حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
حسّ سليم
Photo
جوهرة العقد في حفل افتتاح الألعاب الأولمبية كان ذلك الأزرق الذي مثل دور ديونيسوس ومن حوله الباكوسيات على مائدة العشاء الأخير، لأن البشرية شهدت حقا حفلا ديونيسوسي، بل هي تعيش في عالم أصبح ديونيسوسي.

ديونيسوس هو إله يوناني، وهو أكثر الآلهة غرابة من حيث دوره ومكانته في الميثولوجيا اليونانية، فهو إحدى الآلهة الأولمبية الاثني عشر الأكثر أهمية رغم أن أمه بشرية وسلوكه غريب جدا بشكل جعل الباحثين دائما يتجادلون حول أسباب ترك الإله زيوس له رغم هوسه بالنظام، وقبل ذلك لماذا ضمنه الإغريق في ميثولوجيتهم رغم شخصيته الفوضوية والمفرطة في كل شيء وهم لا يمقتون شيئا كمقتهم الإفراط والفوضى في الكون؟

ديونيسوس هو إله الخمر والجنون والاحتفال والمجون والطبيعة الوحشية والسادية وكل أنواع الانحرافات الجنسية، إله يجمع بين الكثير من المتناقضات، فهو ذكر وأنثى في نفس الوقت، وحكيم ومجنون، وإله وإنسان، وغني وفقير، ومتحضر ومتوحش، وسادي ولطيف، وأجنبي ومحلي في آن واحد (Metic)، فيه شيء من الحضارات الأخرى التي زارها كفارس والهند وبلاد الرافدين، ويمضي وقته في الترحال بين المدن اليونانية، رحالة أبدي ينتمي إلى هنا وفي نفس الوقت إلى هناك، لو كان إنسانا يعيش بيننا اليوم لوصف بالمواطن العالمي الذي لا ينتمي إلى شيء سوى إلى رغباته ومجونه.
في الميثولوجيا اليونانية كان ديونيسوس يتنقل بين المدن ومعه موكبه الاحتفالي الذي يضم نساءً أفقدهن عقلهن يُعرفن بـ "الباكوسيات"، هؤلاء الباكوسيات لا يتركن انحرافا جنسيا أو غير جنسي إلا يأتينه، مع أفعال سادية ووحشية مرعبة نحو الأطفال والحيوانات. وعلى خطى ديونيسوس كان عُباده وكاهناته الباكوسيات في الواقع يسيرون في مواكب احتفالية ماجنة لتعظيمه تجوب مختلف مدن اليونان وحتى البحر المتوسط إلى أن منعهم من ذلك الرومان، لكنهم واصلوا طقوسهم بشكل سري إلى أن استأصلت طقوسهم المسيحية في النهاية مثلما استأصلت كل الطقوس الوثنية أو جعلتها مسيحية.

إذن كان اختيارا موفقا من منظمي الحفل، وهم يعلمون جيدا من هو ديونيسوس، فلا أحسن منه لتمثيل الإنسان اللامنتمي والمعولم والاحتفالي والمنحرف، وإن كنت تراها صفات قبيحة فهي بالنسبة لهم عين الفضيلة.
54👍34🤯13👎2👌2
1
حسّ سليم
Photo
على سيرة ديونيسوس… لا يعني استعمالهم بعض المفاهيم أو الآلهة اليونانية أنهم يريدون فعلاً إحياء ذلك التراث، لدينا نموذج مشابه لهم ممن يدعون إحياء الحضارات البائدة والمومياءات المحنطة، لكنهم لا يعودون إلى الماضي الميت إلا للتسوق وانتقاء ما يريدونه سلفا من خلال نزعه عن سياقه وتفريغه من محتواه، فيأخذون منه ما يناسب أيديولوجيات عصرهم فقط ولا يزيدون على ذلك قيد أنملة، ليكتسبوا بعض البريستيج التاريخي ضد خصومهم في الحاضر، وإلا فإنهم لا يتحملون العيش في ظل ذلك التراث البائد دون بتر خمس دقائق. هكذا الأمر بالنسبة لديونيسوس –أو غيره– الذي كان له دور محدد في الثقافة اليونانية وانتزاعه منه أمر سخيف وبلا معنى في نظر الإغريق، فهو كان بالنسبة لهم، حسب بعض المفسرين، يمثل ما يشبه صمام الأمان الذي يمنع الانفجار، والبعض يقول إنه مثل الحصاة في النعل، وآخرون يقولون إنه الفوضى التي يكتمل بها النظام، في كل الأحوال هو جزء بسيط من الكل، لكن الذين يأتون به إلى العصر الحديث يريدون جعله هو الكل، لأن أيديولوجياتهم ديونيسوسية حتى دون معرفة ديونيسوس.

عادة الاستعانة بالحضارات القديمة، وخاصة اليونانية، في الصراعات الأيديولوجية ليست بالأمر الحديث. في عصر التنوير وقبله عصر النهضة كانوا مهووسين بكل ما هو يوناني قديم، وانعكس ذلك على كل أشكال الأدب والفن في عصر النهضة وما بعده. بالنسبة لرواد عصر النهضة والتنوير كانت العودة إلى اليونان القديمة هي الحل. لكن المفارقة المضحكة أنهم أحيوا قشور الحضارة اليونانية فقط من أدب وتماثيل، في الوقت الذي كانوا يحاربون فيه بقايا جوهر الحضارة اليونانية في أوروبا المتمثل في الأرستقراطية، أوروبا القرون الوسطى ذات الشكل المسيحي كانت أكثر يونانية من عصر التنوير (سلف اليسار) الذي أسقط الأرستقراطية من خلال علمنة المساواة المسيحية (فكرة المساواة أمام الله التي هي المساواة الوحيدة الممكنة لأن البشر في الواقع لا يمكن أن يتساوو)، في حين أن المساواة هي أعلى درجات الرذيلة لدى اليونانيين القدماء، المساواة بالنسبة للإغريق تعني الفوضى المطلقة وبالتالي اختلال توازن الكون الذي يعني أن الآلهة ستنتقم منهم.

لنأخذ على سبيل المثال الألعاب الأولمبية، هل تم إحياءها فعلا كما كانت لدى الإغريق؟ بغض النظر عن أبعادها الدينية التي كانت جوهرية بالنسبة للإغريق، فالألعاب الأولمبية الحالية لا تشبه في شيء تقريبا نسختها الأصلية التي كان لا يشارك فيها إلا الرجل اليوناني الحر الذي له سيرة حسنة، وتمنع عن العبيد والأجانب والنساء حتى لمجرد المشاهدة، باستثناء الفتيات العذروات لأنهن الوحيدات المسموح لهن دخول حرم المعبد الذي تجري فيه الألعاب. فهل يمكن للمعاصرين مجرد تقبل جزء بسيط من هذا؟
وحتى الديموقراطية التي يقال أنها مستمدة من اليونان، لا تشبه في شيء الديموقراطية اليونانية القديمة سوى في الاسم تقريبا.

إذن لا ينبغي أن نأخذ هذا الصنف –سواءً كان ذلك عندنا أو في الغرب– على محمل الجد بخصوص رغبتهم في العودة إلى ذلك الماضي الذي لا يعني لهم شيء سوى شرعنة أيديولوجياتهم المعاصرة.
👍58❤‍🔥18👌65👎3🔥1
غريب كيف أن البعض يناقش هل كان المشهد لـ "العشاء الأخير" أم لا، ويصف الناس بأنهم جهلة وليس لديهم ثقافة لذلك لم يستوعبوا أن المشهد لـ"وليمة الآلهة"، والغالبية الساحقة من هؤلاء "المثقفين" لم يسمع من قبل عن شيء اسمه "وليمة الآلهة". والأغرب من هذا يعتقدون أن الذي استفز الناس عندنا هو هل كان ذلك المشهد يمثل العشاء الأخير أم وليمة الآلهة أم عرس خالة ماكرون؟ وكأن عامة الناس عندنا تعرف ما هو العشاء الأخير، وإذا عرفته ستهتم لذلك.
لم يلفت ذلك المشهد انتباه عامة الناس عندنا إلا بسبب مشهد المتحولين والأزرق شبه العاري بغض النظر عن من هو، ولم يخطر على بالهم أن الأمر مرتبط بالمسيحية إلا بعد ساعات من خلال الضجة الإعلامية العالمية. ذلك السيل الملون الذي يجتاح العالم منذ سنوات من خلال البروباغندا الغربية في كل مكان هو ما يحرك الناس.

في الحقيقة منذ اللحظة الأولى كان كل الإعلام الفرنسي بلا استثناء يصف ذلك المشهد بـ "العشاء الأخير"، وهذا بديهي لأن كل شيء في المشهد يدل عليها وبعيد تماما عن وليمة الآلهة حتى بالنسبة للعارف بها، ودخول ديونيسوس على المشهد جاء متأخرا بـ40 دقيقة، بالإضافة إلى وقوف كل المشاركين خلف المائدة بخلاف لوحة وليمة الآلهة.
والأهم من كل هذا، بعد بضع ساعات من الحفل صرح أحد المتحولين (Piche) في المشهد بأنه يمثل العشاء الأخير، وكذلك الكاتب المسرحي للحفل (Damien Gabriac)، فهل هؤلاء حمقى لا يفهمون شيء؟ وبعد يومين يخرج فجأة المدير الفني للحفل ليرقع المشهد ويقول إنه لوليمة الآلهة، وفي نفس الوقت اللجنة المنظمة تقدم اعتذارها.
👍28👌4👏21
وصنف آخر كانوا يقولون أن المنظمين غير مهتمين بكم ومحتوى الاحتفال غير موجه لكم (عقدة النقص المعروفة)… ماذا لو علموا أنه قد حدثت ضجة إعلامية كبيرة في فرنسا حول أن بعض المشاهد تعرضت للرقابة والحجب في بعض الدول، وكانوا يذكرون بالاسم المغرب والجزائر ثم أضافوا الولايات المتحدة لاحقا، ليتبين بعد 24 ساعة أن الكثير من الدول في كل القارات حجبت تلك المشاهد. وظلوا يتباكون على حرية الرأي والفن، وأنهم صامدون صامدون ولن يحيدوا عن خط الحرية، مع العلم أنهم منعوا الرياضيات المحجبات من حضور الاحتفال، ولا ندري هل أريد بهم شرا بذلك أم خيرا؟ ولو استطاعوا لمنعوهن من المنافسات كليا لولا لوائح اللجنة الأولمبية التي تفرض ذلك. Bonjour la liberté
وأما القائلين بأنهم أحرار ويفعلون ما يشاءون في بلادهم، أين كنتم بهذا المنطق عندما فرضوا ألوانهم في مونديال قطر؟
👍45🔥5👏41
تخيل أربعة قوى مقسمة على مجموعتين، وكل قوة منها تقدر قوتها كالتالي: A (300 نقطة) و B (100 نقطة) مقابل C (80 نقطة) و D (50 نقطة).

القوة B مصممة مبدئيا على التصادم مع D، لكنها مترددة وتخشى الدخول في مواجهة معها والوقت يمضي، صحيح هي الأقوى، لكن D قادرة على أن تترك فيها أثرا عميقا، خاصة وأنها ليست في أحسن أحوالها. هنا يكون المخرج أمام B هو توريط A في المواجهة، لكن A ترى أن D لا تستحق العناء، وإن شاءت B مواجهتها فلتفعل ذلك لوحدها وستقوم بمساعدتها بشكل غير مباشر. شيء واحد يمكنه أن يجعل A تشارك معها هو دخول C في المواجهة، لكن الأخيرة ترفض ذلك، وبالتالي ستحاول B استفزازها، لكن C ترفض أن تُستفز وتتحمل وأحيانا تخفي ذلك، لكن B مصرة على المواجهة فترفع من مستوى استفزازها كل مرة… وبالتالي كل شيء مرتبط بسؤال: إلى أي مستوى من الاستفزاز المباشر ستتحمل القوة C؟
👍59🤯41👏1
1
حسّ سليم
Photo
مع مرور الوقت يقل التميز والتشويق في الألعاب الأولمبية، لأن القدرات البشرية لها حدود وبالتالي تقل القدرة على تحطيم الأرقام القياسية إلى أن تنعدم نهائيا. هذا الاستنتاج "البديهي" هو سبب الضجة حول فوز السباح الصيني الذي حطم الرقم القياسي الخاص بـ100 متر سباحة حرة، ولم يكن الفارق بينه وبين الذي يليه هو عدة ثواني بل مجرد ثانية واحدة، ومع ذلك يقول بعض المختصين إن ما فعله السباح الصيني يتجاوز القدرات البشرية الطبيعية في إشارة إلى استعمال المنشطات، لكن حتى لو سمح باستعمال المنشطات فإن الرياضيين سيصلون في النهاية إلى سقف لا يمكنهم تجاوزه، لأن التقنية كذلك لها حدود لأنها مرتبطة بقدرات بشرية محدودة.
الرياضيون المشاركين في أولمبياد 2024 هم بلا شك أحسن من حيث القدرات من الرياضيين في الثلاثينيات من القرن الماضي، ليس لأنهم ولدوا بشرا خارقين، بل لأن تقنيات الممارسة والتدريب والتغذية والصحة الرياضية قد تطورت، لكن عند حد معين تصبح التقنية عاجزة عن تطوير قدرات الجسم البشري. نفس الأمر سيحدث بالضرورة مع كل التكنولوجيا التي من حولنا، وإذا لم يحدث ذلك بعد 50 سنة فسيحدث بعد 50 ألف، لأنها هي الأخرى تعتمد على قدرات بشرية محدودة في عالم محدود له قوانين محددة. هذا الأمر وإن كان المعاصرون يتفهمونه عندما يقال بهذا الشكل، إلا أنهم من حيث تفكيرهم وسلوكهم العام يتصورون أن التقدم لا نهائي (الإيمان بالتقدم أو أيديولوجيا التقدم)، وأن كل الحدود يمكن تجاوزها من خلال العلم البشري لأن العقل البشري في نظرهم لا حدود لطاقته، وهي فكرة في حد ذاتها غير عقلانية ولا يمكن إثباتها.
59👍28👏5💯4👌3🔥1
بعد أن قفز [X] 4 أمتار، ثم 6 أمتار، ثم بالتدريب الشاق وصل إلى 10 أمتار، ثم بجهد غير بشري بلغ 12 مترا، ظهر [Y] ليدعي قدرة [X] على القفز 200 كلم، ولديه دليل قاطع لا يمكن مناقشته: استطاع القفز 10 أمتار ولم يتصور ذلك أحد، ثم قفز 12 مترا ولم يكن ذلك يخطر على بال أحد، وبالتالي…
😁27👍7👏21
ممارسة الإنسان للرياضة تفتح له الباب لآفاق وقدرات لم يكن يتصور أن باستطاعته بلوغها. لو أن رياضيا من عشرينيات القرن الماضي اطلع على الأرقام القياسية حاليا فهو حتما سينبهر.
لكن في نفس الوقت، تُعرف الرياضة الإنسان على حدود جسده القصوى أكثر من عدم ممارستها، وكلما زادت خبرته في الرياضة كانت معرفته بحدوده الحقيقية –التي اتسعت عن السابق– أكثر وضوحا وليس العكس، حتى وإن كانت قد كشفت له عن قدرات لم يكن ليتصورها من قبل.
54👍13👌5💯2
يمكن لليسار دائما الاعتماد على غباء اليمين، هذا ما سيفعله مع قضية إيمان خليف التي سيجعل منها أيقونة وسيستعملها لسنوات قادمة كبروباغندا، وسيصدع رؤوسنا بها لتبرير ما ليست هي عليه، وسيقول: أنتم الذين لا تعرفون ما هي المرأة، ولديكم صورة ذهنية خاطئة عنها لهذا تقفون ضد المتحولين.
كانت ردة فعل اليمين مبررة في اللحظات الأولى لأن من حقه أن يرتاب من ملاكمة ذات ملامح ذكورية في ظل الجو العام من حوله الذي يمارس دعاية بلا توقف للمتحولين، لكن لو فكر ولو قليلا بعد ذلك –وهو نادرا ما يفعل ذلك لأنه يعتمد أساسا على الحدس والغوغائية– لفهم أن حالتها لا تختلف عن سيرينا ويليامز والكثير من الرياضيات، والأهم من هذا أن إيمان خليف لم تأتي من كاليفورنيا أو السويد، بل من منطقة لا تعترف بالمتحولين، ويعتبر فيها موقف اليمين الغربي من الملونين موقفا يساريا ومتسامحا جدا معهم.
👍5124🔥1🤯1
2
حسّ سليم
Photo
المنافسة الرياضية هي بقايا العالم القديم ومن المجالات القليلة في هذا العصر التي يسمح فيها نوعا ما باللامساواة بشكل واضح –وإن كانوا يحاولون الحد من ذلك من خلال فصل الجنسين أو الأوزان– لأن المنافسة الرياضية قائمة في الأساس على اللامساواة والتفوق البيولوجي، فالرياضيون الأكثر تفوقا لم يتفوقوا من خلال الاجتهاد فقط، بل لأن لديهم في الأساس استعدادا بيولوجيا لذلك. مايكل فيلبس مثلا، الذي يعتبر أفضل سباح في التاريخ المسجل، يمتلك ذراعين أطول من العادي ومرونة نادرة في مفاصل الأقدام تساعده على السباحة بشكل أفضل من أقرانه، كما أن جسمه يفرز نصف الكمية الطبيعية من حمض اللاكتيك الذي يسبب التعب، مما يعني أنه يحظى بنتائج تناول المنشطات دون أن يتناولها، كل هذا يمنحه أسبقية استثنائية عن باقي السباحين الذي يتمتعون هم أيضا بقدرات جسدية لا يمتكلها كل الناس. هذا ما قد يجعل البعض يتساءل: "هل يستحق مايكل فيلبس فعلا كل ذلك الاحتفاء؟".

بالنسبة لنا نحن المعاصرين، لا يستحق الإنسان الشرعية الكاملة لاكتساب شيء أو ميزة ما لا يمتلكها غيره إلا من خلال العمل، كل ما قد تحصل عليه بفضل ميزة بيولوجية أو بالتوريث أو الحظ/القدر يخل بمبدأ المساواة وبالتالي فهو غير عادل، لأن المساواة والعدل في أذهان المعاصرين كلمتان مترادفتان يقصد بهما مفهوم واحد، ومن أجل ذلك فلا ميزة لأحد على الآخر من حيث المبدأ إلا بالعمل. لهذا تجد أولئك الذين يتمتعون بمميزات لا يد لهم في اكتسابها فعلا يجتهدون بكل الطرق لإثبات أنهم قد عملوا كثيرا لاكتساب ما يمتلكونه، مثل أن ترى ابن ثري يحاول أن يقنع الناس بأنه عصامي بنى نفسه بنفسه أو ممثلة/مذيعة تحاول أن تثبت أنه ليس لجمالها دور حاسم بنجاحها وأن الفضل الأساسي يعود إلى تعبها.

لكن هذه النظرة للعمل لم تكن دائما هي ما يحكم البشر، وتكاد تكون نظرة حداثية خالصة بالشكل المُعلمن/الدنيوي الذي نعرفه اليوم (يمكننا إيجاد جذور دينية أقدم لها). فلو عدنا إلى المجتمعات القديمة سنجدها أبعد ما تكون عن النظر إلى العمل بوصفه الوسيلة إلى تحقيق الذات كما يؤمن المعاصرون، بل إن لديهم نظرة سلبية جدا نحوه [مدينة أفلاطون الفاضلة تعبر عن ذلك]. فالعمل بالنسبة لهم نشاط يستنزف قوة الإنسان، وتعب لا طائل منه إلا القليل من أجل البقاء، لهذا كان العمل من نصيب العبيد والأقنان والطبقات الدنيا من المجتمع. أما النبلاء والأسياد والأشراف والأحرار فيعيشون من خلال شرعية القوة وخوض الحروب وفرض الأتاوات على الأرض وامتلاك الماشية وحماية من يعيشون تحت سلطتهم، لكن هذا لا يعني أن النبلاء كانوا يمضون كل وقتهم في اللهو والسمر، فهم أيضا كان لهم نشاطهم المرهق وهو التدريب، سواء كان ذلك تدريبا للجسد (مبارزة/مصارعة/ركوب الخيل/الصيد… إلخ) أو للذهن (الدراسة/الفنون/الأدب/الشعر… إلخ). والفارق هنا شاسع بين التدريب والعمل، فالذي يعمل يستنزف جسده وذهنه بغية تنمية شيء منفصل عن ذاته، في حين أن الذي يتدرب غايته تنمية ذاته أكثر أو المحافظة عليها على الأقل مع نوع من المتعة في ممارسة ما يفعل، فكل ما يمارسه يعتبر من الهوايات بالنسبة للمعاصرين.

لكن كيف تحول العمل إلى فضيلة؟

قد يساعدنا هنا هيغل لفهم ما حدث من خلال "جدلية العبد والسيد" التي يشرح فيها هيغل كيف أن العبد من خلال عمله وإخضاع الطبيعة وصناعة الأشياء استطاع في النهاية (الثورة الصناعية) قلب معادلة الهيمنة وفرض قيم الحرية والمساواة التي يحلم بها على السيد (الأرستقراطية)، فأصبح العمل بذلك فضيلة العالم الحديث كما كانت الفروسية والشجاعة فضيلة العالم القديم. وإذا أردت معاينة ذلك فما عليك سوى البحث عن أكثر الدول تقديسا للعمل، لتجد أن لها مجتمعات عاشت لقرون طويلة تحت نظام فيه أغلبية من الأقنان وأقلية محاربة، هكذا هو حال اليابان وألمانيا حيث كانت تهيمن نخبة من الساموراي والبارونات [البارون في الأساس يعني المحارب أو الحر] على أغلبية من الأقنان المزارعين.

لكن ينبغي أن لا نتوهم هنا، فتغير الخطاب لا يعني تغير الواقع بالضرورة، والاحتفاء بالعمل والمساواة لا يعني أن معادلة العبد والسيد قد تغيرت حقا، وإزاحة الأرستقراطية والإقطاعية لا يعني أن العبيد (العمال) هم الذين قد أخذوا مكانها، لأن الذي حدث في الواقع هو أن طبقة مهيمنة جديدة تشكلت من خلال قوة المال بدلا من قوة الفروسية وهي البرجوازية، التي استعملت الأقنان ضد النظام القديم (الأرستقراطية) من خلال وعد التحرر والمساواة والسعادة، السعادة التي يحصل عليها العبد من خلال الاستهلاكية أي العبودية لما يصنعه هو بيده لصالح من لا يعمل كما يقول الماركسيون. وبالتالي لم يتغير شيء من حيث البناء الطبقي، فهناك دائما على قمة الهرم أناس لا يعملون، وفي قاعدته أناس تعمل وتكدح. الفارق الوحيد أن ما يفعله الذين في القاعدة أصبح ينظر إليه كفضيلة، وأصبح العامل ينظر إلى العمل كوسيلة لتحقيق الذات والسعادة لا كأداة لاستنزاف للذات… يتبع
36👍20👏5👌4🔥3
حسّ سليم
Photo
تكملة.. بتعبير آخر، انتقل حال العامل أو العبد من سياسة الإيلام بالعصا إلى سياسة الإيهام بالجزرة.


ملاحظة: هذا المنشور هو مجرد محاولة لفهم ووصف الواقع كما هو من زاوية محددة، لا دعوة لفعل كذا أو ترك كذا كما يساء فهم الكثير من المنشورات عادة من البعض في الإتجاهين.
👌2012👍6👏6❤‍🔥5🔥2
فقط حفلة شواء أخرى تكون أكبر وأعظم من الأولى هي ما يمكنه إسكات الجوع. كل ما هو أقل من ذلك ما هو سوى أكل للهواء لا يسمن ولا يغني من جوع.
37👍6🔥4🤯1
1
حسّ سليم
Photo
نظلم كثيرا أولئك المسطحين (الأرض المسطحة) رغم أنهم يستحقون فعلا الاحترام ولو لأجل ذلك المجهود الذي يبذلونه لإثبات صحة رأيهم.
كانت بدايتهم بفكرة بسيطة جدا: "لما كل هذا التعقيد؟ نحن نرى الأرض مسطحة، إذن فهي مسطحة"، لينتهي بهم الأمر مع الزمن إلى وضع كم هائل من النظريات "العلمية" بالغة التعقيد –أعقد من براهين كروية الأرض بكثير– لتفسير كل الظواهر الطبيعية التي عليهم تفسيرها من خلال التسطح كالشروق والغروب، والليل والنهار، والكسوف والخسوف، وتعاقب الفصول، وعدم القدرة على استعمال التلسكوب لمشاهدة قارة أخرى، واستحالة الوصول إلى حواف الأرض ..إلخ. لا يمكنك أن تطرح عليهم سؤالا إلا وستلقى منهم جواب، كل هذا دون أن تكون بيدهم سلطة أو مؤسسات أكاديمية، فقط بعض الهواة الذين امتلكوا الوقت الكاف لجمع الطوابع دون المال اللازم، فجمعتهم مواقع الإنترنت، وجعلت أقل واحد منهم أكثر معرفة بكثير ببراهين كروية الأرض من 99٪؜ من الذين يقولون بكرويتها من غير المختصين، فاستطاعوا بذكائهم الخاص تحويل أغبى فكرة إلى أذكى فكرة غبية، فلك أن تتخيل ما بوسعهم فعله لو أن كارثة ما أوصلتهم إلى السلطة والمؤسسات الأكاديمية.

هذا يأخذنا إلى مسألة أكثر أهمية من موضوع المسطحين، هي قدرة العقل البشري على عقلنة الأشياء. عندما يرغب الإنسان في عقلنة أي شيء يريده، مع وجود الوسائل والمصلحة لذلك، فإن قدرته العقلية على تحقيق ذلك لا حدود لها، وهذه هي القدرة الوحيدة للعقل البشري التي لا تنضب ويمكننا فعلا أن نصفها بـ لا محدودة.

ملاحظة: حتى لا يكثر المسطحون الجدال هنا (وإن كان لدي يقين بعدم قدرتهم على تركه)، المنشور ليس دعوة لمناقشة أدلة كروية الأرض أو تسطحها، المتسطحين هنا مجرد نموذج لإيصال فكرة.
👍8010❤‍🔥9😁7👎4🤯2
1
حسّ سليم
Photo
شاهدت مؤخرًا برنامجًا يتناول عادة أوروبية قديمة تعود إلى القرون الوسطى، تُعرف باسم "المُشهر" (The pillory). كانت هذه العقوبة تهدف إلى التشهير بالمذنب وإفقاده مكانته وشرفه بين الناس، حيث يُربط الشخص بعامود أو ما يشبهه، ويجتمع حوله سكان المدينة أو القرية لسبه ولعنه ورمي القاذورات عليه، مع الحرص على عدم التسبب له بأذى جسدي، إذ لم يكن محكومًا بعقوبة من نوع جسدي. في كثير من الحالات، كانت نوعية القاذورات التي تُلقى عليه محددة مسبقًا في الحكم القضائي، بحيث تتناسب مع طبيعة الجريمة التي ارتكبها. استمرت هذه العقوبة حتى القرن التاسع عشر، وفي بعض الولايات الأمريكية إلى أوائل القرن العشرين.

مشاهدة برامج كهذه مفيدة وممتعة بما تقدمه من معلومات وتفاصيل عن الماضي، لكنها تتطلب من المشاهد صبرًا على ما يظهر من غرور بعض المعاصرين – وليس بالضرورة الغربيين فقط – الذين لا يكفون عن محاكمة التاريخ من خلال مفاهيم عصرهم (Anachronism) التي يتصورون أنها بديهيات، فيسعون بذلك إلى إظهار تفوق أخلاقي لا وجود له إلا في مخيلتهم. لذا اضطررت لتحمل 45 دقيقة من وصف عقوبة "المُشهر" بالهمجية وغير المتحضرة، مدعين أنها تنتهك "كرامة الإنسان". لكن ما كان أكثر صعوبة هو الصبر على تجاهل هؤلاء للواقع، إذ يفشلون في رؤية أن عقوبة "المُشهر" ما زالت قائمة اليوم، بل ربما أصبحت أكثر انتشارًا. الفرق الوحيد هو الوسيلة؛ فبدلًا من ربط المذنب في ساحة عامة، يتم الآن التشهير به عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف فضحه وتجريده من شرفه أمام الناس. بل إن النسخة الحديثة من العقوبة أكثر قسوة، إذ يمكن أن يشهد فضيحته الملايين، مما يجعل من المستحيل عليه الهروب إلى مدينة أو قرية أخرى كما كان يمكن في الماضي. والأدهى من ذلك، أن هذا التشهير يتم في محاكم شعبية غوغائية تقام خلف الشاشات، لا في محاكم رسمية تطبق القانون على جرائم واضحة، مما قد يعني أن الشخص قد يكون بريئًا من التهمة التي قد لا تعد جريمة إلا في عيون الناس، ومع ذلك يفقد مكانته وشرفه وفي كثير من الأحيان وظيفته أو مصدر رزقه.

ما يفشل الكثير من المعاصرين في إدراكه هو أن البشر دائمًا يعيدون إنتاج نفس الهياكل الاجتماعية، وإن اختلفت طرق التعبير عنها. فالاختلاف يكمن فقط في المظهر الخارجي. لكن سطحية المعاصرين، المتأثرة بغرورهم، تمنعهم من رؤية الجوهر، فيظنون أن ما تغير هو الجوهر وليس الشكل. الأهم بالنسبة لهم في كثير من الأحيان هو المحافظة على نظافة أيديهم "حرفيًا"، وإبعاد كل ما قد يزعجهم بصريًا. فتجد أحدهم يرفض ذبح دجاجة في البيت أو المزرعة، ويعجز حتى عن مشاهدة ذلك بحجة أنه عمل همجي، بينما يعتبر التصرف المتحضر في نظره هو أخذ الدجاجة جاهزة ومغلفة من مبردات المتاجر، ربما لأنه يتخيل المسالخ وكأنها صالونات تدليك. أو تجده يستنكر قتل عشرة أشخاص بالرصاص أو السيف، ويعده جريمة همجية لا تغتفر، بينما يعتبر إلقاء قنبلة بوزن 2000 كغ من طائرة تحلق ألاف الأقدام في السماء على منطقة مكتظة فتحول البشر إلى أشلاء محروقة مجرد "عنف مفرط"، ولا يرى أن ذلك يستحق نفس الإدانة، بل يستهجن حتى مجرد التفكير في ذلك، لأن المهم بالنسبة له هو أن يده لم تتسخ “حرفيا“.
90👍39👌12🔥6
مثال الدجاجة في المنشور السابق لم يأتِ من فراغ، بل استُلهم من مقطع قصير شاهدته البارحة. كان المقطع لمغربية تعيش في فرنسا، ومن الواضح جدًا أنها من أعماق الأرياف المغربية، لكنها متزوجة من مزارع فرنسي وتعيش معه في الريف.
في بيت هذه المرأة ديك، فأرادت ذبحه، فذهبت إلى زوجها وطلبت منه فعل ذلك، لكنه رفض واقشعر بدنه من الفكرة، فعادت وهي تضحك لتقوم بالواجب بنفسها.

المشهد غريب جدًا، ويعطي فكرة عن الأرياف الحديثة؛ فكيف لمزارع أن يخشى ذبح دجاجة؟ ليس لأنه نباتي - ولو كان كذلك لكانت المفارقة أكبر - بل لأنه لم يتعود على فعل ذلك ولا حتى مشاهدته. هذا "المزارع" لا علاقة له بالريف، فهو مجرد موظف كباقي الموظفين في المدن، وكان نصيبه من نظام تقسيم العمل أن يزرع ويحصد. حتى أن هناك من يميز بين الشخص الريفي والمزارع؛ فالريفي هو ذلك الإنسان الذي يعيش في الريف على نسق الريف، أما المزارع فهو من يعمل في الزراعة فقط ولا صلة له بالريف حتى وإن عمل فيه، مثل موظف في فندق خمس نجوم، صحيح أنه يعمل في مكان فخم، لكنه لا يعيش في فخامة.

هذا الحال لا يقتصر على الأرياف الأوروبية فقط، بل يشمل كذلك أغلب أريافنا التي هي الأخرى أصبحت مجرد امتداد سيئ للمدن، وكثير من أهلها يعيشون حياة المدن مع بعض أشجار التين والعنب، فتجد الواحد منهم يستيقظ صباحًا ليشتري علب الحليب والخبز من عند الخباز.
👍66😁9❤‍🔥6👏6🔥2🤣21