حسّ سليم
Photo
يبدأ غدا الدور الأول من الانتخابات التشريعية الفرنسية التي جاءت بعد حل ماكرون للبرلمان كرد فعل على النتيجة السيئة جدا لحزبه في انتخابات البرلمان الأوروبي مقابل صعود حزب اليمين "المتطرف" (التجمع الوطني RN).
باستثناء بضعة مستشارين مقربين جدا من ماكرون، كان قرار حل البرلمان مفاجئا للجميع حتى بالنسبة لرئيس حكومته ووزرائه المقربين، لأن نتيجة الانتخابات الأوروبية مهما كانت كارثية فإنها لن تصل إلى حد تغيير شيء في الواقع السياسي الداخلي، كما أن فوز حزب التجمع متوقع جدا في الانتخابات الأوروبية التي تعود الآن الجميع على تصدره فيها.
إذن لماذا أقدم ماكرون على حل البرلمان؟
قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن يعرف غير المتابع للشأن الفرنسي بأن ماكرون يمر بأزمة داخلية منذ أخر انتخابات تشريعية بسبب امتلاك حكومته للأغلبية في البرلمان دون الأغلبية المطلقة، وبالتالي يقف ماكرون حاليا عاجزا عن تمرير ما يرغب فيه من قوانين دون التنازل لجهة ما في البرلمان أو باستعمال المادة 49.3 من الدستور التي تجيز للحكومة تمرير نص واحد سنويا دون موافقة البرلمان، وبالتالي من الطبيعي أن يشعر ماكرون بأنه مكبل وغير قادر على فعل ما يريده، ومن هنا جاء قرار الحل الذي يجمع الجميع تقريبا على أن ماكرون ينوي من خلاله إحدى الأمرين:
1- الطفل الغاضب يكسر لعبته:
جاء قرار الحل لإعادة بعثرة الأوراق ومفاجئة الجميع به مع تحديد أقرب موعد للانتخابات حتى لا تتمكن الأحزاب من إعداد نفسها، هذا ما علق عليه ماكرون في الكواليس بـ "لقد ألقيت قنبلة يدوية بين أرجلهم، دعونا نرى ما يمكنهم فعله الآن". يطمح ماكرون من خلال هذا إلى معاقبة الطبقة السياسية والفرنسيين عموما على تصويتهم وإحداث حالة رعب بين الأحزاب التقليدية من وصول اليمين المتطرف إلى الحكم، ما يجعلها تهرع إليه لطلب النجدة والتحالف معه، وبالتالي تعود الأغلبية البرلمانية المطلقة لحكومته، والذي يجعله مطمئنا لحدوث ذلك هو انقسام اليسار بسبب الحملة الإعلامية الشديد التي قادها بتحالف مع اليمين المتطرف ضد حزب فرنسا الأبية LFI الذي أصبح يعتبر منبوذا أكثر من اليمين المتطرف نتيجة اتهامه بمعاداة السامية بسبب موقفه من الحرب على غزة وتراكمات سابقة، ولهذا كان ماكرون يقدم نفسه منذ مدة على أنه الحاجز الوحيد أمام المتطرفين من الجانبين (اليمين المتطرف واليسار المتطرف)، لكن السحر انقلب على الساحر عندما حدثت مفاجئة غير متوقعة بتحالف أغلب اليسار، وبالتالي سحب البساط كليا من تحت أرجل ماكرون وإخراجه من السباق الانتخابي الذي لم يبقى فيه إلا اليمين المتطرف مقابل تحالف اليسار، وحسب استطلاعات الرأي الحالية الفارق بين الطرفين ضئيل جدا ومن الصعب تحديد من منهما سيفوز، وفي كل الأحوال من المستبعد جدا فوز أحدهما بالأغلبية المطلقة، وبالتالي ستستمر حالة الفوضى داخل البرلمان وفرنسا عموما وقد يضطر ماكرون نفسه للاستقالة.
2- السلطة ستفضح عورتهم:
من غير المستبعد أن يكون ماكرون يفكر في فسح المجال أمام اليمين المتطرف للوصول إلى الحكم ثم الاعتماد على ضعفه وقلة خبرته في الحكم ليفقد رصيده أمام الناس التي تأمل في أن يحدث تغييرا جذريا.
هنا ماكرون محق تماما لأن أحزاب اليمين المتطرف فاشلة فعلا، وأغلب أعضائها هم مجموعة حمقى لا يحسنون الحديث في شيء، ولا يملكون أي أفكار متسقة خارج موضوع المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة وعلى رأسهم رئيس الحزب بارديلا (لم يكن الأمر هكذا زمن لوبان الأب)، يكفي أن تمنح أحدهم الميكروفون وتسأله عن برنامج حزبه الاقتصادي لتندهش أمام المستوى المتدني جدا وكثرة التناقضات في الجملة الواحدة. والمضحك في الأمر أن مجرد شعور حزب التجمع بأنه قريب من الفوز جعله يتخلى عن كل وعوده الانتخابية الشعبوية السابقة بحيث يبدو وكأنه سيتحول إلى حزب شبيه بحزب ماكرون إذا وصل فعلا إلى الحكم مع جرعة خطابية زائدة نحو المهاجرين لن تكون مجدية كثيرا لأن ملف الهجرة بيد أوروبا ورجال الأعمال ويتجاوز فرنسا، وهذا ما أثبته حال جورجيا ميلوني في إيطاليا التي تعتبر أكثر تطرفا من نظيرتها الفرنسية لوبان.
باستثناء بضعة مستشارين مقربين جدا من ماكرون، كان قرار حل البرلمان مفاجئا للجميع حتى بالنسبة لرئيس حكومته ووزرائه المقربين، لأن نتيجة الانتخابات الأوروبية مهما كانت كارثية فإنها لن تصل إلى حد تغيير شيء في الواقع السياسي الداخلي، كما أن فوز حزب التجمع متوقع جدا في الانتخابات الأوروبية التي تعود الآن الجميع على تصدره فيها.
إذن لماذا أقدم ماكرون على حل البرلمان؟
قبل الإجابة على هذا السؤال يجب أن يعرف غير المتابع للشأن الفرنسي بأن ماكرون يمر بأزمة داخلية منذ أخر انتخابات تشريعية بسبب امتلاك حكومته للأغلبية في البرلمان دون الأغلبية المطلقة، وبالتالي يقف ماكرون حاليا عاجزا عن تمرير ما يرغب فيه من قوانين دون التنازل لجهة ما في البرلمان أو باستعمال المادة 49.3 من الدستور التي تجيز للحكومة تمرير نص واحد سنويا دون موافقة البرلمان، وبالتالي من الطبيعي أن يشعر ماكرون بأنه مكبل وغير قادر على فعل ما يريده، ومن هنا جاء قرار الحل الذي يجمع الجميع تقريبا على أن ماكرون ينوي من خلاله إحدى الأمرين:
1- الطفل الغاضب يكسر لعبته:
جاء قرار الحل لإعادة بعثرة الأوراق ومفاجئة الجميع به مع تحديد أقرب موعد للانتخابات حتى لا تتمكن الأحزاب من إعداد نفسها، هذا ما علق عليه ماكرون في الكواليس بـ "لقد ألقيت قنبلة يدوية بين أرجلهم، دعونا نرى ما يمكنهم فعله الآن". يطمح ماكرون من خلال هذا إلى معاقبة الطبقة السياسية والفرنسيين عموما على تصويتهم وإحداث حالة رعب بين الأحزاب التقليدية من وصول اليمين المتطرف إلى الحكم، ما يجعلها تهرع إليه لطلب النجدة والتحالف معه، وبالتالي تعود الأغلبية البرلمانية المطلقة لحكومته، والذي يجعله مطمئنا لحدوث ذلك هو انقسام اليسار بسبب الحملة الإعلامية الشديد التي قادها بتحالف مع اليمين المتطرف ضد حزب فرنسا الأبية LFI الذي أصبح يعتبر منبوذا أكثر من اليمين المتطرف نتيجة اتهامه بمعاداة السامية بسبب موقفه من الحرب على غزة وتراكمات سابقة، ولهذا كان ماكرون يقدم نفسه منذ مدة على أنه الحاجز الوحيد أمام المتطرفين من الجانبين (اليمين المتطرف واليسار المتطرف)، لكن السحر انقلب على الساحر عندما حدثت مفاجئة غير متوقعة بتحالف أغلب اليسار، وبالتالي سحب البساط كليا من تحت أرجل ماكرون وإخراجه من السباق الانتخابي الذي لم يبقى فيه إلا اليمين المتطرف مقابل تحالف اليسار، وحسب استطلاعات الرأي الحالية الفارق بين الطرفين ضئيل جدا ومن الصعب تحديد من منهما سيفوز، وفي كل الأحوال من المستبعد جدا فوز أحدهما بالأغلبية المطلقة، وبالتالي ستستمر حالة الفوضى داخل البرلمان وفرنسا عموما وقد يضطر ماكرون نفسه للاستقالة.
2- السلطة ستفضح عورتهم:
من غير المستبعد أن يكون ماكرون يفكر في فسح المجال أمام اليمين المتطرف للوصول إلى الحكم ثم الاعتماد على ضعفه وقلة خبرته في الحكم ليفقد رصيده أمام الناس التي تأمل في أن يحدث تغييرا جذريا.
هنا ماكرون محق تماما لأن أحزاب اليمين المتطرف فاشلة فعلا، وأغلب أعضائها هم مجموعة حمقى لا يحسنون الحديث في شيء، ولا يملكون أي أفكار متسقة خارج موضوع المهاجرين وذوي الأصول المهاجرة وعلى رأسهم رئيس الحزب بارديلا (لم يكن الأمر هكذا زمن لوبان الأب)، يكفي أن تمنح أحدهم الميكروفون وتسأله عن برنامج حزبه الاقتصادي لتندهش أمام المستوى المتدني جدا وكثرة التناقضات في الجملة الواحدة. والمضحك في الأمر أن مجرد شعور حزب التجمع بأنه قريب من الفوز جعله يتخلى عن كل وعوده الانتخابية الشعبوية السابقة بحيث يبدو وكأنه سيتحول إلى حزب شبيه بحزب ماكرون إذا وصل فعلا إلى الحكم مع جرعة خطابية زائدة نحو المهاجرين لن تكون مجدية كثيرا لأن ملف الهجرة بيد أوروبا ورجال الأعمال ويتجاوز فرنسا، وهذا ما أثبته حال جورجيا ميلوني في إيطاليا التي تعتبر أكثر تطرفا من نظيرتها الفرنسية لوبان.
👌20👍18❤7💯5🔥2
حسّ سليم
Photo
عندما تشاهد المناظرة الأخيرة بين الزومبي التائه والمهرج الأبله التي تجعلك تتساءل "ألم تجد أمة الـ300 مليون التي تهيمن على العالم من كل النواحي إلا هذان الخرفان؟" أو الحملة الانتخابية الحالية في فرنسا أو كل الانتخابات الغربية خلال العقدين الأخيرين، لا يمكنك إلا أن تلاحظ المستوى المتدني جدا للسياسيين الغربيين الذين من المفترض أن يمثلوا زبدة المجتمع وصفوته. قدرتهم على صياغة أفكار مترابطة ومتسقة ضعيفة جدا، ثقافتهم التاريخية والفلسفية شبه معدومة، وحتى قدراتهم الخطابية هزيلة جدا وبالكاد تتوافق مع ما تتطلبه تغريدة على إكس أو مقطع على تيك توك، وكثير منهم يتصدر المشهد السياسي فقط لأنه جذاب فوتوغرافيا (photogenic) لأن السياسة بدأت تتحول منذ كينيدي إلى show إعلامي لا تختلف معاييره كثيرا عن معايير اختيار مقدمة النشرة الجوية ومقدم البرامج الحوارية الذي يحسن قصف الجبهات.
هذا التدني في مستوى السياسيين لا يعود لعلة في السياسيين أنفسهم فقط لأنهم في النهاية مجرد انعكاس لحالة المجتمع ككل الذي يشهد انهيار في المستوى في كل شيء تقريبا: في الفلسفة والفن والأدب والعلوم النظرية، تدني في مستوى منظري الماركسية والليبرالية وكل الأيديولوجيات، تدني في مستوى مفكري اليسار واليمين، والتقدميين والمحافظين والرجعيين. المجال الوحيد الذي لا يزال محافظا على مستواه هو قطاع التكنولوجيا، وهذا ليس بالغريب لأن التكنولوجيا بطبيعتها تراكمية وتقدمية وتسير في مسار متصاعد منذ اكتشاف النار والعجلة، هذا ما جعل التقدميين دائما يتوهمون أن البشرية في حالة تقدم دائم لتصورهم أن الإنسان من حيث هو إنسان يتقدم حتما أكثر مع التقدم الحتمي للتكنولوجيا، لكن العقود الأخيرة تثبت أن كل ذلك كان محض هراء لا صلة له بالواقع، رغم أن التقدميين وفروا كل ما كانوا يزعمون أنها شروط التقدم الإنساني من "حرية" وكسر للقيود وإيجابية في التعامل.
نحن حاليا نعيش في أكثر العصور كثافة سكانيا، وأكثرها تعليما، وأكثرها حرية وكسرا للقيود (هكذا يعتقدون)، وأكثرها عدالة اجتماعيا، وأكثرها تشجيعا على الإبداع (كما يعتقدون أيضا)، ومع ذلك لو تقارن ما أنتجه مفكرو ومبدعو القرن 19 أو بداية القرن 20 –بغض النظر عن الموقف مما أنتجوه– مع ما ينتجه البشر حاليا فستجد فرقا شاسعا كفرق السماء عن الأرض. نعيش عصرا مساواتي انتشل من كانوا في القاع درجات نحو الأعلى ونزلت درجات بمن كانوا في القمة ليجتمع الكل في حالة وسطية، حالة الإنسان المتوسط Average.
ملاحظة: الغرب هنا هو مجرد مثال بوصفه المهيمن على العالم الذي ينظر إليه على أنه المتفوق في كل شيء، وإلا فإن هذا الانهيار في مستوى السياسيين وغيرهم يشمل العالم كله تقريبا، ولو قارنا مثلا نوعية القادة عندنا قبل عقود مع كل عيوبهم فسنجد فرقا شاسعا مع القادة الحاليين من كل النواحي.
هذا التدني في مستوى السياسيين لا يعود لعلة في السياسيين أنفسهم فقط لأنهم في النهاية مجرد انعكاس لحالة المجتمع ككل الذي يشهد انهيار في المستوى في كل شيء تقريبا: في الفلسفة والفن والأدب والعلوم النظرية، تدني في مستوى منظري الماركسية والليبرالية وكل الأيديولوجيات، تدني في مستوى مفكري اليسار واليمين، والتقدميين والمحافظين والرجعيين. المجال الوحيد الذي لا يزال محافظا على مستواه هو قطاع التكنولوجيا، وهذا ليس بالغريب لأن التكنولوجيا بطبيعتها تراكمية وتقدمية وتسير في مسار متصاعد منذ اكتشاف النار والعجلة، هذا ما جعل التقدميين دائما يتوهمون أن البشرية في حالة تقدم دائم لتصورهم أن الإنسان من حيث هو إنسان يتقدم حتما أكثر مع التقدم الحتمي للتكنولوجيا، لكن العقود الأخيرة تثبت أن كل ذلك كان محض هراء لا صلة له بالواقع، رغم أن التقدميين وفروا كل ما كانوا يزعمون أنها شروط التقدم الإنساني من "حرية" وكسر للقيود وإيجابية في التعامل.
نحن حاليا نعيش في أكثر العصور كثافة سكانيا، وأكثرها تعليما، وأكثرها حرية وكسرا للقيود (هكذا يعتقدون)، وأكثرها عدالة اجتماعيا، وأكثرها تشجيعا على الإبداع (كما يعتقدون أيضا)، ومع ذلك لو تقارن ما أنتجه مفكرو ومبدعو القرن 19 أو بداية القرن 20 –بغض النظر عن الموقف مما أنتجوه– مع ما ينتجه البشر حاليا فستجد فرقا شاسعا كفرق السماء عن الأرض. نعيش عصرا مساواتي انتشل من كانوا في القاع درجات نحو الأعلى ونزلت درجات بمن كانوا في القمة ليجتمع الكل في حالة وسطية، حالة الإنسان المتوسط Average.
ملاحظة: الغرب هنا هو مجرد مثال بوصفه المهيمن على العالم الذي ينظر إليه على أنه المتفوق في كل شيء، وإلا فإن هذا الانهيار في مستوى السياسيين وغيرهم يشمل العالم كله تقريبا، ولو قارنا مثلا نوعية القادة عندنا قبل عقود مع كل عيوبهم فسنجد فرقا شاسعا مع القادة الحاليين من كل النواحي.
❤82👍45🔥11👏4👌4💯4😁1😍1🤣1
حسّ سليم
Photo
بخلاف ترتيبه الثالث من حيث عدد المقاعد البرلمانية، جاء حزب التجمع الوطني الفرنسي (أقصى اليمين) في المرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات الإجمالية وطنيا (10 ملايين أو 37٪)، وهذه أعلى نسبة في تاريخه ولو كان النظام الانتخابي الفرنسي مشابها للنظام البريطاني لكانت النتيجة اكتساحا من حزب التجمع على الجميع، لكن كونها انتخابات تجري على دورتين بثلاثة مترشحين فهذا يسمح للمنافسين بتنظيم أنفسهم ضد الحزب المتصدر حيث ينسحب المترشح في المركز الثالث لمصلحة من يراد دعمه.
أما فوز تحالف اليسار بأغلبية نسبية بسيطة فهو يعني أن المشهد السياسي غالبا لن يتغير كثيرا، وإذا لم ينتصر ماكرون في هذه الانتخابات فهو كذلك لم يخسر فيها وإمكانه الاحتفاظ بالحكومة كما هي أو تعيين رئيس حكومة من تحالف اليسار يكون مقربا منه (Ruffin مثلا) ويفتت بذلك تحالف اليسار الهش أساسا، ولن يستطيع أحد حجب الثقة عن هذه الحكومة في ظل عدم امتلاك أي جهة للأغلبية المطلقة ومن الصعب جدا أن يتوافق اليمين المتطرف مع اليسار المتطرف على إسقاط الحكومة لأنهم يحرصون جدا على أن لا يظهر أي تحالف بينهم ولو مؤقتا. أو قد يقدم ماكرون على حيلة مفاجئة أخرى، فبعد حله للبرلمان لم يعد أحد يستطيع الجزم بما يفكر فيه.
بالنسبة للمتابع من الخارج كان سيكون من المثير للاهتمام فوز أقصى اليمين أو أقصى اليسار بأغلبية مطلقة، الأخير لأنه يضم كتلة كبيرة في خصومة عميقة مع الصهيونية وبارونات الإعلام. أما الأول فيُنظر هل بإمكانه تحقيق ما يدعيه أم ستكون البيروقراطية والمؤسسات القضائية والاتحاد الأوروبي أقوى منه، أضف إلى ذلك وقوعه في التناقض الذي وقعت فيه جورجيا ميلوني التي مثل التجمع الوطني أسست كل برنامجها على مناهضة الهجرة لكنها في نفس الوقت تُقبل يد القطاع المالي والصناعي الذي يشترط عليها السماح بالهجرة لسد العجز الديموغرافي، الأمر الذي جعلها تمنح بعد فوزها بقليل 450 ألف إقامة للعمل في الثلاث سنوات اللاحقة. هذه المعضلة هي أهم مشاكل أقصى اليمين الغربي، فهو من جهة يسعى لإعادة التصنيع إلى الغرب ليستعيد قوته التي ضيعها لمصلحة شرق آسيا، ومن جهة أخرى يتطلب هذا التصنيع يدا عاملة لم تعد متوفرة مثلما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي سيضطر للسماح بالهجرة التي يناهضها وينتهي الأمر إلى دورة مغلقة لا نهاية لها.
أما فوز تحالف اليسار بأغلبية نسبية بسيطة فهو يعني أن المشهد السياسي غالبا لن يتغير كثيرا، وإذا لم ينتصر ماكرون في هذه الانتخابات فهو كذلك لم يخسر فيها وإمكانه الاحتفاظ بالحكومة كما هي أو تعيين رئيس حكومة من تحالف اليسار يكون مقربا منه (Ruffin مثلا) ويفتت بذلك تحالف اليسار الهش أساسا، ولن يستطيع أحد حجب الثقة عن هذه الحكومة في ظل عدم امتلاك أي جهة للأغلبية المطلقة ومن الصعب جدا أن يتوافق اليمين المتطرف مع اليسار المتطرف على إسقاط الحكومة لأنهم يحرصون جدا على أن لا يظهر أي تحالف بينهم ولو مؤقتا. أو قد يقدم ماكرون على حيلة مفاجئة أخرى، فبعد حله للبرلمان لم يعد أحد يستطيع الجزم بما يفكر فيه.
بالنسبة للمتابع من الخارج كان سيكون من المثير للاهتمام فوز أقصى اليمين أو أقصى اليسار بأغلبية مطلقة، الأخير لأنه يضم كتلة كبيرة في خصومة عميقة مع الصهيونية وبارونات الإعلام. أما الأول فيُنظر هل بإمكانه تحقيق ما يدعيه أم ستكون البيروقراطية والمؤسسات القضائية والاتحاد الأوروبي أقوى منه، أضف إلى ذلك وقوعه في التناقض الذي وقعت فيه جورجيا ميلوني التي مثل التجمع الوطني أسست كل برنامجها على مناهضة الهجرة لكنها في نفس الوقت تُقبل يد القطاع المالي والصناعي الذي يشترط عليها السماح بالهجرة لسد العجز الديموغرافي، الأمر الذي جعلها تمنح بعد فوزها بقليل 450 ألف إقامة للعمل في الثلاث سنوات اللاحقة. هذه المعضلة هي أهم مشاكل أقصى اليمين الغربي، فهو من جهة يسعى لإعادة التصنيع إلى الغرب ليستعيد قوته التي ضيعها لمصلحة شرق آسيا، ومن جهة أخرى يتطلب هذا التصنيع يدا عاملة لم تعد متوفرة مثلما كان الحال بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي سيضطر للسماح بالهجرة التي يناهضها وينتهي الأمر إلى دورة مغلقة لا نهاية لها.
👍43❤12🔥3👌2
حسّ سليم
Photo
إذا وضعنا جانبا التحيزات العاطفية والمصلحية فإن الذي يرجح كفة فكرة ما على أخرى في أعين أغلب الناس ليس صوابها بل ذكاء وكاريزمية صاحبها الذي يحسن صياغتها وتقديمها، لأن الفكرة تلبس لباس حاملها لا العكس. هي فكرة ذكية إن كان صاحبها ذكيا، وحمقاء إن كان صاحبها أحمقا. الفكرة الحمقاء في فم الذكي تستحيل إلى فكرة ذكية تثير الإعجاب، والفكرة الذكية في فم الأحمق تستحيل إلى فكرة حمقاء تثير السخرية.
ما سبق هي القاعدة التي خسر بسببها أقصى اليمين الفرنسي RN الانتخابات الأخيرة رغم قربه من الفوز بها في الدور الأول، لأنه حزب مكون من غالبية حمقى لا يمكنهم حتى الدفاع عن أصح الأفكار وأبسطها، ولا يعني هذا أن أفكارهم صحيحة، لكنهم كأشخاص ليسوا بمستوى بقية التيارات ويعتمدون كثيرا على تحيزات الناس البسيطة (لهذا هو شعبوي)، لكن إذا طلبت من أحدهم شرح أفكاره بشكل واقعي ومفصل فإنك تجده يكاد يغرق في فنجان.
هذا الأمر لم يكن واضحا في الدور الأول لأن الإعلام منقسم بين إعلام منحاز تماما وبشكل فج إلى اليمين المتطرف (ظهور هذا الإعلام مع قدوم الملياردير بولوري هو السبب الرئيسي لصعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة) أو إعلام ماكروني كان موجها في الدور الأول ضد تحالف اليسار وبالتحديد ضد اليسار المتطرف (فرنسا الأبية)، لكن مع تصدر اليمين المتطرف للدور الأول بشكل كبير تحول الإعلام الماكروني نحو عيوب مترشحي اليمين المتطرف خاصة في الأرياف والمدن الصغيرة.
حزب التجمع الوطني الفرنسي RN، اشتغل كثيرا على تحسين صورة قادته في السنوات الأخيرة، ويقال أنهم أخذوا دروسا مطولة على يد خبراء إعلاميين ليتعلموا ما ينبغي عليهم قوله وما لا ينبغي عليهم قوله أو بالأحرى كيف يكونون صائبين سياسيا دون أن يتخلوا عن جوهر أفكارهم (التقية)، بالإضافة إلى تعلم الحديث بلباقة والإبتسام للكاميرات (كثيرا ما يبدو التصنع واضحا)، وفي النهاية نجحوا فعلا في تحسين صورتهم، لكن مشكلتهم أن ذلك المجهود اقتصر على نخبة الحزب ولم يكترثوا للقواعد التي ظهرت في الدور الثاني بشكل منفلت ويثير الخوف وكأنها في كرنفال أو سرك مفتوح، مع كمية غباء تثير الفزع، الواحد منهم يشعرك وكأنه بذكاء حبة فول سوداني أو متخلف عقليا (أحدهم يدعى Thierry Mosca حُكم عليه فعلا السنة الماضية بالحجر لتخلفه العقلي) بحيث تراه غير قادر حتى على صياغة جملة مفيدة، أما برنامج الحزب على بساطته فلا يعرفون عنه شيئا سوى: "وقف الهجرة هي الحل لكل شيء" وحتى هذه يجدون صعوبة في التعبير عنها. مشهد هؤلاء المترشحين كان صادما ومحل سخرية شديدة لدى كثير من الناخبين الفرنسيين، وهذا ما جعل الحزب ا–لذي منع قواعده في الأيام الأخيرة من الظهور في مناظرات– يخسر لأنه توقف تقريبا عند عدد من انتخبوه في الدور الأول من المقتنعين أساسا الذين لن يغيروا رأيهم مهما حدث، ولم يجذب من صوتوا على المترشحين الخاسرين والمنسحبين في الدور الأول.
بغض النظر عن اليمين المتطرف الفرنسي بالتحديد، صفة الغباء متجذرة في اليمين المتطرف الغربي عموما بما في ذلك نخبته التي تجعلك تنفر منها حتى وهي تتحدث عن فكرة توافقها الرأي فيها تماما، بالإضافة إلى صفات أخرى منفرة مثل الكذب وسوء النية. أما اليسار فتجد نخبته أكثر ذكاءاً بشكل واضح، رغم أنك قد لا توافقها أبدا وترى افكارها حمقاء كليا، لكن طريقة كلامها واتساع معرفتها بحيث يمكن أن تتعلم منها أشياء جديدة يجعلك تتحمل الاستماع والقراءة لها في كثير من الأحيان، وإن كان مستوى هذا اليسار في تراجع شديد في السنوات الأخيرة.
ما سبق هي القاعدة التي خسر بسببها أقصى اليمين الفرنسي RN الانتخابات الأخيرة رغم قربه من الفوز بها في الدور الأول، لأنه حزب مكون من غالبية حمقى لا يمكنهم حتى الدفاع عن أصح الأفكار وأبسطها، ولا يعني هذا أن أفكارهم صحيحة، لكنهم كأشخاص ليسوا بمستوى بقية التيارات ويعتمدون كثيرا على تحيزات الناس البسيطة (لهذا هو شعبوي)، لكن إذا طلبت من أحدهم شرح أفكاره بشكل واقعي ومفصل فإنك تجده يكاد يغرق في فنجان.
هذا الأمر لم يكن واضحا في الدور الأول لأن الإعلام منقسم بين إعلام منحاز تماما وبشكل فج إلى اليمين المتطرف (ظهور هذا الإعلام مع قدوم الملياردير بولوري هو السبب الرئيسي لصعود اليمين المتطرف في السنوات الأخيرة) أو إعلام ماكروني كان موجها في الدور الأول ضد تحالف اليسار وبالتحديد ضد اليسار المتطرف (فرنسا الأبية)، لكن مع تصدر اليمين المتطرف للدور الأول بشكل كبير تحول الإعلام الماكروني نحو عيوب مترشحي اليمين المتطرف خاصة في الأرياف والمدن الصغيرة.
حزب التجمع الوطني الفرنسي RN، اشتغل كثيرا على تحسين صورة قادته في السنوات الأخيرة، ويقال أنهم أخذوا دروسا مطولة على يد خبراء إعلاميين ليتعلموا ما ينبغي عليهم قوله وما لا ينبغي عليهم قوله أو بالأحرى كيف يكونون صائبين سياسيا دون أن يتخلوا عن جوهر أفكارهم (التقية)، بالإضافة إلى تعلم الحديث بلباقة والإبتسام للكاميرات (كثيرا ما يبدو التصنع واضحا)، وفي النهاية نجحوا فعلا في تحسين صورتهم، لكن مشكلتهم أن ذلك المجهود اقتصر على نخبة الحزب ولم يكترثوا للقواعد التي ظهرت في الدور الثاني بشكل منفلت ويثير الخوف وكأنها في كرنفال أو سرك مفتوح، مع كمية غباء تثير الفزع، الواحد منهم يشعرك وكأنه بذكاء حبة فول سوداني أو متخلف عقليا (أحدهم يدعى Thierry Mosca حُكم عليه فعلا السنة الماضية بالحجر لتخلفه العقلي) بحيث تراه غير قادر حتى على صياغة جملة مفيدة، أما برنامج الحزب على بساطته فلا يعرفون عنه شيئا سوى: "وقف الهجرة هي الحل لكل شيء" وحتى هذه يجدون صعوبة في التعبير عنها. مشهد هؤلاء المترشحين كان صادما ومحل سخرية شديدة لدى كثير من الناخبين الفرنسيين، وهذا ما جعل الحزب ا–لذي منع قواعده في الأيام الأخيرة من الظهور في مناظرات– يخسر لأنه توقف تقريبا عند عدد من انتخبوه في الدور الأول من المقتنعين أساسا الذين لن يغيروا رأيهم مهما حدث، ولم يجذب من صوتوا على المترشحين الخاسرين والمنسحبين في الدور الأول.
بغض النظر عن اليمين المتطرف الفرنسي بالتحديد، صفة الغباء متجذرة في اليمين المتطرف الغربي عموما بما في ذلك نخبته التي تجعلك تنفر منها حتى وهي تتحدث عن فكرة توافقها الرأي فيها تماما، بالإضافة إلى صفات أخرى منفرة مثل الكذب وسوء النية. أما اليسار فتجد نخبته أكثر ذكاءاً بشكل واضح، رغم أنك قد لا توافقها أبدا وترى افكارها حمقاء كليا، لكن طريقة كلامها واتساع معرفتها بحيث يمكن أن تتعلم منها أشياء جديدة يجعلك تتحمل الاستماع والقراءة لها في كثير من الأحيان، وإن كان مستوى هذا اليسار في تراجع شديد في السنوات الأخيرة.
❤36👍15👏5👌2🔥1
حسّ سليم
Video
كنت أستمع لرأي أحد الصحفيين العرب عن الانتخابات الفرنسية من باب معرفة شكل الصورة التي تصل إلى غير المتابعين بشكل مباشر، ثم أخذ يتحدث عن حياة رئيس حزب التجمع الوطني (أقصى اليمين) جوردان بارديلا، وإذا به يكرر دعاية قديمة لحزبه عن أنه ابن عائلة متواضعة كانت تسكن إحدى الضواحي الشعبية، وأنه كان مراهق ضائع بسبب طبيعة الحي الذي يسكنه لو لا أن تم إنقاذه.
في الحقيقة كل هذا غير صحيح تقريبا، هو فعلا كان يسكن إحدى الضواحي الشعبية، لكن الحي الذي سكنه لم يكن –على الأقل– أسوأ أحيائها، كما أن رواية أنه من عائلة متواضعة مبنية على التركيز على أمه التي كانت تعمل موظفة عادية دون الحديث عن والده الغني الذي فتح له أبواب المدارس الخاصة ويرسله للتنزه في قارات أخرى، من أجل هذا لم يكن أحد يعرفه من شباب الحي. انضم إلى الحزب في سن 16 سنة ولم يكمل دراسه ولم يعمل يوما في حياته باستثناء شهر في شركة والده، وحتى كنائب في البرلمان الأوروبي عُرف بكسله وقلة نشاطه إلى درجة أن زملاءه في البرلمان يلقبونه بـ "بارديلا الغائب".
كل هذا لنصل إلى أنه مجرد واجهة جميلة للحزب الذي يحاول جاهدا في السنوات الأخيرة تغيير الصورة السيئة عنه بكل الوسائل. هو مجرد مادة تسويقية دون أي خلفية ثقافية أو سياسية، والسيدة مارين لوبان هي الأخرى ذات ثقافة متواضعة ولا تقارن بوالدها لكنها على الأقل سياسية محنكة وتتفوق عليه من حيث هرمون التستوستيرون، هذا عدا الإشاعات التي تحوم حوله كالتي تحوم حول ماكرون أو يعلنها رئيس الحكومة الحالي.
لا مقارنة أبدا بين مستوى اليمين القديم والجيل الحالي.
في الحقيقة كل هذا غير صحيح تقريبا، هو فعلا كان يسكن إحدى الضواحي الشعبية، لكن الحي الذي سكنه لم يكن –على الأقل– أسوأ أحيائها، كما أن رواية أنه من عائلة متواضعة مبنية على التركيز على أمه التي كانت تعمل موظفة عادية دون الحديث عن والده الغني الذي فتح له أبواب المدارس الخاصة ويرسله للتنزه في قارات أخرى، من أجل هذا لم يكن أحد يعرفه من شباب الحي. انضم إلى الحزب في سن 16 سنة ولم يكمل دراسه ولم يعمل يوما في حياته باستثناء شهر في شركة والده، وحتى كنائب في البرلمان الأوروبي عُرف بكسله وقلة نشاطه إلى درجة أن زملاءه في البرلمان يلقبونه بـ "بارديلا الغائب".
كل هذا لنصل إلى أنه مجرد واجهة جميلة للحزب الذي يحاول جاهدا في السنوات الأخيرة تغيير الصورة السيئة عنه بكل الوسائل. هو مجرد مادة تسويقية دون أي خلفية ثقافية أو سياسية، والسيدة مارين لوبان هي الأخرى ذات ثقافة متواضعة ولا تقارن بوالدها لكنها على الأقل سياسية محنكة وتتفوق عليه من حيث هرمون التستوستيرون، هذا عدا الإشاعات التي تحوم حوله كالتي تحوم حول ماكرون أو يعلنها رئيس الحكومة الحالي.
لا مقارنة أبدا بين مستوى اليمين القديم والجيل الحالي.
👍29🔥10😁3❤1
من غرائب هذا العصر أن النحافة مكلفة أكثر من البدانة، لو أردت انقاص وزنك (الحمية) فعليك دفع أموال أكثر من أن لو أردت زيادته، فتصبح النحافة علامة على جودة الطعام والبدانة على سوء التغذية.
😁56👍32💔8👎2🔥2🤯2💯2👌1
حسّ سليم
Photo
لفهم طبيعة الحياة السياسية الحالية لفرنسا يجب العودة إلى حقبتين مهمتين جدا في تشكيل نوع النظام السياسي وجذور الاستقطاب الحزبي. الحقبة الأولى هي La collaboration أي التعاون مع الاحتلال الألماني بين سنوات 1940 و1944 الذي قادته حكومة فيشي Vichy. والحقبة الثانية هي حرب التحرير الجزائرية 1954-1962.
خلال هاتين الحقبتين كان الصراع السياسي عموما يجري من جهة بين معسكر اليمين الديغولي واليسار المناهضين للنازية (الحقبة الأولى) والراغبين في تصفية الإمبراطورية (الحقبة الثانية)، وإن كانت أسباب ودوافع التيارين لإنهاء الاستعمار مختلفة*، لكن النتيجة واحدة. ومن جهة أخرى اليمين المتطرف المتعاون مع النازية، ثم المدافع لاحقا عن بقاء الإمبراطورية.
لدى وصول ديغول إلى سدة الحكم سنة 1958 كانت فرنسا تعيش حالة حرب تستنزف كل قدراتها في الجزائر مع انقسامات داخلية حادة، وضمن هذه الأجواء الاستثنائية صدر دستور 1958 الجديد الذي أعلن نهاية الجمهورية الرابعة البرلمانية وقيام الجمهورية الخامسة ذات النظام شبه الرئاسي نظريا والرئاسي جدا عمليا، خاصة ما لم تتمتع المعارضة بأغلبية برلمانية مطلقة، من أجل هذا أصبح يطلق على الجمهورية الخامسة اسم "الملكية الجمهورية" La monarchie républicaine، لأن ديغول كان يرى بأن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو وجود رجل قوي بيده الأدوات السيادية الكافية حتى يتمكن من فرض الحل، ومن ذلك مثلا سلطة حل البرلمان مرة في السنة دون أي شروط، يستطيع الرئيس في أي وقت أن يستيقظ صباحا ويوقع على مرسوم حل البرلمان دون أن يستطيع أحد مراجعته في ذلك (حالة استثنائية في العالم الغربي)، ودون أن يكون من حق البرلمان عزله أو مساءلته لأنه يعتبر فوق المؤسسات والحَكم بينها. أو المادة 16 من الدستور التي تمنح الرئيس سلطة تعطيل المؤسسات دون العودة إلى البرلمان في حالة توقف السير الحسن للسلطة الدستورية العامة (هذا ما يلوح به حاليا في ظل الانقسام البرلماني، لكنه مستبعد) كما فعل ذلك ديغول سنة 1961 بعد محاولة الانقلاب عليه من قبل الرافضين لاستقلال الجزائر من داخل الجيش وخارجه.
في المقابل لدينا حزب "التجمع الوطني" RN (اليمين المتطرف) أو كما كان يسمى سابقا "الجبهة الوطنية" FN، الذي تشكل أساسا سنة 1972 من رحم هذا الصراع على يد أنصار الجزائر فرنسية وأعضاء من منظمة الجيش السري الإرهابية OAS في الجزائر، بالإضافة إلى أعضاء سابقين في الجناح العسكري للحزب النازي Waffen SS. وإلى يومنا هذا نجد المعقل الأساسي لأنصار التجمع الوطني في المناطق الساحلية الجنوبية التي احتضنت "الأقدام السوداء" (المعمرين) القادمين من الجزائر. هذا الحزب أسس على فكرة أن أولئك "الأهالي" Indigenous من سكان الإمبراطورية الذي رفضوا النظام الاستعماري ببنيته الهرمية قد لحقوا بنا إلى فرنسا القارية Metropolitan France لاحتلاننا.
الخلاصة هي أن فرنسا إلى حد اليوم لم تستطع سياسيا ومؤسساتيا تجاوز حقبة التعاون مع النازية وحرب الجزائر، وكل ما يحدث لديها من أزمات سياسية يراكم الأسباب التي ستنهي الجمهورية الخامسة بنظامها الرئاسي وتعلن الجمهورية السادسة.
*الديغوليين كانوا يعتقدون أن الإمبراطورية أصبحت عبئا ثقيلا يهدد بقاء المركز (فرنسا) خاصة مع حرب التحرير الجزائرية وفشل كل محاولات إنهائها، واليساريين لديهم أسبابهم الأيديولوجية المعروفة ضد الاستعمار.
خلال هاتين الحقبتين كان الصراع السياسي عموما يجري من جهة بين معسكر اليمين الديغولي واليسار المناهضين للنازية (الحقبة الأولى) والراغبين في تصفية الإمبراطورية (الحقبة الثانية)، وإن كانت أسباب ودوافع التيارين لإنهاء الاستعمار مختلفة*، لكن النتيجة واحدة. ومن جهة أخرى اليمين المتطرف المتعاون مع النازية، ثم المدافع لاحقا عن بقاء الإمبراطورية.
لدى وصول ديغول إلى سدة الحكم سنة 1958 كانت فرنسا تعيش حالة حرب تستنزف كل قدراتها في الجزائر مع انقسامات داخلية حادة، وضمن هذه الأجواء الاستثنائية صدر دستور 1958 الجديد الذي أعلن نهاية الجمهورية الرابعة البرلمانية وقيام الجمهورية الخامسة ذات النظام شبه الرئاسي نظريا والرئاسي جدا عمليا، خاصة ما لم تتمتع المعارضة بأغلبية برلمانية مطلقة، من أجل هذا أصبح يطلق على الجمهورية الخامسة اسم "الملكية الجمهورية" La monarchie républicaine، لأن ديغول كان يرى بأن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة هو وجود رجل قوي بيده الأدوات السيادية الكافية حتى يتمكن من فرض الحل، ومن ذلك مثلا سلطة حل البرلمان مرة في السنة دون أي شروط، يستطيع الرئيس في أي وقت أن يستيقظ صباحا ويوقع على مرسوم حل البرلمان دون أن يستطيع أحد مراجعته في ذلك (حالة استثنائية في العالم الغربي)، ودون أن يكون من حق البرلمان عزله أو مساءلته لأنه يعتبر فوق المؤسسات والحَكم بينها. أو المادة 16 من الدستور التي تمنح الرئيس سلطة تعطيل المؤسسات دون العودة إلى البرلمان في حالة توقف السير الحسن للسلطة الدستورية العامة (هذا ما يلوح به حاليا في ظل الانقسام البرلماني، لكنه مستبعد) كما فعل ذلك ديغول سنة 1961 بعد محاولة الانقلاب عليه من قبل الرافضين لاستقلال الجزائر من داخل الجيش وخارجه.
في المقابل لدينا حزب "التجمع الوطني" RN (اليمين المتطرف) أو كما كان يسمى سابقا "الجبهة الوطنية" FN، الذي تشكل أساسا سنة 1972 من رحم هذا الصراع على يد أنصار الجزائر فرنسية وأعضاء من منظمة الجيش السري الإرهابية OAS في الجزائر، بالإضافة إلى أعضاء سابقين في الجناح العسكري للحزب النازي Waffen SS. وإلى يومنا هذا نجد المعقل الأساسي لأنصار التجمع الوطني في المناطق الساحلية الجنوبية التي احتضنت "الأقدام السوداء" (المعمرين) القادمين من الجزائر. هذا الحزب أسس على فكرة أن أولئك "الأهالي" Indigenous من سكان الإمبراطورية الذي رفضوا النظام الاستعماري ببنيته الهرمية قد لحقوا بنا إلى فرنسا القارية Metropolitan France لاحتلاننا.
الخلاصة هي أن فرنسا إلى حد اليوم لم تستطع سياسيا ومؤسساتيا تجاوز حقبة التعاون مع النازية وحرب الجزائر، وكل ما يحدث لديها من أزمات سياسية يراكم الأسباب التي ستنهي الجمهورية الخامسة بنظامها الرئاسي وتعلن الجمهورية السادسة.
*الديغوليين كانوا يعتقدون أن الإمبراطورية أصبحت عبئا ثقيلا يهدد بقاء المركز (فرنسا) خاصة مع حرب التحرير الجزائرية وفشل كل محاولات إنهائها، واليساريين لديهم أسبابهم الأيديولوجية المعروفة ضد الاستعمار.
👍34❤5💯5👏3🤯3👎1🔥1
في النهاية قد نكتشف أن الووكيزم ما هو سوى حركة أوروبية رجعية ترغب في إحياء التقاليد القديمة. في الماضي عندما تدخل الكنائس وتنظر إلى رسومات جدرانها تجد أحداث الكتاب المقدس تجري في الدول الإسكندنافية، واليوم عندما تدخل السينما تجد قيصر وفيكتوريا قد أصيبوا بضربة شمس حادة نوعا ما. نفس الفكرة في النهاية، يختلف اللون فقط.
🤣43👍12😁3❤1👏1
حرمنا ببضع سنتمترات من حرب أهلية مشوقة كان ينتظرها العالم بسبب غباء أحدهم لا يعرف كيف يسدد… غبي
😁70💔20👍8🔥3👌3👏2😡2❤1
البعض في كل الأحوال حتى لو ضرب بمدفع وبترت رجليه ويديه وفقئت عينه وتهشم نصف دماغه، سيقولون مسرحية، ردة فعل غريزية عندهم لا يمكن مقاومتها.
👍53😁29🔥5💯5👏2❤1👌1
كسر بعض الصور النمطية والأفكار المتشددة في المجتمع:
- أنا نباتي، لكني آكل الشاورما
- أنا نسوية، لكني أطيع زوجي
- أنا اشتراكي، وكاتبي المفضل هو ميلتون فريدمان
- أنا بيئي، لكني أملك 4x4 ديزل
- أنا مدافع عن الحيوانات، لكني أعشق رحلات الصيد
- أنا مناهض للعنصرية، لكني عضو في KKK
- أنا مناضل ضد الإتجار بالبشر، وهذه أولغا، اشتريتها منذ شهرين
- أنا ديموقراطي واسمي كيم جونغ أون
- أنا نباتي، لكني آكل الشاورما
- أنا نسوية، لكني أطيع زوجي
- أنا اشتراكي، وكاتبي المفضل هو ميلتون فريدمان
- أنا بيئي، لكني أملك 4x4 ديزل
- أنا مدافع عن الحيوانات، لكني أعشق رحلات الصيد
- أنا مناهض للعنصرية، لكني عضو في KKK
- أنا مناضل ضد الإتجار بالبشر، وهذه أولغا، اشتريتها منذ شهرين
- أنا ديموقراطي واسمي كيم جونغ أون
😁46👍10❤6🔥1👏1💯1
حسّ سليم
Photo
من مميزات المعاصرين بمختلف توجهاتهم سواءً كأفراد أو كجماعات، وبالأخص التنويريين والتقدميين بكل تفرعاتهم، رفضهم التام لتحمل مسؤولية نتائج أفكارهم وخياراتهم وعدم قدرتهم على التصالح مع فكرة أن لكل شيء ثمنا، لتصورهم أن أفكارهم التي تبدو لهم مثالية -نظريا- لا بد من أن تكون كل نتائجها هي الأخرى مثالية في الواقع. مثل الحرية –وفق مفهومهم– التي يعتقدون أن المزيد منها لا بد أن يؤدي إلى المزيد من الخير دون أي آثار جانبية سيئة. وإذا طغى عليهم الواقع بحقائقه الصارخة تجدهم يدخلون في حالة إنكار، فينكرون وجود تلك الحقائق بصيغة "عنزة ولو طارت" أو يبحثون عمن يلصقون به وزر تلك النتائج، المهم أن تُنزه خياراتهم المثالية عنها.
لتكون الفكرة أكثر وضوحا، سنأخذ مثال الثورة الجنسية أو التحرر الجنسي الذي تفجر بشكل يشمل كل الطبقات الاجتماعية منذ الستينيات وكل الدول تقريبا بدرجات متفاوتة. قد يعتبر كثير من الناس أغلب نتائج هذه الثورة سلبية وغير أخلاقية، في حين يعتبرها التقدميون عين الفضيلة، لكن هناك نتيجة لن يختلفوا مع أحد في سلبيتها هي الاغتصاب والتحرش. طبعا هم لا يعترفون بأن كثرة الاغتصاب والتحرش من نتائج تلك الثورة، بل ويتصورون بأن المزيد من التحرر الجنسي هو العلاج الوحيد لهما (علاج الحروق بالكي)، ويلصقون التهمة برواسب المجتمعات التقليدية التي لم تعرف في الحقيقة الاغتصاب والتحرش كظاهرة واسعة الانتشار كما هي حاليا، وكانت تتعامل ضدهما بقسوة لا يتحملها التقدميون أنفسهم [كمثال أنظر المنشور رقم 1 في التعليقات].
لكن كما قلنا سابقا، لا بد للعنزة أن تطير، وأوضح ما تجدها تطير عندما تراهم يغتاظون أشد الغيظ إذا صادفتهم الإحصاءات والتصنيفات الدولية عن الاغتصاب والتي تضع الدول العربية في مراتب جيدة، في حين تجد الدول الموغلة في التقدمية في مراتب سيئة [تختلف هذه الدول أيضا فيما بينها تبعا لعوامل كثيرة كمستوى التعليم والفقر ..إلخ]، الأمر الذي يُدخل التقدميين في أزمة وجودية بين تصديق الواقع وتكذيب أفكارهم المثالية، فيبدأون باختلاق الأعذار التي أصبحوا يحفظونها عن ظهر قلب مثل قولهم أن الاغتصاب في الدول العربية منتشر أكثر في الحقيقة ويتجاوز الدول الأخرى بكثير بدعوى أن الاغتصاب لا يُبلغ عنه [في مواضع أخرى تجدهم يقولون إن هذه المجتمعات تقتل لأقل سبب يمس بالشرف دون أن يشعروا بالتناقض]، وهذا ليس بالكلام الخاطئ تماما وفيه قدر من الصحة، لكن المشكلة أن نفس هذه الحجة تجدها لدى النسويات الغربيات أيضا اللاتي يزعمن بدورهن أن ما يُبلغ عنه من اغتصاب ويصل إلى المحاكم في دولهن لا يتجاوز 1٪ أو 2٪.
لكن لو أن أصحاب العنزة الطائرة فكروا ولو قليلا بشكل موضوعي ودون تحيزاتهم المسبقة لوجدوا أن تلك الإحصاءات حتى لو لم تكن دقيقة تماما إلا أنها بشكل عام معقولة بالنظر إلى البناء الاجتماعي العربي الذي يفضل وضع القيود الوقائية ابتداءً وسد الطريق التي قد تنتهي إلى الاغتصاب من باب "الوقاية خير من ألف علاج"، فهو لا يسمح بالحفلات الليلية المختلطة التي يكثر فيها عادة استهلاك الكحول والمخدرات، ويستنكر اختلاء الرجال بالنساء في الأماكن المغلقة أو المنعزلة، ويعيب على النساء التجول في الأماكن المنعزلة والمظلمة، وبالتالي سيكون من المنطقي جدا أن يقل الاغتصاب لأن اجتماع الحد الأدنى من الظروف التي تسمح بوقوعه (رجل+امرأة) ليس بالأمر السهل، وإن حدث فلا يكون في الغالب إلا لخرق أحد تلك القيود، إلا إذا اقتحم أحد ما البيوت بالقوة أو اغتصب إحداهن في الطريق العام أمام الملأ أو وسط مدرج جامعي أمام الجميع، وبالتالي حتى ما قد يحدث من اغتصاب عندنا فهو نتيجة نمط حياة متحرر.
هذا الواقع يأخذنا إلى فكرة تمثل أحد الفروق الجوهرية بين نموذج المجتمعات التقليدية ونموذج المجتمعات التقدمية. الأول له تصور جماعي للأمور يجعله يعتقد أن إنشاء بناء اجتماعي أخلاقي هو الهدف الأساسي مع تحمل مسؤولية الوسائل القاسية لتحقيق ذلك، في حين أن الثاني ذو تصور فرداني يجعله يعتقد أن بناء فرد أخلاقي هو الهدف الأساسي مع عدم تحمل مسؤولية النتائج القاسية لذلك. الأمر هنا شبيه بأن تحاول جماعة ما حماية أموالها من خلال منع اللصوص من الوصول إليها (هذا أمر مكلف وصعب)، مقابل جماعة أخرى ترى بأن الحل يكمن في تربية كل فرد من الناس على عدم السرقة، وهو أمر مثالي نظريا ويتغلب على الأول على الورق، لكنه مستحيل وحالم كمراهقة، لأنك مهما فعلت سيظل هناك دائما مجموعة مارقة من البشر. وعليه ستكون دائما الطريقة الأولى هي الأكثر جدوى وفاعلية لأنها تنظر للنتيجة النهائية بينما تولي الطريقة الثانية الاهتمام لمثالية أسلوب الوصول إلى الهدف أكثر من الهدف في حد ذاته، ولهذا يسهل على أصحابها ادعاء المثالية والمزايدة على غيرهم واتهامهم بتبرير وجود الشر.
لتكون الفكرة أكثر وضوحا، سنأخذ مثال الثورة الجنسية أو التحرر الجنسي الذي تفجر بشكل يشمل كل الطبقات الاجتماعية منذ الستينيات وكل الدول تقريبا بدرجات متفاوتة. قد يعتبر كثير من الناس أغلب نتائج هذه الثورة سلبية وغير أخلاقية، في حين يعتبرها التقدميون عين الفضيلة، لكن هناك نتيجة لن يختلفوا مع أحد في سلبيتها هي الاغتصاب والتحرش. طبعا هم لا يعترفون بأن كثرة الاغتصاب والتحرش من نتائج تلك الثورة، بل ويتصورون بأن المزيد من التحرر الجنسي هو العلاج الوحيد لهما (علاج الحروق بالكي)، ويلصقون التهمة برواسب المجتمعات التقليدية التي لم تعرف في الحقيقة الاغتصاب والتحرش كظاهرة واسعة الانتشار كما هي حاليا، وكانت تتعامل ضدهما بقسوة لا يتحملها التقدميون أنفسهم [كمثال أنظر المنشور رقم 1 في التعليقات].
لكن كما قلنا سابقا، لا بد للعنزة أن تطير، وأوضح ما تجدها تطير عندما تراهم يغتاظون أشد الغيظ إذا صادفتهم الإحصاءات والتصنيفات الدولية عن الاغتصاب والتي تضع الدول العربية في مراتب جيدة، في حين تجد الدول الموغلة في التقدمية في مراتب سيئة [تختلف هذه الدول أيضا فيما بينها تبعا لعوامل كثيرة كمستوى التعليم والفقر ..إلخ]، الأمر الذي يُدخل التقدميين في أزمة وجودية بين تصديق الواقع وتكذيب أفكارهم المثالية، فيبدأون باختلاق الأعذار التي أصبحوا يحفظونها عن ظهر قلب مثل قولهم أن الاغتصاب في الدول العربية منتشر أكثر في الحقيقة ويتجاوز الدول الأخرى بكثير بدعوى أن الاغتصاب لا يُبلغ عنه [في مواضع أخرى تجدهم يقولون إن هذه المجتمعات تقتل لأقل سبب يمس بالشرف دون أن يشعروا بالتناقض]، وهذا ليس بالكلام الخاطئ تماما وفيه قدر من الصحة، لكن المشكلة أن نفس هذه الحجة تجدها لدى النسويات الغربيات أيضا اللاتي يزعمن بدورهن أن ما يُبلغ عنه من اغتصاب ويصل إلى المحاكم في دولهن لا يتجاوز 1٪ أو 2٪.
لكن لو أن أصحاب العنزة الطائرة فكروا ولو قليلا بشكل موضوعي ودون تحيزاتهم المسبقة لوجدوا أن تلك الإحصاءات حتى لو لم تكن دقيقة تماما إلا أنها بشكل عام معقولة بالنظر إلى البناء الاجتماعي العربي الذي يفضل وضع القيود الوقائية ابتداءً وسد الطريق التي قد تنتهي إلى الاغتصاب من باب "الوقاية خير من ألف علاج"، فهو لا يسمح بالحفلات الليلية المختلطة التي يكثر فيها عادة استهلاك الكحول والمخدرات، ويستنكر اختلاء الرجال بالنساء في الأماكن المغلقة أو المنعزلة، ويعيب على النساء التجول في الأماكن المنعزلة والمظلمة، وبالتالي سيكون من المنطقي جدا أن يقل الاغتصاب لأن اجتماع الحد الأدنى من الظروف التي تسمح بوقوعه (رجل+امرأة) ليس بالأمر السهل، وإن حدث فلا يكون في الغالب إلا لخرق أحد تلك القيود، إلا إذا اقتحم أحد ما البيوت بالقوة أو اغتصب إحداهن في الطريق العام أمام الملأ أو وسط مدرج جامعي أمام الجميع، وبالتالي حتى ما قد يحدث من اغتصاب عندنا فهو نتيجة نمط حياة متحرر.
هذا الواقع يأخذنا إلى فكرة تمثل أحد الفروق الجوهرية بين نموذج المجتمعات التقليدية ونموذج المجتمعات التقدمية. الأول له تصور جماعي للأمور يجعله يعتقد أن إنشاء بناء اجتماعي أخلاقي هو الهدف الأساسي مع تحمل مسؤولية الوسائل القاسية لتحقيق ذلك، في حين أن الثاني ذو تصور فرداني يجعله يعتقد أن بناء فرد أخلاقي هو الهدف الأساسي مع عدم تحمل مسؤولية النتائج القاسية لذلك. الأمر هنا شبيه بأن تحاول جماعة ما حماية أموالها من خلال منع اللصوص من الوصول إليها (هذا أمر مكلف وصعب)، مقابل جماعة أخرى ترى بأن الحل يكمن في تربية كل فرد من الناس على عدم السرقة، وهو أمر مثالي نظريا ويتغلب على الأول على الورق، لكنه مستحيل وحالم كمراهقة، لأنك مهما فعلت سيظل هناك دائما مجموعة مارقة من البشر. وعليه ستكون دائما الطريقة الأولى هي الأكثر جدوى وفاعلية لأنها تنظر للنتيجة النهائية بينما تولي الطريقة الثانية الاهتمام لمثالية أسلوب الوصول إلى الهدف أكثر من الهدف في حد ذاته، ولهذا يسهل على أصحابها ادعاء المثالية والمزايدة على غيرهم واتهامهم بتبرير وجود الشر.
👍41❤13👌9👏4
حسّ سليم
Photo
هذا ما يقودنا إلى فرق جوهري آخر بين النموذجين يتمثل في تقبل النموذج التقليدي فكرة وجود الشر وأصالته في الإنسان وأن أقصى ما يمكن فعله هو محاصرته والتضييق عليه، ورفض النموذج التقدمي لوجود الشر وإيمانه بضرورة استئصاله كليا لأن الإنسان ذو طبيعة خيرة ويحتاج فقط إلى من يوجهه إليها.
هذا لا يعني أن فكرة تربية الفرد خاطئة، لا يقول هذا إلا مجنون، لكن الأمر متعلق بترتيب الأولويات وما هو الأهم بالنسبة لك، فإذا كانت الحريات مثلا هي المقصد الأساسي فعليك تقبل أن لها ضريبة يجب دفعها مثل أي خيار آخر، يمكنك العمل على تخفيض تلك الضريبة إن شئت، لكن لا يمكنك التبرؤ منها كليا والتهرب من تحمل مسؤوليتها، فإن كنت مثلا مع الثورة الجنسية فلا بأس بذلك، لكن على الأقل حاول أن تكون متسقا مع ذاتك عندما تواجه بالنتائج التي تقر بضررها وقل دون قفزات بهلوانية: "سنحاول التخفيف من تلك النتائج، لكن الثورة الجنسية أكثر أهمية بالنسبة لنا، ونحن مستعدون لدفع ضريبتها".
هؤلاء التقدميون العرب يعتقدون أنهم بالإجهاز على بقايا البناء الاجتماعي العربي التقليدي سيحصلون على نموذج سويسري، لكنهم في الحقيقة لن يحصلوا سوى على "هاييتي" الدولة الفاشلة ولن يبقى لهم عزاء سوى الأعلام الملونة التي سيضعونها على أسطح بيوتهم العشوائية وسط المجاري وبعض الخنازير.
أما التقدميون الغربيون فقد جعلتهم التجارب المؤلمة يحاولون ببطء اكتشاف العجلة من جديد والالتفات إلى أن أخلاقية المجتمع أكثر أهمية وواقعية من أخلاقية الفرد، وما ترتب على حملة Metoo مثال على ذلك (أنظر المنشور رقم 2).
ملاحظة: منشور آخر سابق تناول نفس الفكرة من ناحية احصاءات قتل النساء، تجده في التعليقات.
هذا لا يعني أن فكرة تربية الفرد خاطئة، لا يقول هذا إلا مجنون، لكن الأمر متعلق بترتيب الأولويات وما هو الأهم بالنسبة لك، فإذا كانت الحريات مثلا هي المقصد الأساسي فعليك تقبل أن لها ضريبة يجب دفعها مثل أي خيار آخر، يمكنك العمل على تخفيض تلك الضريبة إن شئت، لكن لا يمكنك التبرؤ منها كليا والتهرب من تحمل مسؤوليتها، فإن كنت مثلا مع الثورة الجنسية فلا بأس بذلك، لكن على الأقل حاول أن تكون متسقا مع ذاتك عندما تواجه بالنتائج التي تقر بضررها وقل دون قفزات بهلوانية: "سنحاول التخفيف من تلك النتائج، لكن الثورة الجنسية أكثر أهمية بالنسبة لنا، ونحن مستعدون لدفع ضريبتها".
هؤلاء التقدميون العرب يعتقدون أنهم بالإجهاز على بقايا البناء الاجتماعي العربي التقليدي سيحصلون على نموذج سويسري، لكنهم في الحقيقة لن يحصلوا سوى على "هاييتي" الدولة الفاشلة ولن يبقى لهم عزاء سوى الأعلام الملونة التي سيضعونها على أسطح بيوتهم العشوائية وسط المجاري وبعض الخنازير.
أما التقدميون الغربيون فقد جعلتهم التجارب المؤلمة يحاولون ببطء اكتشاف العجلة من جديد والالتفات إلى أن أخلاقية المجتمع أكثر أهمية وواقعية من أخلاقية الفرد، وما ترتب على حملة Metoo مثال على ذلك (أنظر المنشور رقم 2).
ملاحظة: منشور آخر سابق تناول نفس الفكرة من ناحية احصاءات قتل النساء، تجده في التعليقات.
👍14👌8❤7