حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
من السهل أن تكون ملحدًا أو أن تجد ملحدين، لكن التحدي هو أن تكون لادينيًا أو أن تجد لادينيين.
👍328👌2
👍93🤯1
حسّ سليم
Photo
من الأمثلة الأخرى على تركيز المعاصرين على الجوانب السطحية للمفاهيم والأشياء دون النظر إلى الجوهر، الأمر الذي يسمح لهم بإعادة إنتاج بعض المفاهيم والهياكل القديمة ضمن قالب جديد ثم الادعاء بأنهم أتوا بما لم يسبقهم إليه أحد، هو تصور بعضهم أنهم لادينيون، وأن الأديان تقف في ضفة (ضفة الخرافات والأوهام) وهم في الضفة الأخرى (ضفة العلم والحقائق). وحتى "المتدينين" من المعاصرين لا يختلفون كثيرًا عنهم، حيث يعتقدون أن من يزعمون أنهم لادينيون هم كذلك فعلاً.

بالنسبة للمعاصرين، الذين هم أصحاب ثقافة معينة نشأت في بيئة معينة، المرجعية الأساسية لمعرفة ما هو الديني من غير الديني هي المسيحية. فالمسيحية هي المقياس الذي يحدد من خلاله المعاصرون ما هو ديني حتى بالنسبة للأديان الأخرى المعترف بها كأديان. لذا، ليس من الغريب أن تجد أحدهم يصف جوانب معينة في الإسلام أو اليهودية بأنها غير دينية. تقريبًا كل ما يتجاوز المسيحية يُعتبر خروجًا عن مفهوم الدين في نظرهم، إلى درجة قد تجعلك تتوقع منهم اشتراط صلب أحدهم. بالنسبة لهم، الحد الأقصى للدين هو باختصار الإيمان بإله/آلهة والعالم الآخر وطقوس العبادة والمعبد، وكل ما يزيد عن هذا هو خارج الدين.

ما هو الدين إذن؟

من السهل معرفة جوهر كل دين على حدة، فمثلاً من جوهر الإسلام التوحيد، ومن جوهر المسيحية الإيمان بالفداء، لكن الحديث عن جوهر "الدين" هو أمر آخر. نحن نحتاج للنظر إلى المشترك في كل الأديان، وهذا ما يتجلى في تعريف مصدر كلمة "Religion" المشتقة من الكلمة اللاتينية "religio" وفعلها "religare" الذي يعني "يربط" أي ما يربط الإنسان بالمقدس أو ما يربط الناس ببعضهم البعض. لذا لا يمكن لفرد أن يكون له دين خاص به، فالدين بطبيعته ممارسة جماعية، في المقابل يمكن أن يكون للفرد إيمان خاص به.

إذن، كل ما يربط مجموعة بشرية ما، سواء اجتمعت على أرض واحدة أو تفرقت، حول نظرة معينة للحياة والوجود، هو دين. لكن هذا هو أيضًا تعريف الأيديولوجيا.. فما هو الفرق بينهما؟

لا يمكننا فهم الفرق بين الأيديولوجيا والدين إلا من خلال فهم السياق الذي ظهر فيه مصطلح "أيديولوجيا"، وهو السياق الأوروبي الذي يعتبر المسيحية هي المقياس لما هو ديني. المسيحية ديانة لا صلة لها بالعالم والحياة، ولا تقول شيئًا عنهما، وكل ما يتعلق بالحياة والعالم هو بالنسبة لها علمانية. إلى درجة أن رجال الدين الذين كانوا يحتكون بالناس يعتبرون رجال دين علمانيين (Secular clergy) مقابل رجال الدين الذين يعيشون حياة دينية خالصة (Regular clergy). ومن هنا ظهرت الحاجة لديهم لصك مصطلح "أيديولوجيا" لوصف التصور العلماني للحياة. وكل ما يتجاوز المعيار المسيحي في أي دين هو علماني، وبالتالي يصح وصفه بالأيديولوجيا.
ولأن الأيديولوجيات تبدو دائمًا كنوع علماني من الدين أو كما تعرف بالأديان العلمانية (Secular religions)، والمعاصرون لديهم حساسية من الدين أو مما يقترب منه، فإنك تجد صاحب كل أيديولوجيا معاصرة يصف ما لدى الآخرين بالأيديولوجيا وبأنها أديان علمانية، لكنه يرفض مطلقًا أن يصف تصوراته هو بالأيديولوجيا لأن ذلك بالنسبة له يرفع عنها صفة العلمية والحياد، وبالتالي تصبح بلا معنى. فالليبرالي مثلاً لا يستطيع أن يعترف بأن قيمه الليبرالية هي قيم أيديولوجية، لأنها بالنسبة له مثل القوانين الرياضية، والعلموي كذلك لا يعترف بأدلجلته لظنه أنه الممثل الشخصي للعلم على الأرض لحل كل المشاكل، والشيوعي يعتقد أن المجتمع الشيوعي هو الأصل والطبيعي لدى البشر، والنسوية تعتقد أن المساواة بين الجنسين أمر بديهي، وصاحب حقوق الإنسان يظنها نزلت مدونة على الألواح في طور سيناء، والتقدمي يعتقد أن فردوس الأرض حتمية تاريخية (كل هذه الأيديولوجيات تتقاطع مع بعضها البعض وتشكل كتلة أيديولوجية واحدة).

في حالة واحدة تجد كثيرا من المعاصرين يتعاملون نوعًا ما مع الأديان بشكل خارج عن التصور المسيحي؛ إذا تعلق الأمر بأديان من حضارات بعيدة مثل أديان شرق آسيا التي لا نجد في كثير منها أو بعض مذاهبها شيئًا عن إله/آلهة أو عالم آخر أو طقوس عبادة، بل نجد فقط معلمًا أول وطقوس تأمل مع بعض التعاليم الخاصة بالحياة، وهذا ما يجعل البعض يفضل وصفها بالفلسفات الشرقية لأنها علمانية صرفة ولا تتطابق مع التصور المسيحي للدين.

«في معظم الأديان، المناقشات حول الإيمان غير مهمة. كان الإيمان غير ذي صلة بالدين الوثني، ولا يزال غير مهم في ديانات الهند والصين. عندما يعلنون أنهم غير مؤمنين، فإن الملحدين يتذرعون بفهم للدين ورثوه دون وعي من التوحيد»
― جون نيكولاس غراي.

خلاصة القول هي أن ادعاء أحدهم اللادينية لا يعني أبداً أنه كذلك فعلاً، وكونه ملحدًا لا يعني أنه قد ترك الدين بالمطلق تمامًا بل ترك الإيمان بالإله/الآلهة.
👍4010👏10🔥2🤨1
حسّ سليم
Photo
لهذا فإن الأغلبية الساحقة من الملحدين في العالم المسيحي/الإسلامي، باستثناء قلة نادرة من العدميين، هم في الحقيقة أصحاب أديان وأيديولوجيات مثل الليبرالية والإنسانوية والعلموية والتقدمية والمساواتية...إلخ، وبدون هذه الأيديولوجيات لن يجد أي أحد منهم كلمة واحدة ليقولها، وبالتالي هو قبل كل شيء صاحب أيديولوجيا، وما الإلحاد لديه سوى تفصيل صغير.

«يظلّ الملحد جديراً بالاحترام ما دام أنّه لا يُحاضر بأنّ كرامة الإنسان هي أساس الأخلاق، وأنّ حبّ الإنسانية هو الدين الحقّ.»
― نيكولاس ڠوميز داڤيلا.
👍4817👏7🔥3
هناك اختراعان يصعب جداً تصور الحياة المدنية المعاصرة دونهما، وهما من بين أسوأ الاختراعات، إذا لم يكونا من أسوأها على الإطلاق: الساعة والشقق السكنية.

الساعة هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من التوتر والشعور بالضغط. قبل اختراع الساعة، كانت البشرية تنظم حياتها من خلال تقسيم اليوم إلى مراحل طويلة نسبياً وفق موقع الشمس. أما الساعة، فتجعل البشرية تنظم حياتها ليس فقط بالساعة بل بالدقيقة والثانية، وهو ما قد يسبب قدراً كبيراً من القلق والضغط على الإنسان، خاصة بالنسبة للأشخاص المنضبطين والذين يحترمون المواعيد.

أما الشقق السكنية، فهي المسؤولة عن تشكيل المدن الحديثة الكبرى وفق مفارقة العزلة وسط الاكتظاظ. ملايين البشر يُكدسون في علب فوق بعضها البعض دون أن يكون لأحد صلة بالآخر.

الأمر شبيه بتربية دجاج البيض، الذي يوضع في أقفاص تصمم بطريقة تعزل بها الدجاجات عن بعضها في أضيق مساحة ممكنة، ثم يتم التلاعب بالضوء (الزمن) من أجل زيادة إنتاج البيض وتنظيم أوقاته.

أفضل يوم قد تعيشه هو ذلك اليوم الذي تقضيه بعيداً عن الشقق دون الحاجة إلى النظر إلى الساعة.
👍87👌2214💯14😁10🤨2
من المفارقات أيضا أنه إذا كان هناك شيء يثير القلق والتوتر أكثر من الساعة، فهم الأشخاص الذين لا يحترمونها، وإذا كان هناك شيء يثير القلق والتوتر أكثر من الشقق السكنية، فهم الأشخاص الذين يعيشون فيها حياة الأرياف.
👍28😁1613💯6
🔥31
حسّ سليم
Photo
بحسب تقرير لصحيفة ألمانية منذ أيام، أصبحت الأوكرانيات بعد اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية يمثلن 50٪ من العاملات في بيوت الدعارة في ألمانيا.
قد يُقال هنا إن ذلك متوقع في الحروب، لأنها تدمر الحياة الاقتصادية، مما يؤدي إلى تدمير الهياكل الاجتماعية التي تحمي/تمنع المرأة من دخول هذا المجال. لكن هذا الرأي، حتى وإن كان صحيحًا جزئيًا، نظرًا لأن الاقتصاد له بالفعل دور مهم في ثبات الهياكل الاجتماعية، إلا أنه لا يستطيع تفسير كل شيء. وإلا كان سيُفسر الفارق الشاسع في مجال الدعارة بين الأوكرانيات والسوريات مثلاً، اللواتي وصلن إلى ألمانيا في ظروف أشد قسوة بكثير من الأوكرانيات، هربًا من حرب أشد فتكًا وتدميرًا من الحرب الروسية-الأوكرانية، ومن بلد كان، حتى دون حرب، أفقر من أوكرانيا حاليًا. يُضاف إلى كل ذلك صعوبة الاندماج في المجتمع الألماني مقارنة بالأوكرانيات. التفسير الوحيد لهذا هو أن هناك ما هو أشد فتكًا بالهياكل الاجتماعية من الحرب.

حتى في غياب الحرب، من المعروف مساهمة شرق أوروبا الكبيرة في الأنشطة المرتبطة بالدعارة، ليس فقط بسبب كثرة الطلب على الجميلات، بل أيضًا بسبب كثرة العرض، مما يؤدي إلى انخفاض الأسعار. في حين أن أوروبا الغربية، رغم قربها الاجتماعي من أوروبا الشرقية، لا تستطيع منافستها في هذا المجال. فازدهار الدعارة يتأثر بعاملين رئيسيين: الفقر وتفكك الهياكل الاجتماعية. ولأن دول أوروبا الغربية تمتلك اقتصادات قوية، فإنها تستطيع أن تُغني نساءها ماديًا عن امتهان الدعارة مقارنةً بأوروبا الشرقية، رغم أن هياكلها الاجتماعية مدمرة كليًا تقريبًا، حيث يعتمد الناس فيها على قوة مؤسسات الدولة ورعايتها للأفراد. وهذا أشبه بالعيش في فقاعة قد تنفجر في أي وقت بسبب أي صدمة اقتصادية أو سياسية، مما يجعل الناس يجدون أنفسهم فجأة في حالة فوضى اجتماعية، كما حدث ذلك خلال الأزمة الاقتصادية اليونانية في عام 2010، التي مست بشكل خاص القطاع الحكومي وقطاع الخدمات. هذه القطاعات تشغل بشكل أساسي النساء، ولهذا كانت نسبة البطالة التي سببتها تلك الأزمة بين النساء ضعف ما كانت بين الرجال. والنتيجة أن عددًا كبيرًا من النساء اضطررن إلى امتهان الدعارة في ظل غياب الهياكل الاجتماعية التي تقدم لهن الحماية أو تمنعهن من ذلك. ولأن العرض تجاوز الطلب، أصبح سعر المومس اليونانية هو الأدنى في أوروبا، حوالي دولارين لنصف ساعة، وهو ما يعادل ثمن شطيرة، الأمر الذي قد لا ترضى به لنفسها مومس من شرق أوروبا أو حتى من دول العالم الثالث الفقيرة. كل هذا بسبب أزمة اقتصادية عابرة لم تصل بالبلاد إلى حد الفوضى الشاملة.

لكن يجب التنبيه إلى أن هذا الحديث لا ينطبق فقط على قضايا المرأة أو النسوية، بل يشمل كل الأيديولوجيات الحديثة التي تعيش في عالم مصطنع بعد تفكيكها للهياكل الاجتماعية التقليدية، ووجودها مرتبط فقط بقدرة مؤسسات الدولة والاقتصاد على دعمها. وفي حال حدوث أي أزمة حقيقية، ستجد هذه الأيديولوجيات نفسها تسبح في الهواء دون أي أرضية تقف عليها. لن يهتم أحد حينها بالحريات الليبرالية، ولن يستمع أحد إلى الخطاب الحقوقي المعاصر، وحتى النباتي سيدرك أنه لم يكن نباتيًا إلا بسبب سهولة الحصول على الطعام، إضافة إلى كل المطالب الحقوقية التي خلقتها حالة الوفرة.

أزمة الأيديولوجيات الحديثة هذه انتبهت إليها سيمون دو بوفوار التي قالت: «لا تنسوا أبدًا أنه تكفي أزمة سياسية أو اقتصادية أو دينية واحدة ليعاد النظر في حقوق المرأة، هذه الحقوق لا تُكتسب أبدًا».
58👍43❤‍🔥9🔥5😁3👎1
يتخيل الليبرالي/اليساري/التنويري العربي ولواحقه أن تفكيك الهياكل الاجتماعية التقليدية (مثل نظام العائلة والأقارب، الدين، التقاليد، والموروث الثقافي…) سيجعل بلده يتحول إلى سويسرا. لكنه، في الحقيقة، لن يحصل إلا على شيء شبيه بهايتي، حيث تسود الفوضى والجريمة وكل أنواع الانحطاط وسط المجاري. بساطة تفكيره تجعله يخلط دائمًا بين الأسباب والنتائج، فيظن أن الغرب، الذي يبهره، قد بدأت ثروته وهيمنته على العالم حديثا بفضل أيديولوجياته المعاصرة، بينما الواقع هو أن هذه الأيديولوجيات وجدت فقط ظروفا مناسبة لتنمو في ظل الثروة والهيمنة الغربية. أمر هذا الليبرالي يشبه حال الفقير الذي يتصور أنه إذا تصرف مثل الأغنياء وتبنى عاداتهم، سيصبح غنيًا مثلهم. لكنه، في الحقيقة، يراكم الديون فقط ويغرق نفسه أكثر في الوحل.
👍9421👏11💯8😁6👌5🔥4👎2
5
كانوا يقولون بما معناه إن التحرر سيقدم رائدات فضاء، مفكرات، وسيدات أعمال. سنفترض أن هذا "التحرر" هو حقًا ما ينتج ذلك. كم امرأة صعدت إلى الفضاء بفضل هذا التحرر، مقابل كم امرأة صعدت إلى منصة رقص التعري بفضل هذا التحرر نفسه؟ كم امرأة اشتهرت بأفكارها الاستثنائية، مقابل كم امرأة اشتهرت بتفاصيل جسدها على إنستغرام؟ كم امرأة أصبحت سيدة أعمال، مقابل كم امرأة تعمل مقابل الحد الأدنى من الأجور؟ لا أعتقد أن أحدًا لا يعيش في حالة إنكار سيرفض أن النسبة لن تقل عن 1 مقابل مليون.

إذن، عندما تترك الوعود النظرية وتنظر إلى الواقع، ستكتشف أن قضية تحرر المرأة هي بالدرجة الأولى قضية المرأة البرجوازية، التي ناضلت - نضالًا آمنًا دون مخاطر - من أجل الوصول إلى المهن المثيرة للاهتمام والمشاركة في الحياة العامة لتملأ بها فراغها وتجد حلًا لشعورها بالملل، كحال الأرستقراطيات الفرنسيات في صالونات الأدب في القرن الـ17. ولم تكن يومًا قضية نساء الطبقات الدنيا إلا لدى من صدقن بسذاجة إغراءات خطاب التحرر الذي هو ليس سوى خطاب تنمية بشرية نسوية (أنت رائعة وقوية لمجرد أنك أنثى أما الرجال فهم مغتصبين وred flags) تردده "الأستاذة" في رواياتها المبتذلة أو في المؤتمرات المقامة في الفنادق الفخمة حول المرأة، في الوقت الذي تكون فيه امرأة أخرى تعتني ببيت "الأستاذة" وبأولادها. وفي كثير من الأحيان عليها أن تحل محلها أيضًا في تأدية واجبها نحو زوجها في القبو، ثم مع نهاية اليوم تعود إلى منزلها لتكرر نفس العمل، لكن دون واجبات القبو هذه المرة، لأن الأستاذة أقنعتها أن الطلاق تحرر من القيود، أو أن الأم العزباء ليس عيبًا. ثم إذا سُئلت "الأستاذة" عن الخادمة، تبدأ حديثها برفض وصفها بـ "الخادمة" لأنه وصف مهين، بل يجب أن نقول "مساعدة منزلية" (يا ترى هل تصف ما يجري في القبو بـ: مساعدة زوجية؟). لكن لا بأس، المهم أن تلك المساعدة المنزلية لها صوت وتستطيع أن تضعه في صندوق الانتخابات.

يمكننا غض الطرف عن كل ما سبق، وعن التفاوت بين الواحد والمليون، وسنعتبر ذلك جزءًا من التضحية لبلوغ الهدف (الرائدات، المفكرات…)، وأعراضًا جانبية لا بد منها، وأن نتائج التحرر رغم عيوبها أفضل من ما كان قبل التحرر. المشكلة أنهم لا يعترفون بأن ما يدّعونه هو سبب تلك الأعراض والعيوب (بما في ذلك التحرش والاغتصاب كظواهر واسعة الانتشار مرتبطة بـ "التحرر")، ولا يريدون تحمل مسؤوليتها ويفضلون العيش في حالة إنكار. يأخذون الثمار التي تناسبهم فقط، وما لا يناسبهم لا يتبرؤون منه فقط، بل يُحملون وزره للآخرين.

لكن للإنصاف، لا نجد هذا التبرؤ من النتائج المصحوب بنبرة التنمية البشرية لدى النسوية فقط، فهي هنا مجرد مثال، بل هو سمة كل الأيديولوجيات الليبرالية (التحررية). كلها تبيع مليون تذكرة لمسرح يضمن 500 مقعد، وكلها توهم الفرد بالتحرر وأنه قادر على أن يكون ما يشاء ما لم يقف الآخرون في طريقه، وكلها تتفق على أن كل ما تعتبره نتائج إيجابية فهو لها، وما ليس كذلك فهو من غيرها، لأن حاملي هذه الأيديولوجيات يعتقدون أن تصوراتهم التي تبدو مثالية نظريًا بالنسبة لهم، يمكن أن تكون كذلك عمليًا، ولا يوجد سبب يمنع ذلك إلا تدخل "الأشرار"، وليس لسبب من داخلها هي نفسها أو لسوء فهمها للطبيعة البشرية وللحياة كلها. أي نظام، مهما كان مثاليًا نظريًا، فهو في النهاية سيكون بيد البشر، والبشر ليسوا مثاليين في عالم غير مثالي. هذا ما ترفضه الأيديولوجيات التقدمية الحديثة، التي تنظر إلى الإنسان بنظرة تفاؤلية وتعتقد أن تحقيق الجنة على الأرض ممكن، بعكس الأيديولوجيات القديمة التي غالبًا ما كانت تنظر إلى الإنسان نظرة متشائمة ومتصالحة مع طبيعة الحياة.
👍8330💯12👏4👎3🔥2😁1
1
تشغل الرأي العام الفرنسي حاليًا قضيتان.
الأولى هي محاكمة رجل يدعى دومينيك بيليكو (67 سنة)، بدأت قضيته عام 2020 عندما قُبض عليه وهو يلتقط صورًا من تحت التنانير في أحد مراكز التسوق. أثناء تفتيش منزله والبحث في حاسوبه الشخصي عن صور أخرى متعلقة بهذه الهواية، اكتشفت الشرطة هواية أكثر انحرافًا: عشرات الفيديوهات التي تظهر زوجته وهي فاقدة للوعي أثناء مضاجعة رجال لها بحضور زوجها.
خلال عشر سنوات، كانت الزوجة تتعرض للاغتصاب دون أن تكون على علم أو تشعر بما يحدث، باستثناء بعض الصداع والتعب اللذين عجز الأطباء عن تفسيرهما. كان الزوج شديد الحرص على أدق التفاصيل، ويجيد التلاعب النفسي بها حتى لا تشعر بشيء. كان يتعرف على "الضيف" المناسب عبر الإنترنت، ثم يدعوه إلى البيت وفق بروتوكول محدد: يجب أن يركن سيارته بعيدًا عن المنزل، وألا يستخدم أي عطر، وأن ينسحب فورًا عند ظهور أدنى حركة من الزوجة. تمكنت الشرطة من الوصول إلى 51 متهمًا من أصل 90.

القضية الثانية تتعلق بتقديم بعض النساء شهادات عن تعرضهن للاعتداء الجنسي من قبل كاهن محبوب لدى الفرنسيين، سواء كانوا مسيحيين أو غير مسيحيين، ويدعى "آبي بيار"، الذي توفي عام 2007. وقد اعترف بابا الفاتيكان بأن الكنيسة كانت على علم بذلك منذ عام 1959 على الأقل، ووصف الأب بيار بأنه "خاطئ فظيع".

الغرض من ذكر هاتين القضيتين ليس إسعاد من يفرحون بكل ما يثبت الانحطاط الفرنسي أو الغربي، بل للوقوف عند نظرة المعاصرين إلى "الإنسان". هؤلاء يتصورون أن من يقدم على مثل هذه الأفعال هو بالضرورة "وحش" غير آدمي، وكأن ما فعله الزوج أو الكاهن فعل غير إنساني بطبيعته. هذا الأمر يعبر عن رغبة دائمة لدى المعاصرين في تبرئة الإنسانية من الشر (الإنسانوية) وغلق أي نقاش حول ذلك بوصف كل من يحيد بالوحش (لا تقلقوا، هذا وحش وليس إنسان)، في حين أن ما قاموا به فعل إنساني بحت ولا يتعارض مع الجوانب الخيرة لديهم.
هذه التناقضات تسبب ارتباكًا ذهنيًا لدى أبناء عصرهم الذين لا يستوعبون اجتماع ما يبدو لهم تناقضات أخلاقية في شخص واحد. بالنسبة لهم، الإنسان إما أن يكون شبه ملاك مع أخطاء بسيطة (حسب قاعدة "أنت حر ما لم تضر")، أو ملاكًا طاهرًا إذا كان ضحية، وما لم يكن أحدا منهما فهو "وحش" لا بد أن يقصى من الإنسانية. في حين أن السياق التقليدي وغير الحداثي يرى أن الشر أصيل في الإنسان مثله مثل الخير وربما أكثر منه، لأجل هذا يلح على وضع الحدود والقيود التي ينظر إليها أبناء عصرهم على أنها "المؤامرة" ومصدر الشر في الإنسان، فإذا حررنا الإنسان من هذه القيود فإنه سيبدع وسيحسن الاختيار حتما، فيتحول المجتمع إلى مجتمع مثالي، الأفراد فيه عقلاء وأحرار وتساوون كما هو في أذهانهم، ثم يصابون بالدهشة عندما يكتشفون أنهم قد حرروا الوحوش - والحماقة - أكثر من الملائكة، فتجدهم بعد ذلك يحاولون اكتشاف العجلة من جديد بأصعب الطرق.

ذلك الزوج كان شخصًا عاديًا جدًا، وزوجًا وأبًا مهتمًا بأسرته (في أغلب الوقت على الأقل)، بحيث لم يشك فيه حتى أقرب الناس إليه. ضيوفه أغلبهم أناس عاديون مثل الذين قد تصادفهم كل يوم، مهندسون، وصيادلة، وآباء. أما الأب بيار، فقد كرس حياته للأعمال الخيرية ومساعدة المشردين واللاجئين، وكأنه النسخة الفرنسية من الأم تيريزا (التي ظهرت لها أيضًا جوانب أخرى بعد موتها). ورمز الشر بالنسبة للمعاصرين كان فنانا مرهف الإحساس، محبا للموسيقى، ومعروفا بعطفه على الحيوانات، فهل كل هؤلاء هم وحوش أم هم بكل بساطة: بشر؟
👍7824👏7💯1
هل سمعت من قبل عن مقاتل يحارب من أجل الدفاع عن درعه؟
27👍14😁6👎2🔥2👌2💔1
1
منذ سنوات وروسيا تضغط على مالك تطبيق تلغرام، "بافل دوروف"، ليرفع السرية عن بيانات المستخدمين في تطبيقاته، لكن كل ما حققته لا يقارن بسرعة وفعالية الغرب (فرنسا) في إخضاع دوروف لضغوطه. وذلك على الرغم من أن روسيا تقدم دائمًا كبلد لا يكترث بالحريات ويستخدم طرقًا عنيفة ضد مواطنيه مثل التصفية الجسدية، مقابل الغرب، أرض الحريات واحترام الخصوصية.

ما يميز الدول الغربية والمتقدمة عمومًا عن غيرها ليس اتساع مجال الحريات لديها، بل قدرتها على تحقيق نفس أهداف غيرها (القمع) بشكل أكثر فعالية من خلال استخدام أقل قدر من العنف. فالدول لا تستخدم العنف كهواية سادية، بل كوسيلة لتحقيق أهدافها، وكلما احتاجت الدولة لاستخدام المزيد من العنف ولتشديد العقوبات، كان ذلك مؤشرًا على فقدانها السيطرة على مواطنيها. لذلك، فإن الدول المتقدمة لا تحتاج إلى العنف إلا في مجالات ضيقة، لأنها تسيطر بشكل كامل على حياة الأفراد من خلال التكنولوجيا، والتمدن على حساب الريف، والتحكم في الوسائل التعليمية والإعلامية والثقافية، والهندسة الاجتماعية. والأهم من ذلك كله هو دولة الرفاه الاقتصادي التي تجعل حياة الأفراد أكثر سهولة مقابل تقليص استقلاليتهم تجاه من يسيطر عليها. نجد هذا حتى في العلاقات الدولية، حيث تستخدم المعونات كأدوات هيمنة وابتزاز. المثال الأوضح على هذا هو الصين، التي تحولت خلال عقود قليلة من دولة تفرط في استخدام العنف إلى دولة رفاه تملك تكنولوجيا عالية تمكنها من التحكم في كل جوانب حياة المواطنين. يكفي أن تخصم بعض النقاط من الأفراد الذين لا يتصرفون وفقًا لما تريده حتى تردعهم، فمجرد حرمان أحدهم من ركوب القطارات، على سبيل المثال، كافٍ لتحويل حياته المدنية إلى جحيم دون الحاجة إلى دهسه بالدبابة كما كان يحدث في الماضي.

هذا لا يمنع وجود متمردين على المنظومة، لكنهم في الغالب مجرد ذئاب وحيدة ومنعزلة يمكن التحكم في مدى تأثيرها على الكتلة الرئيسية التي تُعطى من خلال الانتخابات وتعدد وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وحرية الاستهلاك والمتعة، إحساسًا بأنها كانت حرة في الاختيار، في حين أنها لم تختر سوى من بين ما هو متاح لها.
لمن يحب هذا النوع من التشبيهات، الأمر مثل دور الأب والأم. الأب أكثر قسوة وشدة في التعامل مع الابن، لكنه يترك دائما مسافة معه تتيح للابن أن يستقل بذاته، في حين أن الأم تغرق الابن بالرعاية والحنان، لكن هذا يرافقه تحكم تام بشؤون الابن إلى أدق التفاصيل.

قد يُقال: ما المشكلة في هذا؟ يا ليت العالم كله كذلك لنستمتع ونعيش حياة سهلة!

في الحقيقة، لا مشكلة في هذا، فما قلناه إلى الآن هو وصف لحال وليس حكم، لأن أغلب البشر لا يريدون سوى ذلك، ولا يتحدثون عن الحريات، بما في ذلك الحريات السياسية، إلا لأنهم يعتقدون أنها ستزيد من متعتهم ورفاهيتهم. أما الحرية كالتي تحدث عنها مثلا سيوران فهي ليست من بين خياراتهم: «حاول أن تكون حرًا وستموت جوعا»، ولن يتغير هذا أبدا إلا لدى من يتوهم أن الطبيعة البشرية قابلة للتغيير. ولو كان بمقدور كل دول العالم الحديثة، مهما كان توجهها الأيديولوجي، أن تتحكم في مواطنيها كما تفعل الدول المتقدمة، لما ترددت في ذلك للحظة، فهي لا تتمنى سوى ذلك. وسيكون مواطنوها أسعد الناس بها (بعض دول الخليج مثال على ذلك)، لكنها عاجزة اقتصاديًا وتكنولوجيًا عن تحقيق ذلك، فتجدها تستعمل قمع الفقراء: العنف.
المشكلة تكمن في تسمية الأشياء بغير مسمياتها، لأن مشكلة أغلب مدّعي الحريات ليست في القمع بغية سلب الإرادة، بل في وسائل القمع، هل هي عنيفة أم لا، ولأي غرض تُستخدم؟ في حين أن القمع يُعرف بنتائجه لا بوسائله.


« التقليص التدريجي للحرّيات لدى بعض الشعوب هو ناتج عن شيخوختها بنفس القدر عمّا هو ناتج عن النظم السياسية الديكتاتورية، على الرغم من بعض مظاهر التحلّل والإباحية التي قد توهم هذه الشعوب بامتلاك الحرية. هذا التقليص في الحريات يشكّل أحد الأعراض المنذرة بمجيء مرحلة الانحطاط، التي لم تستطع أي حضارة في العالم أن تنجو منها حتى الآن
— غوستاف لوبون.
68👍37🔥4👌4🤯3👏2💔1
مثل المنشار الكهربائي، إما أن تمسكه بيد واثقة أو تتركه، أما اليد المترددة فلن تقطع سوى أصابعها.
👍100👌108🔥3👎2
لماذا لم يفعلوا ذلك؟ لأنه يعني إمكانية دخول الحزب في الحرب الحقيقية، الأمر الذي لم يكن مناسبا لإسرائيل في ذلك الوقت بسبب معارك غزة. لهذا نقول أن الحزب ضيع على نفسه الوقت المناسب لدخول الحرب.
👍76🔥145👌4👎1
وقع حزب الله في خطأين قاتلين لأي حركة "مقاومة":

- ترك القرار النهائي بيد جهة أخرى، بغض النظر عن درجة قربها أو تحالفها، وفي حالة الحزب نتحدث عن إيران.
- تبني سلوك وتنظيم الجيوش النظامية، وهو الفخ الذي وقع فيه الحزب على ما يبدو بسبب الحرب السورية.
👍83🔥86👎5🤣3🥰2😍1
منذ 7 أكتوبر، لم يكن لدى تلك الدولة سوى هدف واحد، وهو استعادة صورة الردع أمام البعيد قبل القريب. الردع هو أهم ما تملكه هذه الدولة، لأنها، بخلاف كل دول العالم، لا تملك جذورًا ديموغرافية أو تاريخية على الأرض التي تقوم عليها سوى بعض القصص التوراتية البائدة. من أجل هذا، قامت بتسوية غزة بالأرض حرفيًا، لكن كل ما فعلته حتى الآن لاستعادة صورة الردع لا يُقارن بما حققته للأسف خلال بضعة أسابيع في لبنان. حالة النشوة لدى أولئك الناس والتطبيل في الإعلام الغربي ليس لها مثيل منذ 1967، خاصة من ناحية العمل الاستخباراتي الذي تضرر كثيرًا في 7 أكتوبر. ومثل حرب 67، يعود الفضل الأول في ذلك إلى صورة النمر من ورق للعدو (حزب الله) التي غذتها تلك الدولة قبل غيرها، لهذا تعشق خطاب الجعجعة وتدميرها، وهي سياسة يتبعها الغرب عموما الذي يميل دائما إلى المبالغة في قوة أعداءه من أجل ضمان أقصى حد من الحشد داخليا وتعظيم صورة النصر لاحقا، وهو فخ يقع فيه كثيرا خصوم الغرب الذين يتوهمون أحيانا القوة لديهم أكثر من اللازم، وكذلك بالنسبة لضعف الغرب. (منشور سابق تحدث عن هذا)
👍8026👏10🔥5😁1🤯1