التعليم الأمريكي]، فقط هكذا تتشكل نخبة قوية تستطيع فعلاً أحداث تغيير حقيقي، بدل تلك النخبة الوهمية والواسعة التي يتساوى فيها الجميع.
------------------------------------
في المجتمعات التي يعتقد فيها الجميع أنّهم متساوون، فإنّ التفوّق المحتوم لقلّة ما سيجعل الآخرين يشعرون بأنّهم ثلّة من الفشلة. والعكس بالعكس، ففي المجتمعات التي تكون فيها اللامساواة هي العرف السائد، سيستقرّ كل شخص في مكانه المميّز الخاصّ به، دون ذلك الشعور الملحّ بمقارنة نفسه بالآخرين، ولا حتّى تصوّر إمكانيّة لذلك.
إنّ مجتمعاً ذا بنية هرمية فقط سيكون رحيماً بذوي القدرات المتواضعة والمستضعفين في الأرض.
― نيكولاس ڠوميز دافيلا
-- غوستاف لوبون.
------------------------------------
لهذا كان يترافق تاريخياً مع دمقرطة التعليم [خفض مستوى التعليم/مجانية التعليم العالي] حصول ثورات واضطرابات اجتماعية وشعور واسع بعدم الرضا.
طبعاً يحلوا للشباب الاعتقاد بأن السبب هو وعيهم واتساع مداركهم، في حين هو مجرد احتقان سببه إحساس مزيف بأنهم يستحقون ما هو أحسن، في حين ان الواقع لا يسمح بذلك. فتضطر الدولة التي خلقت هذا الوضع إلى خلق مناصب عمل وهمية لامتصاص احتقان تلك الجيوش التي تتخرج سنوياً [بالاخص خريجي كليات العلوم الانسانية] وسيكون ذلك طبعاً على حساب الرواتب التي ستنهار، لهذا تسمع الموظف القديم دائماً يشتكي بأن راتبه في الستينات والسبعينات كان يكفيه ويزيد بما يسمح له بإرسال جزء منه إلى أهله في القرية واليوم بالكاد يغطي راتبه الضروريات [بعض الثانويات اصبحت ضرورية]. وفي الحصيلة تجد دخل أصحاب الحرف [سباك مثلاً] أعلى بكثير من دخل موظف حكومي حامل لشهادة جامعية نتيجة ندرة الحرفيين. ويحدث أيضا تدني في مستوى إتقان العمل نتيجة اختلال في سلم العمل من حيث توزيع القدرات الذهنية، بحيث من يجب ان يكون فلاحاً تجده بناء، والبناء تجده كهربائي، والكهربائي تجده موظف، والموظف تجده مهندس...
أما الحل فهو العودة إلى حكم الجدارة [ميريتوقراطية] بما يسمح لأصحاب الكفاءات بأخذ فرصتهم بما في ذلك تقديم منح دراسية للنجباء من محدودي الدخل [نظام التعليم الأمريكي]، فقط هكذا تتشكل نخبة قوية تستطيع فعلاً أحداث تغيير حقيقي، بدل تلك النخبة الوهمية والواسعة التي يتساوى فيها الجميع.
------------------------------------
في المجتمعات التي يعتقد فيها الجميع أنّهم متساوون، فإنّ التفوّق المحتوم لقلّة ما سيجعل الآخرين يشعرون بأنّهم ثلّة من الفشلة. والعكس بالعكس، ففي المجتمعات التي تكون فيها اللامساواة هي العرف السائد، سيستقرّ كل شخص في مكانه المميّز الخاصّ به، دون ذلك الشعور الملحّ بمقارنة نفسه بالآخرين، ولا حتّى تصوّر إمكانيّة لذلك.
إنّ مجتمعاً ذا بنية هرمية فقط سيكون رحيماً بذوي القدرات المتواضعة والمستضعفين في الأرض.
― نيكولاس ڠوميز دافيلا
👏6❤4🔥1👌1
هذا المقطع من PragerU (منظمة يمينية أمريكية) تضمن عدة مغالطات تاريخية يقع فيها أغلب من يحسبون أنفسهم على اليمين. مختصر كلام المتحدث هو أن عامة الناس يعتبرون أنه لا فرق بين اليساري والليبرالي وهذا في نظره خطأ تاريخي.
في الحقيقة؛ الخطأ التاريخي الوحيد هنا فصل اليساري عن الليبرالي ولفهم ذلك علينا العودة إلى أصول مفهوم يمين/يسار.
أول بداية لمفهوم يسار/يمين كان داخل البرلمان الفرنسي خلال الثورة الفرنسية [1789] أين جلس على اليمين المدافعون عن الملك أو ما يعرف أيضاً بالنظام القديم [غالبيتهم من النبلاء ورجال الكنيسة] هذا الجانب يمثل بشكل عام التيار المحافظ والرجعي، مبادئه الأساسية هي: الرب، الملك، الكنيسة، الهرمية، النبلاء، الأولوية للمجموعة، النظام، القانون، الهوية، الاستمرارية...
وعلى الجانب الأيسر جلس الراغبون في إنهاء النظام القديم [أغلبهم قضاة وأبناء البرجوازية]، هذا التيار يمثل التقدمية وفلاسفة عصر التنوير من أمثال روسو، فولتير، آدم سميث، ديفيد هيوم... مبادئه الأساسية هي: الإيمان بإيديولوجيا التقدم، الجمهورية، الدولة، المساواة، البرجوازية، الأقليات، الأولوية للفرد [الفردانية]، التسامح، النسبوية، الكونية، التمردقراطية، بالإضافة إلى أهم مبدأ لدى التيار اليساري وهو العلمانية.
كما نلاحظ هنا لم تكن أبداً المسألة الاقتصادية في قلب الخلاف اليميني/اليساري، وموضوع الرأسمالية/الاشتراكية لم يكن مطروحاً بعد، فالثورة الصناعية لم تكن قد بدأت فعلاً. لكن كما نرى من خلال مبادئ اليسار الأولى ومفكري اليسار الأوائل فإن اليسار هو من دفع نحو الثورة الصناعية والنظام الرأسمالي، أما اليمين فكان ما يزال ضمن النسق الاقطاعي.
أما الاشتراكية فقد ظهرت كرد فعل على الظروف الاجتماعية التي عاشها العمال في بدايات الثورة الصناعية ولم يدخل الاشتراكيون الأوائل ضمن الخلاف اليميني/اليسار، لكن مع الزمن أخذت الاشتراكية في الظهور لدى كلا الطرفين.
لدى اليمين نجد مثلاً خلال القرن 19 نجد حركة Action Française الفرنسية المصنفة في أقصى اليمين وتحمل أفكار وطنية ذات ميول اشتراكية. كما ظهرت لاحقاً في القرن الـ 20 حركات يمينية ذات توجه اشتراكي/قومي مثل الفاشية والنازية. ومن خلال المبادئ اليمينية المذكورة سابقاً نجد أن العداء نحو الفردانية هي الرابط بين هذا اليمين والاشتراكية. وعلى العكس من ذلك نجد بأن خط اليمين في الدول الأنجلوسكسونية أخذ دائماً المنحى الرأسمالي إلى أن أصبحت هذه النظرة الأنجلوسكسونية لليمين هي السائدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
أما لدى اليسار، فنجد أيضاّ داخله جناحًا أخذ هو الآخر بالتدريج يتبنى الفكر الاشتراكي بالتوازي مع اليمين الاشتراكي، وقام بتنمية مبادئ الثورة والمساواة داخل اليسار الى غاية أن أصبح اليساري مرادف للاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين. لكن قبيل إنهيار جدار برلين بدأ اليسار في العودة إلى أساسه الليبرالي وهذا ما يعرف اليوم بـ الليبرالية الاجتماعية أو مثل ما يسميها البعض "يسار" وهي ما يقصد بها اليوم عند قول "ليبرالية" ولو أطلعت على قائمة أثرياء العالم لوجدتهم تقريبًا كلهم ليبراليين اقتصاديًا واجتماعيًا.
في الحقيقة؛ الخطأ التاريخي الوحيد هنا فصل اليساري عن الليبرالي ولفهم ذلك علينا العودة إلى أصول مفهوم يمين/يسار.
أول بداية لمفهوم يسار/يمين كان داخل البرلمان الفرنسي خلال الثورة الفرنسية [1789] أين جلس على اليمين المدافعون عن الملك أو ما يعرف أيضاً بالنظام القديم [غالبيتهم من النبلاء ورجال الكنيسة] هذا الجانب يمثل بشكل عام التيار المحافظ والرجعي، مبادئه الأساسية هي: الرب، الملك، الكنيسة، الهرمية، النبلاء، الأولوية للمجموعة، النظام، القانون، الهوية، الاستمرارية...
وعلى الجانب الأيسر جلس الراغبون في إنهاء النظام القديم [أغلبهم قضاة وأبناء البرجوازية]، هذا التيار يمثل التقدمية وفلاسفة عصر التنوير من أمثال روسو، فولتير، آدم سميث، ديفيد هيوم... مبادئه الأساسية هي: الإيمان بإيديولوجيا التقدم، الجمهورية، الدولة، المساواة، البرجوازية، الأقليات، الأولوية للفرد [الفردانية]، التسامح، النسبوية، الكونية، التمردقراطية، بالإضافة إلى أهم مبدأ لدى التيار اليساري وهو العلمانية.
كما نلاحظ هنا لم تكن أبداً المسألة الاقتصادية في قلب الخلاف اليميني/اليساري، وموضوع الرأسمالية/الاشتراكية لم يكن مطروحاً بعد، فالثورة الصناعية لم تكن قد بدأت فعلاً. لكن كما نرى من خلال مبادئ اليسار الأولى ومفكري اليسار الأوائل فإن اليسار هو من دفع نحو الثورة الصناعية والنظام الرأسمالي، أما اليمين فكان ما يزال ضمن النسق الاقطاعي.
أما الاشتراكية فقد ظهرت كرد فعل على الظروف الاجتماعية التي عاشها العمال في بدايات الثورة الصناعية ولم يدخل الاشتراكيون الأوائل ضمن الخلاف اليميني/اليسار، لكن مع الزمن أخذت الاشتراكية في الظهور لدى كلا الطرفين.
لدى اليمين نجد مثلاً خلال القرن 19 نجد حركة Action Française الفرنسية المصنفة في أقصى اليمين وتحمل أفكار وطنية ذات ميول اشتراكية. كما ظهرت لاحقاً في القرن الـ 20 حركات يمينية ذات توجه اشتراكي/قومي مثل الفاشية والنازية. ومن خلال المبادئ اليمينية المذكورة سابقاً نجد أن العداء نحو الفردانية هي الرابط بين هذا اليمين والاشتراكية. وعلى العكس من ذلك نجد بأن خط اليمين في الدول الأنجلوسكسونية أخذ دائماً المنحى الرأسمالي إلى أن أصبحت هذه النظرة الأنجلوسكسونية لليمين هي السائدة في العالم بعد الحرب العالمية الثانية.
أما لدى اليسار، فنجد أيضاّ داخله جناحًا أخذ هو الآخر بالتدريج يتبنى الفكر الاشتراكي بالتوازي مع اليمين الاشتراكي، وقام بتنمية مبادئ الثورة والمساواة داخل اليسار الى غاية أن أصبح اليساري مرادف للاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين. لكن قبيل إنهيار جدار برلين بدأ اليسار في العودة إلى أساسه الليبرالي وهذا ما يعرف اليوم بـ الليبرالية الاجتماعية أو مثل ما يسميها البعض "يسار" وهي ما يقصد بها اليوم عند قول "ليبرالية" ولو أطلعت على قائمة أثرياء العالم لوجدتهم تقريبًا كلهم ليبراليين اقتصاديًا واجتماعيًا.
👍4❤1💯1
وسائل دفاع التنويري: مقدمة
من مميزات الكثير من المعاصرين، ونتيجة إحساسهم بالتفوق على أجدادهم من حيث القيم، ميلهم نحو تفكيك والشك في كل ما جائهم عن القدماء: قيم، معتقدات، نظم إجتماعية، أحداث تاريخية... يطلقون على هذه الميزة إسم "التنوير"، بمعنى أنهم ينظرون إلى العالم على أنه كان في الماضي عبارة عن ظلام دامس، ثم فجأة أكتشفوا مصدراً للنور وراحوا يستعملونه لإكتشاف كهف التاريخ المظلم. هذه النظرة للتاريخ ناجمة عن "إيديولوجية التقدم" وهي تعني الإيمان الجازم بأن التاريخ البشري عبارة عن خط مستقيم نجد في نهايته الخلاص الأبدي [عملية علمنة العناية الإلهية في المسيحية وتعويض جنة السماء بجنة الأرض] وبالتالي يصبح الإحتكام إلى الزمن لدى التقدميين حجة كافية لتسويق وإثبات تفوق أي قيم جديدة [أو ما يعتقدونه جديد] على ما هو قديم وكأنها تشبه إصدارات الهواتف الذكية التي تلغي كل واحدةً منها سابقتها إلى الأبد. هنا ربما تلعب طفرة التقدم التقني/العلمي الدور الرئيسي في إحساس المعاصرين بأنهم يصبحون أكثر تفوقاً قيمياً مع مرور الزمن.
هذه الطريقة في تفكيك الواقع بهدف فهمه ليست سلبية بالضرورة. لكن ما يميز هؤلاء التنويريين [غالبيتهم الساحقة على الأقل] إلى جانب رغبتهم في تفكيك الماضي بأي ثمن واعتبار ذلك هو الحل السحري لكل معضلاتهم، هو عجزهم الكامل عن تفكيك وفهم أفكارهم وروح عصرهم عبر إستعمال نفس الأدوات، والسبب في ذلك إيمانهم العميق بأن أفكارهم هي قوانين فيزيائية ومسلمات لدى البشر وبالتالي لا يتقبلون [غالباً بحسن نية] أي محاولة للقيام بذلك يسكتونها مباشرةً وبشكل تلقائي عبر ثلاث طرق رئيسية:
1- نظرية المؤامرة: الدفاع عن السلطة
2- الذوق: الدفاع عن أسلوب الحياة الفرداني
3- الـ Psychiatrization: الدفاع عن الآقليات والصواب السياسي
----------------------------
ملحوظة: تنوري/يساري/تقدمي/ليبرالي كلها صفات يقصد بها هنا وفي بقية المقالات نفس الشخصية
...يتبع
من مميزات الكثير من المعاصرين، ونتيجة إحساسهم بالتفوق على أجدادهم من حيث القيم، ميلهم نحو تفكيك والشك في كل ما جائهم عن القدماء: قيم، معتقدات، نظم إجتماعية، أحداث تاريخية... يطلقون على هذه الميزة إسم "التنوير"، بمعنى أنهم ينظرون إلى العالم على أنه كان في الماضي عبارة عن ظلام دامس، ثم فجأة أكتشفوا مصدراً للنور وراحوا يستعملونه لإكتشاف كهف التاريخ المظلم. هذه النظرة للتاريخ ناجمة عن "إيديولوجية التقدم" وهي تعني الإيمان الجازم بأن التاريخ البشري عبارة عن خط مستقيم نجد في نهايته الخلاص الأبدي [عملية علمنة العناية الإلهية في المسيحية وتعويض جنة السماء بجنة الأرض] وبالتالي يصبح الإحتكام إلى الزمن لدى التقدميين حجة كافية لتسويق وإثبات تفوق أي قيم جديدة [أو ما يعتقدونه جديد] على ما هو قديم وكأنها تشبه إصدارات الهواتف الذكية التي تلغي كل واحدةً منها سابقتها إلى الأبد. هنا ربما تلعب طفرة التقدم التقني/العلمي الدور الرئيسي في إحساس المعاصرين بأنهم يصبحون أكثر تفوقاً قيمياً مع مرور الزمن.
هذه الطريقة في تفكيك الواقع بهدف فهمه ليست سلبية بالضرورة. لكن ما يميز هؤلاء التنويريين [غالبيتهم الساحقة على الأقل] إلى جانب رغبتهم في تفكيك الماضي بأي ثمن واعتبار ذلك هو الحل السحري لكل معضلاتهم، هو عجزهم الكامل عن تفكيك وفهم أفكارهم وروح عصرهم عبر إستعمال نفس الأدوات، والسبب في ذلك إيمانهم العميق بأن أفكارهم هي قوانين فيزيائية ومسلمات لدى البشر وبالتالي لا يتقبلون [غالباً بحسن نية] أي محاولة للقيام بذلك يسكتونها مباشرةً وبشكل تلقائي عبر ثلاث طرق رئيسية:
1- نظرية المؤامرة: الدفاع عن السلطة
2- الذوق: الدفاع عن أسلوب الحياة الفرداني
3- الـ Psychiatrization: الدفاع عن الآقليات والصواب السياسي
----------------------------
ملحوظة: تنوري/يساري/تقدمي/ليبرالي كلها صفات يقصد بها هنا وفي بقية المقالات نفس الشخصية
...يتبع
❤5👍1💯1
1- نظرية المؤامرة: الدفاع عن السلطة
يمكن تعريف المؤامرة على أنها التخطيط السري من قبل مجموعة من الأشخاص لالحاق الضرر بأخرين أو ما يعتقده الآخرون ضرراً لهم...
أما نظرية المؤامرة فهي مصطلح إزدرائي يستعمل عادةً لوصف ما يراه المتحدث عملية التشكيك غير المبرر أو غير المعقول في حقيقة أحداث أو تغيرات قد تطرأ على حياة البشر أو التشكيك في حقيقة الجهة التي تقف وراءها ودوافعها. كما يمكن تعريفها أيضاً على أنها عملية إفتراض وجود شبكة عالمية واسعة تملك قوة ونفوذ لا حدود لهما تسمح لها بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة في العالم بحيث لا يخرج شيء تقريباً عن سلطتها.
على طرفي فكرة المؤامرة هذه نجد نوعين من البلادة العقلية [لم أجد وصفاً أحسن منه]. النوع الأول [عادةً من اليمين واليسار الإشتراكي] واسع الخيال ومتشكك إلى حد جنون الإرتياب Paranoia ويرى الرموز التآمرية أو الإساءة "المقصودة" لرموزه في كل زاوية [لفظ الله، محمد...مثلاً]، بالنسبة له التاريخ عبارة عن سلسلة مترابطة من الأحداث التي تتحكم فيها قوى خفية ولا مجال فيه للصدفة أو تراكم والتدرج، كل حدث يعتبره سلبي هو بالضرورة من تخطيط جهة ما قد يكون لها فعلاً تأثير حقيقي ومثبت عبر التاريخ والحاضر (اليهود، الماسونية، اليسوعيين...) أو جهة لا دليل على تأثيرها أو حتى وجودها من الأساس أحياناً (البابا الأسود، الفضائيين، المسيح الدجال...).
أخطر ما قد يقوم به هذا النوع هو تفسيره لتطور الظواهر والأفكار من بعضها البعض أو الدوافع الإيدولوجية لجهة ما على أنها مؤامرة مقصودة تقف وراءها نوايا سيئة، في حين قد تكون مجرد كرة ثلج تتدحرج ضمن مسار من السهولة توقعه وتفسيره بدون الحاجة لطرف خفي يوجهها بالضرورة. نأخذ كمثال على ذلك مسار إيديولوجية المساواة/الليبرالية، من السهل أن تتوقع بأن تنتهي الليبرالية إلى تقبل زنا/زواج المحارم مثلاً من باب الحرية الشخصية [وبإسم الحب طبعاً] ولن يكون ذلك مفاجئاً بعد عقود وسيتقبلها الناس مثل العادة، فهو نتيجة طبيعية وحتمية بما أن الناس تملك قابلية اللبرلة ولا يحتاج الأمر ليد خفية التي إن وجدت فلن يكون دورها أكثر من تسريع العملية.
أما النوع الثاني [يساري ليبرالي عادةً] فهو بعكس الأول يرى كل الأحداث في العالم ناجمة عن صدف غير مقصودة ويرفض أي محاولة مهما كانت منطقية لترتيب أحداث/مؤشرات/اعترافات ضمن نسق واحد يخدم مصالح جهة ما أو التشكيك في الرواية الرسمية عن حدثٍ ما. وفي غالب الأحيان كلما كانت الجهة المعنية ذات نفوذ كبير في العالم كلما كان رفض الشك فيها أقوى [لهذا لا بأس بالحديث عن مؤامرة روسية خلال الانتخابات الأمريكية] وكان المطلوب منك أن تعتمد الرواية الرسمية وما يقال في نشرة 8:00 الإخبارية مهما بدت لك الرواية غير مقنعة لأنه وكما تعلم: الجميع طيب وذوي نوايا حسنة وتزداد طيبتك وشفافيتك كلما إزداد نفوذك.
أما هيئات المخابرات ومراكز الدراسات الإستراتيجية وشركات العلاقات العامة في الدول العظمى خاصةً، فدورها محصور في متابعة عمل مزارع الذرة والتنبأ بأحوال الطقس. أما المجموعات السرية [إذا لم تكن مصنفة كإرهابية طبعاً] مثل "بيدلبيرغ" فهي مجرد نوادي لاحتساء الشاي الأخضر ومشاهدة طيور الجنة في هدوء بعيداً عن الكاميرات. أما العلم المسمى "هندسة إجتماعية" الذي يتناول كيفية إعادة تشكيل وتوجيه المجتمعات [وطنياً ودولياً] من أجل غايات سياسية/تجارية/إنتاجية، فهو في الواقع يستعمل فقط لتحسين انتاجية مجتمعات النحل من العسل. أما الشخصيات فاحشة الثراء وذات النفوذ الواسع مثل الملياردير "جورج سوروس" صاحب "مؤسسة المجتمع المنفتح" Open Society Foundations التي انفقت 11 مليار دولار منذ 1979 عبر شبكة منظمات NGO فرعية وحركات ثورية/اجتماعية منتشرة في 37 دولة، فهي وجدت من أجل دراسة تأثير شرب عصير قصب السكر على النخاع الشوكي. أما اتفاقية سايكس بيكو وبروتوكول سيفرز السري وعملية Mockingbird وعملية Northwood والتخطيط لإنقلابات أمريكا اللاتينية وإنقلاب مصدق... فهي كلها مجرد طفرات حدثت منذ ألاف السنين ولن تتكرر مرة أخرى، فلا تسمح لأحد أن يشكك في نزاهة القيادة الحالية الرشيدة وأصحاب النفوذ الطيبين.
أي محاولة تشكيك من قبلك في ما سبق من كلام أو ما شابهه أمام تنويري يتغنى دائماً بالشكوكية والشك في كل شيء، يعني ضمك مباشرةً إلى النوع الأول، وبالتالي أنت مع المؤامرة الماسونية منذ بابل، وبالتالي الأرض لديك مسطحة (1) وبالتالي مكانك المصحة العقلية أو عليك إستشارة مختصين نفسيين ليشرحوا لك بأنك مصاب بالهلوسة والبارانويا وأن ما تقوم به هو إحدى الميكانيزمات الدفاعية للنفس البشرية التي تجعلك تُحمل الأخرين مسؤولية فشلك، في المقابل لا تجد من يتحدث عن الطرف المقابل ونفسيته بوصفه ساذج ويعيش حالة إنكار تسمح له بتجاوز ما يعتبره حقائق مزعجة عبر حشرها في زاوية مظلمة من الذهن حتى لا يضطر للتعامل معها كواقع.
يمكن تعريف المؤامرة على أنها التخطيط السري من قبل مجموعة من الأشخاص لالحاق الضرر بأخرين أو ما يعتقده الآخرون ضرراً لهم...
أما نظرية المؤامرة فهي مصطلح إزدرائي يستعمل عادةً لوصف ما يراه المتحدث عملية التشكيك غير المبرر أو غير المعقول في حقيقة أحداث أو تغيرات قد تطرأ على حياة البشر أو التشكيك في حقيقة الجهة التي تقف وراءها ودوافعها. كما يمكن تعريفها أيضاً على أنها عملية إفتراض وجود شبكة عالمية واسعة تملك قوة ونفوذ لا حدود لهما تسمح لها بالتخطيط لكل صغيرة وكبيرة في العالم بحيث لا يخرج شيء تقريباً عن سلطتها.
على طرفي فكرة المؤامرة هذه نجد نوعين من البلادة العقلية [لم أجد وصفاً أحسن منه]. النوع الأول [عادةً من اليمين واليسار الإشتراكي] واسع الخيال ومتشكك إلى حد جنون الإرتياب Paranoia ويرى الرموز التآمرية أو الإساءة "المقصودة" لرموزه في كل زاوية [لفظ الله، محمد...مثلاً]، بالنسبة له التاريخ عبارة عن سلسلة مترابطة من الأحداث التي تتحكم فيها قوى خفية ولا مجال فيه للصدفة أو تراكم والتدرج، كل حدث يعتبره سلبي هو بالضرورة من تخطيط جهة ما قد يكون لها فعلاً تأثير حقيقي ومثبت عبر التاريخ والحاضر (اليهود، الماسونية، اليسوعيين...) أو جهة لا دليل على تأثيرها أو حتى وجودها من الأساس أحياناً (البابا الأسود، الفضائيين، المسيح الدجال...).
أخطر ما قد يقوم به هذا النوع هو تفسيره لتطور الظواهر والأفكار من بعضها البعض أو الدوافع الإيدولوجية لجهة ما على أنها مؤامرة مقصودة تقف وراءها نوايا سيئة، في حين قد تكون مجرد كرة ثلج تتدحرج ضمن مسار من السهولة توقعه وتفسيره بدون الحاجة لطرف خفي يوجهها بالضرورة. نأخذ كمثال على ذلك مسار إيديولوجية المساواة/الليبرالية، من السهل أن تتوقع بأن تنتهي الليبرالية إلى تقبل زنا/زواج المحارم مثلاً من باب الحرية الشخصية [وبإسم الحب طبعاً] ولن يكون ذلك مفاجئاً بعد عقود وسيتقبلها الناس مثل العادة، فهو نتيجة طبيعية وحتمية بما أن الناس تملك قابلية اللبرلة ولا يحتاج الأمر ليد خفية التي إن وجدت فلن يكون دورها أكثر من تسريع العملية.
أما النوع الثاني [يساري ليبرالي عادةً] فهو بعكس الأول يرى كل الأحداث في العالم ناجمة عن صدف غير مقصودة ويرفض أي محاولة مهما كانت منطقية لترتيب أحداث/مؤشرات/اعترافات ضمن نسق واحد يخدم مصالح جهة ما أو التشكيك في الرواية الرسمية عن حدثٍ ما. وفي غالب الأحيان كلما كانت الجهة المعنية ذات نفوذ كبير في العالم كلما كان رفض الشك فيها أقوى [لهذا لا بأس بالحديث عن مؤامرة روسية خلال الانتخابات الأمريكية] وكان المطلوب منك أن تعتمد الرواية الرسمية وما يقال في نشرة 8:00 الإخبارية مهما بدت لك الرواية غير مقنعة لأنه وكما تعلم: الجميع طيب وذوي نوايا حسنة وتزداد طيبتك وشفافيتك كلما إزداد نفوذك.
أما هيئات المخابرات ومراكز الدراسات الإستراتيجية وشركات العلاقات العامة في الدول العظمى خاصةً، فدورها محصور في متابعة عمل مزارع الذرة والتنبأ بأحوال الطقس. أما المجموعات السرية [إذا لم تكن مصنفة كإرهابية طبعاً] مثل "بيدلبيرغ" فهي مجرد نوادي لاحتساء الشاي الأخضر ومشاهدة طيور الجنة في هدوء بعيداً عن الكاميرات. أما العلم المسمى "هندسة إجتماعية" الذي يتناول كيفية إعادة تشكيل وتوجيه المجتمعات [وطنياً ودولياً] من أجل غايات سياسية/تجارية/إنتاجية، فهو في الواقع يستعمل فقط لتحسين انتاجية مجتمعات النحل من العسل. أما الشخصيات فاحشة الثراء وذات النفوذ الواسع مثل الملياردير "جورج سوروس" صاحب "مؤسسة المجتمع المنفتح" Open Society Foundations التي انفقت 11 مليار دولار منذ 1979 عبر شبكة منظمات NGO فرعية وحركات ثورية/اجتماعية منتشرة في 37 دولة، فهي وجدت من أجل دراسة تأثير شرب عصير قصب السكر على النخاع الشوكي. أما اتفاقية سايكس بيكو وبروتوكول سيفرز السري وعملية Mockingbird وعملية Northwood والتخطيط لإنقلابات أمريكا اللاتينية وإنقلاب مصدق... فهي كلها مجرد طفرات حدثت منذ ألاف السنين ولن تتكرر مرة أخرى، فلا تسمح لأحد أن يشكك في نزاهة القيادة الحالية الرشيدة وأصحاب النفوذ الطيبين.
أي محاولة تشكيك من قبلك في ما سبق من كلام أو ما شابهه أمام تنويري يتغنى دائماً بالشكوكية والشك في كل شيء، يعني ضمك مباشرةً إلى النوع الأول، وبالتالي أنت مع المؤامرة الماسونية منذ بابل، وبالتالي الأرض لديك مسطحة (1) وبالتالي مكانك المصحة العقلية أو عليك إستشارة مختصين نفسيين ليشرحوا لك بأنك مصاب بالهلوسة والبارانويا وأن ما تقوم به هو إحدى الميكانيزمات الدفاعية للنفس البشرية التي تجعلك تُحمل الأخرين مسؤولية فشلك، في المقابل لا تجد من يتحدث عن الطرف المقابل ونفسيته بوصفه ساذج ويعيش حالة إنكار تسمح له بتجاوز ما يعتبره حقائق مزعجة عبر حشرها في زاوية مظلمة من الذهن حتى لا يضطر للتعامل معها كواقع.
❤🔥5
وهكذا يجد أي مفكر جاد نفسه وهو يحاول فهم العالم على حقيقته بين من يرى مؤامرة في كل مكان ومن يرى نظرية مؤامرة في كل مكان، ويعيش حالة رعب دائم من تسخيف طرحه ومضطر لمراقبة كل كلمة تصدر عنه فقط لأنه يرفض نظرية العالم الزهري، وفي كثير من الأحيان يبدأ حديثه وينهيه بالتأكيد على أن ما قاله ليس من نظرية المؤامرة حتى لا يساء فهمه ويفقد مصداقيته بين زبائنه من "المثقفين" والاعلام الذي قد يصفه بالتآمري.
أن يوصف شخصٌ ما اليوم بأنه تآمري وبالتالي مصاب بالبارانويا لا يختلف كثيراً من حيث الأسلوب عن وصفه بالفاشي وبقية تكتيكات علم النفس التي استعملتها وتستعملها الحركات اليسارية والشيوعية دائماً لإرهاب وإخراس خصومها [سيأتي ذلك مفصل في موضوع Psychiatrization]. تهمة "نظرية المؤامرة" أصبحت فزاعة حقيقية في وجه كل معارض للرواية الرسمية، ومع ذلك لم يكن هذا كافياً، بل يجري الحديث اليوم عن وضع رقابة حكومية تحت باب قانون العقوبات في ما يعرف بمشروع قانون "الأخبار الكاذبة" Fake news [ظهر بعد انتخاب ترمب وماكرون] تماماً كما كانت تفعل دائماً الدول القمعية مع من تصفهم بـ ناشري الأخبار الكاذبة بغرض إثارة البلبلة وتهديد السلم الأهلي. لكن الاختلاف الحاصل اليوم بالمقارنة مع تلك الأنظمة التي توصف بالقمعية هو بروز رقابة "قطاع خاص" تتمثل في الشركات الرقمية [جوجل، فايسبوك...] العابرة للحدود التي أصبحت تعتبر نفسها راعية سلامة الوعي الجمعي.
لكن... [هناك دائماً "لكن" مع التنويري] ولأن التنويري تقدمي وطبيعته ينظر إلى الماضي بوصفه شرٌ محض والمستقبل خير خالص، فإنه إذا ما تعلق الأمر بالماضي أو ما يعتبره التقدمي بأنه مرتبط بالماضي، فإنه يتحول فجأةً إلى النوع الأول ويسمي ذلك "مراجعة تاريخية"، لا يمانع التنويري مخلص البشرية من نسج كل نظريات المؤامرة التي قد تخطر على البال إذا ما تعلق الأمر بالماضي، رغم أن الماضي لا يملك عشر الموارد/التقنيات/المعارف المعاصرة. التاريخ بالنسبة له هو سلسلة مؤامرات أنتهت بقدومه وإكتشافه النور، الملوك والقادة القدامى بالنسبة لليبرالي [وبغض النظر عن رأي أهل زمنهم] كانوا مجموعة من الطغاة المستبدين الذي يختلفون تماماً عن الأنظمة "الديموقراطية" الحديثة، اما رجال الدين بالنسبة للتنويري الواعي فهم ماسونية الماضي الذين ابتكروا الدين كمؤامرة للتحكم في البشر واغراقهم في ظلمات الجهل. أما بالنسبة للفرع الأنثوي للتنوير فهو يتحدث عن المؤامرة الذكورية ضد تمكين المرأة عبر القارات الخمس منذ ألاف السنين وما تزال مستمرة منذ الثورة الزراعية تقريباً، ودائماً تسمع منهن/منهم بعد بحثهم بالمجهر في التاريخ عن تميز أنثوي بأن فلانة قد تأمروا عليها فقط لأنها "إمرأة" أو أخرى سرق منها إنجازها بدون أي دليل على ذلك سوى أنها كانت زوجة/زميلة فلان.
هنا؛ يمكنك أن تتفوه بأي هراء مهما بدى جنونياً وغير معقول ومع ذلك ستبدو بفضله المثقف التنويري والمتشكك الذي لا يٌخدع، إلى ان تحول الأمر إلى مهرجان مفتوح: المسيح شخصية وهمية Christ myth theory. مملكة إسرائيل كانت في اليمن. أما الاسلام فهو مؤامرة من صناعة الخليفة عبد الملك بن مروان [هذه المؤامرة لديها عدد لا حصر له من النسخ]. الأقصى ليس هو الأقصى الذي نعرفه، والحقيقي كان موجود في الطائف. أما مكة الحقيقية فكانت في البتراء...
كل هذا بالاعتماد على حجج لو تعمم على التاريخ فلن يبقى منه شيء، وهذا ما قام به الفيزيائي والرياضي الفرنسي Jean-Baptiste Pérès لاظهار مدى سخافة هذا الأسلوب في التعامل مع التاريخ والرد على نظرية Christ myth theory حيث وضع سنة 1827 نظرية مفصلة تقول بأن الإمبراطور نابليون [كان قد توفي منذ 6 سنوات فقط] شخصية وهمية لم توجد قط وأنها مجرد إسقاط لأسطورة "أبولو" الإله الإغريقي مع العديد من التفاصيل الدقيقة تمتد لصفحات وصفحات.
طبعاً لا يعني هذا الكلام أن المراجعة التاريخية في حد ذاتها كفكرة تنظر إلى التاريخ نظرة مؤامراتية، بل الحديث هنا عن هذه الفلسفة التفكيكية Deconstruction التي أمتدت إلى التاريخ وتحاول تجريف كامل لحقائق وأحداث تاريخية كبرى وحتى جغرافية عاشها ملايين البشر وأمم ما تزال موجودة إلى اليوم ولم تندثر على الأقل ثقافياً، أو عندما يتم إعادة تقييم التاريخ بنظرة معاصرة مؤدلجة أو ما يعرف بالـ Presentism وهو أكبر خطيئة قد يقع فيها أي مؤرخ.
بعبارة أخرى، هناك فرق بين أن تناقش مثلاً مسألة من يقف وراء أحداث سبتمبر11 (2) [بغض النظر عن صحة رأيك] وبين أن تفترض أن تلك الأحداث لم تقع أصلاً أو وقعت في طوكيو.
أما مراجعة التاريخ الجادة وغير المؤدلجة فهي بالتأكيد إيجابية لمن يهمه الأمر من حيث إعادة النظر في بعض التفاصيل أو الشخصيات والأحداث الجانبية المبالغ فيها في ضوء إكتشافات أركيولوجية وكوديكولوجية أو لأن أحد المؤرخين وقعت يده على علبة مهملة في زاوية من الأرشيف. لكن الأكيد لن تأتي بتغيير راديكالي لتاريخ أمم ما تزال موجودة.
أن يوصف شخصٌ ما اليوم بأنه تآمري وبالتالي مصاب بالبارانويا لا يختلف كثيراً من حيث الأسلوب عن وصفه بالفاشي وبقية تكتيكات علم النفس التي استعملتها وتستعملها الحركات اليسارية والشيوعية دائماً لإرهاب وإخراس خصومها [سيأتي ذلك مفصل في موضوع Psychiatrization]. تهمة "نظرية المؤامرة" أصبحت فزاعة حقيقية في وجه كل معارض للرواية الرسمية، ومع ذلك لم يكن هذا كافياً، بل يجري الحديث اليوم عن وضع رقابة حكومية تحت باب قانون العقوبات في ما يعرف بمشروع قانون "الأخبار الكاذبة" Fake news [ظهر بعد انتخاب ترمب وماكرون] تماماً كما كانت تفعل دائماً الدول القمعية مع من تصفهم بـ ناشري الأخبار الكاذبة بغرض إثارة البلبلة وتهديد السلم الأهلي. لكن الاختلاف الحاصل اليوم بالمقارنة مع تلك الأنظمة التي توصف بالقمعية هو بروز رقابة "قطاع خاص" تتمثل في الشركات الرقمية [جوجل، فايسبوك...] العابرة للحدود التي أصبحت تعتبر نفسها راعية سلامة الوعي الجمعي.
لكن... [هناك دائماً "لكن" مع التنويري] ولأن التنويري تقدمي وطبيعته ينظر إلى الماضي بوصفه شرٌ محض والمستقبل خير خالص، فإنه إذا ما تعلق الأمر بالماضي أو ما يعتبره التقدمي بأنه مرتبط بالماضي، فإنه يتحول فجأةً إلى النوع الأول ويسمي ذلك "مراجعة تاريخية"، لا يمانع التنويري مخلص البشرية من نسج كل نظريات المؤامرة التي قد تخطر على البال إذا ما تعلق الأمر بالماضي، رغم أن الماضي لا يملك عشر الموارد/التقنيات/المعارف المعاصرة. التاريخ بالنسبة له هو سلسلة مؤامرات أنتهت بقدومه وإكتشافه النور، الملوك والقادة القدامى بالنسبة لليبرالي [وبغض النظر عن رأي أهل زمنهم] كانوا مجموعة من الطغاة المستبدين الذي يختلفون تماماً عن الأنظمة "الديموقراطية" الحديثة، اما رجال الدين بالنسبة للتنويري الواعي فهم ماسونية الماضي الذين ابتكروا الدين كمؤامرة للتحكم في البشر واغراقهم في ظلمات الجهل. أما بالنسبة للفرع الأنثوي للتنوير فهو يتحدث عن المؤامرة الذكورية ضد تمكين المرأة عبر القارات الخمس منذ ألاف السنين وما تزال مستمرة منذ الثورة الزراعية تقريباً، ودائماً تسمع منهن/منهم بعد بحثهم بالمجهر في التاريخ عن تميز أنثوي بأن فلانة قد تأمروا عليها فقط لأنها "إمرأة" أو أخرى سرق منها إنجازها بدون أي دليل على ذلك سوى أنها كانت زوجة/زميلة فلان.
هنا؛ يمكنك أن تتفوه بأي هراء مهما بدى جنونياً وغير معقول ومع ذلك ستبدو بفضله المثقف التنويري والمتشكك الذي لا يٌخدع، إلى ان تحول الأمر إلى مهرجان مفتوح: المسيح شخصية وهمية Christ myth theory. مملكة إسرائيل كانت في اليمن. أما الاسلام فهو مؤامرة من صناعة الخليفة عبد الملك بن مروان [هذه المؤامرة لديها عدد لا حصر له من النسخ]. الأقصى ليس هو الأقصى الذي نعرفه، والحقيقي كان موجود في الطائف. أما مكة الحقيقية فكانت في البتراء...
كل هذا بالاعتماد على حجج لو تعمم على التاريخ فلن يبقى منه شيء، وهذا ما قام به الفيزيائي والرياضي الفرنسي Jean-Baptiste Pérès لاظهار مدى سخافة هذا الأسلوب في التعامل مع التاريخ والرد على نظرية Christ myth theory حيث وضع سنة 1827 نظرية مفصلة تقول بأن الإمبراطور نابليون [كان قد توفي منذ 6 سنوات فقط] شخصية وهمية لم توجد قط وأنها مجرد إسقاط لأسطورة "أبولو" الإله الإغريقي مع العديد من التفاصيل الدقيقة تمتد لصفحات وصفحات.
طبعاً لا يعني هذا الكلام أن المراجعة التاريخية في حد ذاتها كفكرة تنظر إلى التاريخ نظرة مؤامراتية، بل الحديث هنا عن هذه الفلسفة التفكيكية Deconstruction التي أمتدت إلى التاريخ وتحاول تجريف كامل لحقائق وأحداث تاريخية كبرى وحتى جغرافية عاشها ملايين البشر وأمم ما تزال موجودة إلى اليوم ولم تندثر على الأقل ثقافياً، أو عندما يتم إعادة تقييم التاريخ بنظرة معاصرة مؤدلجة أو ما يعرف بالـ Presentism وهو أكبر خطيئة قد يقع فيها أي مؤرخ.
بعبارة أخرى، هناك فرق بين أن تناقش مثلاً مسألة من يقف وراء أحداث سبتمبر11 (2) [بغض النظر عن صحة رأيك] وبين أن تفترض أن تلك الأحداث لم تقع أصلاً أو وقعت في طوكيو.
أما مراجعة التاريخ الجادة وغير المؤدلجة فهي بالتأكيد إيجابية لمن يهمه الأمر من حيث إعادة النظر في بعض التفاصيل أو الشخصيات والأحداث الجانبية المبالغ فيها في ضوء إكتشافات أركيولوجية وكوديكولوجية أو لأن أحد المؤرخين وقعت يده على علبة مهملة في زاوية من الأرشيف. لكن الأكيد لن تأتي بتغيير راديكالي لتاريخ أمم ما تزال موجودة.
❤7🔥1
-------------------------
ملحوظات:
(1) - اعلام الـ mainstream وصفحات الفايسبوك الليبرالية لديهم ولع شديد بعرض مختلف نظريات المؤامرة السخيفة على الناس، وكأنهم يقولون: هذا هو شكل كل من يلمح لمؤامرة ما ونحن من سيحميكم منهم بالنبأ الصحيح.
(2) - يمكن أن نقول بأن أحداث 11/09 كانت هي بداية استعمال "نظرية المؤامرة" بشكل واسع كسلاح.
...يتبع
ملحوظات:
(1) - اعلام الـ mainstream وصفحات الفايسبوك الليبرالية لديهم ولع شديد بعرض مختلف نظريات المؤامرة السخيفة على الناس، وكأنهم يقولون: هذا هو شكل كل من يلمح لمؤامرة ما ونحن من سيحميكم منهم بالنبأ الصحيح.
(2) - يمكن أن نقول بأن أحداث 11/09 كانت هي بداية استعمال "نظرية المؤامرة" بشكل واسع كسلاح.
...يتبع
💯4