حسّ سليم
9.11K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
1
العصر الحديث مثل العبد؛ يجعل من الحرية القيمة الأسمى عنده. لكنه لا يريدها، هي بالنسبة له واجهة منمقة ومضيئة تماما كمدخل ملهىً ليلي. يتحدث عنها كثيرا ولا يكاد يتحدث عن غيرها، لكنه غير مستعد للحظة لأن يدفع ثمنها.

الإنسان المعاصر، ساكن المدن الكبرى، الذي لسبب ما يظن أنه حر كما لم يكن إنسان من قبل، لا يملك عُشر حرية راعي أبقار في الصومال. هذا الأخير وبخلاف الأول، لا يمكنك قمعه بإشعار تهدده فيه بغلق حساب لا يملكه في مواقع التواصل، تحتاج إلى أكثر من ذلك، كأن تصوب رشاشا أو مدفعا نحو رأسه فقط ليلتفت إليك.

حرية واحدة متاحة للإنسان المعاصر: المتعة. إلى درجة أنه غير قادر أبداً على تمييزها عن الحرية، فهو يراهما شيئا واحداً، أو على الأقل يرى واحدة منهما موجودة فقط من أجل الأخرى.
الأكثر هيدونية في نظره هو الأكثر حرية. المتعة هي المحرر مثل نشوة خيط كوكايين يستنشقه مدمن طال به الانتظار. الحياة بالنسبة له بسيطة لا حاجة إلى تعقيدها. فما نسميه مبادئ ليست سوى أحمال حملها الإنسان نفسه عبثا في حين أن العالم بأسره يكفيه، لكي يسير كما ينبغي له، أن يتبع مبدأ واحدا: "الألم واللذة" (مذهب النفعية). عليه أن يعظم اللذة في هذا الوجود بأي طريقة، ويستأصل كل ألم بأي ثمن. باتّباع مبدأ "الألم/اللذة" تنتفي الحاجة إلى مبادئ أسمى؛ لا إيمان بمتجاوز ولا دين ولا شرف ولا شجاعة ولا إخلاص لانتماء من أي نوع. قيمة الشيء عنده متعلقة فقط بمقدار زيادته للذة وتقليله للألم. ثنائية "الألم/اللذة" حجته الوحيدة التي يمكنه من خلالها تبرير أي شيء: إن كان إجهاضا فالمهم أن الجنين لا يشعر بالألم أثناء تقطيع مقص الطبيب لأطرافه، ودع عنك هنا سؤال "هل هو إنسان؟" فتلك سفسطة في نظره. وإن كان قتلا رحيما فهو يخلص المريض من الألم، ولا تتكبد عناء التفكير في سؤال "من منحك سلطة الحكم بالموت أو الحياة على إنسان بريء؟". يدافع عن الحيوانات لسبب واحد: إنها تشعر بالألم أيضا، هذا هو الشيء الوحيد الذي يشعره براحة الضمير وهو يتناول خُضاره العضوية. يرى أنه بفضل هذا يقف على قمة الأخلاق الإنسانية، لكن أي إنسانية هذه وهو يشترك مع حيوان البرية في واحدية المبدأ؛ مبدأ الألم! واللذة.
8👍1
من المفارقات الغريبة لهذا العصر، جعله للدين شأنا خاصا، سراً من الأسرار الشخصية، وبعضهم يقول ذلك وكأنها بدهية.
يمكن تفهم ذلك إذا تعلق الأمر بالإيمان، لكن الدين من حيث هو المُنظم للمجتمع والرابط بين أفراده عبر التاريخ البشري كان دائما يقع في قلب الشأن العام، هو النشاط الاجتماعي الأول بلا منازع. الدين الذي ينحسر إلى الشأن الخاص لابد أن ينتهي ويزول لا محالة، فلا وجود لدين فردي، لا وجود لدين يعتنقه فرد واحد.

في المقابل، وهنا المفارقة، يحتفي هذا العصر بإخراج أكثر الأمور خصوصية على الإطلاق إلى العلن مثل الجنس والتوجهات الجنسية، فهو يعتبر ذلك فضيلة، فضيلة "الصدق"، فإن لم تفعل فأنت بالطبع "منافق". الأسرار الشخصية والعائلية تجلس في كل زاوية تتوسل الاعجاب والتعاطف. غرفة النوم أصبحت هي الشأن العام الوحيد المشترك، أصبحت قضية مع من تنام وكيف هوية يمكنك أن تُعرف نفسك من خلالها. عندما لم يعد أحد يجرؤ على التعبير عن إحدى الهويات التقليدية التي تم شيطنتها، مثل الهوية الدينية والقومية وأحيانا الوطنية، أصبح ما تفعله بعضوك التناسلي وحبك للإنسانية الكبير هما الهوية الوحيدة المتبقية والمسموح لك بها.
هذا العصر نفسه الذي يرفع أعلام العقلانية وهو يقول بأن الدين والقومية والوطن وربما حتى والديك، هم مجرد نتاج الصدفة التي لم تخترها، فلا تفتخر، هو من ينكس أعلامه ليرفع أعلام الفخر الملونة بألوان قوس قزح، افتخر فأنت ....
🤯53👍2
1
حسّ سليم
Photo
تقوم الحضارة البشرية، وكل مجتمع إنساني مهما اعتُبر بدائيا، على أربعة أبعاد في الإنسان. أبعاد تُرتب حسب المرحلة التي تعيشها الحضارة:

بداية الحضارة وصولا إلى أوج قوتها يكون على رأس الهرم البعد الديني Homo religiosus (الإنسان الديني)، يليه البعد السياسي Homo politicus (الإنسان السياسي)، ثم البعد الاقتصادي Homo economicus (الإنسان الاقتصادي)، وأخيرا بعد اللهو والمتعة Homo festivus (الإنسان الاحتفالي).

خلال قرون من الزمن شهد العالم الغربي صراعا بين الإنسان الديني والإنسان السياسي، بسبب ظروف متعلقة بأوروبا والمسيحية على وجه الخصوص. ثم انتهى الأمر بغلبة الإنسان السياسي على نظيره الديني، أو ما نسميه: العلمانية.

لكن هل انتصر السياسي فعلا؟

لم يكن الإنسان السياسي مدركا أنه بفعلته تلك سيقطع يده، أنه ما إن حكم على الإنسان الديني بالموت فقد حكم به على نفسه أيضا. حتى إن لحظة سقوط الإنسان الديني كانت هي نفسها لحظة قطع رأس الإنسان السياسي على يد البرجوازية أو "الإنسان الاقتصادي" الذي أعلن عن بداية حقبة جديدة تزيح ثنائي الإنسان الديني والسياسي وتعوضه بثنائي الإنسان الاقتصادي والاحتفالي. عصر جديد يزيح قيم الشرف والشجاعة وحس المقدس، ليستبدلها بقيم الربح والمنفعة والمدنس. كل ما لا جدوى اقتصادية منه وكل ما لا يمنح متعة أو يزيل ألما يفقد قيمته ويضمحل.

كانت الأسرة قديما هي المركز الاقتصادي للبشرية لكنها لم تعد كذلك مع اتساع المدن، إذن فلا حاجة لوجودها، هي مجرد حفل زفاف أي لحظة متعة أخرى. كان الإنجاب الوسيلة التي تضمن الاستمرارية وتنتقل من خلالها القيم والأملاك والمهن من جيل إلى جيل. أما اليوم، فباستثناء أقلية بلوتوقراطية مسموح لها وحدها بالاحتفاظ بفضائل العالم القديم، فإن الإنسان الحديث ليس لديه ما قد يحمل قيمة ليورثه، فهو يعيش بالإيجار والقروض، ولا يملك مهنة أو حرفة إذ نجده موظفا في شركة أو إدارة لا يتجاوز وجوده فيها كونه مجرد رقم، وبلا شك ليس لديه قيم يورثها بل إنه غير مسموح له بذلك. الإنجاب مجرد إشباع لغريزة يمكن تعويضها بتربية كلب أو قط. كما استحالت السيادة والحدود إلى مفاهيم بذيئة في العصر الحديث باعتبارها تمنع تجول الأموال والسلع. أما الدين فقد أصبح شأناً خاصا، مناسبة للاحتفال، هو في أحسن أحواله مواساة للإنسان تنسيه آلامه النفسية.

انحدار غير مسبوق للإنسان من المقدس والسياسي إلى الاقتصادي والمتعة، من الإنسان الأعلى إلى الإنسان الأدنى القادر على تبرير كل انحطاط له من خلال العاطفة والمتعة. فالاباحية هي ما يجسد ذروة هذا العصر رغم حديثه الذي لا ينقطع عن كرامة المرأة، إلا أنه يتعامى عن الإباحية التي تتضمن إهانة للمرأة كما لا يمكن أن يحدث، لكن لا بأس فالصناعة الإباحية تدر المليارات وأصبحت مشاهدتها النشاط الجنسي الأكثر شيوعا في انقلاب غير مسبوق في الممارسة الجنسية.
يُحاضر هذا العصر كثيرا في كرامة الإنسان وحقوقه، لكنه لا يمانع قتل جنين بعد نزع صفة الإنسانية عنه لأن أمه صاحبة طموح في وظيفتها أو تريد التمتع بسنوات أخرى من حياتها.
هذا العصر الذي يدعي حماية الفرد لا يفعل ذلك إلا إذا كانت لهذا الأخير جدوى اقتصادية، فإن لم يكن منه جدوى فلا بأس بحقنة في الوريد تنهي حياته غير المنتجة أو يلقى به في دار للعجزة تستنزف مرتب تقاعده في انتظار الموت.

كان الديني والسياسي هما ما يمنحان الإنسان هويته، من خلالهما يعلم أنه ليس مثل بقية البهائم التي تجري في البرية، وبتراجعهما يفقد الإنسان كل قيمة له ويُختزل في الإنسان المجرد الذي لا طعم له ولا رائحة.
10
1
هناك جدلية لا نتوقف عن سماعها حول التكيف أو الثبات. هل يجب أن نتكيف مع هذا العصر أو أن نأخذ موقفا ثابتا قد يكون مناهضا له؟

هذا السؤال يطرح كثيرا دون محاولة فهم معاني الكلمات بالتحديد. ماذا نقصد بقولنا "هذا العصر"؟ ما هو هذا العصر؟

عندما ندقق في ما يقال أنه يجب التكيف معه وكأنه قدر منزل من السماء قد يتخيل بعض الناس أن الحديث هو عن "التقنية" في حين أن المقصود يتعلق بأيديولوجيات منحتها هيمنةُ أصحابها العسكرية والاقتصادية القوة لتدّعي الثبات البديهي وتفرض على غيرها التكيف مثل مغلوب يقلد الغالب. عندما يقال لك اليوم أنه ينبغي عليك التكيف فإنه لا يقصد بذلك التكيف مع الهاتف الذكي الذي في يدك، فهو لا يهتم إن كنت تقدميا أم رجعيا، وبرنامج غزو الفضاء لا يشترط عليك الديمقراطية أو الديكتاتورية وإلا ما كنا لنسمع بيوري غاغارين.
ما يطلب منك التكيف معه هو هيمنة الليبرالية والإنسانوية والنسبوية (إلى حد ما) والنسوية …إلخ. أيديولوجيات ثابتة -تدعي الحركة- ينبغي على الجميع التكيف معها، فإن قالت "حرية" ادعى الجميع أنهم أحرار قبل أن يسمع أحد شيئا عن الحرية، وإن قالت "نسوية" ادعى الجميع أنهم أصل النسوية قبل أن يفطن لها أحد من العالمين، وإن قالت "حقوق الإنسان" قالوا: "انظروا، نحن أصلا من اخترعها". الجميع إنسانيون، الجميع ديمقراطيون، لأن هناك ثابتاً بديهياً يؤمن به الجميع وكل ما سواه متغير شكلي عليه أن يتكيف. هذا ما يسميه المعاصرون: التغيير.

«يطلق الإنسان المعاصر صفة "التغيير" على السير بشكل أسرع على نفس المسار وفي نفس الاتجاه.
العالم، خلال الثلاثة قرون الأخيرة، لم يتغير إلا في ذلك الاتجاه.
مجرد طرح تغيير حقيقي يصدم ويفزع الإنسان المعاصر.»
— نيكولاس ڠوميز داڤيلا
👍41👌1
1
حسّ سليم
Photo
هناك دائما من ينكب على حساب عدد من قتل من أجل ذلك الدين أو ذاك، كم عدد من قُتل على يد الملحدين أو الشيوعيين أو الفاشيين.
لكن لا يبدو أن هناك من يهتم كثيرا بعدد من قتلوا باسم الديمقراطية مثلا أو الحرية أو المساواة، كم عدد الذين قتلوا من أجل حقوق الإنسان ونشر التنوير، وكأن من يقتل في سبيل هذه الشعارات معفى تلقائيا لأنه يمثل فريق الخير، وفريق الخير مغفور له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، ومن قتل في طريقه ينسى أمره أو يتحمل وزره الفريق الآخر ويسجل باسمه، أو في أسوء الأحوال نصبح فجأة عقلانيين ونبحث لفريق الخير عن دوافع أخرى غير معلنة لحروبه غير تلك الشعارات التي، وبعكس غيرها، ينبغي تنزيهها عن كل دنس. هي مفاهيم يتصورها المعاصرون بديهية ولا يفهمون كيف يمكن أن تناقش وتوضع مع غيرها في سلة واحدة ولو من باب الموضوعية بدون أدنى احترام لجلالتها وقدرها.

«في هذا القرن سُجن أناس من أجل الحرية، أذلوا وعُذبوا باسم المساواة، ذُبحوا في سبيل الأخوة، أكثر من أي سبب أقل نفاقاً في العصور الوسطى.»
— روي كامبل
4
1
حسّ سليم
Photo
من أجل تبرير كل انحراف جنسي يقول الليبراليون بأن القاعدة الوحيدة التي يجب أن تحكم العلاقات الجنسية هي القبول (consent). إذا توفر القبول قبل وأثناء العملية الجنسية فإن ذلك الفعل أخلاقي تماما مهما كان شكله، لأنه وكما نعلم، الفعل الأخلاقي الوحيد بالنسبة لليبراليين هو الفعل الناجم عن إرادة حرة -بغض النظر عن طبيعة الفعل في حد ذاته- ما لم يسبب ضررا مباشراً وواضحا لبقية الأفراد، بمعنى أن أحَطّ فعل قد تتخيله يمكن ببساطة أن يصبح فضيلة يحتفى بها فقط لأنه وليد إرادة حرة ولا يتعارض مع مبدأ "أنت حر ما لم تضر".

لا يمكن فهم طبيعة هذه الرغبة المعاصرة في تأسيس قاعدة أخلاقية -خارج الدين وخارج التقاليد التي تحدد قواعد ثابتة- بناءً على بعض المبادئ البسيطة إلا بدفع هذه الأخيرة إلى مداها الأخير أو ما يعرف بـ"برهان الخلف" Reductio ad absurdum لنعرف إن كانت فعلا مبادئ تصلح لأن تكون قاعدة متناسقة لا تشوبها التناقضات.

أولاً: الأطفال
ماذا عن الطفل الذي يمكنه أن يُعبر لفظيا بشكل واضح عن قبوله ورغبته في علاقة جنسية ويستمتع بها؟
هنا يجيب الليبراليون بأن الطفل غير قادر بطبيعته على تقديم قبول حقيقي لأنه لا يملك الوعي الكافي لذلك وبالتالي ليس له إرادة حرة. لكن ماذا لو رغب الطفل في الجنس مع طفل آخر؟ هنا يرى الليبراليون بأن العلاقة سليمة تماما ولا مشكلة أخلاقية في ممارسة الأطفال للجنس بين بعضهم البعض. يمكن لمراهقة عمرها 15 سنة أن تنجب من زميلها في الصف، لكن لا يمكن أن تفعل ذلك مع شخص عمره 21 سنة. بالتالي نرى هنا بأن المشكلة ليست في ممارسة الطفل للجنس في حد ذاته بل في (مع من يمارسه)، وكأنهم يقولون: لا قبول + لا قبول = قبول.

ثانيا: حالة السُكر.
يقول الليبراليون بأن ممارسة الجنس مع شخص تحت تأثير الكحول أو المخدرات -بغض النظر عن نوع العلاقة التي تربطه بالآخر- هو اغتصاب، أي غير أخلاقي، لأن ذلك الشخص وإن كان بالغا إلا أنه في تلك الحالة عاجز عن تقديم القبول، كالطفل تماما. لكن ماذا لو أجبر شخص تحت تأثير المخدرات أو الكحول شخصا آخر على الجنس؟ أليس هذا المعتدي أيضا في حالة لاوعي ولو كانت له إرادة حرة لما قام بذلك الفعل؟ مرة أخرى يفشل مبدأ القبول في تقديم تصور متسق يعمل في الاتجاهين. كما أنه مبدأ خطير لو اعتُمد فعلا لتبرير الجرائم التي تقع تحت تأثير المخدرات (وقد بدأ هذا التبرير يتسلل نوعا ما إلى الواقع).

ثالثا: زنا المحارم.
يقول الليبراليون بأن كل علاقة جنسية تتم بالتراضي بين شخصين بالغين -أو أكثر- في كامل وعيهم هي علاقة سليمة تماما ولا غبار عليها. لكن ماذا عن زنا المحارم؟ من السهل أن نشعر بصراع الليبراليين في هكذا مأزق، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة أزمة أخلاقية حقيقية، فهم في داخلهم يعلمون أن هذا الفعل غير أخلاقي لكنهم مجبرون على الدفاع عن أيديولوجيتهم. فيحاول بعضهم أن يُشاغب ويتهرب من السؤال بشتى الطرق، أما الأكثر ذكاءً وقدرة من بينهم على المحاججة فيقولون بأن العلاقة بين الأخ وأخته غير سليمة لأنها قد تنتج طفلا يعاني من تشوهات خَلقية وأمراض وراثية، فيصونون بذلك مبدأ "أنت حر ما لم تضر". لكن ماذا لو ضاجع أخ أخته باستعمال موانع الحمل؟ ماذا لو لجأوا إلى الإجهاض المقبول تماما ليبراليا؟ والأهم من هذا، ماذا لو كانت العلاقة بين أخ وأخيه؟ بين أب وابنه؟ أي رد تملكه المبادئ الليبرالية هنا غير الصمت؟ Love wins كما نعلم..فكيف يمكن لليبرالي أن يقف ضد علاقة "حب" لا تتسبب بالضرر لأي أحد؟

رابعا: الزوفيليا.
هذا مثال على قمة العبث التي قد تصل إليها المبادئ الليبرالية. لا يملك الليبراليون في نقاشاتهم حول الجنس مع الحيوانات أي حجة ضده سوى عدم قبول الحيوان للعلاقة، ويضيفون بأنه حتى لو تمكن الإنسان من تحديد قبول الحيوان من خلال دراسة سلوكه وحركاته فإن هذا الأخير عاجز عن تقديم القبول الحقيقي الناجم عن إرادة حرة تماما مثل الأطفال. لكن المعضلة التي يتجاهلها هنا الليبراليون دائما في نقاشاتهم، والتي تبيّن أن ما يطرحونه مجرد ترقيع من غير المعقول أن يُعتمد عليه في تأسيس منظومة أخلاقية متناسقة، هي أن أغلب الليبراليين موافقون تماما على أن الإنسان يمكنه قتل الحيوان لأكل لحمه دون أي اهتمام بقبوله، فكيف نتحدث عن القبول عندما يتعلق الأمر بالجنس؟ وكأننا نقول: لا يمكنك مضاجعة تلك المرأة لأنها رافضة لكن يمكنك قتلها إن شئت. قمة العبث والتناقض اللذين يمكن تخيلهما!

ملاحظة: الدول الغربية لا تسمح إلى غاية اليوم بالجنس مع الحيوانات وبعضها يمنع زنا المحرام.. القضية لست هنا، القضية أنها لا تفعل ذلك بناء على أسس ليبرالية بل تعتمد على الإرث الأخلاقي في المجتمع الأوروبي.
1
1
يظن البعض أن أي انتقاد لليبرالية الاقتصادية، أو ما يسمى رأسمالية، لابد أن يكون انتقادا اشتراكيا. ما إن تتحدث بشكل سلبي عن الليبرالية الاقتصادية حتى يعتقد البعض بأنك تنطلق من أسس اشتراكية. في حين أن نقد الرأسمالية الحديثة لم يقتصر تاريخيا على الاشتراكيين، هم فقط الأكثر شهرةً وانتشاراً. هناك عدة أشكال من الانتقادات التي وجهت إلى الرأسمالية الحديثة ومن بينها نجد الرجعي، بل إن ما ينتقده الرجعي فيها هو تقريبا نفسه ما ينتقده لدى الاشتراكية، حيث يرى أنهما توأمان أنجبتهما الثورة الصناعية، أحدهما تحرري والثاني مساواتي، ويشتركان في النظرة الاقتصادية للإنسان.
سواءً بالنسبة للرأسمالية أو الماركسية، فإن للإنسان بعدا واحدا له قيمة هو الاقتصادي، واختلافهما الوحيد يكمن في طريقة تسيير هذا البعد على أساس تقدمي. الليبرالية تريد حرية اقتصادية أكبر، والماركسية تريد مساواة اقتصادية أكثر، وبدمجهما نحصل على الديمقراطية الاجتماعية.

بالنسبة للرجعيين، المشكلة مع الرأسمالية الحديثة والمعولمة ليست في كونها "متوحشة" كما يقول البعض أو في كونها استغلالية، حتى وإن كان لهذا الجانب بعض الأهمية أحيانا لكن بدون جعل ذلك هو المأخذ الرئيسي على الرأسمالية، لأننا إن تركنا جانبا المثالية التي كانت تبحث عن جنة الأرض وانتهى بها الأمر إلى الغولاغ، فسنرى أن الاستغلال والتفاوت الاجتماعي والطبقي بين غني وفقير هو من طبيعة المجتمعات البشرية، وسيتوقف ذلك عندما لن يبقى هناك بشر على الأرض. تاجر القرن العاشر ليس أكثر "أخلاقية" من تاجر القرن الواحد والعشرين، والتاريخ البشري كله عبارة عن تاريخ استغلال بأشكال مختلفة، ونهايته هي نهاية التاريخ.

«في استطلاع للرأي حول العالم لجيل الألفية، حول ما يحدد هويتهم أكثر، لم يكن الجواب الأكثر شيوعا هو الجنسية أو الإثنية أو الدين، بل مواطن العالم.. هذا شيء عظيم»
— مارك زوكربيرغ

ما يأخذه الرجعيون حقا على الرأسمالية الحديثة، هو أنها أحد أوجه الليبرالية التي لها وجه اجتماعي وآخر اقتصادي، بحيث يخدم كل وجه منهما الآخر من أجل تفكيك الهويات والمؤسسات الاجتماعية التقليدية من دين وأسرة وسياسة وأمة وقومية ووطنية وحتى بيولوجيا (الجنسية) …إلخ.
بالنسبة للرأسمالية المعولمة، كل قيد يحكم الإنسان، وكل قيمة تضع له حدودا، وكل انتماء يمنعه من التمحور حول فردانيته التي لا تسعى إلا لاشباع رغباتها، هي عائق أمام الإنسان المستهلك والموظف. بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات هناك نوع بشري واحد تتعامل معه هو الإنسان المجرد من كل انتماء وهوية، ومنه تكون الإنسانوية والخطاب الحقوقي هما المحرك الأيديولوجي للرأسمالية المعولمة التي تقفز على كل الحدود والهويات لتصل للإنسان المجرد الذي لا ينتمي إلى شيء سوى نوعه البيولوجي في سلم الكائنات ويعتبر ذلك فضيلة: "ديني الإنسانية"، وليس له هدف من الوجود غير الاستهلاك بدون توقف.

«الرأسمالية هي الوجه المبتذل للروح الحديثة والاشتراكية هي وجهها الممل»
— نيكولاس ڠوميز داڤيلا
1
😁4
حسّ سليم
Photo
خطاب "التنمية النسائية" الذي يحتفي بالمرأة بشكل دائم هو أكثر الخطابات احتقارا لها رغم أن الغاية المصرح بها معاكسة تماما. لا يشعر هؤلاء الذين يتحدثون عن تمكين المرأة إلى أي حد يعاملونها كالأطفال ويشجعونها كالأطفال في الروضة. ومثلما تنتج المبالغة في مدح الأطفال على كل فعل بسيط أطفالا مدللين، كذلك لم ينتج عن هذا الخطاب التمكيني للمرأة سوى مراهقات نرجسيات يعتقدن أن وجودهن في حد ذاته منة على البشرية.
"أنتِ قوية، أنتِ رائعة، أنت موهوبة.." كما قالت مارغريت تاتشر: «أن تكون قويا يشبه أن تكون سيدة محترمة، إذا شعرتَ بحاجة إلى الإعلان عن ذلك، فأنت لست قويا». وبمناسبة ذكر تاتشر، يمكننا ملاحظة أن أشد النساء حزما في السياسة حول العالم غالبا ما يكنّ من الوسط اليميني حيث ينعدم خطاب المظلومية ويكون انتقاء الأفضل طبيعيا وغير موجه.

كذلك بحثهم الدائم عن الاستثناءات: "انظروا فلانة عالمة (ودائما تتكرر نفس الأسماء، المسكينة ماري كوري لو أعطيت دولارا كلما ذكر اسمها في سياق تمكيني لأصبحت ترليونيرة) انظروا هناك امرأة تقود الشاحنات، انظروا سيدة تقود سيارة فورميلا 1، انظروا امرأة دهنت بيتها، انظروا امرأة غيرت المصباح…" كل هذا يثبت العكس فقط لو كانوا يعقلون، لأن الاستثناء لا ينفي القاعدة بل يثبتها.

وينطبق الأمر ذاته على مبدأ "التمييز الإيجابي" والكوطات الذي يقول لنا بشكل غير مباشر: المرأة غير قادرة على المنافسة في الظروف الطبيعية لهذا فهي بحاجة لدفعة منا… جطعة دعم لو تكرمت.

باستثناء بعض الرجال الصبيانيين من التيارات الميغتاوية والحبة الحمراء الذين يحتاجون لتذكيرهم بشكل دائم إلى أي مدى هم جنس رائع وإلى أي مدى هم عباقرة فقط لأن "تيسلا" رجل وكأن هناك مشتركا بينهم، أو أصحاب الشخصية الضعيفة من الذين يستهلكون "التنمية البشرية" (غالبية مستهلكي التنمية البشرية وضحاياها من النساء)، فالرجال لا يتوقعون من أحد أن يحدثهم عن مدى روعتهم أو عبقريتهم أو قوتهم.
10
😁9
حسّ سليم
Photo
هذه المقولة مثال جيد على سطحية التنويري العربي 12v "المصدق للعلم". ليس لأن المقولة في حد ذاتها سخيفة، وهي فعلا سخيفة جدا، لكن لأنه لا معنى لها لدى من ينقلها إليهم. وهذا هو حال التنويري العربي بشكل عام، ينقل كل شيء عن الأوروبي دون أي مراعاة لاختلاف السياقات، فهو لا يفهمها من الأساس. بالنسبة له كلها أديان يشبه بعضها بعضا خاصة إذا قيل له إنها أديان إبراهيمية، عندها لا حاجة للبحث كثيرا، يكفي كل ما يتفوه به التنويري الأوروبي عن المسيحية ليسقطه ذلك النسخة المقلدة بأي ثمن على الإسلام.

صاحب هذه المقولة برازيلي، أي أنه يتحدث انطلاقا من بيئة كاثوليكية تجعل الاعتراف بالذنب من واجبات المسيحي الصالح بعكس الإسلام الذي يعتبر الاعتراف بالذنب ذنبا مضاعفا لأن المسلم الصالح هو من يحتفظ بالذنب بينه وبين الله ولا يجاهر بمعصيته. هذا الاختلاف هو ما يسمح لنا بفهم ذهنية المسيحيين المعاصرين - سواءً كانوا مسيحيين حقا أو ملحدين أو حتى مسلمين - التي شكلها عبر قرون كرسي الاعتراف. بالنسبة للمسيحي، طريق مغفرة الذنوب والخلاص يمر من خلال الاعتراف، لهذا ينظر المسيحي إلى الأسرار على أنها نفاق. كذلك الأمر بالنسبة للأوروبي العلماني ومن هو ضمن نسقه: الخطيئة هي السر، الخطيئة لا تكمن في الفعل نفسه بل في جعله سريا. وبالتالي لا يشعر الأوروبي براحة الضمير إلا بالاعتراف أو الـComing out، التعبير الذي ارتبط مؤخرا بالإفصاح عن التوجه الجنسي و "الهوية الجندرية" أو to come clean التعبير الذي يتعامل مع كشف الأسرار ك "تطهير" لضمير المرء، سواء كان اعترافا لمن هم حوله أو من خلال الإعلام ومواقع التواصل، أو من خلال كرسي الطبيب النفسي الذي عوض عن كرسي الاعتراف المسيحي. لهذا قال شيرستون: "التحليل النفسي هو اعتراف بلا خلاص".
👍61
1
حسّ سليم
Photo
كنت أقول لأحد الفرنسيين: "لم تعد توجد ثقافة فرنسية، الثقافة الفرنسية التقليدية أصبحت من الماضي، لديكم فقط ثقافة أمريكية فرعية، فتوقفوا عن خطاب المظلومية والبحث عن كبش فداء من أجل ما فعلتموه بأيديكم."

طبعا غضب، وقال: "هل الأمريكيون هم من جلبوا لنا النبيذ والأطباق الفرنسية والآدب وشرفات المقاهي؟"

لا أدري كيف كان يفكر وهو يقدم هذا الرد، لكن بالنسبة له الثقافة الفرنسية هي أن تجلس على شرفة مقهى وتشرب النبيذ وتأكل الفوا غرا وأنت تقرأ رواية لـ زولا.
تخيل أن تقتصر ثقافتك على بعض كليشيهات السياح الأجانب. مسكين المزارع في الريف الفرنسي الذي لا يعيش على الطريقة الباريسية البرجوازية، فجأة أصبح غير فرنسي.

وفي الحقيقة كل الشعوب سائرة نحو هذا، كثير من الشعوب اليوم عندما تسألها عن ثقافتها لا تجد سبيلا للرد سوى "دليل السائح الأجنبي"، بسبب التحطيم الكامل للثقافات حول العالم باسم تعدد الثقافات من أجل ثقافة معولمة وأمريكية موحدة للعالم.
6💯6
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
تفكيك القيم التقليدية لصالح ازدهار الرأسمالية الحديثة (لوك فيري)
1