حسّ سليم
Photo
بخلاف ترتيبه الثالث من حيث عدد المقاعد البرلمانية، جاء حزب التجمع الوطني الفرنسي (أقصى اليمين) في المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات الإجمالية وطنيا (10 ملايين أو 37٪)، وهذه أعلى نسبة في تاريخه ولو كان النظام الانتخابي الفرنسي مشابها للنظام البريطاني لكانت النتيجة اكتساحا من حزب التجمع على الجميع، لكن كونها انتخابات تجري على دورتين بثلاثة مترشحين فهذا يسمح للمنافسين بتنظيم أنفسهم ضد الحزب المتصدر حيث ينسحب المترشح في المركز الثالث لمصلحة من يراد دعمه.
أما فوز تحالف اليسار بأغلبية نسبية بسيطة فهو يعني أن المشهد السياسي غالبا لن يتغير كثيرا، وإذا لم ينتصر ماكرون في هذه الانتخابات فهو كذلك لم يخسر فيها وإمكانه الاحتفاظ بالحكومة كما هي أو تعيين رئيس حكومة من تحالف اليسار يكون مقربا منه (Ruffin مثلا) ويفتت بذلك تحالف اليسار الهش أساسا، ولن يستطيع أحد حجب الثقة عن هذه الحكومة في ظل عدم امتلاك أي جهة للأغلبية المطلقة ومن الصعب جدا أن يتوافق اليمين المتطرف مع اليسار المتطرف على إسقاط الحكومة لأنهم يحرصون جدا على أن لا يظهر أي تحالف بينهم ولو مؤقتا. أو قد يقدم ماكرون على حيلة مفاجئة أخرى، فبعد حله للبرلمان لم يعد أحد يستطيع الجزم بما يفكر فيه.
بالنسبة للمتابع من الخارج كان سيكون من المثير للاهتمام فوز أقصى اليمين أو أقصى اليسار بأغلبية مطلقة، الأخير لأنه يضم كتلة كبيرة في خصومة عميقة مع الصهيونية وبارونات الإعلام. أما الأول فيُنظر هل بإمكانه تحقيق ما يدعيه أم ستكون البيروقراطية والمؤسسات القضائية والاتحاد الأوروبي أقوى منه، أضف إلى ذلك وقوعه في التناقض الذي وقعت فيه جورجيا ميلوني التي مثل التجمع الوطني أسست كل برنامجها على مناهضة الهجرة لكنها في نفس الوقت تُقبل يد القطاع المالي والصناعي الذي يشترط عليها السماح بالهجرة لسد العجز الديموغرافي، الأمر الذي جعلها تمنح بعد فوزها بقليل 450 ألف إقامة للعمل في الثلاث سنوات اللاحقة. هذه المعضلة هي أهم مشاكل أقصى اليمين الغربي، فهو من جهة يسعى لإعادة التصنيع إلى الغرب ليستعيد قوته التي ضيعها لمصلحة شرق آسيا، ومن جهة أخرى يتطلب هذا التصنيع يدا عاملة لم تعد متوفرة مثلما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي سيضطر للسماح بالهجرة التي يناهضها وينتهي الأمر إلى دورة مغلقة لا نهاية لها.
أما فوز تحالف اليسار بأغلبية نسبية بسيطة فهو يعني أن المشهد السياسي غالبا لن يتغير كثيرا، وإذا لم ينتصر ماكرون في هذه الانتخابات فهو كذلك لم يخسر فيها وإمكانه الاحتفاظ بالحكومة كما هي أو تعيين رئيس حكومة من تحالف اليسار يكون مقربا منه (Ruffin مثلا) ويفتت بذلك تحالف اليسار الهش أساسا، ولن يستطيع أحد حجب الثقة عن هذه الحكومة في ظل عدم امتلاك أي جهة للأغلبية المطلقة ومن الصعب جدا أن يتوافق اليمين المتطرف مع اليسار المتطرف على إسقاط الحكومة لأنهم يحرصون جدا على أن لا يظهر أي تحالف بينهم ولو مؤقتا. أو قد يقدم ماكرون على حيلة مفاجئة أخرى، فبعد حله للبرلمان لم يعد أحد يستطيع الجزم بما يفكر فيه.
بالنسبة للمتابع من الخارج كان سيكون من المثير للاهتمام فوز أقصى اليمين أو أقصى اليسار بأغلبية مطلقة، الأخير لأنه يضم كتلة كبيرة في خصومة عميقة مع الصهيونية وبارونات الإعلام. أما الأول فيُنظر هل بإمكانه تحقيق ما يدعيه أم ستكون البيروقراطية والمؤسسات القضائية والاتحاد الأوروبي أقوى منه، أضف إلى ذلك وقوعه في التناقض الذي وقعت فيه جورجيا ميلوني التي مثل التجمع الوطني أسست كل برنامجها على مناهضة الهجرة لكنها في نفس الوقت تُقبل يد القطاع المالي والصناعي الذي يشترط عليها السماح بالهجرة لسد العجز الديموغرافي، الأمر الذي جعلها تمنح بعد فوزها بقليل 450 ألف إقامة للعمل في الثلاث سنوات اللاحقة. هذه المعضلة هي أهم مشاكل أقصى اليمين الغربي، فهو من جهة يسعى لإعادة التصنيع إلى الغرب ليستعيد قوته التي ضيعها لمصلحة شرق آسيا، ومن جهة أخرى يتطلب هذا التصنيع يدا عاملة لم تعد متوفرة مثلما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي سيضطر للسماح بالهجرة التي يناهضها وينتهي الأمر إلى دورة مغلقة لا نهاية لها.
👍43❤12🔥3👌2
حسّ سليم
Photo
إذا وضعنا جانبا التحيزات العاطفية والمصلحية فإن الذي يرجح كفة فكرة ما على أخرى في أعين أغلب الناس ليس صوابها بل ذكاء وكاريزمية صاحبها الذي يحسن صياغتها وتقديمها، لأن الفكرة تلبس لباس حاملها لا العكس. هي فكرة ذكية إن كان صاحبها ذكيا، وحمقاء إن كان صاحبها أحمقا. الفكرة الحمقاء في فم الذكي تستحيل إلى فكرة ذكية تثير الإعجاب، والفكرة الذكية في فم الأحمق تستحيل إلى فكرة حمقاء تثير السخرية.
ما سبق هي القاعدة التي خسر بسببها أقصى اليمين الفرنسي RN الانتخابات الأخيرة رغم قربه من الفوز بها في الدور الأول، لأنه حزب مكون من غالبية حمقى لا يمكنهم حتى الدفاع عن أصح الأفكار وأبسطها، ولا يعني هذا أن أفكارهم صحيحة، لكنهم كأشخاص ليسوا بمستوى بقية التيارات ويعتمدون كثيرا على تحيزات الناس البسيطة (لهذا هو شعبوي)، لكن إذا طلبت من أحدهم شرح أفكاره بشكل واقعي ومفصل فإنك تجده يكاد يغرق في فنجان.
هذا الأمر لم يكن واضحا في الدور الأول لأن الإعلام منقسم بين إعلام منحاز تماما وبشكل فج إلى اليمين المتطرف (ظهور هذا الإعلام مع قدوم الملياردير بولوري هو السبب الرئيسي لصعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة) أو إعلام ماكروني كان موجها في الدور الأول ضد تحالف اليسار وبالتحديد ضد اليسار المتطرف (فرنسا الأبية)، لكن مع تصدر اليمين المتطرف للدور الأول بشكل كبير تحول الإعلام الماكروني نحو عيوب مترشحي اليمين المتطرف خاصة في الأرياف والمدن الصغيرة.
حزب التجمع الوطني الفرنسي RN، اشتغل كثيرا على تحسين صورة قادته في السنوات الأخيرة، ويقال أنهم أخذوا دروسا مطولة على يد خبراء إعلاميين ليتعلموا ما ينبغي عليهم قوله وما لا ينبغي عليهم قوله أو بالأحرى كيف يكونون صائبين سياسيا دون أن يتخلوا عن جوهر أفكارهم (التقية)، بالإضافة إلى تعلم الحديث بلباقة والإبتسام للكاميرات (كثيرا ما يبدو التصنع واضحا)، وفي النهاية نجحوا فعلا في تحسين صورتهم، لكن مشكلتهم أن ذلك المجهود اقتصر على نخبة الحزب ولم يكترثوا للقواعد التي ظهرت في الدور الثاني بشكل منفلت ويثير الخوف وكأنها في كرنفال أو سرك مفتوح، مع كمية غباء تثير الفزع، الواحد منهم يشعرك وكأنه بذكاء حبة فول سوداني أو متخلف عقليا (أحدهم يدعى Thierry Mosca حُكم عليه فعلا السنة الماضية بالحجر لتخلفه العقلي) بحيث تراه غير قادر حتى على صياغة جملة مفيدة، أما برنامج الحزب على بساطته فلا يعرفون عنه شيئا سوى: "وقف الهجرة هي الحل لكل شيء" وحتى هذه يجدون صعوبة في التعبير عنها. مشهد هؤلاء المترشحين كان صادما ومحل سخرية شديدة لدى كثير من الناخبين الفرنسيين، وهذا ما جعل الحزب ا–لذي منع قواعده في الأيام الأخيرة من الظهور في مناظرات– يخسر لأنه توقف تقريبا عند عدد من انتخبوه في الدور الأول من المقتنعين أساسا الذين لن يغيروا رأيهم مهما حدث، ولم يجذب من صوتوا على المترشحين الخاسرين والمنسحبين في الدور الأول.
بغض النظر عن اليمين المتطرف الفرنسي بالتحديد، صفة الغباء متجذرة في اليمين المتطرف الغربي عموما بما في ذلك نخبته التي تجعلك تنفر منها حتى وهي تتحدث عن فكرة توافقها الرأي فيها تماما، بالإضافة إلى صفات أخرى منفرة مثل الكذب وسوء النية. أما اليسار فتجد نخبته أكثر ذكاءاً بشكل واضح، رغم أنك قد لا توافقها أبدا وترى افكارها حمقاء كليا، لكن طريقة كلامها واتساع معرفتها بحيث يمكن أن تتعلم منها أشياء جديدة يجعلك تتحمل الاستماع والقراءة لها في كثير من الأحيان، وإن كان مستوى هذا اليسار في تراجع شديد في السنوات الأخيرة.
ما سبق هي القاعدة التي خسر بسببها أقصى اليمين الفرنسي RN الانتخابات الأخيرة رغم قربه من الفوز بها في الدور الأول، لأنه حزب مكون من غالبية حمقى لا يمكنهم حتى الدفاع عن أصح الأفكار وأبسطها، ولا يعني هذا أن أفكارهم صحيحة، لكنهم كأشخاص ليسوا بمستوى بقية التيارات ويعتمدون كثيرا على تحيزات الناس البسيطة (لهذا هو شعبوي)، لكن إذا طلبت من أحدهم شرح أفكاره بشكل واقعي ومفصل فإنك تجده يكاد يغرق في فنجان.
هذا الأمر لم يكن واضحا في الدور الأول لأن الإعلام منقسم بين إعلام منحاز تماما وبشكل فج إلى اليمين المتطرف (ظهور هذا الإعلام مع قدوم الملياردير بولوري هو السبب الرئيسي لصعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة) أو إعلام ماكروني كان موجها في الدور الأول ضد تحالف اليسار وبالتحديد ضد اليسار المتطرف (فرنسا الأبية)، لكن مع تصدر اليمين المتطرف للدور الأول بشكل كبير تحول الإعلام الماكروني نحو عيوب مترشحي اليمين المتطرف خاصة في الأرياف والمدن الصغيرة.
حزب التجمع الوطني الفرنسي RN، اشتغل كثيرا على تحسين صورة قادته في السنوات الأخيرة، ويقال أنهم أخذوا دروسا مطولة على يد خبراء إعلاميين ليتعلموا ما ينبغي عليهم قوله وما لا ينبغي عليهم قوله أو بالأحرى كيف يكونون صائبين سياسيا دون أن يتخلوا عن جوهر أفكارهم (التقية)، بالإضافة إلى تعلم الحديث بلباقة والإبتسام للكاميرات (كثيرا ما يبدو التصنع واضحا)، وفي النهاية نجحوا فعلا في تحسين صورتهم، لكن مشكلتهم أن ذلك المجهود اقتصر على نخبة الحزب ولم يكترثوا للقواعد التي ظهرت في الدور الثاني بشكل منفلت ويثير الخوف وكأنها في كرنفال أو سرك مفتوح، مع كمية غباء تثير الفزع، الواحد منهم يشعرك وكأنه بذكاء حبة فول سوداني أو متخلف عقليا (أحدهم يدعى Thierry Mosca حُكم عليه فعلا السنة الماضية بالحجر لتخلفه العقلي) بحيث تراه غير قادر حتى على صياغة جملة مفيدة، أما برنامج الحزب على بساطته فلا يعرفون عنه شيئا سوى: "وقف الهجرة هي الحل لكل شيء" وحتى هذه يجدون صعوبة في التعبير عنها. مشهد هؤلاء المترشحين كان صادما ومحل سخرية شديدة لدى كثير من الناخبين الفرنسيين، وهذا ما جعل الحزب ا–لذي منع قواعده في الأيام الأخيرة من الظهور في مناظرات– يخسر لأنه توقف تقريبا عند عدد من انتخبوه في الدور الأول من المقتنعين أساسا الذين لن يغيروا رأيهم مهما حدث، ولم يجذب من صوتوا على المترشحين الخاسرين والمنسحبين في الدور الأول.
بغض النظر عن اليمين المتطرف الفرنسي بالتحديد، صفة الغباء متجذرة في اليمين المتطرف الغربي عموما بما في ذلك نخبته التي تجعلك تنفر منها حتى وهي تتحدث عن فكرة توافقها الرأي فيها تماما، بالإضافة إلى صفات أخرى منفرة مثل الكذب وسوء النية. أما اليسار فتجد نخبته أكثر ذكاءاً بشكل واضح، رغم أنك قد لا توافقها أبدا وترى افكارها حمقاء كليا، لكن طريقة كلامها واتساع معرفتها بحيث يمكن أن تتعلم منها أشياء جديدة يجعلك تتحمل الاستماع والقراءة لها في كثير من الأحيان، وإن كان مستوى هذا اليسار في تراجع شديد في السنوات الأخيرة.
❤36👍15👏5👌2🔥1
حسّ سليم
Video
كنت أستمع لرأي أحد الصحفيين العرب عن الانتخابات الفرنسية من باب معرفة شكل الصورة التي تصل إلى غير المتابعين بشكل مباشر، ثم أخذ يتحدث عن حياة رئيس حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) جوردان بارديلا، وإذا به يكرر دعاية قديمة لحزبه عن أنه ابن عائلة متواضعة كانت تسكن إحدى الضواحي الشعبية، وأنه كان مراهق ضائع بسبب طبيعة الحي الذي يسكنه لو لا أن تم إنقاذه.
في الحقيقة كل هذا غير صحيح تقريبا، هو فعلا كان يسكن إحدى الضواحي الشعبية، لكن الحي الذي سكنه لم يكن –على الأقل– أسوأ أحيائها، كما أن رواية أنه من عائلة متواضعة مبنية على التركيز على أمه التي كانت تعمل موظفة عادية دون الحديث عن والده الغني الذي فتح له أبواب المدارس الخاصة ويرسله للتنزه في قارات أخرى، من أجل هذا لم يكن أحد يعرفه من شباب الحي. انضم إلى الحزب في سن 16 سنة ولم يكمل دراسه ولم يعمل يوما في حياته باستثناء شهر في شركة والده، وحتى كنائب في البرلمان الأوروبي عُرف بكسله وقلة نشاطه إلى درجة أن زملاءه في البرلمان يلقبونه بـ "بارديلا الغائب".
كل هذا لنصل إلى أنه مجرد واجهة جميلة للحزب الذي يحاول جاهدا في السنوات الأخيرة تغيير الصورة السيئة عنه بكل الوسائل. هو مجرد مادة تسويقية دون أي خلفية ثقافية أو سياسية، والسيدة مارين لوبان هي الأخرى ذات ثقافة متواضعة ولا تقارن بوالدها لكنها على الأقل سياسية محنكة وتتفوق عليه من حيث هرمون التستوستيرون، هذا عدا الإشاعات التي تحوم حوله كالتي تحوم حول ماكرون أو يعلنها رئيس الحكومة الحالي.
لا مقارنة أبدا بين مستوى اليمين القديم والجيل الحالي.
في الحقيقة كل هذا غير صحيح تقريبا، هو فعلا كان يسكن إحدى الضواحي الشعبية، لكن الحي الذي سكنه لم يكن –على الأقل– أسوأ أحيائها، كما أن رواية أنه من عائلة متواضعة مبنية على التركيز على أمه التي كانت تعمل موظفة عادية دون الحديث عن والده الغني الذي فتح له أبواب المدارس الخاصة ويرسله للتنزه في قارات أخرى، من أجل هذا لم يكن أحد يعرفه من شباب الحي. انضم إلى الحزب في سن 16 سنة ولم يكمل دراسه ولم يعمل يوما في حياته باستثناء شهر في شركة والده، وحتى كنائب في البرلمان الأوروبي عُرف بكسله وقلة نشاطه إلى درجة أن زملاءه في البرلمان يلقبونه بـ "بارديلا الغائب".
كل هذا لنصل إلى أنه مجرد واجهة جميلة للحزب الذي يحاول جاهدا في السنوات الأخيرة تغيير الصورة السيئة عنه بكل الوسائل. هو مجرد مادة تسويقية دون أي خلفية ثقافية أو سياسية، والسيدة مارين لوبان هي الأخرى ذات ثقافة متواضعة ولا تقارن بوالدها لكنها على الأقل سياسية محنكة وتتفوق عليه من حيث هرمون التستوستيرون، هذا عدا الإشاعات التي تحوم حوله كالتي تحوم حول ماكرون أو يعلنها رئيس الحكومة الحالي.
لا مقارنة أبدا بين مستوى اليمين القديم والجيل الحالي.
👍29🔥10😁3❤1
من غرائب هذا العصر أن النحافة مكلفة أكثر من البدانة، لو أردت انقاص وزنك (الحمية) فعليك دفع أموال أكثر من أن لو أردت زيادته، فتصبح النحافة علامة على جودة الطعام والبدانة على سوء التغذية.
😁56👍32💔8👎2🔥2🤯2💯2👌1
حسّ سليم
Photo
لفهم طبيعة الحياة السياسية الحالية لفرنسا يجب العودة إلى حقبتين مهمتين جدا في تشكيل نوع النظام السياسي وجذور الاستقطاب الحزبي. الحقبة الأولى هي La collaboration أي التعاون مع الاحتلال الألماني بين سنوات 1940 و1944 الذي قادته حكومة فيشي Vichy. والحقبة الثانية هي حرب التحرير الجزائرية 1954-1962.
خلال هاتين الحقبتين كان الصراع السياسي عموما يجري من جهة بين معسكر اليمين الديغولي واليسار المناهضين للنازية (الحقبة الأولى) والراغبين في تصفية الإمبراطورية (الحقبة الثانية)، وإن كانت أسباب ودوافع التيارين لإنهاء الاستعمار مختلفة*، لكن النتيجة واحدة. ومن جهة أخرى اليمين المتطرف المتعاون مع النازية، ثم المدافع لاحقا عن بقاء الإمبراطورية.
لدى وصول ديغول إلى سدة الحكم سنة 1958 كانت فرنسا تعيش حالة حرب تستنزف كل قدراتها في الجزائر مع انقسامات داخلية حادة، وضمن هذه الأجواء الاستثنائية صدر دستور 1958 الجديد الذي أعلن نهاية الجمهورية الرابعة البرلمانية وقيام الجمهورية الخامسة ذات النظام شبه الرئاسي نظريا والرئاسي جدا عمليا، خاصة ما لم تتمتع المعارضة بأغلبية برلمانية مطلقة، من أجل هذا أصبح يطلق على الجمهورية الخامسة اسم "الملكية الجمهورية" La monarchie républicaine، لأن ديغول كان يرى بأن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو وجود رجل قوي بيده الأدوات السيادية الكافية حتى يتمكن من فرض الحل، ومن ذلك مثلا سلطة حل البرلمان مرة في السنة دون أي شروط، يستطيع الرئيس في أي وقت أن يستيقظ صباحا ويوقع على مرسوم حل البرلمان دون أن يستطيع أحد مراجعته في ذلك (حالة استثنائية في العالم الغربي)، ودون أن يكون من حق البرلمان عزله أو مساءلته لأنه يعتبر فوق المؤسسات والحَكم بينها. أو المادة 16 من الدستور التي تمنح الرئيس سلطة تعطيل المؤسسات دون العودة إلى البرلمان في حالة توقف السير الحسن للسلطة الدستورية العامة (هذا ما يلوح به حاليا في ظل الانقسام البرلماني، لكنه مستبعد) كما فعل ذلك ديغول سنة 1961 بعد محاولة الانقلاب عليه من قبل الرافضين لاستقلال الجزائر من داخل الجيش وخارجه.
في المقابل لدينا حزب "التجمع الوطني" RN (اليمين المتطرف) أو كما كان يسمى سابقا "الجبهة الوطنية" FN، الذي تشكل أساسا سنة 1972 من رحم هذا الصراع على يد أنصار الجزائر فرنسية وأعضاء من منظمة الجيش السري الإرهابية OAS في الجزائر، بالإضافة إلى أعضاء سابقين في الجناح العسكري للحزب النازي Waffen SS. وإلى يومنا هذا نجد المعقل الأساسي لأنصار التجمع الوطني في المناطق الساحلية الجنوبية التي احتضنت "الأقدام السوداء" (المعمرين) القادمين من الجزائر. هذا الحزب أسس على فكرة أن أولئك "الأهالي" Indigenous من سكان الإمبراطورية الذي رفضوا النظام الاستعماري ببنيته الهرمية قد لحقوا بنا إلى فرنسا القارية Metropolitan France لاحتلاننا.
الخلاصة هي أن فرنسا إلى حد اليوم لم تستطع سياسيا ومؤسساتيا تجاوز حقبة التعاون مع النازية وحرب الجزائر، وكل ما يحدث لديها من أزمات سياسية يراكم الأسباب التي ستنهي الجمهورية الخامسة بنظامها الرئاسي وتعلن الجمهورية السادسة.
*الديغوليين كانوا يعتقدون أن الإمبراطورية أصبحت عبئا ثقيلا يهدد بقاء المركز (فرنسا) خاصة مع حرب التحرير الجزائرية وفشل كل محاولات إنهائها، واليساريين لديهم أسبابهم الأيديولوجية المعروفة ضد الاستعمار.
خلال هاتين الحقبتين كان الصراع السياسي عموما يجري من جهة بين معسكر اليمين الديغولي واليسار المناهضين للنازية (الحقبة الأولى) والراغبين في تصفية الإمبراطورية (الحقبة الثانية)، وإن كانت أسباب ودوافع التيارين لإنهاء الاستعمار مختلفة*، لكن النتيجة واحدة. ومن جهة أخرى اليمين المتطرف المتعاون مع النازية، ثم المدافع لاحقا عن بقاء الإمبراطورية.
لدى وصول ديغول إلى سدة الحكم سنة 1958 كانت فرنسا تعيش حالة حرب تستنزف كل قدراتها في الجزائر مع انقسامات داخلية حادة، وضمن هذه الأجواء الاستثنائية صدر دستور 1958 الجديد الذي أعلن نهاية الجمهورية الرابعة البرلمانية وقيام الجمهورية الخامسة ذات النظام شبه الرئاسي نظريا والرئاسي جدا عمليا، خاصة ما لم تتمتع المعارضة بأغلبية برلمانية مطلقة، من أجل هذا أصبح يطلق على الجمهورية الخامسة اسم "الملكية الجمهورية" La monarchie républicaine، لأن ديغول كان يرى بأن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو وجود رجل قوي بيده الأدوات السيادية الكافية حتى يتمكن من فرض الحل، ومن ذلك مثلا سلطة حل البرلمان مرة في السنة دون أي شروط، يستطيع الرئيس في أي وقت أن يستيقظ صباحا ويوقع على مرسوم حل البرلمان دون أن يستطيع أحد مراجعته في ذلك (حالة استثنائية في العالم الغربي)، ودون أن يكون من حق البرلمان عزله أو مساءلته لأنه يعتبر فوق المؤسسات والحَكم بينها. أو المادة 16 من الدستور التي تمنح الرئيس سلطة تعطيل المؤسسات دون العودة إلى البرلمان في حالة توقف السير الحسن للسلطة الدستورية العامة (هذا ما يلوح به حاليا في ظل الانقسام البرلماني، لكنه مستبعد) كما فعل ذلك ديغول سنة 1961 بعد محاولة الانقلاب عليه من قبل الرافضين لاستقلال الجزائر من داخل الجيش وخارجه.
في المقابل لدينا حزب "التجمع الوطني" RN (اليمين المتطرف) أو كما كان يسمى سابقا "الجبهة الوطنية" FN، الذي تشكل أساسا سنة 1972 من رحم هذا الصراع على يد أنصار الجزائر فرنسية وأعضاء من منظمة الجيش السري الإرهابية OAS في الجزائر، بالإضافة إلى أعضاء سابقين في الجناح العسكري للحزب النازي Waffen SS. وإلى يومنا هذا نجد المعقل الأساسي لأنصار التجمع الوطني في المناطق الساحلية الجنوبية التي احتضنت "الأقدام السوداء" (المعمرين) القادمين من الجزائر. هذا الحزب أسس على فكرة أن أولئك "الأهالي" Indigenous من سكان الإمبراطورية الذي رفضوا النظام الاستعماري ببنيته الهرمية قد لحقوا بنا إلى فرنسا القارية Metropolitan France لاحتلاننا.
الخلاصة هي أن فرنسا إلى حد اليوم لم تستطع سياسيا ومؤسساتيا تجاوز حقبة التعاون مع النازية وحرب الجزائر، وكل ما يحدث لديها من أزمات سياسية يراكم الأسباب التي ستنهي الجمهورية الخامسة بنظامها الرئاسي وتعلن الجمهورية السادسة.
*الديغوليين كانوا يعتقدون أن الإمبراطورية أصبحت عبئا ثقيلا يهدد بقاء المركز (فرنسا) خاصة مع حرب التحرير الجزائرية وفشل كل محاولات إنهائها، واليساريين لديهم أسبابهم الأيديولوجية المعروفة ضد الاستعمار.
👍34❤5💯5👏3🤯3👎1🔥1
في النهاية قد نكتشف أن الووكيزم ما هو سوى حركة أوروبية رجعية ترغب في إحياء التقاليد القديمة. في الماضي عندما تدخل الكنائس وتنظر إلى رسومات جدرانها تجد أحداث الكتاب المقدس تجري في الدول الإسكندنافية، واليوم عندما تدخل السينما تجد قيصر وفيكتوريا قد أصيبوا بضربة شمس حادة نوعا ما. نفس الفكرة في النهاية، يختلف اللون فقط.
🤣43👍12😁3❤1👏1
حرمنا ببضع سنتمترات من حرب أهلية مشوقة كان ينتظرها العالم بسبب غباء أحدهم لا يعرف كيف يسدد… غبي
😁70💔20👍8🔥3👌3👏2😡2❤1
البعض في كل الأحوال حتى لو ضرب بمدفع وبترت رجليه ويديه وفقئت عينه وتهشم نصف دماغه، سيقولون مسرحية، ردة فعل غريزية عندهم لا يمكن مقاومتها.
👍53😁29🔥5💯5👏2❤1👌1
كسر بعض الصور النمطية والأفكار المتشددة في المجتمع:
- أنا نباتي، لكني آكل الشاورما
- أنا نسوية، لكني أطيع زوجي
- أنا اشتراكي، وكاتبي المفضل هو ميلتون فريدمان
- أنا بيئي، لكني أملك 4x4 ديزل
- أنا مدافع عن الحيوانات، لكني أعشق رحلات الصيد
- أنا مناهض للعنصرية، لكني عضو في KKK
- أنا مناضل ضد الإتجار بالبشر، وهذه أولغا، اشتريتها منذ شهرين
- أنا ديموقراطي واسمي كيم جونغ أون
- أنا نباتي، لكني آكل الشاورما
- أنا نسوية، لكني أطيع زوجي
- أنا اشتراكي، وكاتبي المفضل هو ميلتون فريدمان
- أنا بيئي، لكني أملك 4x4 ديزل
- أنا مدافع عن الحيوانات، لكني أعشق رحلات الصيد
- أنا مناهض للعنصرية، لكني عضو في KKK
- أنا مناضل ضد الإتجار بالبشر، وهذه أولغا، اشتريتها منذ شهرين
- أنا ديموقراطي واسمي كيم جونغ أون
😁46👍10❤6🔥1👏1💯1
حسّ سليم
Photo
من مميزات المعاصرين بمختلف توجهاتهم سواءً كأفراد أو كجماعات، وبالأخص التنويريين والتقدميين بكل تفرعاتهم، رفضهم التام لتحمل مسؤولية نتائج أفكارهم وخياراتهم وعدم قدرتهم على التصالح مع فكرة أن لكل شيء ثمنا، لتصورهم أن أفكارهم التي تبدو لهم مثالية -نظريا- لا بد من أن تكون كل نتائجها هي الأخرى مثالية في الواقع. مثل الحرية –وفق مفهومهم– التي يعتقدون أن المزيد منها لا بد أن يؤدي إلى المزيد من الخير دون أي آثار جانبية سيئة. وإذا طغى عليهم الواقع بحقائقه الصارخة تجدهم يدخلون في حالة إنكار، فينكرون وجود تلك الحقائق بصيغة "عنزة ولو طارت" أو يبحثون عمن يلصقون به وزر تلك النتائج، المهم أن تُنزه خياراتهم المثالية عنها.
لتكون الفكرة أكثر وضوحا، سنأخذ مثال الثورة الجنسية أو التحرر الجنسي الذي تفجر بشكل يشمل كل الطبقات الاجتماعية منذ الستينيات وكل الدول تقريبا بدرجات متفاوتة. قد يعتبر كثير من الناس أغلب نتائج هذه الثورة سلبية وغير أخلاقية، في حين يعتبرها التقدميون عين الفضيلة، لكن هناك نتيجة لن يختلفوا مع أحد في سلبيتها هي الاغتصاب والتحرش. طبعا هم لا يعترفون بأن كثرة الاغتصاب والتحرش من نتائج تلك الثورة، بل ويتصورون بأن المزيد من التحرر الجنسي هو العلاج الوحيد لهما (علاج الحروق بالكي)، ويلصقون التهمة برواسب المجتمعات التقليدية التي لم تعرف في الحقيقة الاغتصاب والتحرش كظاهرة واسعة الانتشار كما هي حاليا، وكانت تتعامل ضدهما بقسوة لا يتحملها التقدميون أنفسهم [كمثال أنظر المنشور رقم 1 في التعليقات].
لكن كما قلنا سابقا، لا بد للعنزة أن تطير، وأوضح ما تجدها تطير عندما تراهم يغتاظون أشد الغيظ إذا صادفتهم الإحصاءات والتصنيفات الدولية عن الاغتصاب والتي تضع الدول العربية في مراتب جيدة، في حين تجد الدول الموغلة في التقدمية في مراتب سيئة [تختلف هذه الدول أيضا فيما بينها تبعا لعوامل كثيرة كمستوى التعليم والفقر ..إلخ]، الأمر الذي يُدخل التقدميين في أزمة وجودية بين تصديق الواقع وتكذيب أفكارهم المثالية، فيبدأون باختلاق الأعذار التي أصبحوا يحفظونها عن ظهر قلب مثل قولهم أن الاغتصاب في الدول العربية منتشر أكثر في الحقيقة ويتجاوز الدول الأخرى بكثير بدعوى أن الاغتصاب لا يُبلغ عنه [في مواضع أخرى تجدهم يقولون إن هذه المجتمعات تقتل لأقل سبب يمس بالشرف دون أن يشعروا بالتناقض]، وهذا ليس بالكلام الخاطئ تماما وفيه قدر من الصحة، لكن المشكلة أن نفس هذه الحجة تجدها لدى النسويات الغربيات أيضا اللاتي يزعمن بدورهن أن ما يُبلغ عنه من اغتصاب ويصل إلى المحاكم في دولهن لا يتجاوز 1٪ أو 2٪.
لكن لو أن أصحاب العنزة الطائرة فكروا ولو قليلا بشكل موضوعي ودون تحيزاتهم المسبقة لوجدوا أن تلك الإحصاءات حتى لو لم تكن دقيقة تماما إلا أنها بشكل عام معقولة بالنظر إلى البناء الاجتماعي العربي الذي يفضل وضع القيود الوقائية ابتداءً وسد الطريق التي قد تنتهي إلى الاغتصاب من باب "الوقاية خير من ألف علاج"، فهو لا يسمح بالحفلات الليلية المختلطة التي يكثر فيها عادة استهلاك الكحول والمخدرات، ويستنكر اختلاء الرجال بالنساء في الأماكن المغلقة أو المنعزلة، ويعيب على النساء التجول في الأماكن المنعزلة والمظلمة، وبالتالي سيكون من المنطقي جدا أن يقل الاغتصاب لأن اجتماع الحد الأدنى من الظروف التي تسمح بوقوعه (رجل+امرأة) ليس بالأمر السهل، وإن حدث فلا يكون في الغالب إلا لخرق أحد تلك القيود، إلا إذا اقتحم أحد ما البيوت بالقوة أو اغتصب إحداهن في الطريق العام أمام الملأ أو وسط مدرج جامعي أمام الجميع، وبالتالي حتى ما قد يحدث من اغتصاب عندنا فهو نتيجة نمط حياة متحرر.
هذا الواقع يأخذنا إلى فكرة تمثل أحد الفروق الجوهرية بين نموذج المجتمعات التقليدية ونموذج المجتمعات التقدمية. الأول له تصور جماعي للأمور يجعله يعتقد أن إنشاء بناء اجتماعي أخلاقي هو الهدف الأساسي مع تحمل مسؤولية الوسائل القاسية لتحقيق ذلك، في حين أن الثاني ذو تصور فرداني يجعله يعتقد أن بناء فرد أخلاقي هو الهدف الأساسي مع عدم تحمل مسؤولية النتائج القاسية لذلك. الأمر هنا شبيه بأن تحاول جماعة ما حماية أموالها من خلال منع اللصوص من الوصول إليها (هذا أمر مكلف وصعب)، مقابل جماعة أخرى ترى بأن الحل يكمن في تربية كل فرد من الناس على عدم السرقة، وهو أمر مثالي نظريا ويتغلب على الأول على الورق، لكنه مستحيل وحالم كمراهقة، لأنك مهما فعلت سيظل هناك دائما مجموعة مارقة من البشر. وعليه ستكون دائما الطريقة الأولى هي الأكثر جدوى وفاعلية لأنها تنظر للنتيجة النهائية بينما تولي الطريقة الثانية الاهتمام لمثالية أسلوب الوصول إلى الهدف أكثر من الهدف في حد ذاته، ولهذا يسهل على أصحابها ادعاء المثالية والمزايدة على غيرهم واتهامهم بتبرير وجود الشر.
لتكون الفكرة أكثر وضوحا، سنأخذ مثال الثورة الجنسية أو التحرر الجنسي الذي تفجر بشكل يشمل كل الطبقات الاجتماعية منذ الستينيات وكل الدول تقريبا بدرجات متفاوتة. قد يعتبر كثير من الناس أغلب نتائج هذه الثورة سلبية وغير أخلاقية، في حين يعتبرها التقدميون عين الفضيلة، لكن هناك نتيجة لن يختلفوا مع أحد في سلبيتها هي الاغتصاب والتحرش. طبعا هم لا يعترفون بأن كثرة الاغتصاب والتحرش من نتائج تلك الثورة، بل ويتصورون بأن المزيد من التحرر الجنسي هو العلاج الوحيد لهما (علاج الحروق بالكي)، ويلصقون التهمة برواسب المجتمعات التقليدية التي لم تعرف في الحقيقة الاغتصاب والتحرش كظاهرة واسعة الانتشار كما هي حاليا، وكانت تتعامل ضدهما بقسوة لا يتحملها التقدميون أنفسهم [كمثال أنظر المنشور رقم 1 في التعليقات].
لكن كما قلنا سابقا، لا بد للعنزة أن تطير، وأوضح ما تجدها تطير عندما تراهم يغتاظون أشد الغيظ إذا صادفتهم الإحصاءات والتصنيفات الدولية عن الاغتصاب والتي تضع الدول العربية في مراتب جيدة، في حين تجد الدول الموغلة في التقدمية في مراتب سيئة [تختلف هذه الدول أيضا فيما بينها تبعا لعوامل كثيرة كمستوى التعليم والفقر ..إلخ]، الأمر الذي يُدخل التقدميين في أزمة وجودية بين تصديق الواقع وتكذيب أفكارهم المثالية، فيبدأون باختلاق الأعذار التي أصبحوا يحفظونها عن ظهر قلب مثل قولهم أن الاغتصاب في الدول العربية منتشر أكثر في الحقيقة ويتجاوز الدول الأخرى بكثير بدعوى أن الاغتصاب لا يُبلغ عنه [في مواضع أخرى تجدهم يقولون إن هذه المجتمعات تقتل لأقل سبب يمس بالشرف دون أن يشعروا بالتناقض]، وهذا ليس بالكلام الخاطئ تماما وفيه قدر من الصحة، لكن المشكلة أن نفس هذه الحجة تجدها لدى النسويات الغربيات أيضا اللاتي يزعمن بدورهن أن ما يُبلغ عنه من اغتصاب ويصل إلى المحاكم في دولهن لا يتجاوز 1٪ أو 2٪.
لكن لو أن أصحاب العنزة الطائرة فكروا ولو قليلا بشكل موضوعي ودون تحيزاتهم المسبقة لوجدوا أن تلك الإحصاءات حتى لو لم تكن دقيقة تماما إلا أنها بشكل عام معقولة بالنظر إلى البناء الاجتماعي العربي الذي يفضل وضع القيود الوقائية ابتداءً وسد الطريق التي قد تنتهي إلى الاغتصاب من باب "الوقاية خير من ألف علاج"، فهو لا يسمح بالحفلات الليلية المختلطة التي يكثر فيها عادة استهلاك الكحول والمخدرات، ويستنكر اختلاء الرجال بالنساء في الأماكن المغلقة أو المنعزلة، ويعيب على النساء التجول في الأماكن المنعزلة والمظلمة، وبالتالي سيكون من المنطقي جدا أن يقل الاغتصاب لأن اجتماع الحد الأدنى من الظروف التي تسمح بوقوعه (رجل+امرأة) ليس بالأمر السهل، وإن حدث فلا يكون في الغالب إلا لخرق أحد تلك القيود، إلا إذا اقتحم أحد ما البيوت بالقوة أو اغتصب إحداهن في الطريق العام أمام الملأ أو وسط مدرج جامعي أمام الجميع، وبالتالي حتى ما قد يحدث من اغتصاب عندنا فهو نتيجة نمط حياة متحرر.
هذا الواقع يأخذنا إلى فكرة تمثل أحد الفروق الجوهرية بين نموذج المجتمعات التقليدية ونموذج المجتمعات التقدمية. الأول له تصور جماعي للأمور يجعله يعتقد أن إنشاء بناء اجتماعي أخلاقي هو الهدف الأساسي مع تحمل مسؤولية الوسائل القاسية لتحقيق ذلك، في حين أن الثاني ذو تصور فرداني يجعله يعتقد أن بناء فرد أخلاقي هو الهدف الأساسي مع عدم تحمل مسؤولية النتائج القاسية لذلك. الأمر هنا شبيه بأن تحاول جماعة ما حماية أموالها من خلال منع اللصوص من الوصول إليها (هذا أمر مكلف وصعب)، مقابل جماعة أخرى ترى بأن الحل يكمن في تربية كل فرد من الناس على عدم السرقة، وهو أمر مثالي نظريا ويتغلب على الأول على الورق، لكنه مستحيل وحالم كمراهقة، لأنك مهما فعلت سيظل هناك دائما مجموعة مارقة من البشر. وعليه ستكون دائما الطريقة الأولى هي الأكثر جدوى وفاعلية لأنها تنظر للنتيجة النهائية بينما تولي الطريقة الثانية الاهتمام لمثالية أسلوب الوصول إلى الهدف أكثر من الهدف في حد ذاته، ولهذا يسهل على أصحابها ادعاء المثالية والمزايدة على غيرهم واتهامهم بتبرير وجود الشر.
👍41❤13👌9👏4
حسّ سليم
Photo
هذا ما يقودنا إلى فرق جوهري آخر بين النموذجين يتمثل في تقبل النموذج التقليدي فكرة وجود الشر وأصالته في الإنسان وأن أقصى ما يمكن فعله هو محاصرته والتضييق عليه، ورفض النموذج التقدمي لوجود الشر وإيمانه بضرورة استئصاله كليا لأن الإنسان ذو طبيعة خيرة ويحتاج فقط إلى من يوجهه إليها.
هذا لا يعني أن فكرة تربية الفرد خاطئة، لا يقول هذا إلا مجنون، لكن الأمر متعلق بترتيب الأولويات وما هو الأهم بالنسبة لك، فإذا كانت الحريات مثلا هي المقصد الأساسي فعليك تقبل أن لها ضريبة يجب دفعها مثل أي خيار آخر، يمكنك العمل على تخفيض تلك الضريبة إن شئت، لكن لا يمكنك التبرؤ منها كليا والتهرب من تحمل مسؤوليتها، فإن كنت مثلا مع الثورة الجنسية فلا بأس بذلك، لكن على الأقل حاول أن تكون متسقا مع ذاتك عندما تواجه بالنتائج التي تقر بضررها وقل دون قفزات بهلوانية: "سنحاول التخفيف من تلك النتائج، لكن الثورة الجنسية أكثر أهمية بالنسبة لنا، ونحن مستعدون لدفع ضريبتها".
هؤلاء التقدميون العرب يعتقدون أنهم بالإجهاز على بقايا البناء الاجتماعي العربي التقليدي سيحصلون على نموذج سويسري، لكنهم في الحقيقة لن يحصلوا سوى على "هاييتي" الدولة الفاشلة ولن يبقى لهم عزاء سوى الأعلام الملونة التي سيضعونها على أسطح بيوتهم العشوائية وسط المجاري وبعض الخنازير.
أما التقدميون الغربيون فقد جعلتهم التجارب المؤلمة يحاولون ببطء اكتشاف العجلة من جديد والالتفات إلى أن أخلاقية المجتمع أكثر أهمية وواقعية من أخلاقية الفرد، وما ترتب على حملة Metoo مثال على ذلك (أنظر المنشور رقم 2).
ملاحظة: منشور آخر سابق تناول نفس الفكرة من ناحية احصاءات قتل النساء، تجده في التعليقات.
هذا لا يعني أن فكرة تربية الفرد خاطئة، لا يقول هذا إلا مجنون، لكن الأمر متعلق بترتيب الأولويات وما هو الأهم بالنسبة لك، فإذا كانت الحريات مثلا هي المقصد الأساسي فعليك تقبل أن لها ضريبة يجب دفعها مثل أي خيار آخر، يمكنك العمل على تخفيض تلك الضريبة إن شئت، لكن لا يمكنك التبرؤ منها كليا والتهرب من تحمل مسؤوليتها، فإن كنت مثلا مع الثورة الجنسية فلا بأس بذلك، لكن على الأقل حاول أن تكون متسقا مع ذاتك عندما تواجه بالنتائج التي تقر بضررها وقل دون قفزات بهلوانية: "سنحاول التخفيف من تلك النتائج، لكن الثورة الجنسية أكثر أهمية بالنسبة لنا، ونحن مستعدون لدفع ضريبتها".
هؤلاء التقدميون العرب يعتقدون أنهم بالإجهاز على بقايا البناء الاجتماعي العربي التقليدي سيحصلون على نموذج سويسري، لكنهم في الحقيقة لن يحصلوا سوى على "هاييتي" الدولة الفاشلة ولن يبقى لهم عزاء سوى الأعلام الملونة التي سيضعونها على أسطح بيوتهم العشوائية وسط المجاري وبعض الخنازير.
أما التقدميون الغربيون فقد جعلتهم التجارب المؤلمة يحاولون ببطء اكتشاف العجلة من جديد والالتفات إلى أن أخلاقية المجتمع أكثر أهمية وواقعية من أخلاقية الفرد، وما ترتب على حملة Metoo مثال على ذلك (أنظر المنشور رقم 2).
ملاحظة: منشور آخر سابق تناول نفس الفكرة من ناحية احصاءات قتل النساء، تجده في التعليقات.
👍14👌8❤7
حسّ سليم
Photo
1- هل سبق لك أن قرأت بنود عقد تأمين سيارتك؟
2- أبدا، لماذا تسأل؟
1- هل كنت تعلم أن شركات التأمين قد تحرمك من التعويض عن سرقة سيارتك ما لم تكن قد جهزتها بجهاز إنذار؟
2- لم أكن أعلم، لكن أين هي مشكلتك؟
1- أحقا لا ترى مشكلة في أن تسرق سيارتك ثم لا تأخذ تعويضا لمجرد أنك لم تضع لها جهاز إنذار؟ أهذا منطقي بالنسبة لك؟
2- نعم، منطقي جدا، المال السايب يعلم الناس السرقة
1- من أين تأتي بهذه الأمثال المتخلفة؟
2- قد تكون "متخلفة" لكنها تعبر عن حقيقة
1- هذا اسمه "لوم الضحية"، أنت تريد تبرئة السارق
2- ولماذا أبحث عن تبرئته، هل سآخذ نصيبا مما سرق؟
1- بل ربما أنت سارق سيارات، فلا تفسير آخر لكلامك
2- افهم يا بني آدم، لا أحد يريد تبرئة السارق، السارق سيلقى جزاءه، لكن هذا لا يعفيك من المسؤولية اتجاه نفسك
1- أنا لا أتحمل أي مسؤولية عن السرقة، اذهب للسارق وجعله لا يسرق
2- مرة ثانية افهم، لا مانع من أن نعدم السارق إن شئت، لكن أنت أيضا يجب أن تأخذ حذرك لتتجنب كل هذا الصداع
1- أولا أنا لست متخلفا لأوافق على عقوبة الإعدام، وثانيا كل ما أريده هو أن تتوقف عن التبرير للسارق
2- ذاك الذي أريد أن أعدمه!؟
1- نعم، حتى لو أعدمته فهذا لا يعطيك الحق في التبرير له. أما أنا فمن حقي أن لا أضع جهاز إنذار لسيارتي، ومن حقي أن أتركها مفتوحة ونوافذها مفتوحة والمفتاح بداخلها دون أن تُسرق
2- هذه حتما ستُسرق
1- هل تعلم أن هناك سيارات جهزها أصحابها بكل أنواع أجهزة الأمان ومع ذلك سرقت؟
2- نعم ممكن أن يحدث هذا، لكن ما هو احتمال وقوع ذلك؟
1- لا يهم ما هو الاحتمال، المهم أنه موجود
2- كيف لا يهم، هل الـ0،01٪ مثل 99٪؟
1- أنت تعلم أني لا أحب التمييز والعنصرية، بالنسبة لي لا فرق بين الـ1 والمليون
2- وكيف استطعت أن تعيش إلى هذا العمر بهذا المنطق، كان يجب أن تموت منذ الصغر مع أول احتمال واجهك؟
1- هذا ما تقوله أمي دائما
2- أظنها كانت ذكية، لهذا ما تزال أنت على قيد الحياة، لكن لا أظن أن ابنك سيحظى بنفس الفرصة بذكاءك هذا، أقل شيء سيغتصبه أحدهم وستقول: أنا ضحية لا تلوموني
2- أبدا، لماذا تسأل؟
1- هل كنت تعلم أن شركات التأمين قد تحرمك من التعويض عن سرقة سيارتك ما لم تكن قد جهزتها بجهاز إنذار؟
2- لم أكن أعلم، لكن أين هي مشكلتك؟
1- أحقا لا ترى مشكلة في أن تسرق سيارتك ثم لا تأخذ تعويضا لمجرد أنك لم تضع لها جهاز إنذار؟ أهذا منطقي بالنسبة لك؟
2- نعم، منطقي جدا، المال السايب يعلم الناس السرقة
1- من أين تأتي بهذه الأمثال المتخلفة؟
2- قد تكون "متخلفة" لكنها تعبر عن حقيقة
1- هذا اسمه "لوم الضحية"، أنت تريد تبرئة السارق
2- ولماذا أبحث عن تبرئته، هل سآخذ نصيبا مما سرق؟
1- بل ربما أنت سارق سيارات، فلا تفسير آخر لكلامك
2- افهم يا بني آدم، لا أحد يريد تبرئة السارق، السارق سيلقى جزاءه، لكن هذا لا يعفيك من المسؤولية اتجاه نفسك
1- أنا لا أتحمل أي مسؤولية عن السرقة، اذهب للسارق وجعله لا يسرق
2- مرة ثانية افهم، لا مانع من أن نعدم السارق إن شئت، لكن أنت أيضا يجب أن تأخذ حذرك لتتجنب كل هذا الصداع
1- أولا أنا لست متخلفا لأوافق على عقوبة الإعدام، وثانيا كل ما أريده هو أن تتوقف عن التبرير للسارق
2- ذاك الذي أريد أن أعدمه!؟
1- نعم، حتى لو أعدمته فهذا لا يعطيك الحق في التبرير له. أما أنا فمن حقي أن لا أضع جهاز إنذار لسيارتي، ومن حقي أن أتركها مفتوحة ونوافذها مفتوحة والمفتاح بداخلها دون أن تُسرق
2- هذه حتما ستُسرق
1- هل تعلم أن هناك سيارات جهزها أصحابها بكل أنواع أجهزة الأمان ومع ذلك سرقت؟
2- نعم ممكن أن يحدث هذا، لكن ما هو احتمال وقوع ذلك؟
1- لا يهم ما هو الاحتمال، المهم أنه موجود
2- كيف لا يهم، هل الـ0،01٪ مثل 99٪؟
1- أنت تعلم أني لا أحب التمييز والعنصرية، بالنسبة لي لا فرق بين الـ1 والمليون
2- وكيف استطعت أن تعيش إلى هذا العمر بهذا المنطق، كان يجب أن تموت منذ الصغر مع أول احتمال واجهك؟
1- هذا ما تقوله أمي دائما
2- أظنها كانت ذكية، لهذا ما تزال أنت على قيد الحياة، لكن لا أظن أن ابنك سيحظى بنفس الفرصة بذكاءك هذا، أقل شيء سيغتصبه أحدهم وستقول: أنا ضحية لا تلوموني
👍36❤12😁12🔥4💯1🤨1
حسّ سليم
Photo
في كثير من الأحيان ما يفوت الإنسان على نفسه أفكارا صائبة بسبب الخلاف الأيديولوجي الذي يجعله لا يميز بين فكرة ما صحيحة وما قد يهدف من خلالها المخالف أيديولوجيا صاحب الفكرة في الأساس.
من الأمثلة على هذا، بعض المفاهيم التي جاء بها عالم الاجتماع الماركسي "بيير بورديو"، وهي المفاهيم التي قسم من خلالها رأس المال إلى عدة أنواع أو بالأحرى صنف أنواعا جديد غير رأس المال كما تعرفه الناس الذي سماه "رأس المال الاقتصادي" أي ما يمتلكه الإنسان من أموال بمختلف أشكالها المنقولة وغير المنقولة.
حسب بورديو، لا تحافظ الطبقة البرجوازية على هيمنتها فقط من خلال اكتساب المزيد من المال وتوريثه إلى أبنائها بل الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فبالإضافة إلى رأس المال الاقتصادي هناك كذلك 3 أنواع أخرى هي: رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي. وكل قسم من هذه الأقسام الأربعة يمكنه أن يخدم الآخرين ويساهم في نموها، وقد يكون اكتساب وتوريث رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي أكثر أهمية من اكتساب وتوريث رأس المال الاقتصادي الذي قد يضيع بسهولة، الأمر هنا ينطبق عليه نوعا ما المثل الصيني المعروف: "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطادها".
رأس المال الثقافي:
وينقسم إلى ثلاثة أصناف أساسية:
1. المقتنيات الثقافية التي يمتلكها الإنسان مثل الكتب والأعمال الفنية والآلات الموسيقية وأدوات الرسم ..إلخ، مثلا الإنسان الذي نشأ في بيت به مكتبة كبيرة له من حيث المبدأ أفضلية ثقافية بالمقارنة مع أقرانه الذين لم يحظوا بنفس الفرصة.
2. التعليم الرسمي، وهو ما يحصل عليه الإنسان من معارف وشهادات من خلال المدارس والجامعات. الإنسان الذي حظي مثلا بتعليم جيد لأن والديه كانت لهم القدرة والرغبة ليدرس في مدارس وجامعات راقية ذات سمعة ستكون له من حيث المبدأ الأفضلية على أقرانه الذين دخلوا مدارس عادية.
3. مجموع المهارات والمعارف التي يكتسبها الإنسان خارج التعليم الرسمي مثل الحرف واللغات. إنسان نشأ في عائلة تمتهن تجارة السيارات مثلا ستكون له من حيث المبدأ أفضلية في تجارة السيارات بالمقارنة مع شخص نشأ في عائلة موظفين حكوميين.
رأس المال الاجتماعي:
يمثل الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد التي ورثها عن عائلته أو اكتسبها خلال حياته والقادر على استعمالها عند الحاجة أو لديها ما تقدمه له من معارف وخبرات وأفكار مفيدة. فإن كنت تملك شبكة اجتماعية نافذة وذات مستوى اجتماعي وثقافي مرتفع فإنها تفتح لك أبوابا يصعب جدا أن تفتح لشخص رأس ماله الاجتماعي محدود. شخص مثلا نشأ في بيئة من المصرفيين وآخر في بيئة من التجار وثالث في بيئة من المعلمين ورابع في بيئة من الفلاحين لن تكون لهم مبدئيا حظوظ متساوية في كل المجالات، فابن البيئة المصرفية يصعب عليك التفوق عليه في البنوك حتى وإن كنت أذكى وأكثر اجتهادا منه لأنه يأتي وهو يحمل معه شبكته الاجتماعية ذات الخبرة الواسعة لتفتح له الطريق منذ البداية –وحتى بغض النظر عن الواسطة– إلى ما عليه فعله وأين وكيف ومتى، وما هي المدارس والشهادات المناسبة، وما هو الضروري والمطلوب في السيرة الذاتية (CV)، وأين وكيف يأخذ أفضل الدورات التدريبية، وما هي البنوك المناسبة له، في الوقت الذي تكون فيه أنت حائرا ولا تدري من أين وكيف تبدأ.
رأس المال الرمزي:
إذا أردنا اختزال هذا الصنف نقول هو "البريستيج" أو السمات والصفات التي يمتلكها الإنسان ولها تقديرها في المجتمع، قد تكون النسب أو السمعة أو سمات دينية أو ثقافية أو الجمال أو الهيئة أو اللكنة ..إلخ. في حي تكثر فيه الجريمة مثلا، يكون من رأس المال الرمزي أن يكون لك هيئة معينة وطريقة كلام خاصة توحي بأنك صاحب سوابق. في بيئة برجوازية يكون من رأس المال الرمزي أن تلبس من علامات معينة وتتحدث بطريقة معينة. وفي بيئة سلفية ينبغي أن تتبنى هيئة خاصة ليتم قبولك ويكون لك مكانة.
يتبع..
من الأمثلة على هذا، بعض المفاهيم التي جاء بها عالم الاجتماع الماركسي "بيير بورديو"، وهي المفاهيم التي قسم من خلالها رأس المال إلى عدة أنواع أو بالأحرى صنف أنواعا جديد غير رأس المال كما تعرفه الناس الذي سماه "رأس المال الاقتصادي" أي ما يمتلكه الإنسان من أموال بمختلف أشكالها المنقولة وغير المنقولة.
حسب بورديو، لا تحافظ الطبقة البرجوازية على هيمنتها فقط من خلال اكتساب المزيد من المال وتوريثه إلى أبنائها بل الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فبالإضافة إلى رأس المال الاقتصادي هناك كذلك 3 أنواع أخرى هي: رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي. وكل قسم من هذه الأقسام الأربعة يمكنه أن يخدم الآخرين ويساهم في نموها، وقد يكون اكتساب وتوريث رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي أكثر أهمية من اكتساب وتوريث رأس المال الاقتصادي الذي قد يضيع بسهولة، الأمر هنا ينطبق عليه نوعا ما المثل الصيني المعروف: "لا تعطني سمكة بل علمني كيف أصطادها".
رأس المال الثقافي:
وينقسم إلى ثلاثة أصناف أساسية:
1. المقتنيات الثقافية التي يمتلكها الإنسان مثل الكتب والأعمال الفنية والآلات الموسيقية وأدوات الرسم ..إلخ، مثلا الإنسان الذي نشأ في بيت به مكتبة كبيرة له من حيث المبدأ أفضلية ثقافية بالمقارنة مع أقرانه الذين لم يحظوا بنفس الفرصة.
2. التعليم الرسمي، وهو ما يحصل عليه الإنسان من معارف وشهادات من خلال المدارس والجامعات. الإنسان الذي حظي مثلا بتعليم جيد لأن والديه كانت لهم القدرة والرغبة ليدرس في مدارس وجامعات راقية ذات سمعة ستكون له من حيث المبدأ الأفضلية على أقرانه الذين دخلوا مدارس عادية.
3. مجموع المهارات والمعارف التي يكتسبها الإنسان خارج التعليم الرسمي مثل الحرف واللغات. إنسان نشأ في عائلة تمتهن تجارة السيارات مثلا ستكون له من حيث المبدأ أفضلية في تجارة السيارات بالمقارنة مع شخص نشأ في عائلة موظفين حكوميين.
رأس المال الاجتماعي:
يمثل الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد التي ورثها عن عائلته أو اكتسبها خلال حياته والقادر على استعمالها عند الحاجة أو لديها ما تقدمه له من معارف وخبرات وأفكار مفيدة. فإن كنت تملك شبكة اجتماعية نافذة وذات مستوى اجتماعي وثقافي مرتفع فإنها تفتح لك أبوابا يصعب جدا أن تفتح لشخص رأس ماله الاجتماعي محدود. شخص مثلا نشأ في بيئة من المصرفيين وآخر في بيئة من التجار وثالث في بيئة من المعلمين ورابع في بيئة من الفلاحين لن تكون لهم مبدئيا حظوظ متساوية في كل المجالات، فابن البيئة المصرفية يصعب عليك التفوق عليه في البنوك حتى وإن كنت أذكى وأكثر اجتهادا منه لأنه يأتي وهو يحمل معه شبكته الاجتماعية ذات الخبرة الواسعة لتفتح له الطريق منذ البداية –وحتى بغض النظر عن الواسطة– إلى ما عليه فعله وأين وكيف ومتى، وما هي المدارس والشهادات المناسبة، وما هو الضروري والمطلوب في السيرة الذاتية (CV)، وأين وكيف يأخذ أفضل الدورات التدريبية، وما هي البنوك المناسبة له، في الوقت الذي تكون فيه أنت حائرا ولا تدري من أين وكيف تبدأ.
رأس المال الرمزي:
إذا أردنا اختزال هذا الصنف نقول هو "البريستيج" أو السمات والصفات التي يمتلكها الإنسان ولها تقديرها في المجتمع، قد تكون النسب أو السمعة أو سمات دينية أو ثقافية أو الجمال أو الهيئة أو اللكنة ..إلخ. في حي تكثر فيه الجريمة مثلا، يكون من رأس المال الرمزي أن يكون لك هيئة معينة وطريقة كلام خاصة توحي بأنك صاحب سوابق. في بيئة برجوازية يكون من رأس المال الرمزي أن تلبس من علامات معينة وتتحدث بطريقة معينة. وفي بيئة سلفية ينبغي أن تتبنى هيئة خاصة ليتم قبولك ويكون لك مكانة.
يتبع..
❤38👍11🔥2
تكملة
لماذا نتحدث عن هذه التقسيمات، ولماذا نحتاج معرفتها وفهمها؟
بالنسبة لبيير بورديو كمفكر ماركسي هدفه تحقيق المساواة فإنه يحتاج إلى هذه التقسيمات لفهم آلية هيمنة الطبقة البرجوازية وكيف تستعمل مختلف أشكال رأس مال لتحافظ على مكتسباتها، فالتعليم مثلا بالنسبة له ما هو سوى واجهة خادعة توحي بأنها تقدم فرصا متساوية للجميع، في حين أن دورها الحقيقي هو شرعنة الهيمنة البرجوازية من خلال فكرة أن النجاح كان من نصيب من يستحقونه. كذلك بالنسبة للرأس المال الاجتماعي الذي تنسج من خلاله البرجوازية شبكتها الاجتماعية التي تسمح لأفرادها بخدمة بعضهم البعض بعيدا عن بقية الطبقات، ومن أجل ذلك تُنشأ البرجوازية مثلا أحياءها ومدارسها الخاصة ونواديها الرياضية والترفيهية ومناطقها السياحية ..إلخ التي توضع لها حواجز أمام دخول غيرها من الطبقات من خلال الأسعار الخيالية والشروط الاجتماعية والثقافية والرمزية الخاصة بالبرجوازية. نفس الفكرة يسحبها بورديو على رأس المال الرمزي، حيث يرى أن البرجوازية تعطي بعض الصفات أو العادات أو الأماكن أو العلامات قيمة غير حقيقية لتميز نفسها وتعطيها بريستيج خاصا بها مثل لعب الغولف أو التنس أو التحدث بلغة أجنبية أو بلكنة مختلفة.
الذي سبق هو ما وصفناه في بداية المنشور بأنه من أهداف صاحب الفكرة التي قد تنفر من يخالفه أيديولوجيا وتبعده عن جوهر الفكرة. فبورديو هنا غايته البحث عن سبيل لتحقيق المساواة والتكافؤ المطلق في الفرص، الأمر الذي قد يعتبره آخرون طوباوية مستحيلة وأن السعي لتحقيقها هو ما يأتي بالجحيم، لأن من طبيعة البشر والحياة عموما اللامساواة. لهذا فإن الذي يهمنا هنا من فهم تقسيمات رأس المال أمرين:
الأول هو إدراك أن خطاب التنمية البشرية والعصامية و Self-made man ما هو سوى وهم يوحي للناس أن الحياة مؤسسة على الجدارة فقط، وأن الاجتهاد في العمل والاستيقاظ مبكرا لوحده كاف لتحقيق الثروة، وهذا ما ينتهي –في غالب الأحيان– بالصدمة أمام الواقع. وهنا يستعمل كثيرا أصحاب خطاب العصامية مغالطة تعرف بـ "انحياز البقاء" Survivorship bias التي يركز فيها على حالات النجاح الاستثنائية (الأشخاص الناجين) ويتناسون تماما حالات الفشل التي تمثل الغالبية الساحقة، فتجدهم مثلا يقولون لك إن فلانا قد أصبح أغنى رجل في العالم ولم يكن يملك سوى مستودع والديه وكأن هذه الحالة قابلة للتكرار ملايين المرات، وحتى في هذه الحالة الاستثنائية لا يركزون سوى على رأس المال الاقتصادي ويغضون الطرف عن رأس المال الثقافي والاجتماعي لشخص كان يدرس في أرقى جامعات العالم (هارفرد) وشبكته الاجتماعية تختلف تماما عن شبكة ابن فلاح بسيط في الريف الأمريكي.
الثاني من أجلك كفرد، لأن فهم هذه التقسيمات يجعل فهم خيارات الناس التي تبدو غير منطقية معقولة تماما، كما يساعدك كفرد على اتخاذ قراراتك ضمن ما هو ممكن، لأنك قد تجد أحيانا شابا لا يستوعب قيمة الشهادة الجامعية التي حصل أو سيحصل عليها ما لم تقدم له وظيفة مباشرة، لأنه لا يرى ما تقدمه له الشهادة من رأس مال اجتماعي وثقافي ورمزي، فهو لا يدرك أنه لو ترك الدراسة مبكرا فستكون شبكته الاجتماعية محدودة أكثر ولا تملك أفقا واسعا قد يساعده على الخروج من حالته، في حين أنه كلما إرتفع في السلم الدراسي كلما تحسنت نوعية شبكته الاجتماعية. وهنا طبعا يبدأ في استعمال مغالطة انحياز البقاء، ويضرب لك المثل بفلان الذي ترك الدراسة في الابتدائي وهو حاليا تاجر ناجح دون أن تكون له دراية بما يملكه هذا الشخص من رؤوس أموال غير الشهادة ساعدته في النجاح تجاريا في حين أن صاحبنا لا يملك منها شيء. وحتى وإن لم يستفد من شهادته بشيء فسيفيد أبنائه منها لكونه شخص له خبرة دراسية وأصبحت له معرفة بأفضل الخيارات وأي الأخطاء يجب على أبناءه تجنبها. وهكذا بالنسبة للعديد من القرارات التي قد يتخذها الإنسان مثل أي حي أو مدينة يختارهما للسكن أو أي مدرسة يختارها لأبنائه ..إلخ.
لماذا نتحدث عن هذه التقسيمات، ولماذا نحتاج معرفتها وفهمها؟
بالنسبة لبيير بورديو كمفكر ماركسي هدفه تحقيق المساواة فإنه يحتاج إلى هذه التقسيمات لفهم آلية هيمنة الطبقة البرجوازية وكيف تستعمل مختلف أشكال رأس مال لتحافظ على مكتسباتها، فالتعليم مثلا بالنسبة له ما هو سوى واجهة خادعة توحي بأنها تقدم فرصا متساوية للجميع، في حين أن دورها الحقيقي هو شرعنة الهيمنة البرجوازية من خلال فكرة أن النجاح كان من نصيب من يستحقونه. كذلك بالنسبة للرأس المال الاجتماعي الذي تنسج من خلاله البرجوازية شبكتها الاجتماعية التي تسمح لأفرادها بخدمة بعضهم البعض بعيدا عن بقية الطبقات، ومن أجل ذلك تُنشأ البرجوازية مثلا أحياءها ومدارسها الخاصة ونواديها الرياضية والترفيهية ومناطقها السياحية ..إلخ التي توضع لها حواجز أمام دخول غيرها من الطبقات من خلال الأسعار الخيالية والشروط الاجتماعية والثقافية والرمزية الخاصة بالبرجوازية. نفس الفكرة يسحبها بورديو على رأس المال الرمزي، حيث يرى أن البرجوازية تعطي بعض الصفات أو العادات أو الأماكن أو العلامات قيمة غير حقيقية لتميز نفسها وتعطيها بريستيج خاصا بها مثل لعب الغولف أو التنس أو التحدث بلغة أجنبية أو بلكنة مختلفة.
الذي سبق هو ما وصفناه في بداية المنشور بأنه من أهداف صاحب الفكرة التي قد تنفر من يخالفه أيديولوجيا وتبعده عن جوهر الفكرة. فبورديو هنا غايته البحث عن سبيل لتحقيق المساواة والتكافؤ المطلق في الفرص، الأمر الذي قد يعتبره آخرون طوباوية مستحيلة وأن السعي لتحقيقها هو ما يأتي بالجحيم، لأن من طبيعة البشر والحياة عموما اللامساواة. لهذا فإن الذي يهمنا هنا من فهم تقسيمات رأس المال أمرين:
الأول هو إدراك أن خطاب التنمية البشرية والعصامية و Self-made man ما هو سوى وهم يوحي للناس أن الحياة مؤسسة على الجدارة فقط، وأن الاجتهاد في العمل والاستيقاظ مبكرا لوحده كاف لتحقيق الثروة، وهذا ما ينتهي –في غالب الأحيان– بالصدمة أمام الواقع. وهنا يستعمل كثيرا أصحاب خطاب العصامية مغالطة تعرف بـ "انحياز البقاء" Survivorship bias التي يركز فيها على حالات النجاح الاستثنائية (الأشخاص الناجين) ويتناسون تماما حالات الفشل التي تمثل الغالبية الساحقة، فتجدهم مثلا يقولون لك إن فلانا قد أصبح أغنى رجل في العالم ولم يكن يملك سوى مستودع والديه وكأن هذه الحالة قابلة للتكرار ملايين المرات، وحتى في هذه الحالة الاستثنائية لا يركزون سوى على رأس المال الاقتصادي ويغضون الطرف عن رأس المال الثقافي والاجتماعي لشخص كان يدرس في أرقى جامعات العالم (هارفرد) وشبكته الاجتماعية تختلف تماما عن شبكة ابن فلاح بسيط في الريف الأمريكي.
الثاني من أجلك كفرد، لأن فهم هذه التقسيمات يجعل فهم خيارات الناس التي تبدو غير منطقية معقولة تماما، كما يساعدك كفرد على اتخاذ قراراتك ضمن ما هو ممكن، لأنك قد تجد أحيانا شابا لا يستوعب قيمة الشهادة الجامعية التي حصل أو سيحصل عليها ما لم تقدم له وظيفة مباشرة، لأنه لا يرى ما تقدمه له الشهادة من رأس مال اجتماعي وثقافي ورمزي، فهو لا يدرك أنه لو ترك الدراسة مبكرا فستكون شبكته الاجتماعية محدودة أكثر ولا تملك أفقا واسعا قد يساعده على الخروج من حالته، في حين أنه كلما إرتفع في السلم الدراسي كلما تحسنت نوعية شبكته الاجتماعية. وهنا طبعا يبدأ في استعمال مغالطة انحياز البقاء، ويضرب لك المثل بفلان الذي ترك الدراسة في الابتدائي وهو حاليا تاجر ناجح دون أن تكون له دراية بما يملكه هذا الشخص من رؤوس أموال غير الشهادة ساعدته في النجاح تجاريا في حين أن صاحبنا لا يملك منها شيء. وحتى وإن لم يستفد من شهادته بشيء فسيفيد أبنائه منها لكونه شخص له خبرة دراسية وأصبحت له معرفة بأفضل الخيارات وأي الأخطاء يجب على أبناءه تجنبها. وهكذا بالنسبة للعديد من القرارات التي قد يتخذها الإنسان مثل أي حي أو مدينة يختارهما للسكن أو أي مدرسة يختارها لأبنائه ..إلخ.
❤59👍25🔥4👌4🤯3