حسّ سليم
Photo
في كثير من الأحيان ما يفوت الإنسان على نفسه أفكارا صائبة بسبب الخلاف الأيديولوجي الذي يجعله لا يميز بين فكرة ما صحيحة وما قد يهدف من خلالها المخالف أيديولوجيا صاحب الفكرة في الأساس.
من الأمثلة على هذا، بعض المفاهيم التي جاء بها عالم الاجتماع الماركسي "بيير بورديو"، وهي المفاهيم التي قسم من خلالها رأس المال إلى عدة أنواع أو بالأحرى صنف أنواعا جديد غير رأس المال كما تعرفه الناس الذي سماه "رأس المال الاقتصادي" أي ما يمتلكه الإنسان من أموال بمختلف أشكالها المنقولة وغير المنقولة.
حسب بورديو، لا تحافظ الطبقة البرجوازية على هيمنتها فقط من خلال اكتساب المزيد من المال وتوريثه إلى أبنائها بل الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فبالإضافة إلى رأس المال الاقتصادي هناك كذلك 3 أنواع أخرى هي: رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي. وكل قسم من هذه الأقسام الأربعة يمكنه أن يخدم الآخرين ويساهم في نموها، وقد يكون اكتساب وتوريث رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي أكثر أهمية من اكتساب وتوريث رأس المال الاقتصادي الذي قد يضيع بسهولة، الأمر هنا ينطبق عليه نوعا ما المثل الصيني المعروف: "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطادها".
رأس المال الثقافي:
وينقسم إلى ثلاثة أصناف أساسية:
1. المقتنيات الثقافية التي يمتلكها الإنسان مثل الكتب والأعمال الفنية والآلات الموسيقية وأدوات الرسم ..إلخ، مثلا الإنسان الذي نشأ في بيت به مكتبة كبيرة له من حيث المبدأ أفضلية ثقافية بالمقارنة مع أقرانه الذين لم يحظوا بنفس الفرصة.
2. التعليم الرسمي، وهو ما يحصل عليه الإنسان من معارف وشهادات من خلال المدارس والجامعات. الإنسان الذي حظي مثلا بتعليم جيد لأن والديه كانت لهم القدرة والرغبة ليدرس في مدارس وجامعات راقية ذات سمعة ستكون له من حيث المبدأ الأفضلية على أقرانه الذين دخلوا مدارس عادية.
3. مجموع المهارات والمعارف التي يكتسبها الإنسان خارج التعليم الرسمي مثل الحرف واللغات. إنسان نشأ في عائلة تمتهن تجارة السيارات مثلا ستكون له من حيث المبدأ أفضلية في تجارة السيارات بالمقارنة مع شخص نشأ في عائلة موظفين حكوميين.
رأس المال الاجتماعي:
يمثل الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد التي ورثها عن عائلته أو اكتسبها خلال حياته والقادر على استعمالها عند الحاجة أو لديها ما تقدمه له من معارف وخبرات وأفكار مفيدة. فإن كنت تملك شبكة اجتماعية نافذة وذات مستوى اجتماعي وثقافي مرتفع فإنها تفتح لك أبوابا يصعب جدا أن تفتح لشخص رأس ماله الاجتماعي محدود. شخص مثلا نشأ في بيئة من المصرفيين وآخر في بيئة من التجار وثالث في بيئة من المعلمين ورابع في بيئة من الفلاحين لن تكون لهم مبدئيا حظوظ متساوية في كل المجالات، فابن البيئة المصرفية يصعب عليك التفوق عليه في البنوك حتى وإن كنت أذكى وأكثر اجتهادا منه لأنه يأتي وهو يحمل معه شبكته الاجتماعية ذات الخبرة الواسعة لتفتح له الطريق منذ البداية –وحتى بغض النظر عن الواسطة– إلى ما عليه فعله وأين وكيف ومتى، وما هي المدارس والشهادات المناسبة، وما هو الضروري والمطلوب في السيرة الذاتية (CV)، وأين وكيف يأخذ أفضل الدورات التدريبية، وما هي البنوك المناسبة له، في الوقت الذي تكون فيه أنت حائرا ولا تدري من أين وكيف تبدأ.
رأس المال الرمزي:
إذا أردنا اختزال هذا الصنف نقول هو "البريستيج" أو السمات والصفات التي يمتلكها الإنسان ولها تقديرها في المجتمع، قد تكون النسب أو السمعة أو سمات دينية أو ثقافية أو الجمال أو الهيئة أو اللكنة ..إلخ. في حي تكثر فيه الجريمة مثلا، يكون من رأس المال الرمزي أن يكون لك هيئة معينة وطريقة كلام خاصة توحي بأنك صاحب سوابق. في بيئة برجوازية يكون من رأس المال الرمزي أن تلبس من علامات معينة وتتحدث بطريقة معينة. وفي بيئة سلفية ينبغي أن تتبنى هيئة خاصة ليتم قبولك ويكون لك مكانة.
يتبع..
من الأمثلة على هذا، بعض المفاهيم التي جاء بها عالم الاجتماع الماركسي "بيير بورديو"، وهي المفاهيم التي قسم من خلالها رأس المال إلى عدة أنواع أو بالأحرى صنف أنواعا جديد غير رأس المال كما تعرفه الناس الذي سماه "رأس المال الاقتصادي" أي ما يمتلكه الإنسان من أموال بمختلف أشكالها المنقولة وغير المنقولة.
حسب بورديو، لا تحافظ الطبقة البرجوازية على هيمنتها فقط من خلال اكتساب المزيد من المال وتوريثه إلى أبنائها بل الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فبالإضافة إلى رأس المال الاقتصادي هناك كذلك 3 أنواع أخرى هي: رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي. وكل قسم من هذه الأقسام الأربعة يمكنه أن يخدم الآخرين ويساهم في نموها، وقد يكون اكتساب وتوريث رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي أكثر أهمية من اكتساب وتوريث رأس المال الاقتصادي الذي قد يضيع بسهولة، الأمر هنا ينطبق عليه نوعا ما المثل الصيني المعروف: "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطادها".
رأس المال الثقافي:
وينقسم إلى ثلاثة أصناف أساسية:
1. المقتنيات الثقافية التي يمتلكها الإنسان مثل الكتب والأعمال الفنية والآلات الموسيقية وأدوات الرسم ..إلخ، مثلا الإنسان الذي نشأ في بيت به مكتبة كبيرة له من حيث المبدأ أفضلية ثقافية بالمقارنة مع أقرانه الذين لم يحظوا بنفس الفرصة.
2. التعليم الرسمي، وهو ما يحصل عليه الإنسان من معارف وشهادات من خلال المدارس والجامعات. الإنسان الذي حظي مثلا بتعليم جيد لأن والديه كانت لهم القدرة والرغبة ليدرس في مدارس وجامعات راقية ذات سمعة ستكون له من حيث المبدأ الأفضلية على أقرانه الذين دخلوا مدارس عادية.
3. مجموع المهارات والمعارف التي يكتسبها الإنسان خارج التعليم الرسمي مثل الحرف واللغات. إنسان نشأ في عائلة تمتهن تجارة السيارات مثلا ستكون له من حيث المبدأ أفضلية في تجارة السيارات بالمقارنة مع شخص نشأ في عائلة موظفين حكوميين.
رأس المال الاجتماعي:
يمثل الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد التي ورثها عن عائلته أو اكتسبها خلال حياته والقادر على استعمالها عند الحاجة أو لديها ما تقدمه له من معارف وخبرات وأفكار مفيدة. فإن كنت تملك شبكة اجتماعية نافذة وذات مستوى اجتماعي وثقافي مرتفع فإنها تفتح لك أبوابا يصعب جدا أن تفتح لشخص رأس ماله الاجتماعي محدود. شخص مثلا نشأ في بيئة من المصرفيين وآخر في بيئة من التجار وثالث في بيئة من المعلمين ورابع في بيئة من الفلاحين لن تكون لهم مبدئيا حظوظ متساوية في كل المجالات، فابن البيئة المصرفية يصعب عليك التفوق عليه في البنوك حتى وإن كنت أذكى وأكثر اجتهادا منه لأنه يأتي وهو يحمل معه شبكته الاجتماعية ذات الخبرة الواسعة لتفتح له الطريق منذ البداية –وحتى بغض النظر عن الواسطة– إلى ما عليه فعله وأين وكيف ومتى، وما هي المدارس والشهادات المناسبة، وما هو الضروري والمطلوب في السيرة الذاتية (CV)، وأين وكيف يأخذ أفضل الدورات التدريبية، وما هي البنوك المناسبة له، في الوقت الذي تكون فيه أنت حائرا ولا تدري من أين وكيف تبدأ.
رأس المال الرمزي:
إذا أردنا اختزال هذا الصنف نقول هو "البريستيج" أو السمات والصفات التي يمتلكها الإنسان ولها تقديرها في المجتمع، قد تكون النسب أو السمعة أو سمات دينية أو ثقافية أو الجمال أو الهيئة أو اللكنة ..إلخ. في حي تكثر فيه الجريمة مثلا، يكون من رأس المال الرمزي أن يكون لك هيئة معينة وطريقة كلام خاصة توحي بأنك صاحب سوابق. في بيئة برجوازية يكون من رأس المال الرمزي أن تلبس من علامات معينة وتتحدث بطريقة معينة. وفي بيئة سلفية ينبغي أن تتبنى هيئة خاصة ليتم قبولك ويكون لك مكانة.
يتبع..
❤38👍11🔥2
تكملة
لماذا نتحدث عن هذه التقسيمات، ولماذا نحتاج معرفتها وفهمها؟
بالنسبة لبيير بورديو كمفكر ماركسي هدفه تحقيق المساواة فإنه يحتاج إلى هذه التقسيمات لفهم آلية هيمنة الطبقة البرجوازية وكيف تستعمل مختلف أشكال رأس مال لتحافظ على مكتسباتها، فالتعليم مثلا بالنسبة له ما هو سوى واجهة خادعة توحي بأنها تقدم فرصا متساوية للجميع، في حين أن دورها الحقيقي هو شرعنة الهيمنة البرجوازية من خلال فكرة أن النجاح كان من نصيب من يستحقونه. كذلك بالنسبة للرأس المال الاجتماعي الذي تنسج من خلاله البرجوازية شبكتها الاجتماعية التي تسمح لأفرادها بخدمة بعضهم البعض بعيدا عن بقية الطبقات، ومن أجل ذلك تُنشأ البرجوازية مثلا أحياءها ومدارسها الخاصة ونواديها الرياضية والترفيهية ومناطقها السياحية ..إلخ التي توضع لها حواجز أمام دخول غيرها من الطبقات من خلال الأسعار الخيالية والشروط الاجتماعية والثقافية والرمزية الخاصة بالبرجوازية. نفس الفكرة يسحبها بورديو على رأس المال الرمزي، حيث يرى أن البرجوازية تعطي بعض الصفات أو العادات أو الأماكن أو العلامات قيمة غير حقيقية لتميز نفسها وتعطيها بريستيج خاصا بها مثل لعب الغولف أو التنس أو التحدث بلغة أجنبية أو بلكنة مختلفة.
الذي سبق هو ما وصفناه في بداية المنشور بأنه من أهداف صاحب الفكرة التي قد تنفر من يخالفه أيديولوجيا وتبعده عن جوهر الفكرة. فبورديو هنا غايته البحث عن سبيل لتحقيق المساواة والتكافؤ المطلق في الفرص، الأمر الذي قد يعتبره آخرون طوباوية مستحيلة وأن السعي لتحقيقها هو ما يأتي بالجحيم، لأن من طبيعة البشر والحياة عموما اللامساواة. لهذا فإن الذي يهمنا هنا من فهم تقسيمات رأس المال أمرين:
الأول هو إدراك أن خطاب التنمية البشرية والعصامية و Self-made man ما هو سوى وهم يوحي للناس أن الحياة مؤسسة على الجدارة فقط، وأن الاجتهاد في العمل والاستيقاظ مبكرا لوحده كاف لتحقيق الثروة، وهذا ما ينتهي –في غالب الأحيان– بالصدمة أمام الواقع. وهنا يستعمل كثيرا أصحاب خطاب العصامية مغالطة تعرف بـ "انحياز البقاء" Survivorship bias التي يركز فيها على حالات النجاح الاستثنائية (الأشخاص الناجين) ويتناسون تماما حالات الفشل التي تمثل الغالبية الساحقة، فتجدهم مثلا يقولون لك إن فلانا قد أصبح أغنى رجل في العالم ولم يكن يملك سوى مستودع والديه وكأن هذه الحالة قابلة للتكرار ملايين المرات، وحتى في هذه الحالة الاستثنائية لا يركزون سوى على رأس المال الاقتصادي ويغضون الطرف عن رأس المال الثقافي والاجتماعي لشخص كان يدرس في أرقى جامعات العالم (هارفرد) وشبكته الاجتماعية تختلف تماما عن شبكة ابن فلاح بسيط في الريف الأمريكي.
الثاني من أجلك كفرد، لأن فهم هذه التقسيمات يجعل فهم خيارات الناس التي تبدو غير منطقية معقولة تماما، كما يساعدك كفرد على اتخاذ قراراتك ضمن ما هو ممكن، لأنك قد تجد أحيانا شابا لا يستوعب قيمة الشهادة الجامعية التي حصل أو سيحصل عليها ما لم تقدم له وظيفة مباشرة، لأنه لا يرى ما تقدمه له الشهادة من رأس مال اجتماعي وثقافي ورمزي، فهو لا يدرك أنه لو ترك الدراسة مبكرا فستكون شبكته الاجتماعية محدودة أكثر ولا تملك أفقا واسعا قد يساعده على الخروج من حالته، في حين أنه كلما إرتفع في السلم الدراسي كلما تحسنت نوعية شبكته الاجتماعية. وهنا طبعا يبدأ في استعمال مغالطة انحياز البقاء، ويضرب لك المثل بفلان الذي ترك الدراسة في الابتدائي وهو حاليا تاجر ناجح دون أن تكون له دراية بما يملكه هذا الشخص من رؤوس أموال غير الشهادة ساعدته في النجاح تجاريا في حين أن صاحبنا لا يملك منها شيء. وحتى وإن لم يستفد من شهادته بشيء فسيفيد أبنائه منها لكونه شخص له خبرة دراسية وأصبحت له معرفة بأفضل الخيارات وأي الأخطاء يجب على أبناءه تجنبها. وهكذا بالنسبة للعديد من القرارات التي قد يتخذها الإنسان مثل أي حي أو مدينة يختارهما للسكن أو أي مدرسة يختارها لأبنائه ..إلخ.
لماذا نتحدث عن هذه التقسيمات، ولماذا نحتاج معرفتها وفهمها؟
بالنسبة لبيير بورديو كمفكر ماركسي هدفه تحقيق المساواة فإنه يحتاج إلى هذه التقسيمات لفهم آلية هيمنة الطبقة البرجوازية وكيف تستعمل مختلف أشكال رأس مال لتحافظ على مكتسباتها، فالتعليم مثلا بالنسبة له ما هو سوى واجهة خادعة توحي بأنها تقدم فرصا متساوية للجميع، في حين أن دورها الحقيقي هو شرعنة الهيمنة البرجوازية من خلال فكرة أن النجاح كان من نصيب من يستحقونه. كذلك بالنسبة للرأس المال الاجتماعي الذي تنسج من خلاله البرجوازية شبكتها الاجتماعية التي تسمح لأفرادها بخدمة بعضهم البعض بعيدا عن بقية الطبقات، ومن أجل ذلك تُنشأ البرجوازية مثلا أحياءها ومدارسها الخاصة ونواديها الرياضية والترفيهية ومناطقها السياحية ..إلخ التي توضع لها حواجز أمام دخول غيرها من الطبقات من خلال الأسعار الخيالية والشروط الاجتماعية والثقافية والرمزية الخاصة بالبرجوازية. نفس الفكرة يسحبها بورديو على رأس المال الرمزي، حيث يرى أن البرجوازية تعطي بعض الصفات أو العادات أو الأماكن أو العلامات قيمة غير حقيقية لتميز نفسها وتعطيها بريستيج خاصا بها مثل لعب الغولف أو التنس أو التحدث بلغة أجنبية أو بلكنة مختلفة.
الذي سبق هو ما وصفناه في بداية المنشور بأنه من أهداف صاحب الفكرة التي قد تنفر من يخالفه أيديولوجيا وتبعده عن جوهر الفكرة. فبورديو هنا غايته البحث عن سبيل لتحقيق المساواة والتكافؤ المطلق في الفرص، الأمر الذي قد يعتبره آخرون طوباوية مستحيلة وأن السعي لتحقيقها هو ما يأتي بالجحيم، لأن من طبيعة البشر والحياة عموما اللامساواة. لهذا فإن الذي يهمنا هنا من فهم تقسيمات رأس المال أمرين:
الأول هو إدراك أن خطاب التنمية البشرية والعصامية و Self-made man ما هو سوى وهم يوحي للناس أن الحياة مؤسسة على الجدارة فقط، وأن الاجتهاد في العمل والاستيقاظ مبكرا لوحده كاف لتحقيق الثروة، وهذا ما ينتهي –في غالب الأحيان– بالصدمة أمام الواقع. وهنا يستعمل كثيرا أصحاب خطاب العصامية مغالطة تعرف بـ "انحياز البقاء" Survivorship bias التي يركز فيها على حالات النجاح الاستثنائية (الأشخاص الناجين) ويتناسون تماما حالات الفشل التي تمثل الغالبية الساحقة، فتجدهم مثلا يقولون لك إن فلانا قد أصبح أغنى رجل في العالم ولم يكن يملك سوى مستودع والديه وكأن هذه الحالة قابلة للتكرار ملايين المرات، وحتى في هذه الحالة الاستثنائية لا يركزون سوى على رأس المال الاقتصادي ويغضون الطرف عن رأس المال الثقافي والاجتماعي لشخص كان يدرس في أرقى جامعات العالم (هارفرد) وشبكته الاجتماعية تختلف تماما عن شبكة ابن فلاح بسيط في الريف الأمريكي.
الثاني من أجلك كفرد، لأن فهم هذه التقسيمات يجعل فهم خيارات الناس التي تبدو غير منطقية معقولة تماما، كما يساعدك كفرد على اتخاذ قراراتك ضمن ما هو ممكن، لأنك قد تجد أحيانا شابا لا يستوعب قيمة الشهادة الجامعية التي حصل أو سيحصل عليها ما لم تقدم له وظيفة مباشرة، لأنه لا يرى ما تقدمه له الشهادة من رأس مال اجتماعي وثقافي ورمزي، فهو لا يدرك أنه لو ترك الدراسة مبكرا فستكون شبكته الاجتماعية محدودة أكثر ولا تملك أفقا واسعا قد يساعده على الخروج من حالته، في حين أنه كلما إرتفع في السلم الدراسي كلما تحسنت نوعية شبكته الاجتماعية. وهنا طبعا يبدأ في استعمال مغالطة انحياز البقاء، ويضرب لك المثل بفلان الذي ترك الدراسة في الابتدائي وهو حاليا تاجر ناجح دون أن تكون له دراية بما يملكه هذا الشخص من رؤوس أموال غير الشهادة ساعدته في النجاح تجاريا في حين أن صاحبنا لا يملك منها شيء. وحتى وإن لم يستفد من شهادته بشيء فسيفيد أبنائه منها لكونه شخص له خبرة دراسية وأصبحت له معرفة بأفضل الخيارات وأي الأخطاء يجب على أبناءه تجنبها. وهكذا بالنسبة للعديد من القرارات التي قد يتخذها الإنسان مثل أي حي أو مدينة يختارهما للسكن أو أي مدرسة يختارها لأبنائه ..إلخ.
❤59👍25🔥4👌4🤯3
حسّ سليم
Photo
الألعاب الأولمبية هي من الأمثلة الكثيرة على تدنيس الإنسان المعاصر –المسيحي سابقا– لكل ما هو مقدس نتيجة استحداثه فصلا واضحا لم يكن معروفا –قبل المسيحية ونسختها دون إله (العلمانية)– بين ما هو ديني ودنيوي، وبين ما هو مقدس ومدنس، فجعل الديني محصورا فقط بالماورائيات والروحانيات الطاهرة مقابل الحياة الأرضية المدنسة (يد الغنوصية كذلك واضحة)، لأن المسيح يقول: "مملكتي ليست من هذا العالم"، وبالتالي لم يأتي المسيح بالنسبة للمسيحية ليقول شيء عن الحياة، من أجل ذلك عندما سأله دوهيال عن حكم دفع الجزية إلى الرومان قال: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". أما غير المسيحيين قبل الحداثة التي زرعت المفاهيم المسيحية دون إله في أرجاء العالم، فقد كانوا لا يستوعبون هذا الفصل الواضح بين المقدس والمدنس ولا يفهمونه، كل شيء بالنسبة لهم يمثل وحدة واحدة، فما هو ديني هو كذلك دنيوي، وما هو دنيوي هو كذلك ديني.
من أجل ذلك وصلت إلينا اليوم الألعاب الأولمبية كمجرد مناسبة رياضية للتنافس والتسلية تماما مثل كأس العالم لكرة القدم، لكنها بالنسبة لأصحابها الأصليين، أي اليونانيين القدماء، كانت تمثل حجاً دينياً وطقساً مقدساً.
كان الإغريق يبعثون بالرسل إلى مختلف المدن اليونانية لتوقف الحرب بينها وتعلن الهدنة في وقت معين من الصيف كل أربع سنوات حتى يتسنى للراغبين في المشاركة (الحج) الذهاب إلى مدينة أو منطقة أوليمبيا أي يجتمع المتنافسون (الحجاج) عند معبد أوليمبيا تعظيما للإله زيوس. يبدأ الأمر في اليوم الأول بالاحتفال وتقديم القرابين، ثم تنطلق في الأربعة أيام التالية المنافسات التي هي في الحقيقة محاكاة جزئية لملحمة هرقل (نصف إله) وحروب وتنافس الآلهة حيث انتصر زيوس على كرونوس من خلال المصارعة، وانتصر أبولو على أريس في الملاكمة ثم على هرمس في سباق الجري (الميثولوجيا اليونانية لها نسخ كثيرة، لكن جوهرها واحد). ثم تنتهي الألعاب بتتويج الفائزين بتاج من ورق الزيتون الأولمبي المقدس دون تقديم أي مكافآت مالية أو ما شابه ذلك كما يفعل المعاصرون الذين تفقد عندهم دونها هذه الألعاب قيمتها ومعناها.
كانت الألعاب الأولمبية أقدس حدث ديني لدى الإغريق، لكن كانت هناك مناسبات أخرى مشابهة تقام فيها الألعاب تعظيما لآلهة مختلفة، وهذا يأخذنا إلى ضرورة فهم نظرة الإغريق للرياضة عموما، فهي لم تكن مجرد غاية صحية بل جزءًا من تصور ميثولوجي للوجود يقدس الكون (الكوسموس) ويراه عادلا وجميلا وجيد من خلال ما يضعه من هرمية للكائنات تجعل لكل كائن مكان ينبغي أن يلتزم به وإلا تحدث فوضى وبالتالي الهلاك (من خلال هذا وتفاصيل ميثولوجية أخرى يمكن فهم قدر كبير من الفلسفة اليونانية)، والرياضة هي نوع من التماهي مع هذا الكون العادل والجميل والجيد، لذلك نرى هوس الإغريق بنحت التماثيل التي تبرز فيها كل العضلات.
الألعاب الأولمبية الحالية بالنسبة للإغريق هي مثل تحويل الحج إلى حدث رياضي بالنسبة للمسلمين، سيعتبرون ذلك إما سخيفا ومثيرا للضحك أو إهانة لهم ولمقدساتهم.
من أجل ذلك وصلت إلينا اليوم الألعاب الأولمبية كمجرد مناسبة رياضية للتنافس والتسلية تماما مثل كأس العالم لكرة القدم، لكنها بالنسبة لأصحابها الأصليين، أي اليونانيين القدماء، كانت تمثل حجاً دينياً وطقساً مقدساً.
كان الإغريق يبعثون بالرسل إلى مختلف المدن اليونانية لتوقف الحرب بينها وتعلن الهدنة في وقت معين من الصيف كل أربع سنوات حتى يتسنى للراغبين في المشاركة (الحج) الذهاب إلى مدينة أو منطقة أوليمبيا أي يجتمع المتنافسون (الحجاج) عند معبد أوليمبيا تعظيما للإله زيوس. يبدأ الأمر في اليوم الأول بالاحتفال وتقديم القرابين، ثم تنطلق في الأربعة أيام التالية المنافسات التي هي في الحقيقة محاكاة جزئية لملحمة هرقل (نصف إله) وحروب وتنافس الآلهة حيث انتصر زيوس على كرونوس من خلال المصارعة، وانتصر أبولو على أريس في الملاكمة ثم على هرمس في سباق الجري (الميثولوجيا اليونانية لها نسخ كثيرة، لكن جوهرها واحد). ثم تنتهي الألعاب بتتويج الفائزين بتاج من ورق الزيتون الأولمبي المقدس دون تقديم أي مكافآت مالية أو ما شابه ذلك كما يفعل المعاصرون الذين تفقد عندهم دونها هذه الألعاب قيمتها ومعناها.
كانت الألعاب الأولمبية أقدس حدث ديني لدى الإغريق، لكن كانت هناك مناسبات أخرى مشابهة تقام فيها الألعاب تعظيما لآلهة مختلفة، وهذا يأخذنا إلى ضرورة فهم نظرة الإغريق للرياضة عموما، فهي لم تكن مجرد غاية صحية بل جزءًا من تصور ميثولوجي للوجود يقدس الكون (الكوسموس) ويراه عادلا وجميلا وجيد من خلال ما يضعه من هرمية للكائنات تجعل لكل كائن مكان ينبغي أن يلتزم به وإلا تحدث فوضى وبالتالي الهلاك (من خلال هذا وتفاصيل ميثولوجية أخرى يمكن فهم قدر كبير من الفلسفة اليونانية)، والرياضة هي نوع من التماهي مع هذا الكون العادل والجميل والجيد، لذلك نرى هوس الإغريق بنحت التماثيل التي تبرز فيها كل العضلات.
الألعاب الأولمبية الحالية بالنسبة للإغريق هي مثل تحويل الحج إلى حدث رياضي بالنسبة للمسلمين، سيعتبرون ذلك إما سخيفا ومثيرا للضحك أو إهانة لهم ولمقدساتهم.
❤44👍25💯2🤯1
حسّ سليم
Photo
جوهرة العقد في حفل افتتاح الألعاب الأولمبية كان ذلك الأزرق الذي مثل دور ديونيسوس ومن حوله الباكوسيات على مائدة العشاء الأخير، لأن البشرية شهدت حقا حفلا ديونيسوسي، بل هي تعيش في عالم أصبح ديونيسوسي.
ديونيسوس هو إله يوناني، وهو أكثر الآلهة غرابة من حيث دوره ومكانته في الميثولوجيا اليونانية، فهو إحدى الآلهة الأولمبية الاثني عشر الأكثر أهمية رغم أن أمه بشرية وسلوكه غريب جدا بشكل جعل الباحثين دائما يتجادلون حول أسباب ترك الإله زيوس له رغم هوسه بالنظام، وقبل ذلك لماذا ضمنه الإغريق في ميثولوجيتهم رغم شخصيته الفوضوية والمفرطة في كل شيء وهم لا يمقتون شيئا كمقتهم الإفراط والفوضى في الكون؟
ديونيسوس هو إله الخمر والجنون والاحتفال والمجون والطبيعة الوحشية والسادية وكل أنواع الانحرافات الجنسية، إله يجمع بين الكثير من المتناقضات، فهو ذكر وأنثى في نفس الوقت، وحكيم ومجنون، وإله وإنسان، وغني وفقير، ومتحضر ومتوحش، وسادي ولطيف، وأجنبي ومحلي في آن واحد (Metic)، فيه شيء من الحضارات الأخرى التي زارها كفارس والهند وبلاد الرافدين، ويمضي وقته في الترحال بين المدن اليونانية، رحالة أبدي ينتمي إلى هنا وفي نفس الوقت إلى هناك، لو كان إنسانا يعيش بيننا اليوم لوصف بالمواطن العالمي الذي لا ينتمي إلى شيء سوى إلى رغباته ومجونه.
في الميثولوجيا اليونانية كان ديونيسوس يتنقل بين المدن ومعه موكبه الاحتفالي الذي يضم نساءً أفقدهن عقلهن يُعرفن بـ "الباكوسيات"، هؤلاء الباكوسيات لا يتركن انحرافا جنسيا أو غير جنسي إلا يأتينه، مع أفعال سادية ووحشية مرعبة نحو الأطفال والحيوانات. وعلى خطى ديونيسوس كان عُباده وكاهناته الباكوسيات في الواقع يسيرون في مواكب احتفالية ماجنة لتعظيمه تجوب مختلف مدن اليونان وحتى البحر المتوسط إلى أن منعهم من ذلك الرومان، لكنهم واصلوا طقوسهم بشكل سري إلى أن استأصلت طقوسهم المسيحية في النهاية مثلما استأصلت كل الطقوس الوثنية أو جعلتها مسيحية.
إذن كان اختيارا موفقا من منظمي الحفل، وهم يعلمون جيدا من هو ديونيسوس، فلا أحسن منه لتمثيل الإنسان اللامنتمي والمعولم والاحتفالي والمنحرف، وإن كنت تراها صفات قبيحة فهي بالنسبة لهم عين الفضيلة.
ديونيسوس هو إله يوناني، وهو أكثر الآلهة غرابة من حيث دوره ومكانته في الميثولوجيا اليونانية، فهو إحدى الآلهة الأولمبية الاثني عشر الأكثر أهمية رغم أن أمه بشرية وسلوكه غريب جدا بشكل جعل الباحثين دائما يتجادلون حول أسباب ترك الإله زيوس له رغم هوسه بالنظام، وقبل ذلك لماذا ضمنه الإغريق في ميثولوجيتهم رغم شخصيته الفوضوية والمفرطة في كل شيء وهم لا يمقتون شيئا كمقتهم الإفراط والفوضى في الكون؟
ديونيسوس هو إله الخمر والجنون والاحتفال والمجون والطبيعة الوحشية والسادية وكل أنواع الانحرافات الجنسية، إله يجمع بين الكثير من المتناقضات، فهو ذكر وأنثى في نفس الوقت، وحكيم ومجنون، وإله وإنسان، وغني وفقير، ومتحضر ومتوحش، وسادي ولطيف، وأجنبي ومحلي في آن واحد (Metic)، فيه شيء من الحضارات الأخرى التي زارها كفارس والهند وبلاد الرافدين، ويمضي وقته في الترحال بين المدن اليونانية، رحالة أبدي ينتمي إلى هنا وفي نفس الوقت إلى هناك، لو كان إنسانا يعيش بيننا اليوم لوصف بالمواطن العالمي الذي لا ينتمي إلى شيء سوى إلى رغباته ومجونه.
في الميثولوجيا اليونانية كان ديونيسوس يتنقل بين المدن ومعه موكبه الاحتفالي الذي يضم نساءً أفقدهن عقلهن يُعرفن بـ "الباكوسيات"، هؤلاء الباكوسيات لا يتركن انحرافا جنسيا أو غير جنسي إلا يأتينه، مع أفعال سادية ووحشية مرعبة نحو الأطفال والحيوانات. وعلى خطى ديونيسوس كان عُباده وكاهناته الباكوسيات في الواقع يسيرون في مواكب احتفالية ماجنة لتعظيمه تجوب مختلف مدن اليونان وحتى البحر المتوسط إلى أن منعهم من ذلك الرومان، لكنهم واصلوا طقوسهم بشكل سري إلى أن استأصلت طقوسهم المسيحية في النهاية مثلما استأصلت كل الطقوس الوثنية أو جعلتها مسيحية.
إذن كان اختيارا موفقا من منظمي الحفل، وهم يعلمون جيدا من هو ديونيسوس، فلا أحسن منه لتمثيل الإنسان اللامنتمي والمعولم والاحتفالي والمنحرف، وإن كنت تراها صفات قبيحة فهي بالنسبة لهم عين الفضيلة.
❤54👍34🤯13👎2👌2
حسّ سليم
Photo
على سيرة ديونيسوس… لا يعني استعمالهم بعض المفاهيم أو الآلهة اليونانية أنهم يريدون فعلاً إحياء ذلك التراث، لدينا نموذج مشابه لهم ممن يدعون إحياء الحضارات البائدة والمومياءات المحنطة، لكنهم لا يعودون إلى الماضي الميت إلا للتسوق وانتقاء ما يريدونه سلفا من خلال نزعه عن سياقه وتفريغه من محتواه، فيأخذون منه ما يناسب أيديولوجيات عصرهم فقط ولا يزيدون على ذلك قيد أنملة، ليكتسبوا بعض البريستيج التاريخي ضد خصومهم في الحاضر، وإلا فإنهم لا يتحملون العيش في ظل ذلك التراث البائد دون بتر خمس دقائق. هكذا الأمر بالنسبة لديونيسوس –أو غيره– الذي كان له دور محدد في الثقافة اليونانية وانتزاعه منه أمر سخيف وبلا معنى في نظر الإغريق، فهو كان بالنسبة لهم، حسب بعض المفسرين، يمثل ما يشبه صمام الأمان الذي يمنع الانفجار، والبعض يقول إنه مثل الحصاة في النعل، وآخرون يقولون إنه الفوضى التي يكتمل بها النظام، في كل الأحوال هو جزء بسيط من الكل، لكن الذين يأتون به إلى العصر الحديث يريدون جعله هو الكل، لأن أيديولوجياتهم ديونيسوسية حتى دون معرفة ديونيسوس.
عادة الاستعانة بالحضارات القديمة، وخاصة اليونانية، في الصراعات الأيديولوجية ليست بالأمر الحديث. في عصر التنوير وقبله عصر النهضة كانوا مهووسين بكل ما هو يوناني قديم، وانعكس ذلك على كل أشكال الأدب والفن في عصر النهضة وما بعده. بالنسبة لرواد عصر النهضة والتنوير كانت العودة إلى اليونان القديمة هي الحل. لكن المفارقة المضحكة أنهم أحيوا قشور الحضارة اليونانية فقط من أدب وتماثيل، في الوقت الذي كانوا يحاربون فيه بقايا جوهر الحضارة اليونانية في أوروبا المتمثل في الأرستقراطية، أوروبا القرون الوسطى ذات الشكل المسيحي كانت أكثر يونانية من عصر التنوير (سلف اليسار) الذي أسقط الأرستقراطية من خلال علمنة المساواة المسيحية (فكرة المساواة أمام الله التي هي المساواة الوحيدة الممكنة لأن البشر في الواقع لا يمكن أن يتساوو)، في حين أن المساواة هي أعلى درجات الرذيلة لدى اليونانيين القدماء، المساواة بالنسبة للإغريق تعني الفوضى المطلقة وبالتالي اختلال توازن الكون الذي يعني أن الآلهة ستنتقم منهم.
لنأخذ على سبيل المثال الألعاب الأولمبية، هل تم إحياءها فعلا كما كانت لدى الإغريق؟ بغض النظر عن أبعادها الدينية التي كانت جوهرية بالنسبة للإغريق، فالألعاب الأولمبية الحالية لا تشبه في شيء تقريبا نسختها الأصلية التي كان لا يشارك فيها إلا الرجل اليوناني الحر الذي له سيرة حسنة، وتمنع عن العبيد والأجانب والنساء حتى لمجرد المشاهدة، باستثناء الفتيات العذروات لأنهن الوحيدات المسموح لهن دخول حرم المعبد الذي تجري فيه الألعاب. فهل يمكن للمعاصرين مجرد تقبل جزء بسيط من هذا؟
وحتى الديموقراطية التي يقال أنها مستمدة من اليونان، لا تشبه في شيء الديموقراطية اليونانية القديمة سوى في الاسم تقريبا.
إذن لا ينبغي أن نأخذ هذا الصنف –سواءً كان ذلك عندنا أو في الغرب– على محمل الجد بخصوص رغبتهم في العودة إلى ذلك الماضي الذي لا يعني لهم شيء سوى شرعنة أيديولوجياتهم المعاصرة.
عادة الاستعانة بالحضارات القديمة، وخاصة اليونانية، في الصراعات الأيديولوجية ليست بالأمر الحديث. في عصر التنوير وقبله عصر النهضة كانوا مهووسين بكل ما هو يوناني قديم، وانعكس ذلك على كل أشكال الأدب والفن في عصر النهضة وما بعده. بالنسبة لرواد عصر النهضة والتنوير كانت العودة إلى اليونان القديمة هي الحل. لكن المفارقة المضحكة أنهم أحيوا قشور الحضارة اليونانية فقط من أدب وتماثيل، في الوقت الذي كانوا يحاربون فيه بقايا جوهر الحضارة اليونانية في أوروبا المتمثل في الأرستقراطية، أوروبا القرون الوسطى ذات الشكل المسيحي كانت أكثر يونانية من عصر التنوير (سلف اليسار) الذي أسقط الأرستقراطية من خلال علمنة المساواة المسيحية (فكرة المساواة أمام الله التي هي المساواة الوحيدة الممكنة لأن البشر في الواقع لا يمكن أن يتساوو)، في حين أن المساواة هي أعلى درجات الرذيلة لدى اليونانيين القدماء، المساواة بالنسبة للإغريق تعني الفوضى المطلقة وبالتالي اختلال توازن الكون الذي يعني أن الآلهة ستنتقم منهم.
لنأخذ على سبيل المثال الألعاب الأولمبية، هل تم إحياءها فعلا كما كانت لدى الإغريق؟ بغض النظر عن أبعادها الدينية التي كانت جوهرية بالنسبة للإغريق، فالألعاب الأولمبية الحالية لا تشبه في شيء تقريبا نسختها الأصلية التي كان لا يشارك فيها إلا الرجل اليوناني الحر الذي له سيرة حسنة، وتمنع عن العبيد والأجانب والنساء حتى لمجرد المشاهدة، باستثناء الفتيات العذروات لأنهن الوحيدات المسموح لهن دخول حرم المعبد الذي تجري فيه الألعاب. فهل يمكن للمعاصرين مجرد تقبل جزء بسيط من هذا؟
وحتى الديموقراطية التي يقال أنها مستمدة من اليونان، لا تشبه في شيء الديموقراطية اليونانية القديمة سوى في الاسم تقريبا.
إذن لا ينبغي أن نأخذ هذا الصنف –سواءً كان ذلك عندنا أو في الغرب– على محمل الجد بخصوص رغبتهم في العودة إلى ذلك الماضي الذي لا يعني لهم شيء سوى شرعنة أيديولوجياتهم المعاصرة.
👍58❤🔥18👌6❤5👎3🔥1
غريب كيف أن البعض يناقش هل كان المشهد لـ "العشاء الأخير" أم لا، ويصف الناس بأنهم جهلة وليس لديهم ثقافة لذلك لم يستوعبوا أن المشهد لـ"وليمة الآلهة"، والغالبية الساحقة من هؤلاء "المثقفين" لم يسمع من قبل عن شيء اسمه "وليمة الآلهة". والأغرب من هذا يعتقدون أن الذي استفز الناس عندنا هو هل كان ذلك المشهد يمثل العشاء الأخير أم وليمة الآلهة أم عرس خالة ماكرون؟ وكأن عامة الناس عندنا تعرف ما هو العشاء الأخير، وإذا عرفته ستهتم لذلك.
لم يلفت ذلك المشهد انتباه عامة الناس عندنا إلا بسبب مشهد المتحولين والأزرق شبه العاري بغض النظر عن من هو، ولم يخطر على بالهم أن الأمر مرتبط بالمسيحية إلا بعد ساعات من خلال الضجة الإعلامية العالمية. ذلك السيل الملون الذي يجتاح العالم منذ سنوات من خلال البروباغندا الغربية في كل مكان هو ما يحرك الناس.
في الحقيقة منذ اللحظة الأولى كان كل الإعلام الفرنسي بلا استثناء يصف ذلك المشهد بـ "العشاء الأخير"، وهذا بديهي لأن كل شيء في المشهد يدل عليها وبعيد تماما عن وليمة الآلهة حتى بالنسبة للعارف بها، ودخول ديونيسوس على المشهد جاء متأخرا بـ40 دقيقة، بالإضافة إلى وقوف كل المشاركين خلف المائدة بخلاف لوحة وليمة الآلهة.
والأهم من كل هذا، بعد بضع ساعات من الحفل صرح أحد المتحولين (Piche) في المشهد بأنه يمثل العشاء الأخير، وكذلك الكاتب المسرحي للحفل (Damien Gabriac)، فهل هؤلاء حمقى لا يفهمون شيء؟ وبعد يومين يخرج فجأة المدير الفني للحفل ليرقع المشهد ويقول إنه لوليمة الآلهة، وفي نفس الوقت اللجنة المنظمة تقدم اعتذارها.
لم يلفت ذلك المشهد انتباه عامة الناس عندنا إلا بسبب مشهد المتحولين والأزرق شبه العاري بغض النظر عن من هو، ولم يخطر على بالهم أن الأمر مرتبط بالمسيحية إلا بعد ساعات من خلال الضجة الإعلامية العالمية. ذلك السيل الملون الذي يجتاح العالم منذ سنوات من خلال البروباغندا الغربية في كل مكان هو ما يحرك الناس.
في الحقيقة منذ اللحظة الأولى كان كل الإعلام الفرنسي بلا استثناء يصف ذلك المشهد بـ "العشاء الأخير"، وهذا بديهي لأن كل شيء في المشهد يدل عليها وبعيد تماما عن وليمة الآلهة حتى بالنسبة للعارف بها، ودخول ديونيسوس على المشهد جاء متأخرا بـ40 دقيقة، بالإضافة إلى وقوف كل المشاركين خلف المائدة بخلاف لوحة وليمة الآلهة.
والأهم من كل هذا، بعد بضع ساعات من الحفل صرح أحد المتحولين (Piche) في المشهد بأنه يمثل العشاء الأخير، وكذلك الكاتب المسرحي للحفل (Damien Gabriac)، فهل هؤلاء حمقى لا يفهمون شيء؟ وبعد يومين يخرج فجأة المدير الفني للحفل ليرقع المشهد ويقول إنه لوليمة الآلهة، وفي نفس الوقت اللجنة المنظمة تقدم اعتذارها.
👍28👌4👏2❤1
حسّ سليم
غريب كيف أن البعض يناقش هل كان المشهد لـ "العشاء الأخير" أم لا، ويصف الناس بأنهم جهلة وليس لديهم ثقافة لذلك لم يستوعبوا أن المشهد لـ"وليمة الآلهة"، والغالبية الساحقة من هؤلاء "المثقفين" لم يسمع من قبل عن شيء اسمه "وليمة الآلهة". والأغرب من هذا يعتقدون أن الذي…
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
👍6❤1
وصنف آخر كانوا يقولون أن المنظمين غير مهتمين بكم ومحتوى الاحتفال غير موجه لكم (عقدة النقص المعروفة)… ماذا لو علموا أنه قد حدثت ضجة إعلامية كبيرة في فرنسا حول أن بعض المشاهد تعرضت للرقابة والحجب في بعض الدول، وكانوا يذكرون بالاسم المغرب والجزائر ثم أضافوا الولايات المتحدة لاحقا، ليتبين بعد 24 ساعة أن الكثير من الدول في كل القارات حجبت تلك المشاهد. وظلوا يتباكون على حرية الرأي والفن، وأنهم صامدون صامدون ولن يحيدوا عن خط الحرية، مع العلم أنهم منعوا الرياضيات المحجبات من حضور الاحتفال، ولا ندري هل أريد بهم شرا بذلك أم خيرا؟ ولو استطاعوا لمنعوهن من المنافسات كليا لولا لوائح اللجنة الأولمبية التي تفرض ذلك. Bonjour la liberté
وأما القائلين بأنهم أحرار ويفعلون ما يشاءون في بلادهم، أين كنتم بهذا المنطق عندما فرضوا ألوانهم في مونديال قطر؟
وأما القائلين بأنهم أحرار ويفعلون ما يشاءون في بلادهم، أين كنتم بهذا المنطق عندما فرضوا ألوانهم في مونديال قطر؟
👍45🔥5👏4❤1
تخيل أربعة قوى مقسمة على مجموعتين، وكل قوة منها تقدر قوتها كالتالي: A (300 نقطة) و B (100 نقطة) مقابل C (80 نقطة) و D (50 نقطة).
القوة B مصممة مبدئيا على التصادم مع D، لكنها مترددة وتخشى الدخول في مواجهة معها والوقت يمضي، صحيح هي الأقوى، لكن D قادرة على أن تترك فيها أثرا عميقا، خاصة وأنها ليست في أحسن أحوالها. هنا يكون المخرج أمام B هو توريط A في المواجهة، لكن A ترى أن D لا تستحق العناء، وإن شاءت B مواجهتها فلتفعل ذلك لوحدها وستقوم بمساعدتها بشكل غير مباشر. شيء واحد يمكنه أن يجعل A تشارك معها هو دخول C في المواجهة، لكن الأخيرة ترفض ذلك، وبالتالي ستحاول B استفزازها، لكن C ترفض أن تُستفز وتتحمل وأحيانا تخفي ذلك، لكن B مصرة على المواجهة فترفع من مستوى استفزازها كل مرة… وبالتالي كل شيء مرتبط بسؤال: إلى أي مستوى من الاستفزاز المباشر ستتحمل القوة C؟
القوة B مصممة مبدئيا على التصادم مع D، لكنها مترددة وتخشى الدخول في مواجهة معها والوقت يمضي، صحيح هي الأقوى، لكن D قادرة على أن تترك فيها أثرا عميقا، خاصة وأنها ليست في أحسن أحوالها. هنا يكون المخرج أمام B هو توريط A في المواجهة، لكن A ترى أن D لا تستحق العناء، وإن شاءت B مواجهتها فلتفعل ذلك لوحدها وستقوم بمساعدتها بشكل غير مباشر. شيء واحد يمكنه أن يجعل A تشارك معها هو دخول C في المواجهة، لكن الأخيرة ترفض ذلك، وبالتالي ستحاول B استفزازها، لكن C ترفض أن تُستفز وتتحمل وأحيانا تخفي ذلك، لكن B مصرة على المواجهة فترفع من مستوى استفزازها كل مرة… وبالتالي كل شيء مرتبط بسؤال: إلى أي مستوى من الاستفزاز المباشر ستتحمل القوة C؟
👍59🤯4❤1👏1
حسّ سليم
Photo
مع مرور الوقت يقل التميز والتشويق في الألعاب الأولمبية، لأن القدرات البشرية لها حدود وبالتالي تقل القدرة على تحطيم الأرقام القياسية إلى أن تنعدم نهائيا. هذا الاستنتاج "البديهي" هو سبب الضجة حول فوز السباح الصيني الذي حطم الرقم القياسي الخاص بـ100 متر سباحة حرة، ولم يكن الفارق بينه وبين الذي يليه هو عدة ثواني بل مجرد ثانية واحدة، ومع ذلك يقول بعض المختصين إن ما فعله السباح الصيني يتجاوز القدرات البشرية الطبيعية في إشارة إلى استعمال المنشطات، لكن حتى لو سمح باستعمال المنشطات فإن الرياضيين سيصلون في النهاية إلى سقف لا يمكنهم تجاوزه، لأن التقنية كذلك لها حدود لأنها مرتبطة بقدرات بشرية محدودة.
الرياضيون المشاركين في أولمبياد 2024 هم بلا شك أحسن من حيث القدرات من الرياضيين في الثلاثينيات من القرن الماضي، ليس لأنهم ولدوا بشرا خارقين، بل لأن تقنيات الممارسة والتدريب والتغذية والصحة الرياضية قد تطورت، لكن عند حد معين تصبح التقنية عاجزة عن تطوير قدرات الجسم البشري. نفس الأمر سيحدث بالضرورة مع كل التكنولوجيا التي من حولنا، وإذا لم يحدث ذلك بعد 50 سنة فسيحدث بعد 50 ألف، لأنها هي الأخرى تعتمد على قدرات بشرية محدودة في عالم محدود له قوانين محددة. هذا الأمر وإن كان المعاصرون يتفهمونه عندما يقال بهذا الشكل، إلا أنهم من حيث تفكيرهم وسلوكهم العام يتصورون أن التقدم لا نهائي (الإيمان بالتقدم أو أيديولوجيا التقدم)، وأن كل الحدود يمكن تجاوزها من خلال العلم البشري لأن العقل البشري في نظرهم لا حدود لطاقته، وهي فكرة في حد ذاتها غير عقلانية ولا يمكن إثباتها.
الرياضيون المشاركين في أولمبياد 2024 هم بلا شك أحسن من حيث القدرات من الرياضيين في الثلاثينيات من القرن الماضي، ليس لأنهم ولدوا بشرا خارقين، بل لأن تقنيات الممارسة والتدريب والتغذية والصحة الرياضية قد تطورت، لكن عند حد معين تصبح التقنية عاجزة عن تطوير قدرات الجسم البشري. نفس الأمر سيحدث بالضرورة مع كل التكنولوجيا التي من حولنا، وإذا لم يحدث ذلك بعد 50 سنة فسيحدث بعد 50 ألف، لأنها هي الأخرى تعتمد على قدرات بشرية محدودة في عالم محدود له قوانين محددة. هذا الأمر وإن كان المعاصرون يتفهمونه عندما يقال بهذا الشكل، إلا أنهم من حيث تفكيرهم وسلوكهم العام يتصورون أن التقدم لا نهائي (الإيمان بالتقدم أو أيديولوجيا التقدم)، وأن كل الحدود يمكن تجاوزها من خلال العلم البشري لأن العقل البشري في نظرهم لا حدود لطاقته، وهي فكرة في حد ذاتها غير عقلانية ولا يمكن إثباتها.
❤59👍28👏5💯4👌3🔥1
بعد أن قفز [X] 4 أمتار، ثم 6 أمتار، ثم بالتدريب الشاق وصل إلى 10 أمتار، ثم بجهد غير بشري بلغ 12 مترا، ظهر [Y] ليدعي قدرة [X] على القفز 200 كلم، ولديه دليل قاطع لا يمكن مناقشته: استطاع القفز 10 أمتار ولم يتصور ذلك أحد، ثم قفز 12 مترا ولم يكن ذلك يخطر على بال أحد، وبالتالي…
😁27👍7👏2❤1
ممارسة الإنسان للرياضة تفتح له الباب لآفاق وقدرات لم يكن يتصور أن باستطاعته بلوغها. لو أن رياضيا من عشرينيات القرن الماضي اطلع على الأرقام القياسية حاليا فهو حتما سينبهر.
لكن في نفس الوقت، تُعرف الرياضة الإنسان على حدود جسده القصوى أكثر من عدم ممارستها، وكلما زادت خبرته في الرياضة كانت معرفته بحدوده الحقيقية –التي اتسعت عن السابق– أكثر وضوحا وليس العكس، حتى وإن كانت قد كشفت له عن قدرات لم يكن ليتصورها من قبل.
لكن في نفس الوقت، تُعرف الرياضة الإنسان على حدود جسده القصوى أكثر من عدم ممارستها، وكلما زادت خبرته في الرياضة كانت معرفته بحدوده الحقيقية –التي اتسعت عن السابق– أكثر وضوحا وليس العكس، حتى وإن كانت قد كشفت له عن قدرات لم يكن ليتصورها من قبل.
❤54👍13👌5💯2
يمكن لليسار دائما الاعتماد على غباء اليمين، هذا ما سيفعله مع قضية إيمان خليف التي سيجعل منها أيقونة وسيستعملها لسنوات قادمة كبروباغندا، وسيصدع رؤوسنا بها لتبرير ما ليست هي عليه، وسيقول: أنتم الذين لا تعرفون ما هي المرأة، ولديكم صورة ذهنية خاطئة عنها لهذا تقفون ضد المتحولين.
كانت ردة فعل اليمين مبررة في اللحظات الأولى لأن من حقه أن يرتاب من ملاكمة ذات ملامح ذكورية في ظل الجو العام من حوله الذي يمارس دعاية بلا توقف للمتحولين، لكن لو فكر ولو قليلا بعد ذلك –وهو نادرا ما يفعل ذلك لأنه يعتمد أساسا على الحدس والغوغائية– لفهم أن حالتها لا تختلف عن سيرينا ويليامز والكثير من الرياضيات، والأهم من هذا أن إيمان خليف لم تأتي من كاليفورنيا أو السويد، بل من منطقة لا تعترف بالمتحولين، ويعتبر فيها موقف اليمين الغربي من الملونين موقفا يساريا ومتسامحا جدا معهم.
كانت ردة فعل اليمين مبررة في اللحظات الأولى لأن من حقه أن يرتاب من ملاكمة ذات ملامح ذكورية في ظل الجو العام من حوله الذي يمارس دعاية بلا توقف للمتحولين، لكن لو فكر ولو قليلا بعد ذلك –وهو نادرا ما يفعل ذلك لأنه يعتمد أساسا على الحدس والغوغائية– لفهم أن حالتها لا تختلف عن سيرينا ويليامز والكثير من الرياضيات، والأهم من هذا أن إيمان خليف لم تأتي من كاليفورنيا أو السويد، بل من منطقة لا تعترف بالمتحولين، ويعتبر فيها موقف اليمين الغربي من الملونين موقفا يساريا ومتسامحا جدا معهم.
👍51❤24🔥1🤯1
حسّ سليم
Photo
المنافسة الرياضية هي بقايا العالم القديم ومن المجالات القليلة في هذا العصر التي يسمح فيها نوعا ما باللامساواة بشكل واضح –وإن كانوا يحاولون الحد من ذلك من خلال فصل الجنسين أو الأوزان– لأن المنافسة الرياضية قائمة في الأساس على اللامساواة والتفوق البيولوجي، فالرياضيون الأكثر تفوقا لم يتفوقوا من خلال الاجتهاد فقط، بل لأن لديهم في الأساس استعدادا بيولوجيا لذلك. مايكل فيلبس مثلا، الذي يعتبر أفضل سباح في التاريخ المسجل، يمتلك ذراعين أطول من العادي ومرونة نادرة في مفاصل الأقدام تساعده على السباحة بشكل أفضل من أقرانه، كما أن جسمه يفرز نصف الكمية الطبيعية من حمض اللاكتيك الذي يسبب التعب، مما يعني أنه يحظى بنتائج تناول المنشطات دون أن يتناولها، كل هذا يمنحه أسبقية استثنائية عن باقي السباحين الذي يتمتعون هم أيضا بقدرات جسدية لا يمتكلها كل الناس. هذا ما قد يجعل البعض يتساءل: "هل يستحق مايكل فيلبس فعلا كل ذلك الاحتفاء؟".
بالنسبة لنا نحن المعاصرين، لا يستحق الإنسان الشرعية الكاملة لاكتساب شيء أو ميزة ما لا يمتلكها غيره إلا من خلال العمل، كل ما قد تحصل عليه بفضل ميزة بيولوجية أو بالتوريث أو الحظ/القدر يخل بمبدأ المساواة وبالتالي فهو غير عادل، لأن المساواة والعدل في أذهان المعاصرين كلمتان مترادفتان يقصد بهما مفهوم واحد، ومن أجل ذلك فلا ميزة لأحد على الآخر من حيث المبدأ إلا بالعمل. لهذا تجد أولئك الذين يتمتعون بمميزات لا يد لهم في اكتسابها فعلا يجتهدون بكل الطرق لإثبات أنهم قد عملوا كثيرا لاكتساب ما يمتلكونه، مثل أن ترى ابن ثري يحاول أن يقنع الناس بأنه عصامي بنى نفسه بنفسه أو ممثلة/مذيعة تحاول أن تثبت أنه ليس لجمالها دور حاسم بنجاحها وأن الفضل الأساسي يعود إلى تعبها.
لكن هذه النظرة للعمل لم تكن دائما هي ما يحكم البشر، وتكاد تكون نظرة حداثية خالصة بالشكل المُعلمن/الدنيوي الذي نعرفه اليوم (يمكننا إيجاد جذور دينية أقدم لها). فلو عدنا إلى المجتمعات القديمة سنجدها أبعد ما تكون عن النظر إلى العمل بوصفه الوسيلة إلى تحقيق الذات كما يؤمن المعاصرون، بل إن لديهم نظرة سلبية جدا نحوه [مدينة أفلاطون الفاضلة تعبر عن ذلك]. فالعمل بالنسبة لهم نشاط يستنزف قوة الإنسان، وتعب لا طائل منه إلا القليل من أجل البقاء، لهذا كان العمل من نصيب العبيد والأقنان والطبقات الدنيا من المجتمع. أما النبلاء والأسياد والأشراف والأحرار فيعيشون من خلال شرعية القوة وخوض الحروب وفرض الأتاوات على الأرض وامتلاك الماشية وحماية من يعيشون تحت سلطتهم، لكن هذا لا يعني أن النبلاء كانوا يمضون كل وقتهم في اللهو والسمر، فهم أيضا كان لهم نشاطهم المرهق وهو التدريب، سواء كان ذلك تدريبا للجسد (مبارزة/مصارعة/ركوب الخيل/الصيد… إلخ) أو للذهن (الدراسة/الفنون/الأدب/الشعر… إلخ). والفارق هنا شاسع بين التدريب والعمل، فالذي يعمل يستنزف جسده وذهنه بغية تنمية شيء منفصل عن ذاته، في حين أن الذي يتدرب غايته تنمية ذاته أكثر أو المحافظة عليها على الأقل مع نوع من المتعة في ممارسة ما يفعل، فكل ما يمارسه يعتبر من الهوايات بالنسبة للمعاصرين.
لكن كيف تحول العمل إلى فضيلة؟
قد يساعدنا هنا هيغل لفهم ما حدث من خلال "جدلية العبد والسيد" التي يشرح فيها هيغل كيف أن العبد من خلال عمله وإخضاع الطبيعة وصناعة الأشياء استطاع في النهاية (الثورة الصناعية) قلب معادلة الهيمنة وفرض قيم الحرية والمساواة التي يحلم بها على السيد (الأرستقراطية)، فأصبح العمل بذلك فضيلة العالم الحديث كما كانت الفروسية والشجاعة فضيلة العالم القديم. وإذا أردت معاينة ذلك فما عليك سوى البحث عن أكثر الدول تقديسا للعمل، لتجد أن لها مجتمعات عاشت لقرون طويلة تحت نظام فيه أغلبية من الأقنان وأقلية محاربة، هكذا هو حال اليابان وألمانيا حيث كانت تهيمن نخبة من الساموراي والبارونات [البارون في الأساس يعني المحارب أو الحر] على أغلبية من الأقنان المزارعين.
لكن ينبغي أن لا نتوهم هنا، فتغير الخطاب لا يعني تغير الواقع بالضرورة، والاحتفاء بالعمل والمساواة لا يعني أن معادلة العبد والسيد قد تغيرت حقا، وإزاحة الأرستقراطية والإقطاعية لا يعني أن العبيد (العمال) هم الذين قد أخذوا مكانها، لأن الذي حدث في الواقع هو أن طبقة مهيمنة جديدة تشكلت من خلال قوة المال بدلا من قوة الفروسية وهي البرجوازية، التي استعملت الأقنان ضد النظام القديم (الأرستقراطية) من خلال وعد التحرر والمساواة والسعادة، السعادة التي يحصل عليها العبد من خلال الاستهلاكية أي العبودية لما يصنعه هو بيده لصالح من لا يعمل كما يقول الماركسيون. وبالتالي لم يتغير شيء من حيث البناء الطبقي، فهناك دائما على قمة الهرم أناس لا يعملون، وفي قاعدته أناس تعمل وتكدح. الفارق الوحيد أن ما يفعله الذين في القاعدة أصبح ينظر إليه كفضيلة، وأصبح العامل ينظر إلى العمل كوسيلة لتحقيق الذات والسعادة لا كأداة لاستنزاف للذات… يتبع
بالنسبة لنا نحن المعاصرين، لا يستحق الإنسان الشرعية الكاملة لاكتساب شيء أو ميزة ما لا يمتلكها غيره إلا من خلال العمل، كل ما قد تحصل عليه بفضل ميزة بيولوجية أو بالتوريث أو الحظ/القدر يخل بمبدأ المساواة وبالتالي فهو غير عادل، لأن المساواة والعدل في أذهان المعاصرين كلمتان مترادفتان يقصد بهما مفهوم واحد، ومن أجل ذلك فلا ميزة لأحد على الآخر من حيث المبدأ إلا بالعمل. لهذا تجد أولئك الذين يتمتعون بمميزات لا يد لهم في اكتسابها فعلا يجتهدون بكل الطرق لإثبات أنهم قد عملوا كثيرا لاكتساب ما يمتلكونه، مثل أن ترى ابن ثري يحاول أن يقنع الناس بأنه عصامي بنى نفسه بنفسه أو ممثلة/مذيعة تحاول أن تثبت أنه ليس لجمالها دور حاسم بنجاحها وأن الفضل الأساسي يعود إلى تعبها.
لكن هذه النظرة للعمل لم تكن دائما هي ما يحكم البشر، وتكاد تكون نظرة حداثية خالصة بالشكل المُعلمن/الدنيوي الذي نعرفه اليوم (يمكننا إيجاد جذور دينية أقدم لها). فلو عدنا إلى المجتمعات القديمة سنجدها أبعد ما تكون عن النظر إلى العمل بوصفه الوسيلة إلى تحقيق الذات كما يؤمن المعاصرون، بل إن لديهم نظرة سلبية جدا نحوه [مدينة أفلاطون الفاضلة تعبر عن ذلك]. فالعمل بالنسبة لهم نشاط يستنزف قوة الإنسان، وتعب لا طائل منه إلا القليل من أجل البقاء، لهذا كان العمل من نصيب العبيد والأقنان والطبقات الدنيا من المجتمع. أما النبلاء والأسياد والأشراف والأحرار فيعيشون من خلال شرعية القوة وخوض الحروب وفرض الأتاوات على الأرض وامتلاك الماشية وحماية من يعيشون تحت سلطتهم، لكن هذا لا يعني أن النبلاء كانوا يمضون كل وقتهم في اللهو والسمر، فهم أيضا كان لهم نشاطهم المرهق وهو التدريب، سواء كان ذلك تدريبا للجسد (مبارزة/مصارعة/ركوب الخيل/الصيد… إلخ) أو للذهن (الدراسة/الفنون/الأدب/الشعر… إلخ). والفارق هنا شاسع بين التدريب والعمل، فالذي يعمل يستنزف جسده وذهنه بغية تنمية شيء منفصل عن ذاته، في حين أن الذي يتدرب غايته تنمية ذاته أكثر أو المحافظة عليها على الأقل مع نوع من المتعة في ممارسة ما يفعل، فكل ما يمارسه يعتبر من الهوايات بالنسبة للمعاصرين.
لكن كيف تحول العمل إلى فضيلة؟
قد يساعدنا هنا هيغل لفهم ما حدث من خلال "جدلية العبد والسيد" التي يشرح فيها هيغل كيف أن العبد من خلال عمله وإخضاع الطبيعة وصناعة الأشياء استطاع في النهاية (الثورة الصناعية) قلب معادلة الهيمنة وفرض قيم الحرية والمساواة التي يحلم بها على السيد (الأرستقراطية)، فأصبح العمل بذلك فضيلة العالم الحديث كما كانت الفروسية والشجاعة فضيلة العالم القديم. وإذا أردت معاينة ذلك فما عليك سوى البحث عن أكثر الدول تقديسا للعمل، لتجد أن لها مجتمعات عاشت لقرون طويلة تحت نظام فيه أغلبية من الأقنان وأقلية محاربة، هكذا هو حال اليابان وألمانيا حيث كانت تهيمن نخبة من الساموراي والبارونات [البارون في الأساس يعني المحارب أو الحر] على أغلبية من الأقنان المزارعين.
لكن ينبغي أن لا نتوهم هنا، فتغير الخطاب لا يعني تغير الواقع بالضرورة، والاحتفاء بالعمل والمساواة لا يعني أن معادلة العبد والسيد قد تغيرت حقا، وإزاحة الأرستقراطية والإقطاعية لا يعني أن العبيد (العمال) هم الذين قد أخذوا مكانها، لأن الذي حدث في الواقع هو أن طبقة مهيمنة جديدة تشكلت من خلال قوة المال بدلا من قوة الفروسية وهي البرجوازية، التي استعملت الأقنان ضد النظام القديم (الأرستقراطية) من خلال وعد التحرر والمساواة والسعادة، السعادة التي يحصل عليها العبد من خلال الاستهلاكية أي العبودية لما يصنعه هو بيده لصالح من لا يعمل كما يقول الماركسيون. وبالتالي لم يتغير شيء من حيث البناء الطبقي، فهناك دائما على قمة الهرم أناس لا يعملون، وفي قاعدته أناس تعمل وتكدح. الفارق الوحيد أن ما يفعله الذين في القاعدة أصبح ينظر إليه كفضيلة، وأصبح العامل ينظر إلى العمل كوسيلة لتحقيق الذات والسعادة لا كأداة لاستنزاف للذات… يتبع
❤36👍20👏5👌4🔥3
حسّ سليم
Photo
تكملة.. بتعبير آخر، انتقل حال العامل أو العبد من سياسة الإيلام بالعصا إلى سياسة الإيهام بالجزرة.
ملاحظة: هذا المنشور هو مجرد محاولة لفهم ووصف الواقع كما هو من زاوية محددة، لا دعوة لفعل كذا أو ترك كذا كما يساء فهم الكثير من المنشورات عادة من البعض في الإتجاهين.
ملاحظة: هذا المنشور هو مجرد محاولة لفهم ووصف الواقع كما هو من زاوية محددة، لا دعوة لفعل كذا أو ترك كذا كما يساء فهم الكثير من المنشورات عادة من البعض في الإتجاهين.
👌20❤12👍6👏6❤🔥5🔥2