حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
بالنسبة لكثير من المعاصرين، وربما أغلبهم، يُمثّل الرسام النمساوي مقياسًا ومضرب مثل لكل شر. فهو، بالنسبة لهم، الشر المطلق الذي لا يمكن أن يصدر عنه خير. حتى عندما يتعلق الأمر بقوانينه التي كانت تعتبر سابقة لزمنها وخيرًا محضًا لدى المعاصرين، من حماية الحيوانات والبيئة والأمومة والرعاية الصحية وحقوق العمال، فإن أي محاولة للإشارة إلى هذا “الخير” لا يصحبها النبش عن نوايا سيئة خلفه ومحاولة الخداع تُعدّ، في نظرهم دائمًا، محاولة للدفاع عنه، وبالتالي رفع صفة الشر المطلق عنه. فالشر عندهم، مثل الخير، مطلق لا يمكن أن يجتمع مع نقيضه في جوف واحد، ولا مجال بينهما للنسبية، رغم ادعائهم الشديد للنسبية، لكنهم، في الحقيقة، نسبيون فقط عندما يتعلق الأمر بالآخرين.

ولهذا، ترى بعضهم يستهجن بشدة اتهام من كانوا ضحايا النمساوي في الأمس بالإبادة الجماعية اليوم، وعدا تصورهم أن من يأخذ صفة الضحية والمظلومية في نظرهم فهو بطبيعته خير، فستجد أن الحجة التي تتردد دائمًا على ألسنتهم هي أن “ضحايا النمساوي ديمقراطيون”. وبما أن الديمقراطية تمثل الخير وفريق الخير، فإنهم يرون أنه من غير المنطقي أن يصدر عنها شر، إلا خطأً وبنية حسنة في ظروف قاهرة، خاصة وأن الديمقراطيات الحديثة تشكلت حول صدمة إبادة جماعية: كيف لدولة ديمقراطية أن ترتكب إبادة جماعية وهي الجريمة التي منحت النمساوي صفة الشر المطلق؟ هذا مستحيل!!

هذا التصور الحدي للوجود بين خير مطلق وشر مطلق بالمعنى الشيطاني (evil) له جذوره في المعتقدات المثنوية، وبالأخص الغنوصية، التي نجدها غالبًا تزدهر بين الأقليات الدينية التي تشعر بالاغتراب عن العالم نتيجة الاضطهاد والتهميش، اللذين يجعلانها تجد ضالتها في التصور الغنوصي (كثير منها تشترك أيضًا في محورية فكرة "المخلص" لنفس السبب).

لهذا لا نجد هذا التصور عن الخير والشر لدى كل الثقافات. فهو، مثلًا، غريب جدًا عن ثقافات أقصى شرق آسيا. كذلك بالنسبة للثقافة الإسلامية، على الأقل بالنسبة للنسخة المبكرة لها، حيث نجد مفهوم “الحق والباطل”، وهو مفهوم أقرب لمفهوم “الصواب والخطأ” أو “الجيد والسيء”، وهي كلها مفاهيم تترك دائمًا المجال لنوع من النسبية دون ميوعة. وهذا ما نجده في الحديث المعروف: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”، الذي يعبر بوضوح عن أن الصراع ليس صراعًا بين خير مطلق وشر مطلق. لكن مع الزمن، دخلت بعض المفاهيم الغنوصية على الثقافة الإسلامية من خلال الأقليات التي أوت إليها، كغيرها، لتفسير العالم، كما فعلت من قبل ذلك اليهودية بعد تدمير الهيكل و”الشتات”، ثم لاحقًا المسيحية، التي ينبغي دائمًا أن نتذكر أن حمضها النووي تشكل خلال قرونها الأولى التي اتسمت بالاضطهاد قبل أن تصبح دين الأغلبية والسلطة، ثم قامت بتوريث تلك الجينات إلى الأيديولوجيات الحديثة، وبالتالي إلى أغلب المعاصرين الذين يعتقدون بوجود قوى خير مطلق في حالة صراع دائم ضد قوى شر مطلق (محور الخير ومحور الشر).

ولأن الشر “شيطاني” ولا يمكن التسامح أو التعايش معه، فلا بد من إبادته واجتثاثه من هذا العالم (التقدمية) لتسود “الإنسانية”، التي ليست سوى زعم سفسطائي بأن الإنسان خير بطبعه. رغم أننا نرى أن ليست كل تصرفات البشر خيرة، بل ربما أغلبها ليست كذلك. وبدل أن يكون الاستنتاج من هذا أن الإنسان خير وشر في آن واحد، الأمر الذي لا يقدرون عليه، يتم تجريد ذلك الفعل وصاحبه من صفة الإنسانية. ولك أن تتخيل ما يمكن فعله بمن يُجرّد من صفة الإنسانية.
👌44👍2413❤‍🔥6🔥3🤣2
هذا النوع من السفاهة هو وبال على الناس وعلى أصحابها، الذين لا يتعلمون ولا يتعظون من تجاربهم أو من تجارب غيرهم. منهجهم هو انتقاء ما يناسبهم من الأشياء دون أي اعتبار للواقع وسياقاته وتوازناته. مثل كل المثاليين، والأناركيين، والثوريين الراديكاليين، يعتقدون أنه يكفيهم ملعقة وسكين وبعض الإرادة ليحققوا المستحيل. لهم انتصارات عظمى في الساحات النظرية، يطيحون بأكبر الرؤوس فيها بجرة قلم، لكنهم في النهاية لا يحصلون حتى على دكان بقالة في الواقع.
👍64👎17😁5💯5😡4🤨32🤣2💔1
بالنسبة للمثاليين والثوريين الراديكاليين، قمة الانحطاط والبذاءة هي البراغماتية. هذا المصطلح، في أذهانهم، له لون أحمر وقرون طويلة. هذا حال المثالية دائمًا؛ البراغماتية في نظرها إما انهزامية أو انتهازية.
👌29👍76❤‍🔥5👎1💯1
قبل أن تتهور في عالمك النظري وتحاول إسقاط التجربة السورية على غيرها، يجب أولًا أن تفهم طبيعة الدولة في ذلك البلد. سوريا لم تكن بها يومًا دولة مؤسسات، بل هي دولة أقلية طائفية، وبقاء هذه الدولة مرتبط ببقاء هذه الطائفة في السلطة. كما لا توجد بها دولة عميقة على الشكل الذي يتصوره البعض، وإن قلنا بوجودها، فهي الطائفة نفسها. الأمر مختلف تمامًا مع بلدان أخرى في المنطقة، مثل تركيا ومصر وإيران، التي مهما كان موقفك من سياساتها وأسلوب حكمها، فهي دول مؤسسات لا تقوم على أسرة أو قبيلة أو طائفة فتنهار بانهيارهم. ومحاولة فهمها من خلال فهم سوريا هو تسطيح لا يخدم سوى تغذية أوهام منفصلة عن الواقع.
👍10418👏6🔥5👎4
تذكرت هذا المنشور بمناسبة ما حدث في ألمانيا وتعليقات البعض الذين شعروا بالإحراج من أفكاره
👍104
Forwarded from حسّ سليم
أعداء الصوابية السياسية

في الغرب، ومن وجهة نظر اليسار الليبرالي، الذي يمثل أقصى درجات الشر لأنه يمثل الأغلبية وهوية البلد، هو الرجل الأبيض المسيحي السوي جنسياً وبالأخص رب الأسرة من الطبقة الوسطى... كل من هو خارج هذا التصنيف ينتمي تلقائياً لمجموعات مضطهدة: الشوا_ذ، المرأة، أولاد العم، السود، المسلمين، المهاجرين وكل الأقليات العرقية والدينية.
في الشرق الأوسط نجد نفس المنظومة لدى اليسار الليبرالي، الشر الأعظم الذي يمثل هوية الأغلبية هو الرجل العربي المسلم والسوي (من الأفضل يكون سني لكن ليس بالضرورة)... كل شر في هذا العالم في نظر الليبرالي لابد أن يكون لصاحب هذه التصنيفات دورٌ ما فيه بشكل أو بآخر.

على سبيل المثال:

- إذا قام عربي غير مسلم بفعل ما فالمشكلة تكمن في كونه عربي وليس في دينه

- إذا قام مسلم غير عربي بفعل ما فالمشكلة تكمن في كونه مسلم وليس في قوميته

- إذا قام شرق أوسطي غير عربي وغير مسلم بفعل ما فالسبب في كونه من البقعة الموبوءة وليس بسبب قوميته أو دينه

إذا قام شخص ما من خارج الشرق الأوسط وغير عربي وغير مسلم لكنه مسيحي بفعل ما فالسبب هو الديانات الإبراهيمية

- إذا قام شخص ما من خارج الشرق الأوسط وغير عربي وغير مسلم وغير إبراهيمي لكنه رجل بفعل ما فالسبب هو الرجال

- إذا قام شخص ما من خارج الشرق الأوسط وغير عربي وغير مسلم وغير إبراهيمي وغير رجل بفعل ما فالسبب هو الإنسانية... ويضيف عليها: يا رب نيزك يريحنا من البشر
😁47👍24🤣147💯2
نظرًا لغياب دولة المؤسسات في سوريا، وبالتالي غياب الدولة العميقة بمعناها المؤسسي، فإن هذا لا ينفي احتمال ظهور ما يشبه ثورة مضادة يقودها المستفيدون اقتصاديًا من النظام السابق، بالإضافة إلى الموالين له (وخاصة من الأقليات) وأولئك الذين لديهم مشكلات أيديولوجية مع الحكام الجدد (حزب الباليه). غالبا ستبدأ هذه المكونات خلال الفترة القادمة في تشكيل أحزاب، ومنظمات “مجتمع مدني”، وإطلاق حملات إعلامية، وليس من المستبعد أن تقوم باغتيالات. ومع ذلك، فإن كل هذه الجهود تبقى بلا قيمة في ظل غياب قوة قسرية على الأرض، مما يجعل مصيرهم مرتبطًا بمدى دعم القوى الأجنبية الفاعلة في الميدان.

حتى الآن، لم تحسم هذه القوى، وخاصة الولايات المتحدة، موقفها من الحكام الجدد. فهي تسعى للتأكد من المسار السياسي الذي سيتبنونه عمليًا تجاه إسرائيل، والتواجد الروسي، بالإضافة إلى شعاراتهم الأيديولوجية المعتادة التي تُستخدم كأدوات ابتزاز، مثل قضايا الأقليات وحقوق المرأة. كما أن هناك عاملًا مهمًا آخر يتمثل في وحدة سوريا، حيث تهتم القوى الدولية بوجود دولة مركزية قوية لمنع الصراعات والفوضى التي قد تنجم عنها تداعيات غير متوقعة على المدى الطويل، التي قد يكون أقلها تجارة السلاح.
👍5519👎3🔥3
👍7🔥21
معنى “دولة المؤسسات” لا يرتبط بالفساد أو العدالة أو الاستبداد أو ترتيب المؤسسات، بل يُختزل في مقولة يرددها أحيانًا السياسيون: “دولة لا تزول بزوال الرجال”. إنها دولة لا تسقط بسقوط أجزاء منها، حتى وإن كانت هذه الأجزاء تحتل قمة هرم السلطة. وجودها غير مرتبط بأسرة أو قبيلة أو أقلية معينة، لأنها متجذرة في المجتمع ككل أو في غالبيته، دون أن يعني ذلك رضا الأغلبية بشكل كامل.

لكن المشكلة أن البعض، عندما يسمع عبارة “دولة المؤسسات”، يذهب ذهنه مباشرة إلى تصور مرتبط بالدول المتقدمة، كما هو الحال مع العلماني الذي يسمع عبارة “دولة علمانية”، فلا يستطيع أن يتصور شيئًا آخر سوى ألمانيا أو كندا، مع أن أغلب الدول العلمانية ليست كما يتوهم.

الأمر نفسه ينطبق على مفهوم “دولة الرفاه”. عندما يُقال “دولة رفاه”، ربما لا يتبادر إلى أذهان الأغلبية سوى دول مثل سويسرا أو السويد، مع أن دولة الرفاه مفهوم أوسع من ذلك. الفارق يكمن في أن هناك دول رفاه غنية وأخرى فقيرة. لكن من حيث الجوهر، لا فرق بينهما. الاختلاف بينهما في المستوى وليس في الأساس: إحداهما قد تقدم رعاية صحية جيدة بالمجان أو بسعر معقول، بينما تقدم الأخرى رعاية صحية أيضا مجانية أو شبه مجانية لكن بجودة أقل. ومع ذلك، تظل تقدم خدمات صحية لسكانها، وهو ما يميز دولة الرفاه.

بغض النظر عن طبيعة الدولة أو أشكالها، من الأخطاء الشائعة عند المقارنة بين الأشياء إلغاء جوهرها المشترك بسبب اختلاف الشكل، أو إلغاء العناصر غير الجوهرية تماما بدعوى التشارك في الجوهر.
الفروق بين أول سيارة صُنعت في الثلاثينات وسيارة “بوغاتي” الحديثة لا تُحصى، ومع ذلك، كلاهما لهما جوهر واحد: "سيارة"، دون أن يعني ذلك أن الأولى قد تنافس الثانية في السرعة والقوة والأمان. والفرق بين أول حاسوب اخترع والحاسوب الكمومي الحديث يفوق التصور، ومع ذلك، كلاهما لهما جوهر واحد: "حاسوب"، دون أن يعني ذلك أن الأول قد ينافس الثاني.
👍6719🔥4🤯2👌1
9
الدول بشكل عام، ودولة المؤسسات بشكل خاص، هي كيان براغماتي إلى أبعد الحدود. تعتبر مسألة الحفاظ على بقائها الأولوية الرئيسية بالنسبة لها، ومن أجل ضمان هذا البقاء، هي مستعدة للتضحية بكل شيء تقريبًا لتحقيق ذلك. قد تضحي بأي شخصية فيها مهما علا منصبه، وقد تبتر أجزاءً من مؤسساتها دون تردد لتحافظ على ما تبقى منها. كما قد تتخلى عن كثير من شعاراتها وقيمها المعلنة، ولو مؤقتًا، فما جدوى تلك القيم والشعارات بالنسبة لها إذا سقطت الدولة كلها أو تضررت مصالحها الحيوية؟ وبالتأكيد، قد تتخلى عن حلفائها وكأنها لم تعرفهم يومًا إذا شعرت بأنهم أصبحوا عبئًا ثقيلًا لا تقدر على حمله.

في الأشهر الأخيرة، قدمت إيران عرضًا نموذجي لهذه البراغماتية تحت مسمى “الصبر الاستراتيجي”. فقد تركت أقرب حلفائها يواجهون مصيرهم، وغالبًا غضت الطرف عن الاغتيال المحتمل لرئيسها أثناء عودته من أذربيجان*. كما تخلت عمليًا عن شعارات مثل “وحدة الساحات” و”محور الممانعة”، وكأنها لم تكن، والتزمت الصمت العسكري طويلًا أمام ضرب حرسها الثوري. كل مشاركتها في الحرب الحالية لم تتجاوز الرد على المساس المباشر بسيادتها، من خلال هجمات محسوبة تهدف إلى ردع العدو دون الانزلاق إلى حرب شاملة ترى أنها غير مؤهلة لخوضها، بغض النظر عن المزاعم المعتادة حول قدرتها على “حرق تلك الدولة خلال ساعة ونصف”.

كانت صواريخها تعبر أجواء الأردن، الذي يعتقد أن ذلك سيورطه في حرب لا قبل له بها، لأن “تلك الدولة” ستعتبر غض الطرف عن هذه الصواريخ تواطؤًا، مما يمنحها ذريعة لضرب الأردن المجاور، بعكس إيران البعيدة. وإذا حدث ذلك فلن تسارع إيران لمساعدته وهي لم تساعد حتى أقرب الحلفاء إليها. الموقف نفسه تكرر مع دول الخليج، التي هددتها إيران بدفع الثمن في حال سكوتها عن مرور طائرات “تلك الدولة” عبر أجوائها، لينتهي الأمر بمرور الطائرات عبر أجواء الحليف السوري/الروسي ثم العراق.

*أذربيجان، رغم أنها دولة شيعية، تعد أقرب حليف لـ”تلك الدولة” في المنطقة والحديقة الخلفية لاستخباراتها. إلا أن عصبيتها الأولى قومية، مما يجعلها تميل نحو تركيا، في حين اصطفت إيران مع أرمينيا المسيحية، التي باتت تُحسب على المعسكر الغربي.
👍4321
هناك ثلاثة أمور على الأقل لدى أحمد الشرع تستحق الاحترام من الناحية السياسية، وتوضح أسباب تغلبه:

• تفكيك الفصائل في إدلب وتوحيدها تحت قيادة واحدة، باستخدام السياسة والقوة.
• موقفه الإيجابي تجاه روسيا، رغم كل ما فعلته في سوريا.
• فور دخوله دمشق، ودون تردد أو ادعاء الزهد في الحكم، توجه إلى القصر الجمهوري وبدأ التصرف كرئيس جمهورية وكأن الأمر بديهي، وعين حكومة دون الانخراط في أي جدال عقيم مع أحد، بما في ذلك فصائل المعارضة الأخرى
116👍37👌8👎6🥰3👏3
إذا واصل أحمد الشرع نهجه في فرض سلطة مركزية، وبعد الانتهاء من بقايا النظام السابق، فلن يكون مستبعدًا أن يدخل في صراع قد يُستعمل فيه السلاح ضد فصائل المعارضة.
يقول إنه يريد دمج كل الفصائل في الجيش. حاليًا، ليس لديه خيار آخر، أولًا لأنه لا يوجد بديل جاهز لهم في الوقت الراهن، وثانيًا لاحتوائهم وجعلهم تحت سلطة الدولة.
لكن ما لا نعرفه هو كيف سيتم هذا الدمج: هل سيكون دمجًا لهم كمجموعات تحت قيادة ما يشبه البارونات؟ هذا يعني احتمالية اندلاع اقتتال داخلي (في عالم مثالي، يمكنك استبعاد هذا الاحتمال). أم سيتم دمجهم كأفراد؟ الخيار الثاني أيضا لا يخلو من عيوب (نجد مثلها في الخيار الأول)، لأن الثوريين، حتى كأفراد، يصعب التعامل معهم ودمجهم في جيش نظامي، بسبب طبيعتهم التي لا تتقبل الطاعة واحترام التراتبية، وهما أمران لا بد منهما في الجيوش النظامية. فالجندي يمكن أن يتصف بكل شيء إلا الثورية، لهذا تفضل الجيوش تجنيد الشباب اليافع الذي لم يسبق له خوض الحروب والصراعات ليكون بمقدورها صقلهم وفق عقيدة الجيش واحترام التراتبية.

يقال إن الثورات تأكل أبناءها، وفي الحقيقة، ينبغي على الثورات أن تأكل أبناءها، وإلا فلن يستقر الحال.
👍598🤨8💔6🔥2👌1
الوضع حاليا:
🤣72👍9😁5💯4👎2😡1
5
جون إي دوغلاس، عميل سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، يُعدّ من رواد علم النفس الجنائي. وضع أسس تحليل السلوك الإجرامي من خلال مقابلات مع القتلة المتسلسلين لفهم طريقة تفكيرهم والدوافع وراء أفعالهم، مما أتاح له إنشاء ملفات شخصية ساهمت في حل قضايا معقدة واعتقال قتلة آخرين. وثّق دوغلاس جهوده المبتكرة في كتابه “Mindhunter”، الذي أصبح أساسًا لمسلسل يحمل الاسم نفسه مع بعض البهارات النتفلكسية.

لكن الأمر لم يكن سهلاً بالنسبة لدوغلاس وفريقه في وحدة العلوم السلوكية، ليس فقط بسبب متطلبات العمل في حد ذاته، بل أيضًا بسبب التعامل مع الموقف الأخلاقي العام تجاه أبحاثهم. إذ كان كثيرون يرون أن دراساتهم تُبرر الجرائم البشعة بحجة أن مرتكبيها ضحايا لبيئتهم أو لنوازع داخلية خارجة عن إرادتهم. ولم تبدأ هذه الاتهامات بالتراجع إلا عندما أثبتت الأبحاث نتائج ملموسة لا يمكن تجاهلها، مما دفع الناس إلى تجاوز هذه المعضلة الأخلاقية في نظرهم.

هذه المعضلة التي واجهها دوغلاس هي مثال على ما يعانيه كثير ممن يحاولون فهم حقيقة الأمور. فكثير من الناس –وهذا لن يتغير– يعتقدون أن محاولة فهم دوافع الأفعال المنبوذة تعني رفع الحكم الأخلاقي عنها. وهذا ما نراه فعلاً من كثير من اليساريين الليبراليين. ما يجعل الباحث عن الفهم بين نارين: من جهة انغلاق ذهن الذين يتهمون نتائجه بالتبرير لعدم استيعابهم أهمية فهم حقيقة الأشياء كما هي للتعامل معها بالطريقة الصحيحة، ومن جهة أخرى فرط انفتاح الذهن إلى درجة سقوط ما بداخله لدى الذين يستعملون نتائج من يحاول مجرد الفهم للتبرير وإلغاء الأحكام الأخلاقية.

ليست الغاية من معاقبة المجرم هي تحقيق العدالة فقط، بل هي أيضا وسيلة للحد من الجريمة. ولذلك، من الضروري، خاصة لصاحب القرار، أن يفهم كيف يفكر المجرم وما الذي دفعه إلى ارتكاب جريمته. ليس بغرض تبرير أفعاله أو تخفيف العقوبة عنه، بل لفهم أمثاله وكيفية التعامل معهم، وربما التنبؤ بما قد يقومون به في المستقبل.

غاية هذا المنشور لا تقتصر على علم الجرائم فقط، فهو مجرد مثال، بل تمتد إلى جميع الظواهر البشرية، سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو حتى علاقات دولية. فمن الضروري دائمًا السعي لفهم دوافع الناس وخياراتهم، ولا يكون هذا إلا من خلال الفصل بين فهم الأشياء على حقيقتها والحكم عليها، دون الالتفات إلى ذهن متزمت أو آخر ساقط.
74👍36❤‍🔥8🔥1👌1
ليس من باب الدفاع عن الاحتفال برأس السنة أو معارضته، وإنما من أجل تصحيح فكرة خاطئة شائعة بين الناس حول رأس السنة (1 يناير/جانفي)، حيث يعتقد الكثيرون أنه مناسبة مسيحية، بل ويظن بعضهم أنه يوم ميلاد المسيح في التقاليد الغربية، وهذا غير صحيح. في الواقع، 1 يناير هو رأس السنة منذ ما قبل الميلاد، وقد جعله الرومان كذلك بقرار إداري بحت، لا علاقة له بالمعتقدات الدينية. أما اليوم الذي يحمل خلفية دينية فهو 25 ديسمبر، الذي يُعتبر يوم ميلاد المسيح في التقاليد الغربية، وقبل ذلك كان عيدًا وثنيًا لدى الرومان يُعرف بـ”ساتورناليا”، ثم قامت الكنيسة الغربية بتبنيه وإضفاء الطابع المسيحي عليه، كما فعلت مع العديد من المناسبات الوثنية القديمة.

إذن، إذا كنت تعارض هذا الاحتفال من منطلق كونه جزءًا من الثقافة الغربية، فهذا مفهوم، ولكن من المهم الإشارة إلى أنه ليس مناسبة دينية بالمعنى الذي يتصوره البعض
👍9735👎5👏2
👍84👎3😡1
من يدقق في الأطراف المشاركة في حربَي 1967 و1973، لا بد أن يلاحظ اختلافًا في مدى الدور الذي لعبته دول الخليج؛ حيث انخرطت الأخيرة في حرب 1973 بشكل أكثر وضوحًا مقارنة بحرب 1967. لا يعني هذا أن الدور الخليجي كان حاسمًا في نتيجة الحربين، لكننا هنا بصدد مناقشة الأسباب التي جعلت دول الخليج تقدم مساندة أكبر للسادات مقارنة بعبد الناصر.

لماذا نجح السادات فيما فشل فيه عبد الناصر؟

من المعروف أن حقبة عبد الناصر شهدت توترًا وحربًا غير معلنة بينه وبين دول الخليج، وتحديدًا السعودية، ابتداءً من عام 1962، بعد أن كانت العلاقة بينهما جيدة إلى حد كبير. السبب يعود إلى رغبة عبد الناصر في تصدير نموذج الجمهورية الذي كان يمثل “التقدمية” إلى الملكيات التي كانت تمثل “الرجعية”، الأمر الذي جعل دول الخليج تنظر إلى عبد الناصر باعتباره خطرًا داهمًا، خاصة مع الحرب اليمنية التي شارك فيها الجيش المصري بشكل مباشر لإسقاط الملكية في اليمن. في المقابل، انحازت المملكة العربية السعودية إلى الملك اليمني الزيدي (ألا يذكرك هذا بشيء؟). وبالتالي، كان من البديهي من وجهة نظر سعودية ألا تكترث كثيرًا بمصير عبد الناصر أمام “تلك الدولة”، لأن الأخيرة لم تكن تشكل لها خطرًا داهمًا كما كان الحال مع عبد الناصر.

أما السادات، فقد اتخذ مقاربة أخرى في السياسة الخارجية مع الدول العربية، لم يكن من ضمنها تصدير الثورة الجمهورية أو قلب أنظمة الحكم فيها، مما جعل دول الخليج أكثر ارتياحًا نحوه. ونتيجة لذلك، أصبحت أكثر استعدادًا لتقديم المساعدة في مواجهة “تلك الدولة”، لأنها لم تعد تشعر بأنها مخيرة بين بقائها وتقديم هذه المساعدة.

بنفس المبدأ، يمكن فهم شكل الاصطفاف في الشرق الأوسط ما بعد الثورة الإيرانية وحتى الآن. فقد بدأت دول الخليج تشعر بتهديد وجودي من محاولة تصدير الثورة الجمهورية إليها مرة أخرى، ولكن هذه المرة بطابع محافظ بدلًا من الطابع التقدمي. ثم تبنّت إيران شعار القضية الفلسطينية (بغض النظر عن صدقها في ذلك)، وشيئًا فشيئًا بدأت دول الخليج تنحاز إلى “تلك الدولة”، خاصة بعد الانسحاب الأمريكي. بل إن بعضها أصبح في تحالف شبه صريح معها بناءً على مبدأ مواجهة عدو مشترك. الاستثناء الخليجي هنا نوعًا ما هو قطر، لكنها استثناء لنفس الأسباب؛ فحتى لو اعتبرت قطر إيران مصدر تهديد لها، فإن السعودية تمثل بالنسبة لها التهديد الأخطر، خصوصًا خلال فترة أزمة الخليج (2017-2021).

الفكرة هنا ليست لتبرير موقف هذه الدولة أو تلك، بل محاولة لفهم سلوك الدول والجماعات السياسية وحتى الأفراد في الحياة العادية، وكيف يفكرون بعيدًا عن إطلاق الأحكام، التي لابد أن لا يلغيها هذا الفهم. فأنت، كصاحب قضية نبيلة ومع افتراض صدقك في هذا المسعى، لا بد أن تفهم كيف يفكر من تفترض أنهم معنيون بقضيتك. لا يمكنك أن تهدد وجود ومصالح الدول المعنية بالأمر في سبيل قضيتك، أو أن تبيد الناس المعنية وتنكل بهم بدعوى تحقيق غايتك النبيلة، ثم تتوقع منهم تجاوبًا إيجابيًا مع ما تدعيه، وإلا تتعجب من اختيارهم لأسوء الخيارات. باستثناء إذا كنت قادرًا على فرض ذلك عليهم بالقوة بحيث لا يمكن لأحد أن يصُدك، وإلا فعليك أن تجعل قضيتك متوافقة مع مصالح تلك الدول/الأفراد، أو على الأقل لا تتعارض معها. مثل حيوان تحاول حشره في زاوية؛ إن وجد منفذًا للإفلات منك فسيفعل حتمًا، وإلا عليك إيجاد طريقة أخرى غير محاصرته، مثل إغرائه بالطعام.
👍7032🔥3
من المعروف عن المثاليين أنهم، كالأطفال، يجيدون التنظير السهل حول “كيف يجب أن يكون الحال”، دون التفكير في حقيقة هذا الحال، وما هو الحال الممكن فعليًا. لهذا، لا يصلون أبدًا إلى شيء، ويظل الوضع على ما هو عليه، بل كثيرًا ما يزداد سوءًا. العالم بالنسبة لهم بسيط، أشبه بعالم الأطفال: أخيار في مواجهة أشرار. الأخيار يجب أن يختاروا الخير، والأشرار سيختارون الشر حتمًا. كل شيء يبدو واضحًا وبديهيًا.
لكن الحياة ليست مثالية بهذا الشكل، والبشر أكثر تعقيدًا من أن تُفسَّر أفعالهم من خلال توقعات ناجمة عن تصنيفات مبسطة. ولو لم يكن الأمر كذلك، لانتهى التاريخ منذ زمن بعيد.
78👍27👌11👏5😁1🤨1
المثالي يفهم الواقع كما يريده هو، فيضيع الممكن تحت دعوى السعي نحو ما يجب أن يكون.

الانتهازي يفهم الواقع كما هو، فيتمسك به دون اكتراث لما يجب أن يكون.

البراغماتي يفهم الواقع كما هو، فيتمسك بالممكن وعينه على ما يجب أن يكون.
👍6531👏7👎2🔥2