حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
بخلاف ما يحب أن يعتقده الحداثيون فإن التحديث عملية مناقضة للتعددية وتسعى دون توقف إلى تقليصها، سواء على مستوى البشرية كلها من خلال العولمة التي تكسر الحواجز الثقافية بين الشعوب أو على مستوى النطاق السياسي الواحد. وهذا عائد لكون بناء الدولة الحديثة في جوهره يعتمد على عملية اصطفاء لكل جوانب حياة السكان المتعلقة بالدين والمذهب أو اللغة أو العادات والتقاليد أو الأيديولوجيا السياسية والثقافية؛ أي أن إنشاء الدولة الحديثة مرتبط بالحد من الاختلافات بين السكان وجعلهم وحدة واحد إلى أقصى قدر ممكن بغية تحقيق بناء اجتماعي موحد ومتجانس يخضع لنظام وقانون موحدين.
إذا نظرنا إلى العالم الحالي سنجد أن التعددية في العالم من حيث اللغات والأديان والمذاهب والثقافات أقل بكثير منه في عالم القرون الوسطى رغم أن عدد السكان قد تضاعف بأكثر من عشر مرات. من حيث اللغات مثلا سنجد أن الطبيعي لدى البشر قبل الحداثة هو السير نحو مزيد من التعدد اللغوي، لكن اليوم حسب اليونيسكو هناك لغة تنقرض كل 15 يوما، بالإضافة إلى أكثر من 4600 لغة مهددة بالانقراض. يعزى هذا إلى التنافس الذي تفرضه الحداثة على اللغات فلا تبقي منها إلا الأقدر على المنافسة، وربما سينتهي الأمر إلى تغلب لغة واحدة لدى كل البشرية في حال استمرار النسق الحداثي كما هو لعدة قرون.

في ضوء ما سبق فقط يمكنك إدراك مدى عبثية الجدالات التي لا تنتج سوى عداوة مجانية بين أنصار اللغة العربية وأنصار اللغة أو اللغات الأمازيغية في الدول المغاربية. فالفريق الأول مصاب بحالة رهاب من ظاهرة لا يمكنها التأثير على مكانة لغتهم كما يتصورون، والفريق الثاني يعيش في عالم موازٍ يريد فيه التهام ما هو أكبر بكثير مما تسعه بطنه، لأن اللغة الأمازيغية لا يمكنها بأي حال من الأحوال منافسة اللغة العربية ضمن هذا السباق الحداثي نظرا لأن هذه الأخيرة تملك إرثا أدبيا ونحويا وتعليميا وإداريا كبيرا مع ماكينة إعلامية وسياسية ضخمة. في حين أن الأمازيغية لا تملك حتى عشر كل ذلك، (هذه هي الحقيقة حتى لو كانت قاسية على البعض). أضف إلى ذلك عاملا بالغ الأهمية وهو الارتباط العضوي بين اللغة العربية ودين يعتنقه أكثر من مليار ونصف إنسان. وبالتالي فإن تلك المخاوف من أن تهز اللغة الأمازيغية "عرش" اللغة العربية هو ضرب من الجنون والبارانويا غير المبررة لأن اللغة العربية واللغة الأمازيغية —إذا استعملنا التقسيمات الكروية— تلعبان ضمن دوريات مختلفة تماما ولا يمكن أن تجتمعا في أي مباراة. وعليه ليس عدلا وضع اللغة العربية أمام لغة أخرى لا تستطيع حتى الدفاع عن نفسها بنفسها وتضطر لإيصال صوتها إلى استعمال اللغة الفرنسية أو العربية في كتابات المدافعين عنها. الأمر أشبه بأن تجد مثلا أعضاء الأكاديمية الفرنسية يكتبون باللغة الألمانية أو أعضاء مجمع اللغة العربية يؤلفون باللغة الفارسية.

وهنا يجب أن يضع أنصار اللغة الأمازيغية اللوم على أنفسهم بدل ما يسمونه التعريب الذي حملوه كل أوزارهم لأن التعريب الذي يتحدثون عنه ما هو سوى انعكاس لعملية التحديث التي كانوا هم أنفسهم في مقدمة المدافعين عنها. وحتى لو كان في السلطة أحد أشد أنصار الأمازيغية ما كان ليغير كثيرا مما حدث لأنه يستحيل أن تعاكس حتمية تاريخية جاءت ضمن نسق أنت أول من يدافع عنه. كما أن أنصار الأمازيغية لم ينتبهوا إلى الفخ الذي نصبته لهم الدولة ووقعوا فيه وهم سعداء ومنتشون به وكأنه انتصار عظيم لهم عندما اعترفت باللغة الأمازيغية كلغة وطنية. هذا الترسيم الذي يحتفون به لا يتجاوز كونه إعلان وفاة لأي مشروع مستقبلي للغة الأمازيغية التي كانت ستحتفظ ببعض الأمل في الاستمرار والبقاء وحتى التطور في هذا العالم الحداثي لو ظلت جهوية دون تعميم، لكن الدولة الحديثة ذات النزعة اليعقوبية ما كانت لترضى بترسيمها جهويا فهي ترى ذلك تهديدا لوحدتها وسيادتها وتفضل تعميمها وطنيا في كل مكان من حيث الشكل لترتاح من صداع أصحابها وتحيدهم كحراك سياسي بعد أن أدركت بأن تحقيق كل مطالبهم لا يكلفها الكثير بل وعلى العكس يمنحها القدرة على لعب دور راعي الثقافة الأمازيغية (الأمر فيه أيضا نوع من التنافس بين الدول المغاربية، فكل واحدة تريد أن تنتزع من الأخرى الأسبقية).
أما أنصار اللغة العربية فهم ضحايا لجهلهم بالحداثة والدولة الحديثة ولو علموا حقيقتها لاكتفوا بالمشاهدة والتصفيق لخصومهم المفترضين الذين دفعهم تسرعهم وحماستهم المبالغ فيها للوقوع في كل الأخطاء التي يمكن الوقوع فيها بطريقة لو كانت متعمدة لما ارتكبوها.
👍105👎1🤯1
حسّ سليم
Photo
كل البشر بحاجة للشعور بالانتماء والانحياز لمجموعة ما لاشتراكهم معها في بعض العناصر التي قد تكون الدين أو القومية أو القبلية أو شيء آخر، وهذا نسميه عادة بـ "العصبية" التي يستحيل تأسيس مجتمع بشري قادر على البقاء والاستمرارية دونها. لا تتضمن العصبية عنصرا واحدا بالضرورة، فقد تكون عصبية مركبة من أكثر من عنصر يرتبها الإنسان وفق أولوياته والسياق المحيط به. ومن النادر أن تجد أناسا يتعصبون لانتماء واحد بشكل مطلق لأن طبيعة الإنسان ومصالحه كفرد مركبة وتتداخل فيما بينها. هذا هو الواقع كما كان دائما وكما سيكون بغض النظر عن أي تصور مثالي قد تختاره.

في أوروبا قديما كان الانتماء للدين (الكاثوليكية أو البروتسنتية) هو العنصر الأساسي في بناء المجتمع والرابطة الأولى بين الأفراد، لكن بعد الحروب الدينية ارتفعت الأصوات ضد هذه الرابطة بدعوى أنها السبب وراء كل الدمار الذي وقع وأنها هي أصل كل الشرور لدى الإنسان ولا بد من التخلص منها للحصول على مجتمع متجانس و"سعيد". فكانت النتيجة هي عصر التنوير وتحييد الدين في الشؤون العامة إلى حد كبير (العلمانية). لكن التخلص من عصبية ما لا يعني التخلص من العصبية بالمطلق بل تعويض واحدة بأخرى. لهذا سنجد أن مفكري عصر التنوير الذين ناضلوا ضد البناء الديني هم أنفسهم أول من نظر للبناء العرقي والقومي وهم أول من وضع تصنيفا هرميا للأعراق فكان القرن التاسع عشر مهووسا بالبحوث حول تصنيف الشعوب وتدوين خصائصها ومميزاتها العرقية، إلى أن انتهى الأمر إلى التطهير العرقي الذي وصل ذروته أوروبيا في الحرب العالمية الثانية ليقال مرة أخرى أن هذه الرابطة العرقية هي السبب وراء كل الدمار الذي وقع وهي أصل كل الشرور لدى الإنسان. ومرة أخرى لا يُتخلص من عصبية إلا بأخرى فعاد الدين من جديد، لكن ليس الدين المسيحي التقليدي كما نعرفه (وإن كانت قريبا جدا منه) بل الأيديولوجيات المختلفة التي أصبحت في أيامنا تمثل العصبية الأساسية (باستثناء بعض الحركات اليمينية).

في عالمنا العربي والإسلامي عموما ستجد أن نفس الآليات قد استُخدمت؛ فكل من تحدث عن تجاوز أي عصبية دينية انتهى به المطاف بشكل أو بآخر إلى عصبية عرقية أو أيديولوجية رغم أن خطابهم في الأساس كان يعتمد على انتقاد فكرة العصبية في حد ذاتها التي في الدين، وهم بهذا يطلبون المستحيل ويضعون أنفسهم في مواقف متناقضة. فتجد الكثير منهم يحمل بيمينه راية مناهضة لعصبية الدين بدعوى الوحدة والسلم وبيده الأخرى يحمل راية قومية في بلدان بعضها لم تعرف صراعا دينيا مهما بسبب التجانس الديني فيها، فيعوض بذلك حالة من عدم الصراع الديني بصراع قومي وعرقي [ذكاء استثنائي منهم]، والسبب الذي يجعلهم بهذا الذكاء هو هوسهم الدائم باستنساخ التجربة الأوروبية التي يعتقدون أنها التجربة الكونية والإنسانية الوحيدة والصالحة لكل زمان ومكان.
👍121
من الأشياء المستفزة لي في مواقع التواصل هي طريقة حديث بعض عرب المشرق عن الأمازيغ وتساهلهم في الانتقاص منهم وكأن الأمازيغ هم مجموعة من المناضلين القوميين الذي لا هم لهم سوى معاداة العرب والعربية وربما حتى الإسلام، وهذا النوع موجود فعلا كما يوجد مقابله أيضا، لكن في الواقع الأمور ليست بهذه الحدية والأغلبية الساحقة من العرب والأمازيغ هم أناس عاديون لا يهتمون كثيرا بهذه المواضيع إلا نادرا ولا يوجد هذا العداء بين العرب والأمازيغ كما يتصور ذلك المشارقة، ولو زاروا الجزائر أو المغرب وحيدوا سمعهم لما وجودوا فرقا يذكر بين العرب والأمازيغ أو أي حساسية حقيقية بينهم تتعدى تلك السخرية التي تطلقها كل منطقة على المناطق الأخرى كما يفعل ذلك كل البشر في العالم، لكن المشكلة في مواقع التواصل أنها بطبيعتها لا تظهر سوى المواقف الحدية وما يثير الجدل.
لا أقول هذا من باب لا تتدخلوا فيما لا يعنيكم كما يقول ذلك البعض إذا تحدث أحد عن دولهم أو ما شابه ذلك، لكن القصد هو أن لا تأخذ موقفا حديا من موضوع أنت لا تدرك كل أبعاده، فإن كان ولابد من الحديث عن القضية الأمازيغية فلا تتجاوز في حديثك المناضلين الأمازيغيين أو ما يسمى البربريست.
وهذا الكلام ينطبق حتى على المغاربيين الذين لا يتفهمون طبيعة العلاقة بين المشارقة والأقليات الدينية والطائفية في المشرق بسبب التجانس الديني والمذهبي لدى المغاربيين.

وعلى فكرة، حتى داخل الجزائر نفسها مثلا ستجد أن المناطق التي تخلوا من الأمازيغ تكثر فيها المواقف الحادة منهم، وفي المناطق التي تخلوا من العرب تجد الأمر نفسه، لكن إذا اتجهت نحو المناطق المختلطة أو المدن الكبرى ستجد هذه مواقف شبه منعدمة لأن من طبيعة البشر تقليلهم للعداوات عند الاختلاط، فمن الصعب على الإنسان أخذ موقف سلبي من جاره وصديقه وزميله وربما زوجته وأهلها.
👍121👎1😍1
السمكة في البحر التي لا تعي أنها تسبح في الماء، كذلك الإنسان في عصره، من صعب عليه إدراك أنه يفكر ويقدر الأمور بمنطق عصره فهو يبدو له من البديهيات.
لهذا تجد صنفين من الناس لا يدركان حجم التناقض عندهم. صنف ضد الحداثة وهو صادق في ذلك، وفي نفس الوقت ضد التعددية، وهو في هذا حداثي. وصنف مع التعددية وينادي بها كثيرا، وفي نفس الوقت يكافح من أجل الحداثة، وهو في هذا ضد التعددية.
👍101💯1🤨1
منذ بضعة شهور تقدم شاب من الأقارب بملف هجرة إلى مقاطعة الكبيك في كندا من أجل الدراسة، لكن طلبه قوبل بالرفض مع أن ملفه مطابق نظريا لكل شروط القبول.
هذا القريب كان يجهل تماما طبيعة السياسة الداخلية في مقاطعة الكبيك التي تملك حق قبول أو رفض الملف، لم يكن على دراية بهوس هذه المقاطعة اللغوي بحكم أنها مقاطعة فرانكوفونية وتعيش تحت هاجس اندثار لغتها الرسمية أمام قوة اللغة الإنجليزية وفي نزاع دائم مع الحكومة الفدرالية. لذلك لا تقبل إلا المهاجرين الفرانكوفونيين أو من يحسنون التحدث بالفرنسية على الأقل. لكن قريبي الشاب وبسبب تذاكيه المعتاد وحبه إظهار إنجليزيته كتب في خانة اللغة الثانية "الإنجليزية" ظنا منه أنها تعينه أكثر مع أنه يجيد الفرنسية كذلك.

بعد أن رفض طلبه، أعاد مباشرة تقديم نفس الملف ولم يغير فيه أي شيء باستثناء خانة اللغة، وكان الرد هذه المرة هو القبول. لا يمكننا أن نجزم قطعا أن هذا الاختلاف هو السبب في الرفض أول مرة ثم القبول في المرة الثانية، لكن هذا هو ظاهر الأمر الذي يتوافق تماما مع نهج مقاطعة الكبيك.

الغاية من هذه القصة أننا نتحدث هنا عن كندا، هذه الدولة هي رمز التعددية في العالم ورئيس وزرائها "ترودو" معروف عنه أنه أكثر الشخصيات السياسية إيمانا بالتعددية في العالم، لم يبقَ إلا الزواج لم يعدد فيه. لكن مع ذلك تعيش إحدى مقاطعاته تحت وطأة خوف دائم من زوال ثقافتها ولغتها رغم أن لغتها ليست بالشيء الهين وهي من أهم لغات العالم وتملك تراثا عريقا فعلا، ومن يعرفها ويعرف الإنجليزية يدرك أنها لغة أرقى من الإنجليزية الأكثر بساطة وعامية منها، لكن الإنجليزية هي لغة عصرها لأنه عصر خاضع لسلطة وقوة أصحابها.

خلاصة الكلام، عندما تسمع الحداثيين والليبراليين والعلمانيين (اليسار) يتحدثون عن التعددية فيجب أن تبحث أولا عن "ماذا يقصدون بالتعددية؟"؛ هل هي تعدد الثقافات بكل ما تتضمنه من عناصر الدين واللغة والتقاليد والأعراف؟ الجواب لا، ستكون مخطئا لو اعتقدت ذلك. المقصود بالتعددية في لغة الليبراليين تعددية الأفراد؛ أي أن يكون الفرد ما يشاء نظريا، والفرد أضعف وأتفه من أن يخلق أي تعددية، فبعد تحريره من قيود ثقافته وتقاليده سيقف عاريا أمام الدولة الإله التي ستشكله كالعجينة وفق نموذج موحد يظن الأفراد الخاضعون له أنهم أحرار لأن أبواب المتعة والهيدونية مفتوحة لهم لفعل أي شيء في حين أنهم كالخراف يعيشون تحت رحمة الراعي الذي يوجههم كما يشاء وهم سعداء بذلك لقاء الكلأ الذي سينالونه.
وبالتالي ينبغي عليك ألّا تسلّم للحداثة ما تدعيه لنفسها من تعددية وتدرك أنها نقيض التعددية تماما، إلا إذا كان المقصود بالتعددية الملونين وما شابه ذلك أو بعض المظاهر الاحتفالية والفلكلورية. ما عدا ذلك فالحداثة لا تطيق رائحة التعددية وتميل للنموذج الواحد في كل شيء بسبب هوسها بالمساواة.
👍153💯2
حسّ سليم
Photo
«عندما قررت اليونسكو في عام 1947 إصدار إعلان عالمي جديد لحقوق الإنسان – وهو الإعلان ذاته الذي كان من المقرر أن تعلنه الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً في 10 ديسمبر 1948 – تعهد قادتها بإجراء تحقيق أولي شامل. بمبادرة من "إليانور روزفلت" على وجه الخصوص، تم تشكيل لجنة دولية لجمع آراء عدد معين من "السلطات الأخلاقية". وهكذا طُلب من حوالي 150 مثقفاً من جميع البلدان تحديد الأساس الفلسفي لشرعة الحقوق الجديدة. انتهى هذا المسار بالفشل، وكان على من دعوا إليه أن يقتصروا على تسجيل اختلافات لا يمكن التوفيق بينها بين الأجوبة التي تم الحصول عليها. وبما أنه لم يتم التوصل إلى اتفاق، فقد قررت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة عدم نشر نتائج هذا التحقيق.

في رده على ذلك أظهر "جاك ماريتين" أنه ليس لديه أي أوهام حول الموضوع، مُعلناً أنه فيما يتعلق بحقوق الإنسان: "من الممكن التوصل لاتفاق عملي، أما الاتفاق النظري فهو مستحيل بين العقول". لكن من الواضح أنه من الصعب الحديث عن حقوق الإنسان دون تصور دقيق للإنسان المفترض أنه صاحب هذه الحقوق. ومع ذلك، لم يتم التوصل إلى توافق في الآراء بشأن هذه النقطة. لقد فشلنا في التوصل إلى اتفاق، لذلك قررنا التخلي عن تبرير ما نريد تأكيده. كتب مؤلفو الإعلان العالمي النص بصيغة توافقية لا تتوافق مع الواقع. ويشير "فرانسوا فلاهاوت" إلى أن: "إعلان حقوق الإنسان يجب أن يقبله الجميع بشرط ألا يسأل أحد ما الذي يبرره. وهذا ما يعني في النهاية فرضه بالسلطة" [...]

تبدو نظرية حقوق الإنسان نفسها، في صياغتها التشريعية، مترددة في الاعتراف بالتنوع الثقافي، هذا التردد يرجع لسببين: من ناحية جوهرها الفرداني والطابع التجريدي للغاية للذات التي تعلن حقوقها، ومن ناحية أخرى روابطها التاريخية مع الثقافة الغربية أو على الأقل مع أحد التقاليد المكونة لهذه الثقافة. لدينا مثال واضح لهذا عندما أكدت الثورة الفرنسية على ضرورة "حرمان اليهود من كل شيء كأمة، ومنحهم كل شيء كأفراد" (كليرمون-تونير) ، وهو ما يعني ربط تحرير اليهود بتفكك روابطهم الاجتماعية. منذ ذلك الحين وخطاب حقوق الإنسان يواجه باستمرار التنوع البشري كما يتجلى في تعددية نظمه السياسية والتقاليد الدينية والقيم الثقافية. هل خطاب حقوق الإنسان مقدر له أن يفككهم أم يمكن له أن يستوعبهم ويغامر بتفكيك نفسه؟ هل هو متوافق مع الاختلافات أم لا يمكنه سوى جعلها تختفي؟

كل هذه الأسئلة التي أسالت الحبر كثيرا تؤدي في النهاية إلى بديل بسيط: إما أن نؤكد على أن المفاهيم التي تشكل إيديولوجية حقوق الإنسان، على الرغم من أصلها الغربي، هي مفاهيم عالمية حقا، لكن يجب علينا بعد ذلك إثبات هذا الإدعاء. أو أن نتخلى عن عالميتها، لكن هذا سيدمر منظومتها كليا. في الواقع، إذا كانت فكرة حقوق الإنسان غربية بحتة، فمن الواضح أن تعميمها على نطاق الكوكب لن يكون سوى فرض من الخارج وطريقة ملتوية للتبشير والسيطرة، أي استمرار لمتلازمة الاستعمار.»

― آلان دوبونوا: ما وراء حقوق الإنسان

«من المؤكد أن مفهوم حقوق الإنسان له تأثير يعيق الاعتراف بالحقوق الجماعية لـ الجماعات الإثنية»

― نوبارت رولاند، مختص في أنثروبولوجيا القوانين
👍94
3
2🤣2😁1
الفاتحين: إما الإسلام أو الجزية أو القتال

مدينة مسيحية: هل يمكننا أن نختار الجزية؟

الفاتحين: هذا أكيد

مدينة مسيحية: ويمكننا العيش بالطريقة التي نريدها؟

الفاتحين: طبعا وسنحميكم أيضا

مدينة مسيحية: إذن سندفع الجزية

الفاتحين: لحظة لحظة، نسينا أن نخبركم بشيء

مدينة مسيحية: تفضلوا

الفاتحين: لا نريد قصص الرهبنة والتبتل، فهذا حرام في ديننا

مدينة مسيحية: حسنا يمكننا القيام بذلك، شيء آخر؟

الفاتحين: نعم، لا داعي للتماثيل في الكنائس فهي بالنسبة لنا وثنية

مدينة مسيحية: أوكي يمكننا العيش دونها

الفاتحين: وشيء آخر، لا نريد قصص الثالوث والمسيح ابن الله، هذا شرك عظيم في ديننا

مدينة مسيحية: ألا تريدون أيضا أن نقول لا إله إلا الله محمد رسول الله؟

الفاتحين: لا لا لا، يمكنكم البقاء على دينكم والذهاب إلى كنائسكم والصلاة فيها بكل حرية، فقط تجنبوا الإنجيل فهو محرف

مدينة مسيحية: كثر خيركم
😁15💯1🍓1
حسّ سليم
Photo
تنويري عربي: هنيئا لكم نزول مركبتكم على القمر

هندي: شكرا

تنويري عربي: أكيد أن هذا ما كان ليحدث لولا أن الشعب كان متعلم ومثقف

هندي: لا متعلم ولا هم يحزنون، ربع الشعب لا يعرف حتى القراءة والكتابة

تنويري عربي: لكن هناك رخاء وعدالة ومساواة اجتماعية وتنمية للفرد الهندي خاصة

هندي: أبدا، مجتمعنا طبقي جدا وأكثره بالكاد يجد صحن أرز، ونصفه لا يميز بين الرصيف والمرحاض والمطبخ

تنويري عربي: يععع... بغض النظر، لكنه على الأقل متنور وواعي ولا يؤمن بالخرافات والأساطير ولن يضير مع هذا أين تقضي حاجتك

هندي: أبدا، لدينا إله مقابل كل فرد، ونؤمن بالتناسخ ونقدس البقر والقردة وحتى الجرذان أحيانا

تنويري عربي: لقد أدخلتني في حيرة، كيف استطعتم رغم كل هذا ارسال مركبة إلى القمر

هندي: أنظر، لدينا كل العيوب التي يمكن أن تتخيلها باستثناء عيب واحد: أنت
😁25🔥4👌1
حسّ سليم
Photo
تاليران يقول: «أُعطي الإنسان الكلام حتى لا يقول ما يفكر فيه» وهذا عمليا صحيح إلى حد كبير، فكثيرا ما يختار الإنسان استبدال كلمات بأخرى حتى لا تعبر صراحة عما يقوله، لكن في نفس الوقت تبقى تعبر ضمنيا عن ما يريده، ومن أمثلة ذلك التقسيم الجغرافي لمناطق العالم.

عندما تنظر للتقسيمات الجغرافية المشهورة للعالم تظن أنك أمام تقسيم علمي ومحايد للجغرافيا، وذلك هو الغرض منه. الغاية هي أن لا تشعر بأنه في الحقيقة تقسيم إثني وعرقي.
بدأ الأمر مع الأوروبيين عندما اخترعوا قارة لا وجود جغرافي لها اسمها القارة الأوروبية (القارة الحقيقية هي أوراسيا) لأنهم كانوا بحاجة تقسيم يعبر عن "العرق الأبيض" من خلفية مسيحية دون ذكره صراحة. ثم بدأ يتوسع هذا التقسيم العرقي والأثني للعالم في قالب جغرافي على يد الأوروبيين، فيقال مثلا "الشرق الأقصى" حتى لا يقال ما نصفه بالجنس الأصفر ومن له ملامحه، ويقال "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" حتى لا يقال العرب أو الثقافة العربية أو الناطقون بالعربية على الأقل. ولدينا أيضا "وسط آسيا" حتى لا يقال الجنس التركي. ويقال أوروبا الشرقية للحديث عن السلاف والأرثوذوكس. كما نجد أن دولا مثل المكسيك وجيرانها جنوبا (ما يعرف بأمريكا الوسطى) يصنفون مع قارة أمريكا الجنوبية رغم أنهم جغرفيا مع أمريكا الشمالية، لكن بسبب الاختلاف العرقي والإثني لم يكن ممكنا تصنيفها مع الشمال. ولدينا "إفريقيا جنوب الصحراء" حتى لا يقال السود، وعندما تذكر "شمال إفريقيا" لوحدها دون الشرق الأوسط فذلك حتى لا يقال السكان البيض لإفريقيا.

ملاحظة: لا داع لتتعب نفسك وتعلق للقول بأن تلك المناطق لا تعبر تماما عن مضمونها الإثني والعرقي. هذه تقسيمات تقريبية وليست تقسيما مطلق بالمليمتر حتى وإن كانت تدعي العلمية والحياد.
👍12😍3😁21
حسّ سليم
Photo
شعوب إفريقيا هي أكثر شعوب العالم استلابا لصالح الإنسان الأوروبي، حتى نظرة هذه الشعوب لنفسها مستمدة من نظرة الأوروبي لها. من أمثلة ذلك اعتقاد الأفارقة بوجود شيء يمكننا أن نسميه بالانتماء الجغرافي، فإن كنت تعيش على قارة ما فأنت تشترك مع سكانها في قومية/حضارة/وثقافة واحدة، تماما كما اعتبر الأوروبيون عيشهم على قارة أوروبا يمثل انتماءً في حد ذاته، رغم أنه لا وجود جغرافي لقارة أوروبا وما تم صناعة فكرة هذه القارة إلا لاخفاء حقيقة عرقية وثقافية لتبدو وكأنها مفهوم علمي محايد أيديولوجيا.

ثم عمم الأوروبي هذا التصور الجغرافي المزيف على العالم واعتبر الأفارقة شعبا واحدا وثقافة واحدة، وفي هذا احتقار شديد لهم، كالذي يقول: "لا فرق عندي بين التونة والسردين، كلها سمك". ومع ذلك استمر الأفارقة ذاتهم في النظر لأنفسهم بتلك الطريقة العنصرية في جوهرها مع أنهم مهوسين بمناهضة العنصرية، ورغم أن شعوب إفريقيا تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا إذا ما قارنا بينها بمعزل عن بقية الأجناس، ولن تجد الكثير من المشتركات بين شخص من مالي وآخر من إثيوبيا وثالث من الكونغو، بما في ذلك اختلافات من حيث الملامح ولون البشر، أما الاختلافات الثقافية فهي كالفارق بين السماء والأرض، لكن بما أنهم جميعا سود، ولو كان ذلك بدرجات متفاوتة، فسنعتبرهم أمة واحدة، وسنقول إن إفريقيا سوداء وبالتالي فإن كل من فيها لا بد من أن يكون أسودا وكل ما فيها هو من عمل السود، وهذا ما أصبح يُعرف اليوم بالمركزية الأفريقية (Afrocentrism) التي تعتبر السكان البيض لإفريقيا (شمال إفريقيا) دخلاء على القارة ومحتلين لها، وكأن هناك عقد ملكية إلهي للسود على هذه القارة (لا إله هنا سوى الأوروبي).

الغريب أن تجد بعضا من سكان شمال إفريقيا من الذين يبحثون لأنفسهم عن انتماءات بديلة بأي ثمن يتحدثون عن أنفسهم كأفارقة بهوية إفريقية (هل سمعت من قبل عن أحد يعيش على قارة آسيا يعتقد أن هويته آسياوية؟) رغم أنهم قد يشتركون أكثر مثلا مع سكان جنوب أوروبا (اللاتينيين) ضمن حوض البحر الأبيض المتوسط، ومع ذلك لا يعتبرون أنفسهم متوسطيين حقيقةً مع أنهم يشتركون معهم فعلا في عدة عناصر ثقافية وعرقية وتاريخية. لكن حتى هؤلاء الشمال إفريقيين عندما يشاهدون ما يسمى أفارقة ما تحت الصحراء يصفونهم كبقية الناس بالأفارقة، ولا تجد أبدا مصريا يصف ليبيا بأنه إفريقي أو جزائريا يصف تونسيا بالإفريقي إلا إذا كان يقصد بذلك المعنى الأصلي للكلمة، لأن "إفريقيا" تاريخيا هي تونس قبل أن يعمم هذا الإسم على كل القارة.
👍102😁1
حسّ سليم
Photo
يقال كثيرا إن الولايات المتحدة تنافق في قضية الديموقراطية ولا تريدها حقيقة في دولنا وتحاربها أينما ظهرت.
دعني أقل لك بأن الولايات المتحدة أكثر تشوقا للديموقراطية من محللي الجزيرة وعبد الباري عطوان الذين تستمع إليهم وهم يرددون دون توقف الكلام السابق، لكن قبل أن تتسرع إلى النفي عليك أولا أن تفهم ما تقصده الولايات المتحدة بالديموقراطية، إذا كنت تظن بأنها تريد بها التعريف الحرفي للكلمة أي "حكم الشعب" فقط فأنت مخطئ. الولايات المتحدة لا تقصد بالديموقراطية إلا الديموقراطية الليبرالية ولا تريد نشر سواها، وإذا حدثتها عن الديموقراطية لوحدها فلن يختلف جوابها عن بقية الليبراليين: "الديموقراطية ليست الصندوق فقط"، ديموقراطية غير مقيدة بالليبرالية لا معنى لها تقريبا بالنسبة لهم.

هذا لا يمنع أن الولايات المتحدة في وقت من الأوقات اختارت السماح بتجربة الديموقراطية لوحدها ظنا منها أنه ربما يمكنها بالتدرج جلب الليبرالية (وهذا قد يحدث فعلا)، وتساهلت من أجلك ذلك مع أناس ما كانت حتى لتنظر إليهم من قبل، ثم رأت أنها قد أخطأت في حساباتها وأنه لا يمكن تقديم الديموقراطية على الليبرالية. لكنها لم توقف أبدا عملية نشر الديموقراطية وما تزال مستمرة فيها دائما، لكن من خلال الأساليب القديمة، أي المنظمات غير الحكومية NGOs وديزني ونتفليكس والضغوطات السياسية والمالية على الدول من أجل لبرلة المجتمع و"تأهيله" للديموقراطية الليبرالية الكاملة، وما يزال هدف الولايات المتحدة دائما هو نشر الديموقراطية في العالم بأسره ولدى أعدائها قبل حلفائها فهي الضامن الأقل كلفة للخضوع لها ودون الحاجة لحاملات الطائرات، لكن عندما تعجز عن تحقيق ذلك فهي ستفضل دائما ما تسميه "الاستبداد المستنير" على أي ديموقراطية غير ليبرالية، وستفضل الأخيرة مبدئيا على الأنظمة غير الديموقراطية وغير الليبرالية لأنها تظل أسهل للاختراق والتعامل معها.
👍72