حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
ملحوظة: الضجة الإعلامية/السياسية لعدة أيام التي حدثت حول اللاعبة المغربية كانت حتى قبل تأهل المنتخب المغربي ولعبه ضد المنتخب الفرنسي. هذا لتعلم فقط إلى أي مدى "لا يعنيهم" الأمر.
👍21
حسّ سليم
Photo
منذ أيام قليلة فقط أصدرت وزارة التربية الفرنسية تعليمات إلى المدارس بمنع دخول الفتيات وهن يلبسن العباية بدعوى أنه يخالف العلمانية (لا داع لأن يجادل العلماني العربي ومن مثله في علمانية فرنسا فهي من أرضعته إياها). وما تحدث به المعلق الفرنسي الأول في الفيديو السابق أو الصورة أدنى هذا المنشور، يعطيك فكرة عن النفسية الفرنسية التي تتعامل مع كل أشكال الحجاب بهستيرية لا نظير لها في العالم. يعتقد الفرنسيون أن أي امرأة محجبة تمثل حالة أخلاقية أسمى من المرأة الفرنسية العادية، وكأن المحجبة بالنسبة لهم تقول للفرنسية: "أنت ****"، هكذا يفهم الفرنسيون الأمر الذين ما يزالون يحتفظون ببعض أثار الضمير الكاثوليكي في لا وعيهم دون سلوكهم، لهذا نجد أن الشباب الفرنسي الجديد في مجمله أكثر تسامحا مع الحجاب حسب استطلاعات الرأي، بعكس والديه اللذين يشعران بعقدة نقص وبنوع من العار عندما تنزل الأم إلى الشاطئ وهي تلبس البيكيني أو لا شيء تماما ثم تجد أمامها امرأة أخرى تسبح مثلها، لكنها اختارت أن تلبس بذلة تغطي كل جسدها، ستشعر تلك الأم أن تلك رسالة موجهة ضدها، لا مجرد خيار ذاتي.

هناك أمر آخر متعلق بالاختلاف الذي حدث في سلوك الفرنسيين نحو الحجاب.
إلى قبل بضع سنوات فقط لم يكن هذا الهوس الفرنسي بالحجاب بتلك الدرجة الموجودة الآن، حاليا في فرنسا تجد يوميا الإعلام يتحدث عن الحجاب أو أحد أشكاله (بما في ذلك الفساتين والتنانير الطويلة)، بشكل يجعلك تقول لنفسك: "ألا يوجد لهذا البلد أي هم آخر؟"، شيء يفوق الخيال. والسبب يعود إلى أن المحجبة قبل سنوات لم تكن ظاهرة للعيان، كانت المحجبات هن فقط إما راهبات اخترن العزلة عن المجتمع كليا أو جزئيا وينظر إليهن كحالة مثالية خاصة يمكن تجاهلها، أو هن مجرد أمهات قادمات من إحدى قرى دول المغرب العربي، لا يخرجن كثيرا وغالبهن أميات ولا يحسن إلا رعاية البيت والأولاد وبالكاد يتحدثن الفرنسية، وبالتالي كان الفرنسيون يتحملون الأمر من خلال نظرتهم إليهن بنظرة مشفقة بحكم أنهن "مضطهدات" في نظرهم ولا يعرفن الحرية والاستقلال كما تعرفه الفرنسيات. لكن مع قدوم الجيل الثاني والثالث وحتى الرابع من أبناء المهاجرين، ظهر نوع من المحجبات أكثر حداثة ودخولا في الحياة الاجتماعية الفرنسية، فقد أصبحن متعلمات ويحملن شهادات عليا ويرغبن في دخول سوق العمل وبعضهن صحفيات ونقابيات ومحاميات ولا يتركن أي مجال تقريبا سوى الذي تمنعه عنهن الدولة بقوة القانون بدعوى العلمانية وحياد الدولة أو بسبب شروطه الإباحية. هنا بدأت صفارات الإنذار تدوي لأن ذلك الميكانيزم النفسي الذي يعتمد على الشعور بالشفقة نحو تلك المحجبات لم يعد ينفع، وحجة أنهن مجرد نساء مضطهدات ودون شخصية كما يحلو لهم أن يتصوروا لم يعد من الممكن تصديقها، كل هذا أصبح ينظر إليه على أنه تحدي أخلاقي من قبل نساء ترعرعن وسط الثقافة والحضارة الفرنسية ومع ذلك لم ينبهرن بالنسبة لهم بعظمتها ولم يندمجن في طريقة حياتها إلا ضمن حدود معينة. تخيل معي شخصا يأتيك وهو يعتقد بأنه يملك عرضا يستحيل عليك مقاومته ورفضه، عرض هو بالنسبة له الجنة على الأرض، ثم تصدمه في النهاية بـ: لا.
👍176🍓1
لا يمكنك أبدا فهم الحركة النسوية وتحرر المرأة دون فهم حركة تحرر الفرد، لأن ما يسمى تحرر المرأة ما هو سوى حتمية تاريخية ضمن سياق تحرر الفرد بشكل عام بدأت أولا بالرجل ثم تبعته المرأة بنفس الآليات. الرجل هو من تحرر أولا من الهياكل الاجتماعية التقليدية من أسرة وقبيلة ودين وتقاليد ونادى بالمساواة والاستحقاق، وساعده في ذلك المجتمع الصناعي أو شبه الصناعي وتضخم المدن على حساب الأرياف، ثم في لحظة معينة جاءت المرأة وقالت: حان الآن دوري. وبالتالي يكون الوقوف عند الحركة النسوية دون حركة تحرر الأفراد ومساواتهم هو مثل الاهتمام بأعراض المرض دون المرض ذاته، النسوية هي مجرد ثقافة فرعية ضمن حركة تاريخية أوسع بكثير، والذين لا يهتمون سوى بها يمثلون حركة حقوقية أخرى ضمن مجموع الحركات الحقوقية التي تتنافس فيما بينها على الحقوق أمام الهياكل السياسية (الدولة) والاقتصادية الحديثة التي أخذت محل الهياكل التقليدية. لهذا مناقشة إعلان الاستقلال الأمريكي وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكثر أهمية وجدوى من مناقشة معاهدة سيداو مثلا.

كذلك الأمر مع كل الحركات الحقوقية الأخرى مثل الأقليات والشو_اذ وحتى حركة المساواة مع الحيوانات، كل هذا ما كان ليكون ممكنا لولا أننا ضمن سياق أوسع بكثير يضع أحد بديهياته تحرر الفرد والمساواة.
👍132🔥2
وهل سلمنا لك من الأساس بالمساواة المطلقة ودون قيد أو شرط بين البشر لتدعي أنه لا يروق لنا المساواة مع الحيوانات؟

لولا أن داروين هنا ينطلق من فكرة يعتقد أنها من البديهيات القادمة مباشرة من عالم المثل حيث توجد المساواة والحرية، لما وصل حتى إلى مجرد التفكير في المساواة بين البشر والحيوانات، لكن لأنه ابن عصره ويظن أفكار عصره مسلمات استطاع أن يفترض ما قاله.

ملحوظة: المنشور لتوضيح المنشور السابق فقط، وليس للحديث عن داروين أو نظريته، لأن الكثير من المعلقين عادة يعلقون في كل شيء إلا في صلب الموضوع لمجرد حب المشاركة والظهور وكأنها وليمة.
😁8🤣81
لو أن نظريات المؤامرة كانت سلعة لوجدت مكتوباً عليها كلها بلا استثناء "صنع في الغرب" بما في ذلك نظريات المؤامرة التنويرية، وبغض النظر عن صحها من خطئها أو المبالغة فيها.
1
لو تتابع الإعلام الفرنسي وطبيعة النقاش السياسي والاجتماعي فيه لمدة يومين فقط، خاصة مواضيع مثل "كيف نعرف هل تلك الفتاة تلبس فستانا طويلا بدافع ديني أو لا حتى نمنعها؟" أو "ماذا نفعل حيال رفض لاعبي كرة القدم المسلمين الاستحمام دون ملابس داخلية أمام زملائهم؟" سيعطيك هذا مناعة كاملة لمدة ثلاث سنوات على الأقل ضد الخطاب العلماني العربي.

وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام الأنجلوسكسوني الذي سيعطيك أيضا مناعة بنفس القدر ضد الخطاب الليبرالي العربي وهو يناقش مواضيع مثل "يمكن للمرأة أن يكون لها عضو ذكري" أو "الرجل يمكنه أن يحمل".

هكذا مواضيع يستحيل أن تجد علمانيا/ليبرالي يتحدث عنها وينقلها لمن يتابعه ولو من باب إعلامه بطبيعة النقاشات الحالية في العالم لأنه يعلم أن الناس ستقوم بالربط مباشرة وتفهم أن كل هذا هو مآلات أطروحاته، وسيجد عندها نفسه مجبرا على تقديم التبريرات وهو الذي تعود دائما على أن غيره هم من عليهم أن يبرروا أنفسهم أمامه. هذا لا يعني أنه ضد تلك المآلات، بل هو فقط يقدر أنها جرعة زائدة حاليا وقد تأتي بردة فعل عكسية، وإلا فلا مانع له أبدا من أن تستحم امرأة بعضو ذكري دون ملابس داخلية وسط زميلاتها.
👍61
النموذج الفرنسي العلماني هو نموذج شمولي يقوم على إجبار الناس، ومن يعتمد على القهر يبقى دائما متوجس من نوايا الذي يقهرهم، هل رضخوا لقوته عن قناعة أم عن هم فقط يتظاهرون بهذا؟ لهذا تجد النظام الفرنسي العلماني (وكل من قلده) دائما يبحث في النوايا وتفسير سلوك الناس (هذه هي السمة الأساسية في الأنظمة الشمولية)، وفي هذا هو وريث الكاثوليكية التي كانت تعتمد على محاكم التفتيش وتجدها تدقق في أبسط سلوك لدى الناس وتجبر مثلا العائلات المسلمة واليهودية على تعليق لحم الخنزير على أبوابها وتراقب حضورها القداس كل يوم أحد. مشكلة هذا النظام أنه في كثير من الأحيان يخلق ردة فعل معاكسة ويدفع الناس نحو الانغلاق على نفسها، هذا ما يجعله يدخل في لعبة القط والفأر لا تنتهي.

أما النموذج الأنجلوسكسوني الليبرالي فهو أكثر مكرا وفعالية، يعتمد أساسا على الاحتواء والتغيير التدريجي دون الدخول في صدام مباشر مع الناس التي ستكتسب مع الوقت شعورا بالطمأنينة والارتياح معه، وبالتالي يكون انصهارها مسألة وقت فقط، لهذا من السهل مثلا أن تجد مشهدا كالذي في الصورة، لكن يستحيل أن تجد مثله في فرنسا ليس فقط بالنسبة للمسلمين بل والكاثوليك أيضا.
👍81
حسّ سليم
النموذج الفرنسي العلماني هو نموذج شمولي يقوم على إجبار الناس، ومن يعتمد على القهر يبقى دائما متوجس من نوايا الذي يقهرهم، هل رضخوا لقوته عن قناعة أم عن هم فقط يتظاهرون بهذا؟ لهذا تجد النظام الفرنسي العلماني (وكل من قلده) دائما يبحث في النوايا وتفسير سلوك…
النموذج الفرنسي العلماني هو نموذج شمولي يقوم على إجبار الناس، ومن يعتمد على القهر يبقى دائما متوجس من نوايا الذي يقهرهم، هل رضخوا لقوته عن قناعة أم عن هم فقط يتظاهرون بهذا؟ لهذا تجد النظام الفرنسي العلماني (وكل من قلده) دائما يبحث في النوايا وتفسير سلوك الناس (هذه هي السمة الأساسية في الأنظمة الشمولية)، وفي هذا هو وريث الكاثوليكية التي كانت تعتمد على محاكم التفتيش وتجدها تدقق في أبسط سلوك لدى الناس وتجبر مثلا العائلات المسلمة واليهودية على تعليق لحم الخنزير على أبوابها وتراقب حضورها القداس كل يوم أحد. مشكلة هذا النظام أنه في كثير من الأحيان يخلق ردة فعل معاكسة ويدفع الناس نحو الانغلاق على نفسها، هذا ما يجعله يدخل في لعبة القط والفأر لا تنتهي.

أما النموذج الأنجلوسكسوني الليبرالي فهو أكثر مكرا وفعالية، يعتمد أساسا على الاحتواء والتغيير التدريجي دون الدخول في صدام مباشر مع الناس التي ستكتسب مع الوقت شعورا بالطمأنينة والارتياح معه، وبالتالي يكون انصهارها مسألة وقت فقط، لهذا من السهل مثلا أن تجد مشهدا كالذي في الصورة، لكن يستحيل أن تجد مثله في فرنسا ليس فقط بالنسبة للمسلمين بل والكاثوليك أيضا.
1
2
حسّ سليم
Photo
في عيد الأضحى الماضي حدثت ضجة لا أول ولا أخر لها في فرنسا بسبب تغيب أطفال المسلمين عن المدارس (نتحدث هنا عن مواطنين منذ عدة أجيال)، كانت هيستريا يصعب على من لم يتابعها أن يصدق حدوثها في أوروبا بناءً على ما يتصوره سلفا عن أوروبا، رغم أن غيابهم قانوني تماما وليست هذه أول سنة يحدث فيها هذا بل هكذا هو الحال منذ عدة عقود. ومن أكثر التعليقات التي تكررت هي التي تتحدث عن مؤامرة ورغبة هؤلاء المسلمين في تغيير هوية فرنسا وفرض الاحتفال بالأعياد الإسلامية على الجميع وجعلها أيام عطل رسمية، ويتسائل كثيرون هل يمكن مثلا لمسيحي الاحتفال بعيد الميلاد في بلد إسلامي؟ بالطبع هذا بالنسبة لهم مستحيل (جهل المواطن الغربي بالعالم يتجاوز جهل أي مواطن في العالم بالغرب).

هذا الكلام ولد عندي فضول لمعرفة كم عدد البلدان الإسلامية التي تعتبر عيد الميلاد عطلة رسمية للجميع، والنتيجة كانت أنه لا يوجد بلد مسلم واحد يضم أقلية مسيحية معتبرة أو حتى غير معتبرة أحيانا إلا وكان يعتبر عيد الميلاد عطلة رسمية (سوريا، الأردن، العراق، فلسطين، مصر، إندونيسيا، ماليزيا، مالي، النيجر.. إلخ)، أما البقية فغالبهم يحتفلون به بشكل غير رسمي رغم عدم وجود المسيحيين (من حيث هذا فالخارطة غير دقيقة تماما، الاحتفال غير الرسمي أوسع بكثير). ربما بلد مسلم واحد فقط لا يعترف بعيد الميلاد كعطلة رسمية رغم وجود مواطنين مسيحيين بنسبة معتبرة هو تركيا. وهذا قد يبدو غريبا بالنسبة للبعض، كيف لهذا البلد السباق في العلمانية في العالم الإسلامي أن يفعل هذا رغم أنه يعتمد الأعياد الدينية الإسلامية، أين التسامح، أين التعددية؟ ستزول هذه الغرابة عندما تفهم طبيعة الدولة الحديثة وبالتحديد نسختها اليعقوبية (Jacobinisme)، لأن تركيا الأتاتوركية هي دولة نسخة طبق الأصل من الدولة الفرنسية اليعقوبية التي تفرض دائما نموذجا موحدا على كل المواطنين في كل جوانب الحياة، هذا النوع من الدول حتى عندما يتبنى نموذجا دينيا فلن يقبل إلا بدين واحد وربما بمذهب واحد.
في المقابل ليس هناك بلد غربي واحد يعتبر الأعياد الإسلامية عطلا عامة، بما في ذلك البلدان التي تضم عددا معتبرا من المواطنين المسلمين، وكلما اقترح ذلك أحد تقوم عليه الدنيا ولا تقعد وتعلوا صيحات لحماية الهوية الأوروبية. هذا يبين إلى أي حد صدق العالم كثيرا من الشعارات الغربية وعمل بها بكل إخلاص في حين أن الغرب نفسه التي يقدم كثيرا الدروس الأخلاقية حولها هو أكثر من يتجاهلها.

ملحوظة: الجميل أن إ س ر ا ئـ يل التي تصنف مع دول العالم الحر والديموقراطية الوحيدة في المنطقة لا تعترف لا بأعياد المسيحيين ولا بأعياد المسلمين رغم وجودهم المعتبر كمواطنين.
👍114
حسّ سليم
Photo
إذا وضعنا جانبا الولايات المتحدة سنجد أن اليسار الليبرالي في حالة تدهور مستمرة في كل مكان تقريبا، هذا لا يعني تراجع إرث اليسار الليبرالي وما حققه، بل تراجعه كتيار سياسي فاعل. السبب هو أن كل الأسس التي قام عليها هذا اليسار آخذةٌ بالتفكك وما هي إلا مسألة وقت لتجتاح الأحزاب اليمينية كل المجال السياسي خاصة في أوروبا وبالتبعية سيلحقها من لم يسبقها إلى ذلك.

كان العصر الذهبي لهذا اليسار الليبرالي هو ما يعرف بـ "الثلاثين المجيدة" [1945-1975] عندما عاش الاقتصاد الأوروبي أزهى عصوره عبر تاريخه وتاريخ البشرية كلها وتصاعد النمو الديموغرافي بفضل طفرة المواليد Baby boomers بعد الحرب العالمية. هذا الازدهار غير المسبوق جعل الناس تتزاحم خلف اليسار الليبرالي الذي شكل مصدر إغراء كبير لهم بسبب مناداته بفتح كل أبواب المتعة والحريات الفردية والاستهلاك وحرية التعبير بلا حدود. لكن كل هذا لم يعد ممكنا مثل السابق بسبب التراجع الاقتصادي وحالة التدهور الديموغرافي، وفي هكذا حالة يمكنك أن تدعو للمتعة والحريات كما تشاء لكن ما لم يوجد واقع اقتصادي يدعمها فستكون مثل وكالة سياحية تدعو الناس في الأحياء الفقيرة لتمضية العطلة في موناكو أو إيبيزا [هنا تفهم لماذا سيظل الليبرالي العربي منفصلا عن الواقع ولا حاضنة له سوى البرجوازية]

لكن الأمر لا يتوقف هنا، فطبيعة اليسار الليبرالي في حد ذاتها تغيرت. وإذا أغفلت قضايا الملونين- وإن كان اليسار يسلط عليها كل الأضواء إلا أن الناس العاديين لا يكترثون بها كثيرا- ستجد أن هذا اليسار أصبح يمثل أكثر من غيره "القيود" بدل الحريات سواءً بسبب قضية البيئة التي تعني دفع الناس نحو التقشف وترك الاستهلاك [لن تكون الناس سعيدة بهذا أبدا] أو بسبب "الصوابية السياسية" التي أصبحت تمثل القيد الأساسي على حرية التعبير، بالإضافة إلى حالة الردة التي يقودها اليسار الليبرالي ضد أحد أهم منتجاته في الستينيات: "الثورة الجنسية" من خلال حملاته الشديدة ضد الأعراض الجانبية لتلك الثورة: التحرش والاغتصاب وتسليع المرأة والدعارة.

يضاف إلى كل هذا انحطاط في مستوى اليسار بشكل عام فيما يتعلق بالأفراد [هذا ليس حكرا على اليسار] حيث يسهل ملاحظة تدني نوعية الكتاب والمفكرين اليساريين بسبب وقوع اليساريين عموما في العدمية ودخولهم في حالة عدم اكتراث بتغيير الواقع كعادتهم بعد انهيار كل السرديات اليسارية التي كانت تناضل من أجل العدالة الاجتماعية والفقراء والحريات الواحدة تلو الأخرى أمام الرأسمالية المعولمة. واليسار كحركة تقدمية يقتلها السكون وما لم تجد ما تناضل من أجله ويمنح الناس أملا في مستقبل وحاضر أفضل فإنها تنهار تلقائيا. لم يبقَ في جعبة اليسار سوى البيئة والملونين ليظل رأسه فوق الماء ليتنفس، وهاتان القضيتان لا تغذيان أحلام الحشود باستثناء بعض المراهقات. هذا التدهور في النخبة اليسارية هو ما فتح الباب أمام السياسيين والمفكرين اليمينيين للعودة إلى المشهد تدريجيا وتصدره.

أما في الولايات المتحدة فالأمر مختلف نوعا ما بسبب طبيعة الصراع السياسي ذي الطابع العرقي بالدرجة الأولى، الحزب الجمهوري يعتمد أساسا على صوت البيض، أما الحزب الديموقراطي فيعتمد بشكل كبير على أصوات المجموعات العرقية غير البيضاء (40٪؜) الذين تزداد أعدادهم بسبب الهجرة وقلة إنجاب البيض، مما يعني أن الحزب الديموقراطي سيبقى في حالة صعود.

ومرة أخرى، تراجع اليسار الليبرالي سياسيا لا يعني أبدا أن اليمين سيراجع إرث اليسار بل سيحافظ على أغلب إرثه كما هو وسيحتاج لحقنة قوية جدا في العضل ليعيد التفكير جذريا في ذلك، خاصة وأنه بحاجة لاستعمال الإرث اليساري كأداة ضد المسلمين والمهاجرين في أوروبا.
👍131
1
حسّ سليم
Photo
فقط للإجابة عن سؤال هل هناك دول أوروبية تمنع الدعارة؟ فالبعض يعتقد أنها شيء عادي هناك في كل الدول.
كما هو مبين في الصورة، الدول ذات اللون الأحمر والزهري كلها تحظر الدعارة لكن بشكل مختلف، والأهم من ذلك بدوافع مختلف.
الدول باللون الأحمر هي دول شرق أوروبا التقليدية نوعا ما من حيث التاريخ التفكير، هذه الدول تحظر بيع الجنس انطلاقا من فكرة معاقبة بائع المخدرات لا من يتعاطاها، وبالتالي تعاقب المومس لا الزبون.
أما الدول باللون الزهري وهي النرويج والسويد وأيرلندا وفرنسا وأيسلندا وحتى كندا (هذا الأمر تزداد المطالبة به)، هذه الدول تحظر شراء الجنس، وبالتالي تعاقب الزبون دون المومس، والسبب في هذا هو انطلاقها من فكرة نسوية تعتبر المرأة كائن ضحية بطبيعته ولا يمكن إلا أن يكون كذلك، وبالتالي إذا اشتغلت امرأة بالدعارة فلأنها مجبرة على ذلك، وبما أن هناك ضحية بطبيعتها فلا بد من جلاد بطبيعته، والجلاد هنا هو الزبون الذي يجبرها على البغاء من خلال اغرائها بالمال. هذا الأمر شبيه بجريمة "التغرير بقاصر" Corruption of Minors التي تعتبر القاصر ضحية بطبيعته والبالغ هو الجاني بطبيعته حتى دون استعمال التهديد أو العنف، وهذا لمن يدقق في الخطاب النسوي يعطيه فكرة عن نظرة هذا الخطاب للمرأة على أنها شخص قاصر وفاقد للأهلية بسبب نوع جنسه وبالتالي عاجز عن تحمل المسؤولية والاختيار بنفسه، لكن بعكس القاصر بسبب السن يتمتع بكل الحقوق.

مع العلم أن من ناضل في الأساس خلال الستينيات من أجل السماح بالدعارة هي الحركة النسوية بدعوى أن منعها سببه المجتمع الأبوي واضطهاد المرأة، وحاليا تسعى نفس الحركة لمنعها لنفس الأسباب. لا تحاول أن تفهم فهي لم توجد لتُفهم
👍123
1
حسّ سليم
Photo
الانغماس في نظريات المؤامرة ليس مجرد وجهة نظر عادية بل حالة نفسية تكاد تصل إلى المرض العقلي الذي يمنع الذهن من التفكير بطريقة سليمة للتعامل مع الواقع بشكل منطقي، وحاليا وصلنا إلى قمة هذه الحالة عندما أصبحت حتى الكوارث الطبيعية هي نتاج مؤامرة، الزلازل (وحتى حرائق الغابات أحيانا) لم تعد ظاهرة طبيعية بل نتيجة عمل مقصود تقف خلفه قوى معادية، والمشكلة أن هذا التفكير المؤامراتي لا يقتصر فقط على عوام الناس وأحاديثهم في المقاهي بل تجده كثيرا حتى لدى أرفع المسؤولين في تعاملهم مع الأزمات وأكثر النخب الثقافية تنويرا في تفسيرها للتاريخ وما لا يعجبها من الحاضر، وكأن ذهنية المحقق ورجل المخابرات (هاتين الوظيفتين لا معنى لوجودهما لو لم تكونا كذلك) أصبحت هي الحالة السائدة بين الناس لتفسير كل ما حولهم.

طبعا لو يتوقف الحديث هنا سيقولون لك بأنك مجرد ساذج لأنك تنفي وجود مؤامرات، والحقيقة التي لا يجدي كثيرا ذكرها لهم، أن ما سبق ليس فيه أي إنكار لوجود مؤامرات أو قوى وحركات سرية كان لها دور فاعل في التاريخ وبعضها ما يزال موجودا.
التاريخ البشري مليء بالمؤامرات وما تزال موجودة وستظل، لكن هناك فرق شاسع بين أن تقول بوجود مؤامرات في التاريخ وأن تقول بأن حركة التاريخ في حد ذاتها مؤامرة وتمشي وفق برنامج معد سلفا، وكلما وقع حدث غير مرغوب فيه تعيد ذلك لوجود أناس خططوا في السر لها دون أن تملك أدنى دليل أو حتى مؤشرات قوية على ذلك، أحيانا لمجرد أن جهة ما قد استفادت منه فذلك يعني حتما أنها هي من تقف خلفه، في حين أن العالم مليء بالضباع التي تقتات على الجثث، وإذا في كل مرة ترى فيها ضباعا تأكل من جثة ما حملتها مسؤولية موتها فسوف تنفي من الأساس وجود موت طبيعي، وهذا ما يحدث مع من يعتقد أن الزلازل هي مؤامرة، هؤلاء أناس لا يختلفون كثيرا عن العقائد المثنوية التي تتحدث عن وجود إلهين أحدهما إله خير منفصل عن العالم وإله الشر الذي بيده كل السلطة على العالم، دون هذا لن يكون العالم منطقيا في نظرهم، لا بد بالنسبة لهم من وجود قوة أرضية مطلقة تتحكم بكل شيء ولا ينالها تعب ولا تقع في الخطأ أو الحماقة، وبالتالي لا حل سوى انتظار معجزة إلهية لتخرق قوانين العالم.

لو كانت هناك قوة تستطيع تحريك العالم كما يعتقد هؤلاء المنغمسون في نظريات المؤامرة لما انهارت إمبراطوريات مثل بريطانيا ولا رأينا قوى عظمى مثل الولايات المتحدة ترتكب الحماقات الواحدة تلو الأخرى، لأن العالم ليس كوكب زمردة وكل شيء فيه واضح ومعلن كما يحلو لإعلام mainstream تقديمه ولا هو تحت رحمة قوة تمسك بخيوط كل شيء بما في ذلك الحركات التكتونية.
4👏2
1
الاقتصاد المعاصر قائم على فكرة النمو، بمعنى أنه بحاجة دائمة للتوسع أكثر فأكثر وإلا يدخل في حالة ركود. ولتحقيق هذا النمو أمامه طريقان، إما البحث عن أسواق جديدة ومستهلكين جدد (وهذا لم يعد بالأمر السهل)، أو استغلال الأسواق التي سبق وقد وصلت إلى مرحلة الإشباع من خلال خلق الحاجة لدى المستهلك بدل الاكتفاء بتلبيتها أي تقديم أشياء ما كانت لتخطر ربما على بال المستهلك وجعلها حاجة ضرورية بالنسبة له ولا بد من اقتنائها.
لكن مشكلة خلق الحاجة أنها بحاجة للتجديد والابتكار (innovation) بشكل دائم لتستطيع اقناع المستهلك، والابتكار البشري بطبيعته محدود (خاصة في قطاع التكنولوجيا) إما بسبب محدودية المعرفة (تقريبا منذ الستينيات لم تظهر معرفة نظرية جديدة وكل ما نراه هو مجرد تطبيق عملي لما سبق) أو بمحدودية الموارد (خاصة الطاقة والمعادن) التي يحتاجها الابتكار ليحافظ على وتيرة النمو الاقتصادي.

هذه المحدودية في الابتكار بدأت تظهر لدى شركات الهواتف الذكية التي أصبحت تتنافس فقط حول تحسينات ثانوية بسبب وصولها إلى مرحلة لم تعد تملك فيها الكثير من الابتكارات التي تبهر بها المستهلك، وبعضها تجدها تماطل في اطلاق الخصائص الجديدة ليكون بوسعها الاحتفاظ بها إلى الاصدارات القادمة، لكن مهما فعلت فهي فقط تؤجل وقوع ما هو محتوم، وحتى لو تحسنت مثلا أشباه الموصلات وأصبحت أصغر، وغدت البطاريات أكثر كفاءة، وأستعمل الذكاء الاصطناعي، وربما يصل الأمر إلى الحواسيب الكمومية وكل ما يمكنك تخيله وعدم تخيله، فإن الأمر سينتهي لا محالة إلى جدار، لأن طبيعة الاقتصاد المعاصر الذي يفترض لامحدودية المعرفة والموارد (النمو) إلى ما لانهاية، مخالفة لكل منطق رياضي وفيزيائي.
👍145