مثال الدجاجة في المنشور السابق لم يأتِ من فراغ، بل استُلهم من مقطع قصير شاهدته البارحة. كان المقطع لمغربية تعيش في فرنسا، ومن الواضح جدًا أنها من أعماق الأرياف المغربية، لكنها متزوجة من مزارع فرنسي وتعيش معه في الريف.
في بيت هذه المرأة ديك، فأرادت ذبحه، فذهبت إلى زوجها وطلبت منه فعل ذلك، لكنه رفض واقشعر بدنه من الفكرة، فعادت وهي تضحك لتقوم بالواجب بنفسها.
المشهد غريب جدًا، ويعطي فكرة عن الأرياف الحديثة؛ فكيف لمزارع أن يخشى ذبح دجاجة؟ ليس لأنه نباتي - ولو كان كذلك لكانت المفارقة أكبر - بل لأنه لم يتعود على فعل ذلك ولا حتى مشاهدته. هذا "المزارع" لا علاقة له بالريف، فهو مجرد موظف كباقي الموظفين في المدن، وكان نصيبه من نظام تقسيم العمل أن يزرع ويحصد. حتى أن هناك من يميز بين الشخص الريفي والمزارع؛ فالريفي هو ذلك الإنسان الذي يعيش في الريف على نسق الريف، أما المزارع فهو من يعمل في الزراعة فقط ولا صلة له بالريف حتى وإن عمل فيه، مثل موظف في فندق خمس نجوم، صحيح أنه يعمل في مكان فخم، لكنه لا يعيش في فخامة.
هذا الحال لا يقتصر على الأرياف الأوروبية فقط، بل يشمل كذلك أغلب أريافنا التي هي الأخرى أصبحت مجرد امتداد سيئ للمدن، وكثير من أهلها يعيشون حياة المدن مع بعض أشجار التين والعنب، فتجد الواحد منهم يستيقظ صباحًا ليشتري علب الحليب والخبز من عند الخباز.
في بيت هذه المرأة ديك، فأرادت ذبحه، فذهبت إلى زوجها وطلبت منه فعل ذلك، لكنه رفض واقشعر بدنه من الفكرة، فعادت وهي تضحك لتقوم بالواجب بنفسها.
المشهد غريب جدًا، ويعطي فكرة عن الأرياف الحديثة؛ فكيف لمزارع أن يخشى ذبح دجاجة؟ ليس لأنه نباتي - ولو كان كذلك لكانت المفارقة أكبر - بل لأنه لم يتعود على فعل ذلك ولا حتى مشاهدته. هذا "المزارع" لا علاقة له بالريف، فهو مجرد موظف كباقي الموظفين في المدن، وكان نصيبه من نظام تقسيم العمل أن يزرع ويحصد. حتى أن هناك من يميز بين الشخص الريفي والمزارع؛ فالريفي هو ذلك الإنسان الذي يعيش في الريف على نسق الريف، أما المزارع فهو من يعمل في الزراعة فقط ولا صلة له بالريف حتى وإن عمل فيه، مثل موظف في فندق خمس نجوم، صحيح أنه يعمل في مكان فخم، لكنه لا يعيش في فخامة.
هذا الحال لا يقتصر على الأرياف الأوروبية فقط، بل يشمل كذلك أغلب أريافنا التي هي الأخرى أصبحت مجرد امتداد سيئ للمدن، وكثير من أهلها يعيشون حياة المدن مع بعض أشجار التين والعنب، فتجد الواحد منهم يستيقظ صباحًا ليشتري علب الحليب والخبز من عند الخباز.
👍66😁9❤🔥6👏6🔥2🤣2❤1
حسّ سليم
Photo
«يحب الشبان كل ما هو مهم وغريب بصرف النظر عن كونه حقيقيا أم مزيفا. أما العقول الناضجة فتحب في الحقيقة ما هو مهم وغريب. والذين بلغوا النضج الذهني يحبون الحقيقة حتى عندما تبدو بمظهر الشيء البسيط والساذج والذي يُضجر الإنسان العادي، لأنهم قد لاحظوا أن الحقيقة تقول أرقى ما تملك من محتوى عقلي في هيئة البساطة الساذجة.»
— نيتشه - إنساني مفرط في إنسانيته
تعليق:
كثير من أبناء عصر دمقرطة التعليم وطقوس قراءة الكتب يشعرون بالجزع إذا أحسوا أنهم يتفقون على فكرة مع عامة الناس لمجرد أنها سهلة وبسيطة الفهم، ليس لأنهم أصحاب حس نقدي كما يحبون تصور ذلك عن أنفسهم بل لأنهم لا يتقبلون فكرة ما إلا إذا قُدمت لهم في قالب معقد ومزخرف بالكثير من الرطانة، لأن ذلك هو ما يمنحهم نشوة توهم الذكاء والثقافة والتميز والتفوق. صواب الفكرة بالنسبة لهم مرتبط بمدى تعقيدها وبعدها عن البساطة، في حين أن تعقيد وبساطة الفكرة لا يعكسان حقيقتها، بل يعكسان ذكاء من قدمها. ولذلك، تكون الفكرة الخاطئة محظوظة إذا وقعت في يد شخص ذكي، حيث يستطيع تحويلها إلى فكرة ذكية تجذب حولها الكثير من "المتعلمين". وعلى العكس، تكون الفكرة الصحيحة سيئة الحظ إذا وقعت في يد شخص أحمق، حيث يمكنه أن يحولها إلى فكرة خاطئة وبغيضة، تماما كما ذكر ذلك نيتشه مرة أخرى في قوله: «يظل المرء وفيا لقضية، فقط لأن مناهضيها يمعنون في البقاء على بلادتهم».
— نيتشه - إنساني مفرط في إنسانيته
تعليق:
كثير من أبناء عصر دمقرطة التعليم وطقوس قراءة الكتب يشعرون بالجزع إذا أحسوا أنهم يتفقون على فكرة مع عامة الناس لمجرد أنها سهلة وبسيطة الفهم، ليس لأنهم أصحاب حس نقدي كما يحبون تصور ذلك عن أنفسهم بل لأنهم لا يتقبلون فكرة ما إلا إذا قُدمت لهم في قالب معقد ومزخرف بالكثير من الرطانة، لأن ذلك هو ما يمنحهم نشوة توهم الذكاء والثقافة والتميز والتفوق. صواب الفكرة بالنسبة لهم مرتبط بمدى تعقيدها وبعدها عن البساطة، في حين أن تعقيد وبساطة الفكرة لا يعكسان حقيقتها، بل يعكسان ذكاء من قدمها. ولذلك، تكون الفكرة الخاطئة محظوظة إذا وقعت في يد شخص ذكي، حيث يستطيع تحويلها إلى فكرة ذكية تجذب حولها الكثير من "المتعلمين". وعلى العكس، تكون الفكرة الصحيحة سيئة الحظ إذا وقعت في يد شخص أحمق، حيث يمكنه أن يحولها إلى فكرة خاطئة وبغيضة، تماما كما ذكر ذلك نيتشه مرة أخرى في قوله: «يظل المرء وفيا لقضية، فقط لأن مناهضيها يمعنون في البقاء على بلادتهم».
❤77👍29👏8
حسّ سليم
Photo
كانت البارحة ذكرى هجمات الشمال القسنطيني في الجزائر في 20 أغسطس 1955. في هذا اليوم، نظم جيش التحرير في الولاية الثانية، بمشاركة "الأهالي" المسلحين بالعصي والفؤوس، هجوماً على نقاط عديدة تابعة للجيش الفرنسي والمعمرين في الشمال القسنطيني، المعروف حالياً بولاية سكيكدة. كانت الحصيلة حوالي 170 قتيلاً فرنسياً بين جندي ومعمر، بالإضافة إلى بعض المتعاونين معهم. في اليوم التالي، بدأ الجيش الفرنسي رفقة ميليشيات المعمرين هجوماً "انتقامياً" من خلال قصف القرى عشوائياً وتنفيذ إعدامات ميدانية، خاصة في ملعب المدينة حيث أعدم حوالي 5,000 شخص بين رجال وأطفال وشيوخ ونساء. وصلت حصيلة الضحايا بعد بضعة أيام إلى 12,000 قتيل جزائري، ما يعادل تقريباً 5% من سكان المنطقة الذين كان عددهم حوالي 250,000 نسمة آنذاك.
لماذا أقدم جيش التحرير على هذه الخطوة؟
منذ بداية حرب التحرير في 1954، كان مركز الحرب الأساسي في منطقة جبال الأوراس، أو ما كان يعرف إدارياً في ذلك الوقت بالولاية الأولى. لهذا، كانت فرنسا تعتقد أنه بوضع كل جهدها في الولاية الأولى، ستقضي على جيش التحرير وقضيته بالكامل. بالفعل، قامت فرنسا بفرض حصار شديد على المنطقة وخنقها عسكرياً بالكامل، مما دفع زيغود يوسف، قائد الولاية الثانية، ورفاقه إلى التفكير في شن هجوم واسع على الفرنسيين، لإجبارهم على تخفيف الضغط على الأوراس. وقد تحقق بالفعل ما أرادوه من هذا الهجوم، الذي أصبح بفضل نتائجه أهم حدث في حرب التحرير التي دامت خمس سنوات أخرى. كان هذا الهجوم سبباً في توسعة رقعة الحرب لتشمل كل البلاد، واعتبر اللحظة التي شارك فيها عامة الشعب لأول مرة، كما ساهم في تدويل قضية الحرب، لتصل إلى الأمم المتحدة. ويرى البعض أن هذه اللحظة كانت هي التي جعلت الكثير داخل النظام الفرنسي يقتنعون بأن فكرة الاندماج لن تتحقق، أو كما وصفها الجنرال ديغول لاحقاً: "الزيت والخل لا يمكن أن يختلطا".
لماذا أقدم جيش التحرير على هذه الخطوة؟
منذ بداية حرب التحرير في 1954، كان مركز الحرب الأساسي في منطقة جبال الأوراس، أو ما كان يعرف إدارياً في ذلك الوقت بالولاية الأولى. لهذا، كانت فرنسا تعتقد أنه بوضع كل جهدها في الولاية الأولى، ستقضي على جيش التحرير وقضيته بالكامل. بالفعل، قامت فرنسا بفرض حصار شديد على المنطقة وخنقها عسكرياً بالكامل، مما دفع زيغود يوسف، قائد الولاية الثانية، ورفاقه إلى التفكير في شن هجوم واسع على الفرنسيين، لإجبارهم على تخفيف الضغط على الأوراس. وقد تحقق بالفعل ما أرادوه من هذا الهجوم، الذي أصبح بفضل نتائجه أهم حدث في حرب التحرير التي دامت خمس سنوات أخرى. كان هذا الهجوم سبباً في توسعة رقعة الحرب لتشمل كل البلاد، واعتبر اللحظة التي شارك فيها عامة الشعب لأول مرة، كما ساهم في تدويل قضية الحرب، لتصل إلى الأمم المتحدة. ويرى البعض أن هذه اللحظة كانت هي التي جعلت الكثير داخل النظام الفرنسي يقتنعون بأن فكرة الاندماج لن تتحقق، أو كما وصفها الجنرال ديغول لاحقاً: "الزيت والخل لا يمكن أن يختلطا".
❤42👍18🔥3👌2
بمناسبة الحديث عن حرب التحرير الجزائرية، هناك بعض من اليسار التنويري العربي من لديه مشكلة مع هذه الحرب، ويعبرون عن ذلك صراحة بدعوى أن الخسائر البشرية الفادحة لم تكن تستحق العناء. بالطبع، هؤلاء ليسوا جزائريين، فالتنويري الجزائري لا يجرؤ على التصريح بهذا حتى وإن كان يضمره ويُلمِّح إليه من بعيد خوفاً من ردة فعل الدولة والناس التي ستكون قاسية. ومع ذلك، يُحسب لهذا اليسار التنويري المعارض للحرب أنه متسق مع أفكاره، فهو كشخص لا يرى أي فرق أيديولوجي بينه وبين فرنسا. بالنسبة له، الاحتلال الفرنسي هو في أسوأ الأحوال مجرد نظام مستبد وغير عادل، وبالتالي كان ينبغي على الجزائريين تنظيم حراك سياسي للمطالبة بحقوقهم كمواطنين ضمن الإطار الأيديولوجي لفرنسا. المشكلة أن مثل هذا الحراك وُجد لفترة معينة وفشل، لأن فرنسا كانت قد منحت الجزائريين بالفعل حق اكتساب المواطنة الكاملة مقابل التخلي عن الحالة المدنية الإسلامية والمحاكم القرآنية أي التخلي ما كان يعرف بوضعية "فرنسي مسلم"، التي كانت تعتبر مواطنة من درجة ثانية. باختصار، كان يجب على الجزائريين التوقف عن كونهم مسلمين ليصبحوا مواطنين فرنسيين بكامل الحقوق، وهذا ما كان مرفوضاً بالطبع، وتحمل الناس بسببه الجوع والفقر. ولهذا، فإن الأمر لا يُطاق بالنسبة للتنويري العربي لأنه يعني أن الخلاف كان خلافاً دينياً وأيديولوجياً ضد فرنسا وضده هو أيضاً بحكم أنه أيديولوجياً فرنسي، ويتضح هذا في بيان إعلان بداية حرب التحرير الذي يعرف باسم بيان أول نوفمبر الذي عبر صراحة عن الغاية وهي "إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية" لم يكن خلاف الجزائريين وقادة جيش التحرير مع فرنسا يتمحور حول الجمهورية أو الديموقراطية أو الاجتماعية لأن فرنسا كانت كذلك، خلافهم الوحيد معها كان حول الهوية الإسلامية حتى بالنسبة لكثير من قادة جيش التحرير الذين كانوا شيوعيين أو علمانيين لأن هوية شعب كانت تفرض ذلك ودونها لا معنى للنضال من أجل الإستقلال.
إلى اليوم، ما يزال هذا الجدل قائماً كما هو في فرنسا، بين تيار L’assimilation (الانصهار) الذي يرى أنه لا يكفي أن يلتزم المسلمون في فرنسا بشروط المواطنة أي احترام القانون، بل ينبغي الذوبان كلياً في الثقافة الفرنسية، مقابل تيار l’intégration (الاستيعاب) الذي يرى أن على المهاجرين احترام شروط المواطنة فقط والانخراط في الحياة اليومية من دراسة وعمل كبقية الفرنسيين دون الحاجة لترك ثقافاتهم المختلفة، ولا حاجة لأن نقول أي التيارات هو الأقوى.
إلى اليوم، ما يزال هذا الجدل قائماً كما هو في فرنسا، بين تيار L’assimilation (الانصهار) الذي يرى أنه لا يكفي أن يلتزم المسلمون في فرنسا بشروط المواطنة أي احترام القانون، بل ينبغي الذوبان كلياً في الثقافة الفرنسية، مقابل تيار l’intégration (الاستيعاب) الذي يرى أن على المهاجرين احترام شروط المواطنة فقط والانخراط في الحياة اليومية من دراسة وعمل كبقية الفرنسيين دون الحاجة لترك ثقافاتهم المختلفة، ولا حاجة لأن نقول أي التيارات هو الأقوى.
❤47👍21👌6🔥2
حسّ سليم
Photo
الشافعي قال: «ليس العاقل الذي يدفع بين الخير والشر فيختار الخير، ولكن العاقل الذي يدفع بين الشرين فيختار أيسرهما»
انتقاد ظاهرة أو نظام معين وذكر سلبياته ليس بالضرورة دعوة للتخلي عنه جماعيًا. في بعض الأحيان، قد يؤدي التخلي عن نظام ما نعتبره سيئًا إلى حالة أكثر سوءًا في ظروف معينة. لذا، لا بد من التعايش مع بعض الأشكال من الشر لتجنب ما هو أشر منها. على سبيل المثال، يمكنك من باب محاولة فهم العالم أو إيجاد حل فردي أو ضمن نطاق ضيق أن تنتقد كما تشاء المجتمع الصناعي أو الدولة الحديثة (الدولة الوطنية) أو العمل المكثف للنساء بناءً على تأثيراتهم السلبية على المجتمع، لكن هذا لا يعني أبدًا أن تجاوزهم في الظروف الحالية هو أفضل حل أو حتى أن ذلك خيار ممكن في الواقع بسبب عدم وجود الظروف التي تسمح بذلك اجتماعيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا.
نتحدث هنا عن ورطة لا مكان فيها للنظريات المثالية، الأمر شبيه بكرة ثلج بدأت تتدحرج من أعلى الجبل وفات وقت إيقافها، ولا يسعك إلا انتظار ارتطامها بالوادي. يمكنك أن تخفف من شدة الصدمة لو كنت تملك الوسائل والوعي كفرد لفعل ذلك من أجل نفسك ومحيطك أو للمجتمع بالنسبة للحكومة، لكن لا يمكنك أبدًا إيقاف ما يجب أن يكون بعصا سحرية أو من خلال التنظير للبدائل، لأن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في اقتراح البدائل النظرية، فالتنظير هو أسهل شيء، والبشر بارعون جدًا في تصور نماذج مثالية. وإنما التحدي يكمن في تهيئة الظروف الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية والدولية التي تجعل البديل ممكنًا وقابلاً للحياة، وما هو موجود صعبًا ويتعسر الدفاع عنه. عندها فقط يمكنك إحداث التغيير الذي تريده أو قد يأتي التغيير بنفسه دون أن تطلبه. على سبيل المثال، انتهاء عصر الاستعمار لم يحدث نتيجة التنظير فقط، بل كان كذلك نتيجة لتغيرات جيوسياسية وأيديولوجية وحتى تقنية جعلت ذلك النظام غير قابل للاستمرار ومكلفًا لأصحابه.
إذا نظرنا إلى مثال التخلي عن المجتمع الصناعي (التصنيع) أو السعي نحوه، سنجد أنه يعني ضمنيًا الرضا بهيمنة القوى الأخرى عليك من الناحية العسكرية والاقتصادية، إذ إن القوة الصناعية هي أحد مصادر النفوذ الرئيسية على الساحة العالمية. وبالتالي، لا مجال للتخلي عن المجتمع الصناعي والتخلي عن السعي نحوه إلا إذا تخلى العالم كله عنه، سواءً باختياره – وهذا تقريبًا مستحيل – أو مكرها بسبب نفاد الموارد الضرورية له. وبالمثل، هدم الدولة الحديثة/الوطنية والأسس التي تقوم عليها، من مفهوم المواطنة بدل الرعايا، والولاء للدولة بدل الولاء للحكام، ومفهوم الحدود المعترف بها دوليًا، والمؤسسات البيروقراطية الضخمة، واحتكار العنف المنظم،... إلخ، يمكن أن يؤدي إلى حالة من الفوضى والانكشاف أمام قوى أخرى أكثر تنظيمًا. وبالتالي، هنا أيضًا يحتاج الأمر إلى تخلي العالم كله عن هذا النموذج ليكون البديل ممكنًا. كذلك، محاولة إيقاف عمل النساء المكثف فجأة دون إعادة ترميم مسبقة للنسيج الاجتماعي والعائلي القديم الذي كان يحمي المرأة (المرأة مساهم رئيسي في تمزق هذا النسيج، فلا داعي للعب دور الضحية) سيؤدي إلى أزمات اجتماعية لا حصر لها في أغلب الدول التي تورطت في هذه الحلقة المفرغة التي يصعب الخروج منها.
على الجانب الآخر، كثير من الأحلام الوردية لدى الليبراليين واليساريين العرب ومن حولهم ستبقى حبيسة مقالاتهم ورواياتهم، لأن الحد الأدنى من شروطها هو توفر قدر غير موجود ويصعب تحقيقه من الرخاء الاقتصادي، الذي بعده فقط يمكنهم العمل على تحقيق التغيير الأيديولوجي والاجتماعي الذي يرغبون فيه. فلا يمكنهم، مثلا، تحقيق ذلك النموذج الفرداني الذي يتصورونه في ظل غياب دولة رفاه قوية اقتصاديًا وقادرة على منح الفرد إمكانية التخلي عن محيطه العائلي والاجتماعي. وبالتالي، باستثناء بعض الفئات البورجوازية التي تملك ثمن الفردانية، فإن أغلب الناس غير مستعدة للتخلي عن بقايا نسيجها الاجتماعي، وهذا الذي يسبب لليبراليين العرب الكثير من الإحباط ويجعلهم يقولون: "هذه المجتمعات غير قابلة للإصلاح"، من وجهة نظرهم طبعا.
في الماضي، كان بإمكان الأمم أن تعيش في عزلة نسبية، مما أتاح للمجتمعات والحكومات مجالًا واسعًا لتحديد كيفية العيش وفق قواعدها الخاصة. لهذا، كان يوجد تنوع ثقافي كبير جدًا بالمقارنة مع الحاضر الذي انحسرت فيه كثيرًا الفروق الثقافية، رغم ادعاء المعاصرين أن هدفهم هو حمايتها، لأننا نعيش اليوم في عالم معولم ومترابط بشكل غير مسبوق، حيث حتى أقوى الدول ستجد صعوبة بالغة في الانعزال عن غيرها لو أرادت ذلك بسبب التداخل الشديد في المصالح الاقتصادية والسياسية والتأثيرات الأيديولوجية العابرة للحدود.
هذا لا يعني أنه لا يمكن فعل شيء مطلقًا، بل لا يمكن فعل كل شيء. أما الذين لا يستوعبون هذا من المثاليين والثوريين الذين يطمحون للحصول على كل شيء فورًا، فكعادتهم سيحصلون على لا شيء فورًا.
انتقاد ظاهرة أو نظام معين وذكر سلبياته ليس بالضرورة دعوة للتخلي عنه جماعيًا. في بعض الأحيان، قد يؤدي التخلي عن نظام ما نعتبره سيئًا إلى حالة أكثر سوءًا في ظروف معينة. لذا، لا بد من التعايش مع بعض الأشكال من الشر لتجنب ما هو أشر منها. على سبيل المثال، يمكنك من باب محاولة فهم العالم أو إيجاد حل فردي أو ضمن نطاق ضيق أن تنتقد كما تشاء المجتمع الصناعي أو الدولة الحديثة (الدولة الوطنية) أو العمل المكثف للنساء بناءً على تأثيراتهم السلبية على المجتمع، لكن هذا لا يعني أبدًا أن تجاوزهم في الظروف الحالية هو أفضل حل أو حتى أن ذلك خيار ممكن في الواقع بسبب عدم وجود الظروف التي تسمح بذلك اجتماعيًا واقتصاديًا وجيوسياسيًا.
نتحدث هنا عن ورطة لا مكان فيها للنظريات المثالية، الأمر شبيه بكرة ثلج بدأت تتدحرج من أعلى الجبل وفات وقت إيقافها، ولا يسعك إلا انتظار ارتطامها بالوادي. يمكنك أن تخفف من شدة الصدمة لو كنت تملك الوسائل والوعي كفرد لفعل ذلك من أجل نفسك ومحيطك أو للمجتمع بالنسبة للحكومة، لكن لا يمكنك أبدًا إيقاف ما يجب أن يكون بعصا سحرية أو من خلال التنظير للبدائل، لأن التحدي الحقيقي لم يكن يومًا في اقتراح البدائل النظرية، فالتنظير هو أسهل شيء، والبشر بارعون جدًا في تصور نماذج مثالية. وإنما التحدي يكمن في تهيئة الظروف الأيديولوجية والاقتصادية والاجتماعية والدولية التي تجعل البديل ممكنًا وقابلاً للحياة، وما هو موجود صعبًا ويتعسر الدفاع عنه. عندها فقط يمكنك إحداث التغيير الذي تريده أو قد يأتي التغيير بنفسه دون أن تطلبه. على سبيل المثال، انتهاء عصر الاستعمار لم يحدث نتيجة التنظير فقط، بل كان كذلك نتيجة لتغيرات جيوسياسية وأيديولوجية وحتى تقنية جعلت ذلك النظام غير قابل للاستمرار ومكلفًا لأصحابه.
إذا نظرنا إلى مثال التخلي عن المجتمع الصناعي (التصنيع) أو السعي نحوه، سنجد أنه يعني ضمنيًا الرضا بهيمنة القوى الأخرى عليك من الناحية العسكرية والاقتصادية، إذ إن القوة الصناعية هي أحد مصادر النفوذ الرئيسية على الساحة العالمية. وبالتالي، لا مجال للتخلي عن المجتمع الصناعي والتخلي عن السعي نحوه إلا إذا تخلى العالم كله عنه، سواءً باختياره – وهذا تقريبًا مستحيل – أو مكرها بسبب نفاد الموارد الضرورية له. وبالمثل، هدم الدولة الحديثة/الوطنية والأسس التي تقوم عليها، من مفهوم المواطنة بدل الرعايا، والولاء للدولة بدل الولاء للحكام، ومفهوم الحدود المعترف بها دوليًا، والمؤسسات البيروقراطية الضخمة، واحتكار العنف المنظم،... إلخ، يمكن أن يؤدي إلى حالة من الفوضى والانكشاف أمام قوى أخرى أكثر تنظيمًا. وبالتالي، هنا أيضًا يحتاج الأمر إلى تخلي العالم كله عن هذا النموذج ليكون البديل ممكنًا. كذلك، محاولة إيقاف عمل النساء المكثف فجأة دون إعادة ترميم مسبقة للنسيج الاجتماعي والعائلي القديم الذي كان يحمي المرأة (المرأة مساهم رئيسي في تمزق هذا النسيج، فلا داعي للعب دور الضحية) سيؤدي إلى أزمات اجتماعية لا حصر لها في أغلب الدول التي تورطت في هذه الحلقة المفرغة التي يصعب الخروج منها.
على الجانب الآخر، كثير من الأحلام الوردية لدى الليبراليين واليساريين العرب ومن حولهم ستبقى حبيسة مقالاتهم ورواياتهم، لأن الحد الأدنى من شروطها هو توفر قدر غير موجود ويصعب تحقيقه من الرخاء الاقتصادي، الذي بعده فقط يمكنهم العمل على تحقيق التغيير الأيديولوجي والاجتماعي الذي يرغبون فيه. فلا يمكنهم، مثلا، تحقيق ذلك النموذج الفرداني الذي يتصورونه في ظل غياب دولة رفاه قوية اقتصاديًا وقادرة على منح الفرد إمكانية التخلي عن محيطه العائلي والاجتماعي. وبالتالي، باستثناء بعض الفئات البورجوازية التي تملك ثمن الفردانية، فإن أغلب الناس غير مستعدة للتخلي عن بقايا نسيجها الاجتماعي، وهذا الذي يسبب لليبراليين العرب الكثير من الإحباط ويجعلهم يقولون: "هذه المجتمعات غير قابلة للإصلاح"، من وجهة نظرهم طبعا.
في الماضي، كان بإمكان الأمم أن تعيش في عزلة نسبية، مما أتاح للمجتمعات والحكومات مجالًا واسعًا لتحديد كيفية العيش وفق قواعدها الخاصة. لهذا، كان يوجد تنوع ثقافي كبير جدًا بالمقارنة مع الحاضر الذي انحسرت فيه كثيرًا الفروق الثقافية، رغم ادعاء المعاصرين أن هدفهم هو حمايتها، لأننا نعيش اليوم في عالم معولم ومترابط بشكل غير مسبوق، حيث حتى أقوى الدول ستجد صعوبة بالغة في الانعزال عن غيرها لو أرادت ذلك بسبب التداخل الشديد في المصالح الاقتصادية والسياسية والتأثيرات الأيديولوجية العابرة للحدود.
هذا لا يعني أنه لا يمكن فعل شيء مطلقًا، بل لا يمكن فعل كل شيء. أما الذين لا يستوعبون هذا من المثاليين والثوريين الذين يطمحون للحصول على كل شيء فورًا، فكعادتهم سيحصلون على لا شيء فورًا.
👏44👍33❤18👌3😍3🔥1
حسّ سليم
Photo
«الأحمق يصرخ بأننا ننكر المشكلة عندما نظهر له مدى تهافت حلوله المفضلة»
— نيكولاس غوميز دافيلا
— نيكولاس غوميز دافيلا
👍30💯11👌6❤5😁2👏1
«لا تتكيفوا، هذه هي حسب رأيي العلامة الحقيقية للأرواح القوية؛ أو بالأحرى لا تتكيفوا إلا بأقل قدر ممكن، لأننا دائمًا نقبل عصرنا بطريقة ما بما أننا نعيش فيه. ولكن بمجرد تقديم هذا العربون، لدينا شيء آخر يجب القيام به غير التنازل عما نحن عليه بحجة أن معظم معاصرينا ليسوا كذلك. الدليل الحقيقي على قوتنا هو زرع أنفسنا في هذا العصر بمفاهيمنا وأذواقنا وتفضيلاتنا. لأننا بعد ذلك سنصبح نحن أيضًا إحدى حقائق الحاضر. من خلال حفاظنا على نمط معين من التفكير والشعور والعيش، فإننا سنحمله إلى المستقبل.»
― هابيل بونرد
― هابيل بونرد
❤63👍13🔥6👌3👏1😁1
حسّ سليم
Photo
يعتقد السعوديون وكثير غيرهم أن فيلم "حياة الماعز" هو حملة لتشويه صورة السعودية من قبل الهنود، والأمر على الأرجح ليس كذلك. يجب النظر إليه من زاوية السياسة الداخلية والبروباغندا في الهند التي يتبعها حزب مودي. بمعنى أن المستهدف بالفيلم هم في الأساس المسلمون في الهند وليس السعودية بالذات، أي أن السعودية مجرد "خسائر جانبية" في هذا السياق. نفس الدعاية الإعلامية تجدها في أوروبا لدى أقصى اليمين واليسار اللائكي، حيث تستهدف دولة ما، مثل أفغانستان، بطريقة تجعلك تتساءل: "ما شأنك أنت كيمين يدّعي الاهتمام بالوطن فقط لتقوم بدعاية يسارية عن أفغانستان أو إيران؟" الجواب ببساطة هو أن المستهدف هم المسلمون في أوروبا.
لكن إذا كان السعوديون يبحثون عن سبب حقيقي للغضب والمقاطعة بغية استعادة الكرامة السعودية، فعندي لهم ما هو أفضل من الهند (من باب زرع الفتنة).
منذ أيام، عرضت قناة فرنسية تحقيقًا صحفيًا عن الممارسات العنصرية في المطاعم الفرنسية الفاخرة. وحسب إحدى الموظفات في أحد المطاعم – لم يُذكر اسمه بشكل صريح – فإن الإدارة تقدم تعليمات للموظفين بعدم استقبال المحجبات والسود (ما لم يكن برفقتهم بيض) والقبيحين (باستثناء إذا كان يظهر عليهم مظاهر الثراء) والبدناء (بحد أقصى شخص بدين واحد في الصالة)، بالإضافة للسعوديين. حسب هذه الموظفة، فإنه يتم رفض ما معدله 50 سعوديًا في اليوم.
قد يتغاضى البعض عن كل هذا لأي سبب كان، لكن الأهم من كل ذلك – بحسب نفس الموظفة دائمًا – أن هذا المطعم الفاخر قام منذ فترة قصيرة بافتتاح "Pop-up" في السعودية. وحسب تعليقات الفرنسيين، فهو على الأرجح مطعم "Ducasse" الذي افتتح فعلاً "Pop-up" في محافظة العلا قبل بضعة أشهر، لكن يبقى هناك إحتمال أن لا يكون هو المطعم المقصود. والله يجازينا على فعل الخير.
لكن إذا كان السعوديون يبحثون عن سبب حقيقي للغضب والمقاطعة بغية استعادة الكرامة السعودية، فعندي لهم ما هو أفضل من الهند (من باب زرع الفتنة).
منذ أيام، عرضت قناة فرنسية تحقيقًا صحفيًا عن الممارسات العنصرية في المطاعم الفرنسية الفاخرة. وحسب إحدى الموظفات في أحد المطاعم – لم يُذكر اسمه بشكل صريح – فإن الإدارة تقدم تعليمات للموظفين بعدم استقبال المحجبات والسود (ما لم يكن برفقتهم بيض) والقبيحين (باستثناء إذا كان يظهر عليهم مظاهر الثراء) والبدناء (بحد أقصى شخص بدين واحد في الصالة)، بالإضافة للسعوديين. حسب هذه الموظفة، فإنه يتم رفض ما معدله 50 سعوديًا في اليوم.
قد يتغاضى البعض عن كل هذا لأي سبب كان، لكن الأهم من كل ذلك – بحسب نفس الموظفة دائمًا – أن هذا المطعم الفاخر قام منذ فترة قصيرة بافتتاح "Pop-up" في السعودية. وحسب تعليقات الفرنسيين، فهو على الأرجح مطعم "Ducasse" الذي افتتح فعلاً "Pop-up" في محافظة العلا قبل بضعة أشهر، لكن يبقى هناك إحتمال أن لا يكون هو المطعم المقصود. والله يجازينا على فعل الخير.
😁111🔥17👍15❤14👏8👌5🤨1
حسّ سليم
Photo
يجب الاعتراف بأن الإمبراطورية والدول الحالية أكثر ذكاءً وفعالية من الإمبراطوريات والدول القديمة. في الماضي، كانت هذه الإمبراطوريات تُرهق نفسها في جمع الموارد التي تحتاجها من المناطق الخاضعة لسيطرتها، وغالبًا ما كانت تلجأ إلى استخدام القوة بشكل متكرر لتأديب من يعارض سلطتها. أما الإمبراطورية الحالية، فلديها طريقتها خاصة لإعادة إنتاج هذه الظاهرة (كما تفعل مع ظواهر أخرى).
بدلًا من أن تأخذ من الآخرين شيئًا ذا قيمة يرغبون في الاحتفاظ به، مما قد يثير لديهم مقاومة وممانعة، تتبع الإمبراطورية الحالية نهجًا مناقضا تماما. فهي تقدم لهم شيئًا تحتكره لا قيمة له تذكر في حد ذاته، لكن ميزته أن التجارة الدولية بحاجة إليه كوحدة قياس، مما يجعل الدول والأفراد، بما في في ذلك المناهضون لسلطتها، يتنافسون على الحصول عليه، الأمر الذي يجعله الثروة "الطبيعية" الأكثرة أهمية والأقل كلفة في التاريخ: الدولار.
بدلًا من أن تأخذ من الآخرين شيئًا ذا قيمة يرغبون في الاحتفاظ به، مما قد يثير لديهم مقاومة وممانعة، تتبع الإمبراطورية الحالية نهجًا مناقضا تماما. فهي تقدم لهم شيئًا تحتكره لا قيمة له تذكر في حد ذاته، لكن ميزته أن التجارة الدولية بحاجة إليه كوحدة قياس، مما يجعل الدول والأفراد، بما في في ذلك المناهضون لسلطتها، يتنافسون على الحصول عليه، الأمر الذي يجعله الثروة "الطبيعية" الأكثرة أهمية والأقل كلفة في التاريخ: الدولار.
👍69💯15🔥5❤1
من السهل أن تكون ملحدًا أو أن تجد ملحدين، لكن التحدي هو أن تكون لادينيًا أو أن تجد لادينيين.
👍32❤8👌2
حسّ سليم
Photo
من الأمثلة الأخرى على تركيز المعاصرين على الجوانب السطحية للمفاهيم والأشياء دون النظر إلى الجوهر، الأمر الذي يسمح لهم بإعادة إنتاج بعض المفاهيم والهياكل القديمة ضمن قالب جديد ثم الادعاء بأنهم أتوا بما لم يسبقهم إليه أحد، هو تصور بعضهم أنهم لادينيون، وأن الأديان تقف في ضفة (ضفة الخرافات والأوهام) وهم في الضفة الأخرى (ضفة العلم والحقائق). وحتى "المتدينين" من المعاصرين لا يختلفون كثيرًا عنهم، حيث يعتقدون أن من يزعمون أنهم لادينيون هم كذلك فعلاً.
بالنسبة للمعاصرين، الذين هم أصحاب ثقافة معينة نشأت في بيئة معينة، المرجعية الأساسية لمعرفة ما هو الديني من غير الديني هي المسيحية. فالمسيحية هي المقياس الذي يحدد من خلاله المعاصرون ما هو ديني حتى بالنسبة للأديان الأخرى المعترف بها كأديان. لذا، ليس من الغريب أن تجد أحدهم يصف جوانب معينة في الإسلام أو اليهودية بأنها غير دينية. تقريبًا كل ما يتجاوز المسيحية يُعتبر خروجًا عن مفهوم الدين في نظرهم، إلى درجة قد تجعلك تتوقع منهم اشتراط صلب أحدهم. بالنسبة لهم، الحد الأقصى للدين هو باختصار الإيمان بإله/آلهة والعالم الآخر وطقوس العبادة والمعبد، وكل ما يزيد عن هذا هو خارج الدين.
ما هو الدين إذن؟
من السهل معرفة جوهر كل دين على حدة، فمثلاً من جوهر الإسلام التوحيد، ومن جوهر المسيحية الإيمان بالفداء، لكن الحديث عن جوهر "الدين" هو أمر آخر. نحن نحتاج للنظر إلى المشترك في كل الأديان، وهذا ما يتجلى في تعريف مصدر كلمة "Religion" المشتقة من الكلمة اللاتينية "religio" وفعلها "religare" الذي يعني "يربط" أي ما يربط الإنسان بالمقدس أو ما يربط الناس ببعضهم البعض. لذا لا يمكن لفرد أن يكون له دين خاص به، فالدين بطبيعته ممارسة جماعية، في المقابل يمكن أن يكون للفرد إيمان خاص به.
إذن، كل ما يربط مجموعة بشرية ما، سواء اجتمعت على أرض واحدة أو تفرقت، حول نظرة معينة للحياة والوجود، هو دين. لكن هذا هو أيضًا تعريف الأيديولوجيا.. فما هو الفرق بينهما؟
لا يمكننا فهم الفرق بين الأيديولوجيا والدين إلا من خلال فهم السياق الذي ظهر فيه مصطلح "أيديولوجيا"، وهو السياق الأوروبي الذي يعتبر المسيحية هي المقياس لما هو ديني. المسيحية ديانة لا صلة لها بالعالم والحياة، ولا تقول شيئًا عنهما، وكل ما يتعلق بالحياة والعالم هو بالنسبة لها علمانية. إلى درجة أن رجال الدين الذين كانوا يحتكون بالناس يعتبرون رجال دين علمانيين (Secular clergy) مقابل رجال الدين الذين يعيشون حياة دينية خالصة (Regular clergy). ومن هنا ظهرت الحاجة لديهم لصك مصطلح "أيديولوجيا" لوصف التصور العلماني للحياة. وكل ما يتجاوز المعيار المسيحي في أي دين هو علماني، وبالتالي يصح وصفه بالأيديولوجيا.
ولأن الأيديولوجيات تبدو دائمًا كنوع علماني من الدين أو كما تعرف بالأديان العلمانية (Secular religions)، والمعاصرون لديهم حساسية من الدين أو مما يقترب منه، فإنك تجد صاحب كل أيديولوجيا معاصرة يصف ما لدى الآخرين بالأيديولوجيا وبأنها أديان علمانية، لكنه يرفض مطلقًا أن يصف تصوراته هو بالأيديولوجيا لأن ذلك بالنسبة له يرفع عنها صفة العلمية والحياد، وبالتالي تصبح بلا معنى. فالليبرالي مثلاً لا يستطيع أن يعترف بأن قيمه الليبرالية هي قيم أيديولوجية، لأنها بالنسبة له مثل القوانين الرياضية، والعلموي كذلك لا يعترف بأدلجلته لظنه أنه الممثل الشخصي للعلم على الأرض لحل كل المشاكل، والشيوعي يعتقد أن المجتمع الشيوعي هو الأصل والطبيعي لدى البشر، والنسوية تعتقد أن المساواة بين الجنسين أمر بديهي، وصاحب حقوق الإنسان يظنها نزلت مدونة على الألواح في طور سيناء، والتقدمي يعتقد أن فردوس الأرض حتمية تاريخية (كل هذه الأيديولوجيات تتقاطع مع بعضها البعض وتشكل كتلة أيديولوجية واحدة).
في حالة واحدة تجد كثيرا من المعاصرين يتعاملون نوعًا ما مع الأديان بشكل خارج عن التصور المسيحي؛ إذا تعلق الأمر بأديان من حضارات بعيدة مثل أديان شرق آسيا التي لا نجد في كثير منها أو بعض مذاهبها شيئًا عن إله/آلهة أو عالم آخر أو طقوس عبادة، بل نجد فقط معلمًا أول وطقوس تأمل مع بعض التعاليم الخاصة بالحياة، وهذا ما يجعل البعض يفضل وصفها بالفلسفات الشرقية لأنها علمانية صرفة ولا تتطابق مع التصور المسيحي للدين.
«في معظم الأديان، المناقشات حول الإيمان غير مهمة. كان الإيمان غير ذي صلة بالدين الوثني، ولا يزال غير مهم في ديانات الهند والصين. عندما يعلنون أنهم غير مؤمنين، فإن الملحدين يتذرعون بفهم للدين ورثوه دون وعي من التوحيد»
― جون نيكولاس غراي.
خلاصة القول هي أن ادعاء أحدهم اللادينية لا يعني أبداً أنه كذلك فعلاً، وكونه ملحدًا لا يعني أنه قد ترك الدين بالمطلق تمامًا بل ترك الإيمان بالإله/الآلهة.
بالنسبة للمعاصرين، الذين هم أصحاب ثقافة معينة نشأت في بيئة معينة، المرجعية الأساسية لمعرفة ما هو الديني من غير الديني هي المسيحية. فالمسيحية هي المقياس الذي يحدد من خلاله المعاصرون ما هو ديني حتى بالنسبة للأديان الأخرى المعترف بها كأديان. لذا، ليس من الغريب أن تجد أحدهم يصف جوانب معينة في الإسلام أو اليهودية بأنها غير دينية. تقريبًا كل ما يتجاوز المسيحية يُعتبر خروجًا عن مفهوم الدين في نظرهم، إلى درجة قد تجعلك تتوقع منهم اشتراط صلب أحدهم. بالنسبة لهم، الحد الأقصى للدين هو باختصار الإيمان بإله/آلهة والعالم الآخر وطقوس العبادة والمعبد، وكل ما يزيد عن هذا هو خارج الدين.
ما هو الدين إذن؟
من السهل معرفة جوهر كل دين على حدة، فمثلاً من جوهر الإسلام التوحيد، ومن جوهر المسيحية الإيمان بالفداء، لكن الحديث عن جوهر "الدين" هو أمر آخر. نحن نحتاج للنظر إلى المشترك في كل الأديان، وهذا ما يتجلى في تعريف مصدر كلمة "Religion" المشتقة من الكلمة اللاتينية "religio" وفعلها "religare" الذي يعني "يربط" أي ما يربط الإنسان بالمقدس أو ما يربط الناس ببعضهم البعض. لذا لا يمكن لفرد أن يكون له دين خاص به، فالدين بطبيعته ممارسة جماعية، في المقابل يمكن أن يكون للفرد إيمان خاص به.
إذن، كل ما يربط مجموعة بشرية ما، سواء اجتمعت على أرض واحدة أو تفرقت، حول نظرة معينة للحياة والوجود، هو دين. لكن هذا هو أيضًا تعريف الأيديولوجيا.. فما هو الفرق بينهما؟
لا يمكننا فهم الفرق بين الأيديولوجيا والدين إلا من خلال فهم السياق الذي ظهر فيه مصطلح "أيديولوجيا"، وهو السياق الأوروبي الذي يعتبر المسيحية هي المقياس لما هو ديني. المسيحية ديانة لا صلة لها بالعالم والحياة، ولا تقول شيئًا عنهما، وكل ما يتعلق بالحياة والعالم هو بالنسبة لها علمانية. إلى درجة أن رجال الدين الذين كانوا يحتكون بالناس يعتبرون رجال دين علمانيين (Secular clergy) مقابل رجال الدين الذين يعيشون حياة دينية خالصة (Regular clergy). ومن هنا ظهرت الحاجة لديهم لصك مصطلح "أيديولوجيا" لوصف التصور العلماني للحياة. وكل ما يتجاوز المعيار المسيحي في أي دين هو علماني، وبالتالي يصح وصفه بالأيديولوجيا.
ولأن الأيديولوجيات تبدو دائمًا كنوع علماني من الدين أو كما تعرف بالأديان العلمانية (Secular religions)، والمعاصرون لديهم حساسية من الدين أو مما يقترب منه، فإنك تجد صاحب كل أيديولوجيا معاصرة يصف ما لدى الآخرين بالأيديولوجيا وبأنها أديان علمانية، لكنه يرفض مطلقًا أن يصف تصوراته هو بالأيديولوجيا لأن ذلك بالنسبة له يرفع عنها صفة العلمية والحياد، وبالتالي تصبح بلا معنى. فالليبرالي مثلاً لا يستطيع أن يعترف بأن قيمه الليبرالية هي قيم أيديولوجية، لأنها بالنسبة له مثل القوانين الرياضية، والعلموي كذلك لا يعترف بأدلجلته لظنه أنه الممثل الشخصي للعلم على الأرض لحل كل المشاكل، والشيوعي يعتقد أن المجتمع الشيوعي هو الأصل والطبيعي لدى البشر، والنسوية تعتقد أن المساواة بين الجنسين أمر بديهي، وصاحب حقوق الإنسان يظنها نزلت مدونة على الألواح في طور سيناء، والتقدمي يعتقد أن فردوس الأرض حتمية تاريخية (كل هذه الأيديولوجيات تتقاطع مع بعضها البعض وتشكل كتلة أيديولوجية واحدة).
في حالة واحدة تجد كثيرا من المعاصرين يتعاملون نوعًا ما مع الأديان بشكل خارج عن التصور المسيحي؛ إذا تعلق الأمر بأديان من حضارات بعيدة مثل أديان شرق آسيا التي لا نجد في كثير منها أو بعض مذاهبها شيئًا عن إله/آلهة أو عالم آخر أو طقوس عبادة، بل نجد فقط معلمًا أول وطقوس تأمل مع بعض التعاليم الخاصة بالحياة، وهذا ما يجعل البعض يفضل وصفها بالفلسفات الشرقية لأنها علمانية صرفة ولا تتطابق مع التصور المسيحي للدين.
«في معظم الأديان، المناقشات حول الإيمان غير مهمة. كان الإيمان غير ذي صلة بالدين الوثني، ولا يزال غير مهم في ديانات الهند والصين. عندما يعلنون أنهم غير مؤمنين، فإن الملحدين يتذرعون بفهم للدين ورثوه دون وعي من التوحيد»
― جون نيكولاس غراي.
خلاصة القول هي أن ادعاء أحدهم اللادينية لا يعني أبداً أنه كذلك فعلاً، وكونه ملحدًا لا يعني أنه قد ترك الدين بالمطلق تمامًا بل ترك الإيمان بالإله/الآلهة.
👍40❤10👏10🔥2🤨1
حسّ سليم
Photo
لهذا فإن الأغلبية الساحقة من الملحدين في العالم المسيحي/الإسلامي، باستثناء قلة نادرة من العدميين، هم في الحقيقة أصحاب أديان وأيديولوجيات مثل الليبرالية والإنسانوية والعلموية والتقدمية والمساواتية...إلخ، وبدون هذه الأيديولوجيات لن يجد أي أحد منهم كلمة واحدة ليقولها، وبالتالي هو قبل كل شيء صاحب أيديولوجيا، وما الإلحاد لديه سوى تفصيل صغير.
«يظلّ الملحد جديراً بالاحترام ما دام أنّه لا يُحاضر بأنّ كرامة الإنسان هي أساس الأخلاق، وأنّ حبّ الإنسانية هو الدين الحقّ.»
― نيكولاس ڠوميز داڤيلا.
«يظلّ الملحد جديراً بالاحترام ما دام أنّه لا يُحاضر بأنّ كرامة الإنسان هي أساس الأخلاق، وأنّ حبّ الإنسانية هو الدين الحقّ.»
― نيكولاس ڠوميز داڤيلا.
👍48❤17👏7🔥3
حسّ سليم
التسامح ليس فضيلة، بل قد يكون في كثير من الأحيان من أحط ما قد يتصف به الإنسان لما يرافقه من وهن وضعف. أن تكون متسامحاً يعني أن تكون بلا قيم، أن يتساوى في نظرك الخطأ والصواب، وأن تتقبل التعايش مع انحطاط يطلب التسامح وهو نفسه لن يتسامح معك عندما يتمكن. هذا ما…
من يرفع شعار التسامح لا يفعل ذلك لإعلان تسامحه، بل إما ليطالب الآخرين به، أو ليمنّ عليهم تسامحه مع إعدادهم عجة دون بيض.
👍40🤣13🔥6👎2❤1
هناك اختراعان يصعب جداً تصور الحياة المدنية المعاصرة دونهما، وهما من بين أسوأ الاختراعات، إذا لم يكونا من أسوأها على الإطلاق: الساعة والشقق السكنية.
الساعة هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من التوتر والشعور بالضغط. قبل اختراع الساعة، كانت البشرية تنظم حياتها من خلال تقسيم اليوم إلى مراحل طويلة نسبياً وفق موقع الشمس. أما الساعة، فتجعل البشرية تنظم حياتها ليس فقط بالساعة بل بالدقيقة والثانية، وهو ما قد يسبب قدراً كبيراً من القلق والضغط على الإنسان، خاصة بالنسبة للأشخاص المنضبطين والذين يحترمون المواعيد.
أما الشقق السكنية، فهي المسؤولة عن تشكيل المدن الحديثة الكبرى وفق مفارقة العزلة وسط الاكتظاظ. ملايين البشر يُكدسون في علب فوق بعضها البعض دون أن يكون لأحد صلة بالآخر.
الأمر شبيه بتربية دجاج البيض، الذي يوضع في أقفاص تصمم بطريقة تعزل بها الدجاجات عن بعضها في أضيق مساحة ممكنة، ثم يتم التلاعب بالضوء (الزمن) من أجل زيادة إنتاج البيض وتنظيم أوقاته.
أفضل يوم قد تعيشه هو ذلك اليوم الذي تقضيه بعيداً عن الشقق دون الحاجة إلى النظر إلى الساعة.
الساعة هي المسؤولة عن الجزء الأكبر من التوتر والشعور بالضغط. قبل اختراع الساعة، كانت البشرية تنظم حياتها من خلال تقسيم اليوم إلى مراحل طويلة نسبياً وفق موقع الشمس. أما الساعة، فتجعل البشرية تنظم حياتها ليس فقط بالساعة بل بالدقيقة والثانية، وهو ما قد يسبب قدراً كبيراً من القلق والضغط على الإنسان، خاصة بالنسبة للأشخاص المنضبطين والذين يحترمون المواعيد.
أما الشقق السكنية، فهي المسؤولة عن تشكيل المدن الحديثة الكبرى وفق مفارقة العزلة وسط الاكتظاظ. ملايين البشر يُكدسون في علب فوق بعضها البعض دون أن يكون لأحد صلة بالآخر.
الأمر شبيه بتربية دجاج البيض، الذي يوضع في أقفاص تصمم بطريقة تعزل بها الدجاجات عن بعضها في أضيق مساحة ممكنة، ثم يتم التلاعب بالضوء (الزمن) من أجل زيادة إنتاج البيض وتنظيم أوقاته.
أفضل يوم قد تعيشه هو ذلك اليوم الذي تقضيه بعيداً عن الشقق دون الحاجة إلى النظر إلى الساعة.
👍87👌22❤14💯14😁10🤨2
من المفارقات أيضا أنه إذا كان هناك شيء يثير القلق والتوتر أكثر من الساعة، فهم الأشخاص الذين لا يحترمونها، وإذا كان هناك شيء يثير القلق والتوتر أكثر من الشقق السكنية، فهم الأشخاص الذين يعيشون فيها حياة الأرياف.
👍28😁16❤13💯6