حسّ سليم
Photo
في أحد كتب الفيلسوفة سيمون فايل Simone Weil نجد مصطلحين بالغي الأهمية، الأول وهو عنوان الكتاب أيضا: "التجذر" (L'Enracinement) والثاني هو عكس الأول: "الاقتلاع" (Le Déracinement). في هذا العمل تحاول الكاتبة أن تشرح أهمية تجذر الإنسان في البيئة المحيطة به؛ أي الشعور بالانتماء لها كوحدة طبيعية فيه وإلا فإنه سيصاب بحالة اغتراب وضياع مثل شجرة اقتلعت من تربتها الطبيعية لتغرس في تربة غريبة عنها، إما بسبب غزو خارجي يحدث الفوضى أو هجرة لبلاد غريبة أو دخول نظم اقتصادية ومالية تعكر صفو النظام الاجتماعي القائم أو ربما عوامل أخرى. تضرب الكاتبة مثلا بالعمال في المصانع التي لا يمكنهم الشعور بالانتماء لها كما يشعر مثلا المزارع بالانتماء إلى الأرض، هم مجرد أدوات مثلهم مثل الآلات التي تقاسمهم المكان، وبفقدانهم لوظائفهم يتضاعف شعورهم بالاقتلاع والاغتراب.
سنأخذ هذين المفهومين خارج الوسط العمالي الغريب عنا نوعا ما لنقوم بتعميمهما لفهم ظواهر أخرى محيطة بنا تعكس حجم الاقتلاع الذي يعيشه الإنسان المعاصر.
ربما لاحظ كثير من الناس أثناء زيارتهم لبعض القرى والأرياف التي لم تصبها لوثة المدن (بعض الأرياف لا تختلف في شيء عن المدن نتيجة ارتباطها الاقتصادي الكامل بالأخيرة) أخلاق سكانها والروابط بينهم التي قد نتعجب منها، لكن الذي يثير التعجب أكثر من هذا هو انقلاب حال هؤلاء الناس بمجرد دخولهم المدن للعيش فيها، ويزداد الأمر سوءًا مع الجيل الثاني الذي تكثر فيه العلل من سرقة ومخدرات وسوء أخلاق. والسبب في هذا ليس الفقر، فهم ليسوا أقل فقرا من حالهم في القرى بل غالبا ما تكون حالتهم المادية أحسن من ذي قبل، لكن ذلك الاقتلاع الذي حدث لهم من بيئتهم الطبيعية يجعلهم ضائعين في المدن ودون معايير ومرجعيات، ويتطلب منهم الأمر زمنا طويلا ليتجذروا بالقدر الذي تسمح به المدن، إذ إن المدن (خاصة المدن الكبرى) كإسفلتها؛ لا يمكن التجذر فيها كليا. لهذا يظل سكان المدن دائما في حالة اقتلاع ولا يمكنهم الإحساس بالشعور التام بالانتماء لتلك المكعبات الإسمنتية المتراصة. قد يشعرون أحيانا بنوع من الانتماء لإحدى تلك المكعبات لأنها بيوتهم –وإن كان كثير منهم مقتلعا حتى من أسرته ليس له ما يرثه أو ما يورثه من قيم ومبادئ أصيلة أو حتى حِرف تربط الأجيال ببعضها– لكنهم خارجها غرباء تماما عن البيئة وكل من حولهم غريب عنهم ومقتلع مثلهم، لهذا يحتاجون لسلطة باردة لا وجه لها تتمثل في الدولة التي تضع لهم القوانين والشرطة والكاميرات لتردعهم وليعرفوا كيف يتصرفون.
نفس الاقتلاع الذي يجري على أهل الأرياف تجده فيمن اختاروا الهجرة إلى بلدان غريبة، حالهم تشبه حال الحيوانات التي تؤخذ خارج بيئتها الطبيعية لتترك في بيئة أخرى غريبة عنها، والنتيجة إما أن تنقرض لأنها لم تستطع التأقلم مع الظروف الجديدة أو تجد لها طريقا للتكاثر بحيث تعيث فسادا في البيئة الجديدة.
سنأخذ هذين المفهومين خارج الوسط العمالي الغريب عنا نوعا ما لنقوم بتعميمهما لفهم ظواهر أخرى محيطة بنا تعكس حجم الاقتلاع الذي يعيشه الإنسان المعاصر.
ربما لاحظ كثير من الناس أثناء زيارتهم لبعض القرى والأرياف التي لم تصبها لوثة المدن (بعض الأرياف لا تختلف في شيء عن المدن نتيجة ارتباطها الاقتصادي الكامل بالأخيرة) أخلاق سكانها والروابط بينهم التي قد نتعجب منها، لكن الذي يثير التعجب أكثر من هذا هو انقلاب حال هؤلاء الناس بمجرد دخولهم المدن للعيش فيها، ويزداد الأمر سوءًا مع الجيل الثاني الذي تكثر فيه العلل من سرقة ومخدرات وسوء أخلاق. والسبب في هذا ليس الفقر، فهم ليسوا أقل فقرا من حالهم في القرى بل غالبا ما تكون حالتهم المادية أحسن من ذي قبل، لكن ذلك الاقتلاع الذي حدث لهم من بيئتهم الطبيعية يجعلهم ضائعين في المدن ودون معايير ومرجعيات، ويتطلب منهم الأمر زمنا طويلا ليتجذروا بالقدر الذي تسمح به المدن، إذ إن المدن (خاصة المدن الكبرى) كإسفلتها؛ لا يمكن التجذر فيها كليا. لهذا يظل سكان المدن دائما في حالة اقتلاع ولا يمكنهم الإحساس بالشعور التام بالانتماء لتلك المكعبات الإسمنتية المتراصة. قد يشعرون أحيانا بنوع من الانتماء لإحدى تلك المكعبات لأنها بيوتهم –وإن كان كثير منهم مقتلعا حتى من أسرته ليس له ما يرثه أو ما يورثه من قيم ومبادئ أصيلة أو حتى حِرف تربط الأجيال ببعضها– لكنهم خارجها غرباء تماما عن البيئة وكل من حولهم غريب عنهم ومقتلع مثلهم، لهذا يحتاجون لسلطة باردة لا وجه لها تتمثل في الدولة التي تضع لهم القوانين والشرطة والكاميرات لتردعهم وليعرفوا كيف يتصرفون.
نفس الاقتلاع الذي يجري على أهل الأرياف تجده فيمن اختاروا الهجرة إلى بلدان غريبة، حالهم تشبه حال الحيوانات التي تؤخذ خارج بيئتها الطبيعية لتترك في بيئة أخرى غريبة عنها، والنتيجة إما أن تنقرض لأنها لم تستطع التأقلم مع الظروف الجديدة أو تجد لها طريقا للتكاثر بحيث تعيث فسادا في البيئة الجديدة.
👍15💯4🍓3🔥1👏1
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
يحكى في أساطير كسالى العرب نقلا عن التنويري الأوروبي أن العلمانية هي مجرد نتيجة لممارسات الكنيسة
👍1😁1
عدم اكتراث المعاصرين بالمستقبل لا يقل عن عدم اكتراثهم بالماضي، الشيء الوحيد الذي له قيمة عندهم هو عيش اللحظة الآنية إلى أقصى حد ممكن. الفرد يريد أن يستهلك فورا، الشركات تريد تسجيل أرباح فورا، والسياسي يريد الأصوات فورا، وبالتالي لا يهتم الفرد كثيرا بمصير من سيعيش بعده وهل سيترك لهم شيئا فهو في كل الأحوال ضد فكرة التوريث وإنجاب الأطفال أساسا، والشركات كل ما يهمها هو تحقيق أرباح في السنة الجارية قبل القادمة إن أمكن، والسياسي هدفه أن يُسمع الحشود ما تريد سماعه من حلول فورية غير آبه بعواقب سياساته بعد جيل أو جيلين عندما يكون حتما خارج السلطة. هذا لا يمنع من أن تكون لهم بعض اللفتات نحو الماضي عندما يتعلق الأمر بالصخور والأحجار الصماء التي فقدت صوتها، خاصة إذا كانت تقدم لهم نفعا فوريا أو نوعا من البريستيج، أو تذكر المستقبل –ما لم يعكر صفو حاضرهم ويدفعهم لإعادة النظر فيه كليا– من خلال هاتف صنع غطاءه من مواد أعيد تدويرها أو كيس قابل للذوبان.
وكأن الفتوم النيتشوي قد انتصر، حتى وإن كان هذا النصر بهذا الشكل ما كان ليسعد نيتشه، لكنه انتصر.
وكأن الفتوم النيتشوي قد انتصر، حتى وإن كان هذا النصر بهذا الشكل ما كان ليسعد نيتشه، لكنه انتصر.
👍25👏5❤2
يقال أن خوارزميات فايسبوك أصبحت عشوائية، تدخل إليه فتجد منشورات عن كريمات ترطيب الوجه وأخرى عن أدوات صينية للبذر أو الزريعة، وأحيانا حتى ماكينات لتمشيط القمل، كل هذا يمكن غض الطرف عنه، لكن أن تقترح عليك هذه الخوارزميات المجنونة تنويري من العهد السوفييتي اكتشف نظرية الجندر فهذه وقاحة.
لكن يحسب لهذه اللمبة الكبيرة اتساقها مع نفسها، فهي أفنت حياتها حرفيا في مدح العقل الأوروبي وريث اليونان ولا بد لها أن تستمر إلى أخر المطاف عندما أصبح الرجل والمرأة مجرد بناء اجتماعي، وستنتهي مثل غيرها في طريق التنوير إلى القفز على البيولوجيا لتكتشف الرجل الحامل والمرأة ذات العضو الذكري.
لكن يحسب لهذه اللمبة الكبيرة اتساقها مع نفسها، فهي أفنت حياتها حرفيا في مدح العقل الأوروبي وريث اليونان ولا بد لها أن تستمر إلى أخر المطاف عندما أصبح الرجل والمرأة مجرد بناء اجتماعي، وستنتهي مثل غيرها في طريق التنوير إلى القفز على البيولوجيا لتكتشف الرجل الحامل والمرأة ذات العضو الذكري.
😁39👍10❤4
حسّ سليم
Photo
«ما لم أكن مخطئة، فإن فكرة الدولة كموضوع للولاء ظهرت لأول مرة في فرنسا وأوروبا مع ريشيليو. كان بإمكاننا قبله الحديث بنبرة فيها ارتباط ديني أو بالصالح العام أو البلد أو الملك أو السيد [النبيل]. هو أول من اعتمد مبدأ أن كل من يمارس وظيفة عامة يجب أن يدين بولائه الكامل في ممارسة هذه الوظيفة، لا للجمهور ولا للملك، بل للدولة ولا شيء آخر. سيكون من الصعب تعريف الدولة بطريقة دقيقة، لكن للأسف لا يمكننا الشك في أن هذه الكلمة تدل على واقع فعلي.
وقد عرّف ريشيليو، الذي كان يتمتع بذكاء واضح، بعبارات مضيئة هذا الفرق بين الأخلاق والسياسة الذي زُرع حوله الكثير من الالتباس منذ ذلك الحين. لقد قال شيئًا مثل: يجب أن نكون حريصين على عدم تطبيق نفس قواعد خلاص النفس على خلاص الدولة؛ لأن خلاص النفوس يتم في العالم الآخر، بينما خلاص الدول يتم في هذا العالم فقط.
ولكن على الرغم من أن ريشيليو كان يعتقد أنه مسيحي، وبإخلاص بلا شك، إلا أن استنتاجه كان مختلفا تماما. كان على الرجل المسؤول عن إنقاذ الدولة ومرؤوسيه أن يستخدموا جميع الوسائل الفعالة لهذا الغرض، دون أي استثناء، وبالتضحية إذا لزم الأمر بأشخاصهم، والملك، والشعب، والبلدان الأجنبية، و أي نوع من الالتزام.
[...] أدى إخلاصه للدولة إلى اقتلاع فرنسا. كانت سياسته هي القتل المنهجي لكل أشكال الحياة العفوية في البلاد، لمنع أي شيء من معارضة الدولة. وإذا بدا أن عمله في هذا الاتجاه كان له حدود، فذلك لأنه كان في البداية يمضي قدما تدريجيا وبشكل ماهر.
[...] الأعمال الأدبية هنا لا تهم إلا كعلامة، ولكنها علامة لا تخدع. تُظهر لغة كورنيل الذليلة أن ريشيليو أراد استعباد الأرواح نفسها. ليس لشخصه، لأنه ربما كان مخلصاً في نكرانه لذاته، ولكن للدولة التي يمثلها. كان مفهومه للدولة شموليا بالفعل. لقد طبق ذلك قدر استطاعته بإخضاع البلاد إلى أقصى حد تسمح به وسائل عصره لنظام بوليسي. وبذلك دمر جزءاً كبيراً من الحياة الأخلاقية للبلاد. وإذا كانت فرنسا قد خضعت لهذا الاختناق، فذلك لأن النبلاء خيبوا ظنها بحروب أهلية سخيفة وقاسية إلى الحد الذي جعلها توافق على شراء السلم الأهلي مقابل هذا الثمن.»
— سيمون فايل "التجذر"
تعليق:
الكاردينال ريشيليو هو بلا شك أهم سياسي في تاريخ فرنسا وغالبا من أهم السياسيين في تاريخ البشرية، كان رجل دين مسيحي، لكن في نفس الوقت كان رئيس وزراء الملك والحاكم الفعلي للدولة. يرد له الفضل الأهم في بناء الدولة الحديثة المركزية ونقله مفهوم السيادة الكاثوليكية إلى الدولة أو ما وصفه كارل شميت بعلمنة اللاهوت المسيحي. الدولة الحديثة لا تقبل لا هي ولا أدواتها أن تكون السيادة لغيرها سواءً لله أو للملك أو للشعب، هذا لا يعني أنها لا تستطيع أن تلبس لباسا ديني أو ملكي أو ديموقراطي، لكن في جوهرها كل هذه مجرد أدوات لبسط سيادتها وستقفز عليها إن تعارضت مع مصالحها أو ما كان يسميه ريشيليو وقبله مكيافيلي بـ "مصلحة الدولة" La raison d'État، وهذا نسمع بعض السياسيين العرب يردده في جملة "مصلحة الدولة فوق الجميع".
لكن يجب التنبيه أيضا أن كون ريشيليو كان رجل دين لا يتعارض بالمطلق مع منهجه السياسي الذي علمن الدولة كما تعتقد الكاتبة، لأن طبيعة المسيحية في حد ذاتها تسمح بالظهور الحتمي للعلمانية نتيجة فصلها الواضح بين ما هو ديني ودنيوي، لهذا لم تظهر العلمانية صدفة ضمن السياق المسيحي. العلمانية هي الابنة العاقة للمسيحية.
وقد عرّف ريشيليو، الذي كان يتمتع بذكاء واضح، بعبارات مضيئة هذا الفرق بين الأخلاق والسياسة الذي زُرع حوله الكثير من الالتباس منذ ذلك الحين. لقد قال شيئًا مثل: يجب أن نكون حريصين على عدم تطبيق نفس قواعد خلاص النفس على خلاص الدولة؛ لأن خلاص النفوس يتم في العالم الآخر، بينما خلاص الدول يتم في هذا العالم فقط.
ولكن على الرغم من أن ريشيليو كان يعتقد أنه مسيحي، وبإخلاص بلا شك، إلا أن استنتاجه كان مختلفا تماما. كان على الرجل المسؤول عن إنقاذ الدولة ومرؤوسيه أن يستخدموا جميع الوسائل الفعالة لهذا الغرض، دون أي استثناء، وبالتضحية إذا لزم الأمر بأشخاصهم، والملك، والشعب، والبلدان الأجنبية، و أي نوع من الالتزام.
[...] أدى إخلاصه للدولة إلى اقتلاع فرنسا. كانت سياسته هي القتل المنهجي لكل أشكال الحياة العفوية في البلاد، لمنع أي شيء من معارضة الدولة. وإذا بدا أن عمله في هذا الاتجاه كان له حدود، فذلك لأنه كان في البداية يمضي قدما تدريجيا وبشكل ماهر.
[...] الأعمال الأدبية هنا لا تهم إلا كعلامة، ولكنها علامة لا تخدع. تُظهر لغة كورنيل الذليلة أن ريشيليو أراد استعباد الأرواح نفسها. ليس لشخصه، لأنه ربما كان مخلصاً في نكرانه لذاته، ولكن للدولة التي يمثلها. كان مفهومه للدولة شموليا بالفعل. لقد طبق ذلك قدر استطاعته بإخضاع البلاد إلى أقصى حد تسمح به وسائل عصره لنظام بوليسي. وبذلك دمر جزءاً كبيراً من الحياة الأخلاقية للبلاد. وإذا كانت فرنسا قد خضعت لهذا الاختناق، فذلك لأن النبلاء خيبوا ظنها بحروب أهلية سخيفة وقاسية إلى الحد الذي جعلها توافق على شراء السلم الأهلي مقابل هذا الثمن.»
— سيمون فايل "التجذر"
تعليق:
الكاردينال ريشيليو هو بلا شك أهم سياسي في تاريخ فرنسا وغالبا من أهم السياسيين في تاريخ البشرية، كان رجل دين مسيحي، لكن في نفس الوقت كان رئيس وزراء الملك والحاكم الفعلي للدولة. يرد له الفضل الأهم في بناء الدولة الحديثة المركزية ونقله مفهوم السيادة الكاثوليكية إلى الدولة أو ما وصفه كارل شميت بعلمنة اللاهوت المسيحي. الدولة الحديثة لا تقبل لا هي ولا أدواتها أن تكون السيادة لغيرها سواءً لله أو للملك أو للشعب، هذا لا يعني أنها لا تستطيع أن تلبس لباسا ديني أو ملكي أو ديموقراطي، لكن في جوهرها كل هذه مجرد أدوات لبسط سيادتها وستقفز عليها إن تعارضت مع مصالحها أو ما كان يسميه ريشيليو وقبله مكيافيلي بـ "مصلحة الدولة" La raison d'État، وهذا نسمع بعض السياسيين العرب يردده في جملة "مصلحة الدولة فوق الجميع".
لكن يجب التنبيه أيضا أن كون ريشيليو كان رجل دين لا يتعارض بالمطلق مع منهجه السياسي الذي علمن الدولة كما تعتقد الكاتبة، لأن طبيعة المسيحية في حد ذاتها تسمح بالظهور الحتمي للعلمانية نتيجة فصلها الواضح بين ما هو ديني ودنيوي، لهذا لم تظهر العلمانية صدفة ضمن السياق المسيحي. العلمانية هي الابنة العاقة للمسيحية.
👍30🔥4❤1😍1
حسّ سليم
Photo
إذا وضعنا أمامنا الإحصاءات العالمية حول جرائم قتل النساء، سنجد تفاوتا واضحا بين الدول "المتقدمة" والدول "المتخلفة" من حيث الأرقام. يمكن تفسير هذا التفاوت من خلال الفقر والتعليم اللذين لهما تأثير لا شك فيه ليس فقط على جرائم قتل النساء بل وعلى كل الجرائم بشكل عام.
لكن إذا نظرنا إلى الإحصاءات من وجهة نظر ثقافية فسنجد مشهدا آخر لا يمكننا تفسيره من خلال عاملي الفقر والتعليم فقط، حيث يظهر لنا أن الدول العربية والإسلامية بشكل عام ليست فقط أفضل من باقي دول العالم الثالث بل وأفضل من كل الدول الأوروبية ولا تنافسها في ذلك إلا النرويج (مع استثناء الدول المجهرية)، حتى أفغانستان وهي في حالة حرب أفضل من دول مثل ألمانيا وفنلندا وكندا.
إذن هناك عامل ثقافي أقوى حتى من عاملي الفقر والتعليم؟
بداية يجب فهم طبيعة جرائم قتل النساء لأن أغلبها يقع ضمن الوسط العائلي، وهذا ما تحب النسويات دائما التركيز عليه في رحلة شيطنة الرجال وبالأخص الرجال من الأقارب (الأب، الزوج، الأخ) للنيل من النظام الأبوي، ومن كانت غايته المسبقة شيطنة شيء ما فإنه لا يرهق نفسه كثيرا في محاولة فهم ما هو أمامه. فإذا كانت أغلب جرائم قتل النساء تحدث غالبا ضمن الوسط العائلي فلأن غالب حياة النساء ضمن هذا الوسط، وإذا خرجت المرأة من البيت فهي تحرص على أن تأخذ البيت معها (الأمان)، وبالتالي فإن احتكاك النساء مع العالم الخارجي الحقيقي ضعيف جدا وهذا ما يفسر أيضا كون ثلاثة أرباع ضحايا جرائم القتل هم من الرجال. وبتوظيف المنطق نفسه يمكننا فهم تصدر النساء قائمة جرائم قتل الأطفال؛ لأن أكثر من يحتك بهم الأطفال هن النساء. وبالتالي من الطبيعي أن يكون أخطر مكان على النساء هو الوسط العائلي بما أنهن لا يحتككن كثيرا بالأوساط الأكثر خطورة مثل الرجال.
إلى هنا لا يبدو العامل الثقافي واضحا جدا، ويجب أن نبحث في الفروق بين العائلة العربية/الإسلامية والعائلة الأوروبية.
الفارق الأساسي هو أن العائلة الأوروبية أكثر مساواتية وترفض فكرة العلاقة التراتبية في تنظيم شؤون الأسرة، وهذا ما يخلق حالة صراع داخل الأسرة قد ينتهي أحيانا بالقتل. في حين أن الأسر التقليدية التي تعتمد التراتبية في علاقاتها تقل فيها الصراعات الحادة التي قد تصل إلى حد القتل لأن الأدوار موزعة بين الجنسين بوضوح وليست موضع خلاف، ولهذا نجد من بين الدول التي تتذيل قائمة جرائم قتل النساء- إلى جانب الدول العربية/الإسلامية- دول شرق آسيا مثل اليابان وكوريا التي ما تزال رغم كل شيء محافظة على تقاليدها من حيث تراتبية العلاقات في الأسرة، والاستثناء الوحيد حسب الإحصاءات لكل هذا (الاستثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها) هو العراق الذي يعتبر من هذه الناحية من بين أسوأ الدول (سنة الإحصاء هي 2013، أي أثناء حرب أهلية). أما أسوأ الدول على الإطلاق فهي دول أمريكا اللاتينية التي تجتمع لديها كل العوامل من فقر وقلة تعليم ونظام مساواتي للأسرة (أسرة حديثة).
عامل النظام التراتبي ليس له تأثير إيجابي فقط على العلاقات الأسرية بل يشمل كل المجتمع فهو يخفف من حدة الصراعات داخل أي مجموعة مهما كان نوعها سواءً كان ذلك داخل شركة أو جيش أو مدرسة أو أغلبية/أقلية أو حاكم/محكوم أو عالم/جاهل وبالطبع داخل الأسرة. في حين أن النزعة المساواتية هي السبب في كثير من الصراعات، ولهذا قالت العرب قديما: «لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا».
لكن إذا نظرنا إلى الإحصاءات من وجهة نظر ثقافية فسنجد مشهدا آخر لا يمكننا تفسيره من خلال عاملي الفقر والتعليم فقط، حيث يظهر لنا أن الدول العربية والإسلامية بشكل عام ليست فقط أفضل من باقي دول العالم الثالث بل وأفضل من كل الدول الأوروبية ولا تنافسها في ذلك إلا النرويج (مع استثناء الدول المجهرية)، حتى أفغانستان وهي في حالة حرب أفضل من دول مثل ألمانيا وفنلندا وكندا.
إذن هناك عامل ثقافي أقوى حتى من عاملي الفقر والتعليم؟
بداية يجب فهم طبيعة جرائم قتل النساء لأن أغلبها يقع ضمن الوسط العائلي، وهذا ما تحب النسويات دائما التركيز عليه في رحلة شيطنة الرجال وبالأخص الرجال من الأقارب (الأب، الزوج، الأخ) للنيل من النظام الأبوي، ومن كانت غايته المسبقة شيطنة شيء ما فإنه لا يرهق نفسه كثيرا في محاولة فهم ما هو أمامه. فإذا كانت أغلب جرائم قتل النساء تحدث غالبا ضمن الوسط العائلي فلأن غالب حياة النساء ضمن هذا الوسط، وإذا خرجت المرأة من البيت فهي تحرص على أن تأخذ البيت معها (الأمان)، وبالتالي فإن احتكاك النساء مع العالم الخارجي الحقيقي ضعيف جدا وهذا ما يفسر أيضا كون ثلاثة أرباع ضحايا جرائم القتل هم من الرجال. وبتوظيف المنطق نفسه يمكننا فهم تصدر النساء قائمة جرائم قتل الأطفال؛ لأن أكثر من يحتك بهم الأطفال هن النساء. وبالتالي من الطبيعي أن يكون أخطر مكان على النساء هو الوسط العائلي بما أنهن لا يحتككن كثيرا بالأوساط الأكثر خطورة مثل الرجال.
إلى هنا لا يبدو العامل الثقافي واضحا جدا، ويجب أن نبحث في الفروق بين العائلة العربية/الإسلامية والعائلة الأوروبية.
الفارق الأساسي هو أن العائلة الأوروبية أكثر مساواتية وترفض فكرة العلاقة التراتبية في تنظيم شؤون الأسرة، وهذا ما يخلق حالة صراع داخل الأسرة قد ينتهي أحيانا بالقتل. في حين أن الأسر التقليدية التي تعتمد التراتبية في علاقاتها تقل فيها الصراعات الحادة التي قد تصل إلى حد القتل لأن الأدوار موزعة بين الجنسين بوضوح وليست موضع خلاف، ولهذا نجد من بين الدول التي تتذيل قائمة جرائم قتل النساء- إلى جانب الدول العربية/الإسلامية- دول شرق آسيا مثل اليابان وكوريا التي ما تزال رغم كل شيء محافظة على تقاليدها من حيث تراتبية العلاقات في الأسرة، والاستثناء الوحيد حسب الإحصاءات لكل هذا (الاستثناء يؤكد القاعدة ولا ينفيها) هو العراق الذي يعتبر من هذه الناحية من بين أسوأ الدول (سنة الإحصاء هي 2013، أي أثناء حرب أهلية). أما أسوأ الدول على الإطلاق فهي دول أمريكا اللاتينية التي تجتمع لديها كل العوامل من فقر وقلة تعليم ونظام مساواتي للأسرة (أسرة حديثة).
عامل النظام التراتبي ليس له تأثير إيجابي فقط على العلاقات الأسرية بل يشمل كل المجتمع فهو يخفف من حدة الصراعات داخل أي مجموعة مهما كان نوعها سواءً كان ذلك داخل شركة أو جيش أو مدرسة أو أغلبية/أقلية أو حاكم/محكوم أو عالم/جاهل وبالطبع داخل الأسرة. في حين أن النزعة المساواتية هي السبب في كثير من الصراعات، ولهذا قالت العرب قديما: «لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا».
👍51❤26🥰2👎1🔥1👏1
المساواة فكرة لا قيمة حقيقية لها في الواقع إلا ضمن سياق ديني، أي أن الله هو وحده القادر فعلا على أن يقول "البشر متساوون" ثم يلتزم بذلك، لأن البشر بالنسبة له هم مجرد مخلوقات ولا تأثير لهم عليه، وإن فضل بعضهم فهو يفضلهم وفق معايير يضعها هو برغبته.
لهذا يقول المهتمون بتاريخ الأفكار أن فكرة المساواة الإنسانية هي في الحقيقة علمنة للأديان التوحيدية، أما الوثنيين فليس بمقدورهم حتى فهم فكرة أن البشر متساوون، "متساوون في ماذا وأمام من، وهم مختلفون في كل شيء؟"
وعندما نقول "علمنة" فنحن هنا نتحدث عن الدولة، أي أن الدولة الحديثة من خلال عملية علمنة الأديان التوحيدية، وبالتحديد المسيحية، أعطت لنفسها صفة إلهية وقررت أن البشر متساوون أمامها بغض النظر عن الفروق بينهم.
لهذا يقول المهتمون بتاريخ الأفكار أن فكرة المساواة الإنسانية هي في الحقيقة علمنة للأديان التوحيدية، أما الوثنيين فليس بمقدورهم حتى فهم فكرة أن البشر متساوون، "متساوون في ماذا وأمام من، وهم مختلفون في كل شيء؟"
وعندما نقول "علمنة" فنحن هنا نتحدث عن الدولة، أي أن الدولة الحديثة من خلال عملية علمنة الأديان التوحيدية، وبالتحديد المسيحية، أعطت لنفسها صفة إلهية وقررت أن البشر متساوون أمامها بغض النظر عن الفروق بينهم.
❤55👍19👌4
حسّ سليم
Photo
هل تبدو لك هذه الصور عادية بالنسبة للاعبين قرروا اللعب في السعودية والعيش فيها ومن ضمن ذلك الاحتفال باليوم الوطني السعودي، أو حتى ارتداء هذه الملابس يوميا؟
الأمر ليس كذلك في فرنسا، حالة هيجان إعلامي وسياسي ضد "بن زيمة" ويقال عنه أنه إسلاموي لأنه يروج حسبهم للإسلاموية من خلال لباس إسلاموي ومتجاهلين بذلك حتى حقيقة أن بن زيمة لم يفعل أكثر من رونالدو أو نيمار.
بلد التنوير والعلمانية الذي أرضع كل التنوير العربي (لولا هذا لما كان هذا الموضوع أي قيمة) لا هم له سوى ملاحقة الناس ما يلبسون في الداخل والخارج وحتى المواطنين الأجانب في قارات أخرى (مثل اللاعبة المغربية).
تُنتقد كثيرا إيران وطالبان وحتى السعودية في وقت من الأوقات لمراقبتها ما يلبسه الناس، لكن مهما قيل عنها فإنها لم تصل أبدا بهذا الأمر إلى هذا الحد، مع اختلاف أن هذه الدول ليست متناقضة مع ما تدعيه لنفسها من حريات وتسامح.
فرنسا لو كانت إنسانا لقيل عنه: زوجوه ليهدأ ويعقل
الأمر ليس كذلك في فرنسا، حالة هيجان إعلامي وسياسي ضد "بن زيمة" ويقال عنه أنه إسلاموي لأنه يروج حسبهم للإسلاموية من خلال لباس إسلاموي ومتجاهلين بذلك حتى حقيقة أن بن زيمة لم يفعل أكثر من رونالدو أو نيمار.
بلد التنوير والعلمانية الذي أرضع كل التنوير العربي (لولا هذا لما كان هذا الموضوع أي قيمة) لا هم له سوى ملاحقة الناس ما يلبسون في الداخل والخارج وحتى المواطنين الأجانب في قارات أخرى (مثل اللاعبة المغربية).
تُنتقد كثيرا إيران وطالبان وحتى السعودية في وقت من الأوقات لمراقبتها ما يلبسه الناس، لكن مهما قيل عنها فإنها لم تصل أبدا بهذا الأمر إلى هذا الحد، مع اختلاف أن هذه الدول ليست متناقضة مع ما تدعيه لنفسها من حريات وتسامح.
فرنسا لو كانت إنسانا لقيل عنه: زوجوه ليهدأ ويعقل
👍61🤣14❤8
من الحلول الجاهزة للفقر التي تجدها في المقاهي ولدى بقايا اليسار الاشتراكي هو إعادة توزيع الثروة من خلال زيادة الضرائب على الأغنياء.
لكن المشكلة مع هذا الحل "السحري" أنه يغفل عن حقيقة تغير طبيعة الاقتصاد، فنحن لم نعد نعيش ضمن اقتصاد زراعي تقليدي كما كان الحال قبل الثورة الصناعية بحيث تكون الثروة مرتبطة مباشرة بما تنتجه الأرض، ولأن الأرض عنصر ثابت لا يمكن لملاكها حملها على ظهورهم والمغادرة بها، فقد كان من الممكن (على الأقل نظريا) زيادة الضرائب عليهم، وليس لديهم حل آخر سوى أن يدفعوا. أما مع الاقتصاد الحديث فقد انقلب الوضع تماما، وأصبحت الثروة مرتبطة بما هو غير ثابت من صناعة وخدمات، وتسبح كيفما تشاء ضمن نظام اقتصاد معولم وهي تبحث عن من يشجع تنميتها لا عن من يأخذ منها، والدول التي تبحث عن بناء قاعدة صناعية وخدمية تتسابق لتقدم لها الإعفاءات الضريبية إما لجذبها لتستثمر فيها أو لتحفيزها على البقاء، إلى جانب مغريات أخرى تشجع الاستثمار مثل تقديم عمالة رخيصة/ماهرة وتخفيف البيروقراطية والفساد وتوفير بنية تحتية لائقة. هذا لا يعني أنه لا يمكن فرض ضرائب على الأغنياء، فقط يجب أن تظل هذه الضرائب في حدود معقولة بالنسبة لملاكها بالموازنة مع بقية المغريات الأخرى وما يمكنهم الحصول عليه في أماكن أخرى بحيث يفضلون البقاء رغم الضرائب.
من أين إذاً تغطي دول الرفاه العجز في نفقاتها الاجتماعية الضخمة؟
الجواب؛ من خلال فرض ضرائب عالية "كنسبة مئوية" على الحلقة الأضعف وهي الطبقة الوسطى التي تنشأ بفضل تلك الاستثمارات (هذا يقلل أيضا من الاستهلاك وبالتالي تباطؤ عجلة الاقتصاد) أو على الشركات الصغيرة والمتوسطة، أما الطبقة الغنية فتضع فائض أموالها ليستريح في الملاذات الضريبية أو تستعمل حيلة المليارديرات الذين "يتبرعون" بـ99٪ من ثروتهم لجمعيات خيرية بأسمائهم لتجنب الضرائب العالية على الميراث لتوريث أبنائهم الثروة كاملةً مع Bonus لعب دور فاعلي الخير الكرماء جدا الذين ينبهر بهم الأبله.
هذا الكلام هو مجرد وصف للواقع كما هو، يمكنك أن تعتبره غير عادل إن شئت، لكن عندما تزعم تقديم طريقة للقفز على هذه "المعضلة" حاول أن تكون الطريقة عملية وقابلة للتنفيذ وليس مجرد كبسة زر وهمية فشل من سبقك من الاشتراكيين من تحقيقها ولم تسبب سياساتهم الاجتماعية ضدها سوى تفكيك القاعدة الصناعية (relocation) وإفقار الطبقة الوسطى. والأفضل من كل هذا لو تتوقف عن تصور أن هناك حلولا سحرية لكل شيء وفي كل الظروف.
لكن المشكلة مع هذا الحل "السحري" أنه يغفل عن حقيقة تغير طبيعة الاقتصاد، فنحن لم نعد نعيش ضمن اقتصاد زراعي تقليدي كما كان الحال قبل الثورة الصناعية بحيث تكون الثروة مرتبطة مباشرة بما تنتجه الأرض، ولأن الأرض عنصر ثابت لا يمكن لملاكها حملها على ظهورهم والمغادرة بها، فقد كان من الممكن (على الأقل نظريا) زيادة الضرائب عليهم، وليس لديهم حل آخر سوى أن يدفعوا. أما مع الاقتصاد الحديث فقد انقلب الوضع تماما، وأصبحت الثروة مرتبطة بما هو غير ثابت من صناعة وخدمات، وتسبح كيفما تشاء ضمن نظام اقتصاد معولم وهي تبحث عن من يشجع تنميتها لا عن من يأخذ منها، والدول التي تبحث عن بناء قاعدة صناعية وخدمية تتسابق لتقدم لها الإعفاءات الضريبية إما لجذبها لتستثمر فيها أو لتحفيزها على البقاء، إلى جانب مغريات أخرى تشجع الاستثمار مثل تقديم عمالة رخيصة/ماهرة وتخفيف البيروقراطية والفساد وتوفير بنية تحتية لائقة. هذا لا يعني أنه لا يمكن فرض ضرائب على الأغنياء، فقط يجب أن تظل هذه الضرائب في حدود معقولة بالنسبة لملاكها بالموازنة مع بقية المغريات الأخرى وما يمكنهم الحصول عليه في أماكن أخرى بحيث يفضلون البقاء رغم الضرائب.
من أين إذاً تغطي دول الرفاه العجز في نفقاتها الاجتماعية الضخمة؟
الجواب؛ من خلال فرض ضرائب عالية "كنسبة مئوية" على الحلقة الأضعف وهي الطبقة الوسطى التي تنشأ بفضل تلك الاستثمارات (هذا يقلل أيضا من الاستهلاك وبالتالي تباطؤ عجلة الاقتصاد) أو على الشركات الصغيرة والمتوسطة، أما الطبقة الغنية فتضع فائض أموالها ليستريح في الملاذات الضريبية أو تستعمل حيلة المليارديرات الذين "يتبرعون" بـ99٪ من ثروتهم لجمعيات خيرية بأسمائهم لتجنب الضرائب العالية على الميراث لتوريث أبنائهم الثروة كاملةً مع Bonus لعب دور فاعلي الخير الكرماء جدا الذين ينبهر بهم الأبله.
هذا الكلام هو مجرد وصف للواقع كما هو، يمكنك أن تعتبره غير عادل إن شئت، لكن عندما تزعم تقديم طريقة للقفز على هذه "المعضلة" حاول أن تكون الطريقة عملية وقابلة للتنفيذ وليس مجرد كبسة زر وهمية فشل من سبقك من الاشتراكيين من تحقيقها ولم تسبب سياساتهم الاجتماعية ضدها سوى تفكيك القاعدة الصناعية (relocation) وإفقار الطبقة الوسطى. والأفضل من كل هذا لو تتوقف عن تصور أن هناك حلولا سحرية لكل شيء وفي كل الظروف.
👍44❤10👌4🥰2🕊2
حسّ سليم
Photo
هناك صنف من الناس لست منهم لكني أحبهم، هم الذين يدققون في اللغة أو ما يسميه البعض Grammar Nazis. هذا الصنف مكروه من المعاصرين (مما يزيد من محبتي لهم) ليس فقط بسبب اللغة، لكن أيضا لكره هؤلاء المعاصرين للدقة في حد ذاتها، فهم ويحبون كل شيء مائع وخاضع لأهوائهم الذاتية لا لقواعد صارمة.
لكن هناك صنف آخر قد يبدو مثل الأول من حيث الظاهر لكن دوافعه غير مرتبطة أبدا بالدقة والصرامة في القواعد بل بعقد تفوق نابعة من عقد نقص. أتحدث هنا عن الذين يلاحقون الناس لتصحيح نطق الكلمات أو الحروف ذات الأصل الأجنبي (إنجليزي/فرنسي) مع نبرة ساخرة أحيانا. وهنا لا أقصد من يهتم بتصحيح الخطأ عند من يتحدث بتلك اللغات بل من يحاول تصحيح مفردات هي فعلا ذات أصل أجنبي لكنها دخلت إلى اللغة العربية أو اللهجات المحكية بعد أن خضعت لطريقة نطق أهلها وصارت جزءا منها، مثل الذين يعاتبون الناس على قولهم bebsi بدل Pepsi، متغافلين بذلك عن أن حرف P لا وجود له في العربية وفي بعض اللهجات المحكية، وبالتالي من الطبيعي جدا أن ينطقها عامة الناس bebsi. حماقة هذا الفعل لا تختلف عن الذي يتوقع مثلا من الألماني أن ينطق حرف القاف أو من الفرنسي أن ينطق الكلمات ذات الأصل الإيطالي كما ينطقها الإيطاليون، كذلك الذي يقول للناس وهي تتحدث بالعامية لا تقولوا parapli (مظلة) بدل parapluie. والدافع هنا ليس الدقة بل عقدة اعتقادهم بتفوقهم على من يعتقدون أنهم يصححون لهم النطق، وفي الوقت ذاته عقدة نقص أمام أصحاب تلك اللغات الأجنبية. ومما يثبت أنها مجرد عقدة نقص لا علاقة لها بالدقة هو أنهم لا يهتمون بمن يخطئ في لغتهم الأم في حين أنهم ينتفضون فقط إذا تعلق الأمر بلغة أجنبية.
لكن هناك صنف آخر قد يبدو مثل الأول من حيث الظاهر لكن دوافعه غير مرتبطة أبدا بالدقة والصرامة في القواعد بل بعقد تفوق نابعة من عقد نقص. أتحدث هنا عن الذين يلاحقون الناس لتصحيح نطق الكلمات أو الحروف ذات الأصل الأجنبي (إنجليزي/فرنسي) مع نبرة ساخرة أحيانا. وهنا لا أقصد من يهتم بتصحيح الخطأ عند من يتحدث بتلك اللغات بل من يحاول تصحيح مفردات هي فعلا ذات أصل أجنبي لكنها دخلت إلى اللغة العربية أو اللهجات المحكية بعد أن خضعت لطريقة نطق أهلها وصارت جزءا منها، مثل الذين يعاتبون الناس على قولهم bebsi بدل Pepsi، متغافلين بذلك عن أن حرف P لا وجود له في العربية وفي بعض اللهجات المحكية، وبالتالي من الطبيعي جدا أن ينطقها عامة الناس bebsi. حماقة هذا الفعل لا تختلف عن الذي يتوقع مثلا من الألماني أن ينطق حرف القاف أو من الفرنسي أن ينطق الكلمات ذات الأصل الإيطالي كما ينطقها الإيطاليون، كذلك الذي يقول للناس وهي تتحدث بالعامية لا تقولوا parapli (مظلة) بدل parapluie. والدافع هنا ليس الدقة بل عقدة اعتقادهم بتفوقهم على من يعتقدون أنهم يصححون لهم النطق، وفي الوقت ذاته عقدة نقص أمام أصحاب تلك اللغات الأجنبية. ومما يثبت أنها مجرد عقدة نقص لا علاقة لها بالدقة هو أنهم لا يهتمون بمن يخطئ في لغتهم الأم في حين أنهم ينتفضون فقط إذا تعلق الأمر بلغة أجنبية.
👍48❤23❤🔥10👌10👎2🔥1