حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
1
حسّ سليم
Photo
يقال إن الفرق بين شخص تقليدي وآخر حداثي أو بين شخص يميني وآخر يساري هو إجابتهم على سؤال: هل طبيعة الإنسان تميل نحو الخير أم الشر؟

كل الأيديولوجيات الحديثة "التنويرية" بلا استثناء بداية من التقدمية والإنسانوية إلى الشيوعية والليبرالية وحتى النسوية، تنطلق من فكرة ميل طبيعة الإنسان نحو الخير، لكن الذي أفسد الإنسان (الفرد) وجعله يميل نحو الشر في نظرهم هو الاستبداد متمثلا في الدين أو السياسة أو الرأسمالية أو البطريركية أو المجتمع أو أي عامل خارج الإنسان ذاته، والحل بالنسبة لهم هو الحرية لأنه من خلالها ستظهر ميوله نحو الخير. لهذا تجد دائما لدى المعاصرين محاولة لتبرير أفعال المجرمين والبحث لهم عن أعذار وتخفيف العقوبات عنهم بوصفهم مجرد ضحايا. في حين أن النظم التقليدية ترى عكس ذلك، وأنه دون سلطة قوية ورادعة تضبط الإنسان فإن مصيره الفساد غالبا، ولهذا لا يمكن الوثوق فيه ومنحه حرية التصرف.

في الإسلام مثلا إذا نظرت في القرآن لن تجد أبدا حديثا عن الإنسان من حيث هو إنسان إلا وقد اقترنت به صفة سيئة، لا تجد أبدا في القرآن مديحا للإنسان كإنسان مجرد، كل ما قاله القرآن عنه هو ذم: «إن الإنسان لظلوم كفار» «إنه كان ظلوما جهولا» «قتل الإنسان ما أكفره» المديح الوحيد الذي يمكن أن تجده للبشر هو لأناس معينين لهم صفات معينة مع التشديد دائما على أنهم قلة استثنائية ولا يمثلون القاعدة. ويجادل بعض المعتقدين بميل طبيعة الإنسان نحو الخير بآية: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا" مع أن الآية لا تتضمن أي مديح للإنسان بل تصف كرم الله معه فقط كنتيجة للمسؤولية التي سيتحملها، وإن كان هذا غير مقنع لك فانظر إلى الآية الأخرى التي تقول: "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ".

هنا قد يقال: إذن الإنسان قابل للاصلاح رغم ميوله نحو الشر؟

هذا صحيح، الإنسان لديه قابلية للاصلاح ولهذا وجدت الأديان والقوانين والدول والتقاليد، لكن لا يتحقق ذلك إلا إذا وجدت الظروف التي تسمح بذلك، لكن المشكلة هي أن هذه الظروف لا تجتمع دائما وفي لحظات معينة من التاريخ ومن عمر الحضارات عندما تتدهور يستحيل الإصلاح ويصبح كل ما يمكنك فعله هو النأي بنفسك مع من حولك إن أمكن. وضمن القرآن دائما ستجد هذه الفكرة تتكرر كثيرا مع الأقوام الذين لم ينفع معهم شيء سوى العقاب الإلهي بعد يأس الأنبياء منهم لينجو الصالحون. كذلك الأمر في الأحاديث، تجد الفكرة ذاتها لكن ضمن استشراف المستقبل، كالحديث الذي يقول: "يوشِكُ أن يَكونَ خيرُ مالِ المسلِمِ غنمًا يتبعُ بِها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القطرِ يفرُّ بدينِهِ منَ الفتن"
لهذا أحيانا يكون سؤال "ما هو الحل؟" لا معنى له ومحاولة الإجابة عنه محض ثرثرة وترف زائد، إذ تضحي الحلول الفردية فقط هي المتاحة.
—————————
«ننسحب إلى الخفاء، لكن ليس بسبب اكتئاب شخصي ما كما لو كنا غير راضين عن الأوضاع السياسية والاجتماعية الحالية، بل لأننا نبتغي من خلال انسحابنا توفير طاقات وتجميعها ستكون الحضارة لاحقا في أمس الحاجة إليها؛ ما دام هذا الحاضر هو الحاضر وينجز مهمته الخاصة بما هو كذلك، إننا نُكون رأسمال ونسعى إلى جعله آمنا؛ لكن بدفنه، كما يفعل الناس في أوقات الأخطار.»
— نيتشه
👍1311🔥3
قد يكون عاجزا حتى عن حل مشكلة الحفرة التي أمام بيته ويطلب منك حلا للعالم. هذه النضالية أصبحت كالوباء بين الناس وكل واحد منهم مثل مراهقة حالمة تعتقد أنها ستغير العالم فور انتهاءها من قراءة روايتها المحزنة.
من علامات هذا الصنف اهتمامهم بكتاب مثل مالك بن النبي الذي يقبلون عليه وكأنهم سيجدون عنده الأجوبة الكافية ثم ينتهون إلى أخر صفحة ولم تبقى معهم سوى بعض التعبيرات الجميلة أغلبها بديهي. والمشكلة ليست في مالك بن نبي بل في هؤلاء الذين يتصورون أنه لا ينقصهم لتغيير العالم سوى أحد ما ليتبرع لهم بالوصفة، وعلى عكس ما يتصور هؤلاء لا يوجد هروب من الواقع وحب للكسل أشد من أحلامهم هته.

هذا لا يعني أن التاريخ قد انتهى، التاريخ لا ينتهي وستبقى الدول والحضارات تصعد وتنهار، لكن هذا أيضا لا يعني أن كتابة التاريخ ممكنة في كل لحظة تريدها أو أن سرعة التاريخ ستتوافق مع فترة حياتك فترى كل شيء بعينك، القضية ليست خلطة سحرية قد تجدها في إحدى زوايا فايسبوك المظلمة بل هناك قوانين تحكم العالم والتاريخ ولا يمكنك القفز عليها، لهذا اعرف قدر نفسك وما تقدر عليه، لأنك لو كنت فعلا قادرا على شيء فلن تسأل أحد، لأن القدرة في حد ذاتها ستفعل فعلها ولن تنتظر النصيحة من أحد.
مشكلة الناس التي تريد كل شيء وفورا أنها دائما تفقد كل شيء وفورا باستعجالها وسؤالها عن السقف وهي لا تملك حتى الأساس.

مازلت مصرا على الحل السحري؟ سأعطيك إياه: يجب على الأقل أن تتحرر من هيمنة الولايات المتحدة.
اذهب الآن وتحرر منها، أم تريد أيضا أن أعطيك حاملات طائرات وصواريخ نووية فائقة السرعة؟
👍21😁31🔥1
1
حسّ سليم
Photo
بالنسبة لوائل حلاق والجدل حول أطروحته حول الدولة المستحيلة. هناك من يوافقه في مقولته أن دولة الإسلام هي دولة مستحيلة ضمن نسق الدولة الحديثة لأن الأخيرة تتعارض في جوهرها مع الإسلام. وآخرون يعتقدون أن ما يقوله وائل حلاق هو مبالغة غير حقيقية ويمكن فعلا للدولة الحديثة أن تكون إسلامية حقا.

في البداية يجب فهم مراد وائل حلاق، هذا الكاتب يصنف ضمن الكتاب الرجعيين وهو منهجيا تلميذ ألسدير ماكنتاير، ومثل أستاذه يريد تفكيك الحداثة. ماكنتاير أختار استعمال الأرسطية من أجل ذلك (كتابه "ما بعد الفضيلة")، وأما وائل حلاق فقد رأى أن الإسلام أداة تفكيكية أقوى للحداثة لأنها نموذج حقيقي في التاريخ يمكن دراسته، ومن يتسألون لماذا يفعل ذلك وهو مسيحي، لماذا لا يفعل ذلك من خلال المسيحية؟ فالجواب لأن المسيحية رغم أنها بناء ضخم ولها تراث واسع إلا أنها بناء فارغ لا تجد فيه سوى بعض المثاليات التي سممت العالم بها ثم انسحبت من المشهد، ولهذا تجاهلها حتى أستاذه المسيحي أيضا وذهب يبحث في التراث الأوروبي واختار منه الأرسطية، وبالتالي من الطبيعي أن يختار وائل حلاق الإسلام بوصفه عربي من بيئة إسلامية ويمكنه البحث في الإسلام.

لكن مشكلة وائل حلاق أنه هو أيضا واقع في المثاليات ويقدم التاريخ الإسلامي للناس كمجموعة فضائل تتعارض مع الدولة الحديثة التي لا يمكنها أن تكون فاضلة، وبالتالي من الطبيعي أن تجد رواد "كل شيء ممكن" يحاججون بأن الإرادة السياسية قادرة على جعل الدولة الحديثة دولة فاضلة. سنفترض أن هذا ممكن، المشكلة أن الدولة الحديثة ليست مجرد مجموعة فضائل تنتقيها كما تشاء، ولديها واقع مادي لا يمكنك تجنبه.

سأقدم مثالا يمكن من خلاله إدراك لماذا هذه الدولة مستحيلة؟

العمود الفقري للدولة الحديثة مثل كل الدول هو الضرائب، لكن الدولة الحديثة تحتاج لقدر كبير من الضرائب لتستطيع القيام بمصاريفها الضخمة على بيروقراطيتها المهولة وبنيتها التحتية وقدراتها الأمنية والعسكرية، لهذا قد تتجاوز حاجة دولة حديثة متوسطة ما كانت تحتاجه كبرى الإمبراطوريات القديمة. وبالتالي أي دولة حديثة ستفرض ضرائب ما بين 20 إلى 50٪؜ على كل دخل مهما كانت طبيعته ومقداره، بالإضافة إلى رسوم على كل بضاعة تشترى أو خدمة تقدم، ومع كل هذه الضرائب والرسوم كلها تجد كل الدول الحديثة غارقة في الديون (ربا).
بالله عليك أنت الذي يدعي أنها دولة ممكنة، كيف ستقيمها من خلال 2،5٪؜ ضريبة على أموال يجب أن تبلغ نصابا محددا ويحول عليها الحول ودون اللجوء للاستدانة داخليا أو خارجيا، هذا محض جنون، لن تستطيع حتى إقامة دويلة حديثة بهذا الشكل، إلا إذا كانت لديك دولة تمتلك ثروات طبيعية ضخمة بالنسبة لعدد السكان بشكل يجعلها قادرة على التخلي عن الضرائب كما تفعل دول الخليج. وإيران الدولة "الإسلامية" الحديثة الوحيدة لم تستطع إلا أن تضع نظاما ضريبيا مثلها مثل بقية دول العالم وإلا ما كانت حتى لتقدر على الدفاع عن نفسها فما بالك بالقيام بشؤونها الداخلية.

لكن سنفترض أنك براغماتي وغضيت الطرف عن الضرائب كما فعلت إيران، رغم أن هكذا براغماتية تتعارض مع النموذج الإسلامي الفاضل في أذهان المعارضين.
هذه الضرائب لا معنى لها دون اقتصاد قوي تستطيع الدولة من خلاله تمويل حاجاتها، والاقتصاد الحداثي اقتصاد معولم ومتشابك مع اقتصادات العالم ويستحيل عليك اقامة اقتصاد محترم بمعزل عنها، حتى أقوى الدول تعجز عنها، فكيف لك عندها تجنب كل المحرمات المالية التي لا يعمل الاقتصاد العالمي إلا من خلالها.

إذن هؤلاء الذين يتحدثون عن الدولة الممكنة في قالب حديث هم أناس طوباويون يعتقدون أن مجرد أن فكرة ما قد لمعت في ذهنهم فذلك يعني أنها ممكنة في الواقع.
👍15👏21🔥1
1
هذه النقود التي نتعامل بها يوميا، من أين تستمد قيمتها؟ فعليا هذه النقود لا قيمة لها إلا لأن الدولة قررت: "يا جماعة، هذه الأوراق يمكنكم البيع والشراء باستعمالها" غير هذا لا يوجد أي معيار حقيقي يحدد لها قيمة ثابتة، صحيح أنه يقال أن بعض العملات تعتمد على خليط من الاحتياطيات من الذهب والعملات الأجنبية أهمها الدولار (الدولار نفسه لا يساوي فعليا أكثر من ورقه)، لكن كل هذا خاضع لتقديرات الدولة، ولهذا تستطيع الدولة حسب حاجتها أو حاجة الاقتصاد طبع النقود كما تشاء حتى لو أدى ذلك لانخفاض قيمتها (تخفيض العملة أحيانا يكون ضرورة لا بد منها إما لتغطية النفقات أو لتسهيل التصدير)، فيمكنك أنت كمواطن أن تستيقظ صباحا لتجد ربع مدخراتك مثلا قد تبخرت في الهواء ومعها مجهودك لسنوات. ومع ذلك النظام الاقتصادي كله يعمل بهذه الطريقة وليست له القدرة على أن يستمر بغيرها، وحتى لو شاءت الدول ربط عملتها بالذهب فهذا مستحيل لأن قيمة النقد الاجمالية وحجم الاقتصاد يتجاوز كل الذهب الموجود في العالم. كل الذهب الموجود حاليا في العالم بما في ذلك قلادة جدتك وأقراط الهنديات هو حوالي 200 ألف طن بقيمة 12 ترليون دولار، في حين أن الاقتصاد العالمي تجاوزت قيمته 100 ترليون دولار، وبالتالي أي محاولة لفرض هذا الربط بين العملات والذهب سيعني الانهيار الاقتصادي وتراجع النمو (دع عنك هراء البركسيين* والصين وروسيا قادمتان لدحر النظام العالمي بالذهب)

هذا مجرد مثال فقط ويمكن ذكر العديد من الأمثلة عن طبيعة الاقتصاد الحديث وأنظمته المالية الذي لا مفر من الاندماج فيه إذا كان هناك أحد يفكر فعلا في بناء قاعدة صناعية حقيقية واقتصاد قوي يسمح له بالاندماج في السوق العالمي ليتمكن من تأسيس دولة "حديثة" لها احترامها في العالم الحالي كما هو وتستطيع أن تنافس فيه اقتصاديا وعسكريا، أما الذي يتصور دولة منعزلة عن العالم وتعتمد على منطق ما قبل الحداثة فيمكنه تسميتها ما يشاء إلا دولة حديثة لأن هذه الدولة هي قبل كل شيء موارد وعلاقات متشعبة مع الدول الأخرى وليست مجرد مجموعة قوانين اجتماعية، وكما يقول المثل: لا تلعب مع الخنازير ثم تتوقع أنك ستخرج نظيفا.

*المقصود بالبريكسيين هم المبتهجون بالبريكس وكأنها ستنقذ العالم وأيام الدولار أصبحت معدودة، وليس دول البريكس نفسها
👍13🔥2👎1
1
حسّ سليم
Photo
في أحد كتب الفيلسوفة سيمون فايل Simone Weil نجد مصطلحين بالغي الأهمية، الأول وهو عنوان الكتاب أيضا: "التجذر" (L'Enracinement) والثاني هو عكس الأول: "الاقتلاع" (Le Déracinement). في هذا العمل تحاول الكاتبة أن تشرح أهمية تجذر الإنسان في البيئة المحيطة به؛ أي الشعور بالانتماء لها كوحدة طبيعية فيه وإلا فإنه سيصاب بحالة اغتراب وضياع مثل شجرة اقتلعت من تربتها الطبيعية لتغرس في تربة غريبة عنها، إما بسبب غزو خارجي يحدث الفوضى أو هجرة لبلاد غريبة أو دخول نظم اقتصادية ومالية تعكر صفو النظام الاجتماعي القائم أو ربما عوامل أخرى. تضرب الكاتبة مثلا بالعمال في المصانع التي لا يمكنهم الشعور بالانتماء لها كما يشعر مثلا المزارع بالانتماء إلى الأرض، هم مجرد أدوات مثلهم مثل الآلات التي تقاسمهم المكان، وبفقدانهم لوظائفهم يتضاعف شعورهم بالاقتلاع والاغتراب.

سنأخذ هذين المفهومين خارج الوسط العمالي الغريب عنا نوعا ما لنقوم بتعميمهما لفهم ظواهر أخرى محيطة بنا تعكس حجم الاقتلاع الذي يعيشه الإنسان المعاصر.

ربما لاحظ كثير من الناس أثناء زيارتهم لبعض القرى والأرياف التي لم تصبها لوثة المدن (بعض الأرياف لا تختلف في شيء عن المدن نتيجة ارتباطها الاقتصادي الكامل بالأخيرة) أخلاق سكانها والروابط بينهم التي قد نتعجب منها، لكن الذي يثير التعجب أكثر من هذا هو انقلاب حال هؤلاء الناس بمجرد دخولهم المدن للعيش فيها، ويزداد الأمر سوءًا مع الجيل الثاني الذي تكثر فيه العلل من سرقة ومخدرات وسوء أخلاق. والسبب في هذا ليس الفقر، فهم ليسوا أقل فقرا من حالهم في القرى بل غالبا ما تكون حالتهم المادية أحسن من ذي قبل، لكن ذلك الاقتلاع الذي حدث لهم من بيئتهم الطبيعية يجعلهم ضائعين في المدن ودون معايير ومرجعيات، ويتطلب منهم الأمر زمنا طويلا ليتجذروا بالقدر الذي تسمح به المدن، إذ إن المدن (خاصة المدن الكبرى) كإسفلتها؛ لا يمكن التجذر فيها كليا. لهذا يظل سكان المدن دائما في حالة اقتلاع ولا يمكنهم الإحساس بالشعور التام بالانتماء لتلك المكعبات الإسمنتية المتراصة. قد يشعرون أحيانا بنوع من الانتماء لإحدى تلك المكعبات لأنها بيوتهم –وإن كان كثير منهم مقتلعا حتى من أسرته ليس له ما يرثه أو ما يورثه من قيم ومبادئ أصيلة أو حتى حِرف تربط الأجيال ببعضها– لكنهم خارجها غرباء تماما عن البيئة وكل من حولهم غريب عنهم ومقتلع مثلهم، لهذا يحتاجون لسلطة باردة لا وجه لها تتمثل في الدولة التي تضع لهم القوانين والشرطة والكاميرات لتردعهم وليعرفوا كيف يتصرفون.

نفس الاقتلاع الذي يجري على أهل الأرياف تجده فيمن اختاروا الهجرة إلى بلدان غريبة، حالهم تشبه حال الحيوانات التي تؤخذ خارج بيئتها الطبيعية لتترك في بيئة أخرى غريبة عنها، والنتيجة إما أن تنقرض لأنها لم تستطع التأقلم مع الظروف الجديدة أو تجد لها طريقا للتكاثر بحيث تعيث فسادا في البيئة الجديدة.
👍15💯4🍓3🔥1👏1
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
يحكى في أساطير كسالى العرب نقلا عن التنويري الأوروبي أن العلمانية هي مجرد نتيجة لممارسات الكنيسة
👍1😁1
عدم اكتراث المعاصرين بالمستقبل لا يقل عن عدم اكتراثهم بالماضي، الشيء الوحيد الذي له قيمة عندهم هو عيش اللحظة الآنية إلى أقصى حد ممكن. الفرد يريد أن يستهلك فورا، الشركات تريد تسجيل أرباح فورا، والسياسي يريد الأصوات فورا، وبالتالي لا يهتم الفرد كثيرا بمصير من سيعيش بعده وهل سيترك لهم شيئا فهو في كل الأحوال ضد فكرة التوريث وإنجاب الأطفال أساسا، والشركات كل ما يهمها هو تحقيق أرباح في السنة الجارية قبل القادمة إن أمكن، والسياسي هدفه أن يُسمع الحشود ما تريد سماعه من حلول فورية غير آبه بعواقب سياساته بعد جيل أو جيلين عندما يكون حتما خارج السلطة. هذا لا يمنع من أن تكون لهم بعض اللفتات نحو الماضي عندما يتعلق الأمر بالصخور والأحجار الصماء التي فقدت صوتها، خاصة إذا كانت تقدم لهم نفعا فوريا أو نوعا من البريستيج، أو تذكر المستقبل –ما لم يعكر صفو حاضرهم ويدفعهم لإعادة النظر فيه كليا– من خلال هاتف صنع غطاءه من مواد أعيد تدويرها أو كيس قابل للذوبان.
وكأن الفتوم النيتشوي قد انتصر، حتى وإن كان هذا النصر بهذا الشكل ما كان ليسعد نيتشه، لكنه انتصر.
👍25👏52
يقال أن خوارزميات فايسبوك أصبحت عشوائية، تدخل إليه فتجد منشورات عن كريمات ترطيب الوجه وأخرى عن أدوات صينية للبذر أو الزريعة، وأحيانا حتى ماكينات لتمشيط القمل، كل هذا يمكن غض الطرف عنه، لكن أن تقترح عليك هذه الخوارزميات المجنونة تنويري من العهد السوفييتي اكتشف نظرية الجندر فهذه وقاحة.
لكن يحسب لهذه اللمبة الكبيرة اتساقها مع نفسها، فهي أفنت حياتها حرفيا في مدح العقل الأوروبي وريث اليونان ولا بد لها أن تستمر إلى أخر المطاف عندما أصبح الرجل والمرأة مجرد بناء اجتماعي، وستنتهي مثل غيرها في طريق التنوير إلى القفز على البيولوجيا لتكتشف الرجل الحامل والمرأة ذات العضو الذكري.
😁39👍104
1
حسّ سليم
Photo
«ما لم أكن مخطئة، فإن فكرة الدولة كموضوع للولاء ظهرت لأول مرة في فرنسا وأوروبا مع ريشيليو. كان بإمكاننا قبله الحديث بنبرة فيها ارتباط ديني أو بالصالح العام أو البلد أو الملك أو السيد [النبيل]. هو أول من اعتمد مبدأ أن كل من يمارس وظيفة عامة يجب أن يدين بولائه الكامل في ممارسة هذه الوظيفة، لا للجمهور ولا للملك، بل للدولة ولا شيء آخر. سيكون من الصعب تعريف الدولة بطريقة دقيقة، لكن للأسف لا يمكننا الشك في أن هذه الكلمة تدل على واقع فعلي.

وقد عرّف ريشيليو، الذي كان يتمتع بذكاء واضح، بعبارات مضيئة هذا الفرق بين الأخلاق والسياسة الذي زُرع حوله الكثير من الالتباس منذ ذلك الحين. لقد قال شيئًا مثل: يجب أن نكون حريصين على عدم تطبيق نفس قواعد خلاص النفس على خلاص الدولة؛ لأن خلاص النفوس يتم في العالم الآخر، بينما خلاص الدول يتم في هذا العالم فقط.

ولكن على الرغم من أن ريشيليو كان يعتقد أنه مسيحي، وبإخلاص بلا شك، إلا أن استنتاجه كان مختلفا تماما. كان على الرجل المسؤول عن إنقاذ الدولة ومرؤوسيه أن يستخدموا جميع الوسائل الفعالة لهذا الغرض، دون أي استثناء، وبالتضحية إذا لزم الأمر بأشخاصهم، والملك، والشعب، والبلدان الأجنبية، و أي نوع من الالتزام.

[...] أدى إخلاصه للدولة إلى اقتلاع فرنسا. كانت سياسته هي القتل المنهجي لكل أشكال الحياة العفوية في البلاد، لمنع أي شيء من معارضة الدولة. وإذا بدا أن عمله في هذا الاتجاه كان له حدود، فذلك لأنه كان في البداية يمضي قدما تدريجيا وبشكل ماهر.

[...] الأعمال الأدبية هنا لا تهم إلا كعلامة، ولكنها علامة لا تخدع. تُظهر لغة كورنيل الذليلة أن ريشيليو أراد استعباد الأرواح نفسها. ليس لشخصه، لأنه ربما كان مخلصاً في نكرانه لذاته، ولكن للدولة التي يمثلها. كان مفهومه للدولة شموليا بالفعل. لقد طبق ذلك قدر استطاعته بإخضاع البلاد إلى أقصى حد تسمح به وسائل عصره لنظام بوليسي. وبذلك دمر جزءاً كبيراً من الحياة الأخلاقية للبلاد. وإذا كانت فرنسا قد خضعت لهذا الاختناق، فذلك لأن النبلاء خيبوا ظنها بحروب أهلية سخيفة وقاسية إلى الحد الذي جعلها توافق على شراء السلم الأهلي مقابل هذا الثمن.»

— سيمون فايل "التجذر"

تعليق:
الكاردينال ريشيليو هو بلا شك أهم سياسي في تاريخ فرنسا وغالبا من أهم السياسيين في تاريخ البشرية، كان رجل دين مسيحي، لكن في نفس الوقت كان رئيس وزراء الملك والحاكم الفعلي للدولة. يرد له الفضل الأهم في بناء الدولة الحديثة المركزية ونقله مفهوم السيادة الكاثوليكية إلى الدولة أو ما وصفه كارل شميت بعلمنة اللاهوت المسيحي. الدولة الحديثة لا تقبل لا هي ولا أدواتها أن تكون السيادة لغيرها سواءً لله أو للملك أو للشعب، هذا لا يعني أنها لا تستطيع أن تلبس لباسا ديني أو ملكي أو ديموقراطي، لكن في جوهرها كل هذه مجرد أدوات لبسط سيادتها وستقفز عليها إن تعارضت مع مصالحها أو ما كان يسميه ريشيليو وقبله مكيافيلي بـ "مصلحة الدولة" La raison d'État، وهذا نسمع بعض السياسيين العرب يردده في جملة "مصلحة الدولة فوق الجميع".
لكن يجب التنبيه أيضا أن كون ريشيليو كان رجل دين لا يتعارض بالمطلق مع منهجه السياسي الذي علمن الدولة كما تعتقد الكاتبة، لأن طبيعة المسيحية في حد ذاتها تسمح بالظهور الحتمي للعلمانية نتيجة فصلها الواضح بين ما هو ديني ودنيوي، لهذا لم تظهر العلمانية صدفة ضمن السياق المسيحي. العلمانية هي الابنة العاقة للمسيحية.
👍30🔥41😍1