الحداثة حضارة العبيد (لـ أحمد ثروت صيام)
كلّ الحضارات في الماضي كان الاستعباد جزءاً من لبنات تكوينها، أمّا الحداثة فمبنية بالكامل على الاستعباد الجائر...
في البداية كان الاستعباد الجائر مباشراً، حيث تمّ جلب كلّ المتاح من الأصحاء في مستعمرات إفريقيا إلى أوروبا ثم أمريكا، أمّا حديثاً فقد أصبح العبيد ذاتهم يتهافتون لاستخراج تأشيرات العمل في أوروبا و أمريكا أو حتى التسلّل إليهما فلم يعد هنالك حاجة لاستجلاب عبيد عنوة. وتحول الاستعباد الجائر لشكل آخر وهو استعباد الدول الأضعف من أجل الموارد، و استعباد شعب الدولة القوية ذاته من أجل العمل لتحويل تلك الموارد المغتصبة إلى بضائع تُباع لاحقاً لذات الدول التي اغتُصبت.
ولكي يغطّي شيطان الحداثة على كلّ ذلك تراه يسبّ الاستعباد ليل نهار. الحداثة هي أكثر من استعبد البشر و مع ذلك هي أكثر من طنطن للحرية!
الخدعة بدائية و بسيطة و مع ذلك تراها ناجحة! السبب بسيط هو أن البشر أغبياء إلى حد لا يُتصوّر، هذا كل ما هنالك!
كلّ ما سبق كان مقدّمة لكنها طالت...
الهدف الأساسي هنا هو شرح أحد أهم معالم الاستعباد الحداثي: اللهو Entertainment.
اللهو جزء أساسي من حياة البشر، مارسته بتفاوت نسبي كل الثقافات البشرية، اللهو كان جزءاً من حياة كل إنسان، يلهو مع نفسه، أصدقائه، أسرته، قبيلته، أو حتى لهو مقدس كغناء أو رقص أو تناكح على سبيل التنسّك أو الاحتفال العقائدي.
نعود مرة أخرى إلى وساخة الاستعباد الحداثي: الحداثة هي النمط الوحيد من الحياة الذي طلب من تابعيه العمل بلا انقطاع كمقابل لمجرّد العيش، عليك أن تعمل 8 ساعات طول العمر لتأكل، أو 16 ساعة لكي تحظى ببعض الترف المزيّف شديد القصر، كمثال: أسبوع سنوياً في منتجع!
لكن أهل الحداثة (المتحدّرين من أقنان أوروبا) اكتشفوا المشكلة، الإنسان لا يمكنه العيش بلا لهو متجدّد. أنماط اللهو قبل الحداثة كانت متاحة كل ليلة للأثرياء، وكل أسبوع على الأقل للمتوسطي الحال، وحتى الفقراء كانوا يلهون في المناسبات العامة التي تتكرّر مرّات عديدة في السنة. فما العمل لسدّ هذا الاحتياج الإنساني من اللهو.
جاءت الفكرة: بما أنه لا يمكننا إضاعة وقت العبيد الموظفين باللهو، فلماذا لا نقنعهم أن (مشاهدة اللهو كافية عن المشاركة في اللهو ذاته)؟!
و هنا استوردت الحداثة من غباوات اليونان و روما عدة تفاهات:
(1) الرياضات التنافسية: التي استخدمت قديماً كأسلوب حكم بإمتاع سادية الرعاع، فجعلتها الحداثة كذلك أداة لامتصاص كافة مشاعر الرعاع وتوجيهها أثناء مشاهدة (من يلهو بلعب) الكرة، وستدفع مالك لكي تراه يلهو ويلعب.
(2) المسرح: الذي كان طريقة تربية للرعاع بتوجيه آرائهم، فاستخدمته الحداثة لنفس الغرض، ستجعلك تتفرج على (من يلهو و يلعب play) دوراً في عمل درامي، و ستدفع مالك من أجل أن تراه يلهو. قد تختار كذلك أن تراه يلهو جنسياً، صٌمّم هذا ليكفيك أنت عن صعوبة الحصول على الجنس الذي كرّسته الحداثة كذلك، فهي في الأصل مبنية على دين يصوّر الجنس عملاً يغضب الله.
(3) مجالس الفلاسفة: أماكن الضراط الجماعي لمفكّري أغبى أجناس الأرض والتي كانت مكملات الهراء والسفسطة الفارغة خرج منها تفهاء كسقراط وأفلاطون وأرسطو وولد من أرحام غباواتهم غباوات ماركس وغرامشي وفوكو. استنسخت الحداثة نفس الفكرة في شكل (منابر الرأي) من وسائل إعلام و تعليم. سيكون عليك دفع المال لمشاهدة برنامج رأي هو عبارة عن لهو فكري متكامل، و سيكون عليك دفع معظم مالك لكي ترسل ولدك ليستمع إلى هراء مماثل في المدرسة والجامعة. سوف لن تجلس مع أصدقائك تلهو باللعب بأفكار حمقاء كما كان الرجال يفعلون في الحانات و الأسواق ومجالس السمر، بل سيكون عليك أن تدفع لآخرين لتراهم وهم يلهون باستمناء عقولهم العنينة التي لا تقذف إلا بولاً لا منيّاً مُخصِباً.
اللهو دوماً لم يكن على رأس ما يحترمه البشر، لم يكن كالقتال مثلاً. كان اللهو حقّاً للجميع، لكنه لم يُعتبر فضيلةً تفاضلية أو أسلوب حياة، لذا كان الكلّ يلهو لبعض الوقت، أما من كانت حياته لهواً وحسب فسيُعدّ من أسافل البشر، وسيعامل معاملة دونية كغانية أو قصاص أو مهرج.
لكن مع الحداثة تغير معلم أساسي من الفطرة البشرية؛ أصبحت ممارسة اللهو مضيّقاً عليها بالغلاء أو الانشغال بالعمل، سيكون عليك أن تدفع لغيرك فقط لتشاهده يلهو، ستصبح مثل مريض السكري الذي يشتري الجاتوه للآخرين ليرى شكل المتعة التي هو محروم منها، أو كعنين يدفع لمشاهدة ما لا يمكنه فعله، ستدفع مالك لمن (وظيفته أن يلهو)، لست وحدك، فقد صار هناك (mass media)، لذا سيدفع مليارات الأشخاص بعض مالهم لبضعة آلاف من الأشخاص وظيفتهم اللهو، والنتيجة بالتالي هي أن هؤلاء الآلاف سيصبحون من أصحاب الملايين.
كلّ الحضارات في الماضي كان الاستعباد جزءاً من لبنات تكوينها، أمّا الحداثة فمبنية بالكامل على الاستعباد الجائر...
في البداية كان الاستعباد الجائر مباشراً، حيث تمّ جلب كلّ المتاح من الأصحاء في مستعمرات إفريقيا إلى أوروبا ثم أمريكا، أمّا حديثاً فقد أصبح العبيد ذاتهم يتهافتون لاستخراج تأشيرات العمل في أوروبا و أمريكا أو حتى التسلّل إليهما فلم يعد هنالك حاجة لاستجلاب عبيد عنوة. وتحول الاستعباد الجائر لشكل آخر وهو استعباد الدول الأضعف من أجل الموارد، و استعباد شعب الدولة القوية ذاته من أجل العمل لتحويل تلك الموارد المغتصبة إلى بضائع تُباع لاحقاً لذات الدول التي اغتُصبت.
ولكي يغطّي شيطان الحداثة على كلّ ذلك تراه يسبّ الاستعباد ليل نهار. الحداثة هي أكثر من استعبد البشر و مع ذلك هي أكثر من طنطن للحرية!
الخدعة بدائية و بسيطة و مع ذلك تراها ناجحة! السبب بسيط هو أن البشر أغبياء إلى حد لا يُتصوّر، هذا كل ما هنالك!
كلّ ما سبق كان مقدّمة لكنها طالت...
الهدف الأساسي هنا هو شرح أحد أهم معالم الاستعباد الحداثي: اللهو Entertainment.
اللهو جزء أساسي من حياة البشر، مارسته بتفاوت نسبي كل الثقافات البشرية، اللهو كان جزءاً من حياة كل إنسان، يلهو مع نفسه، أصدقائه، أسرته، قبيلته، أو حتى لهو مقدس كغناء أو رقص أو تناكح على سبيل التنسّك أو الاحتفال العقائدي.
نعود مرة أخرى إلى وساخة الاستعباد الحداثي: الحداثة هي النمط الوحيد من الحياة الذي طلب من تابعيه العمل بلا انقطاع كمقابل لمجرّد العيش، عليك أن تعمل 8 ساعات طول العمر لتأكل، أو 16 ساعة لكي تحظى ببعض الترف المزيّف شديد القصر، كمثال: أسبوع سنوياً في منتجع!
لكن أهل الحداثة (المتحدّرين من أقنان أوروبا) اكتشفوا المشكلة، الإنسان لا يمكنه العيش بلا لهو متجدّد. أنماط اللهو قبل الحداثة كانت متاحة كل ليلة للأثرياء، وكل أسبوع على الأقل للمتوسطي الحال، وحتى الفقراء كانوا يلهون في المناسبات العامة التي تتكرّر مرّات عديدة في السنة. فما العمل لسدّ هذا الاحتياج الإنساني من اللهو.
جاءت الفكرة: بما أنه لا يمكننا إضاعة وقت العبيد الموظفين باللهو، فلماذا لا نقنعهم أن (مشاهدة اللهو كافية عن المشاركة في اللهو ذاته)؟!
و هنا استوردت الحداثة من غباوات اليونان و روما عدة تفاهات:
(1) الرياضات التنافسية: التي استخدمت قديماً كأسلوب حكم بإمتاع سادية الرعاع، فجعلتها الحداثة كذلك أداة لامتصاص كافة مشاعر الرعاع وتوجيهها أثناء مشاهدة (من يلهو بلعب) الكرة، وستدفع مالك لكي تراه يلهو ويلعب.
(2) المسرح: الذي كان طريقة تربية للرعاع بتوجيه آرائهم، فاستخدمته الحداثة لنفس الغرض، ستجعلك تتفرج على (من يلهو و يلعب play) دوراً في عمل درامي، و ستدفع مالك من أجل أن تراه يلهو. قد تختار كذلك أن تراه يلهو جنسياً، صٌمّم هذا ليكفيك أنت عن صعوبة الحصول على الجنس الذي كرّسته الحداثة كذلك، فهي في الأصل مبنية على دين يصوّر الجنس عملاً يغضب الله.
(3) مجالس الفلاسفة: أماكن الضراط الجماعي لمفكّري أغبى أجناس الأرض والتي كانت مكملات الهراء والسفسطة الفارغة خرج منها تفهاء كسقراط وأفلاطون وأرسطو وولد من أرحام غباواتهم غباوات ماركس وغرامشي وفوكو. استنسخت الحداثة نفس الفكرة في شكل (منابر الرأي) من وسائل إعلام و تعليم. سيكون عليك دفع المال لمشاهدة برنامج رأي هو عبارة عن لهو فكري متكامل، و سيكون عليك دفع معظم مالك لكي ترسل ولدك ليستمع إلى هراء مماثل في المدرسة والجامعة. سوف لن تجلس مع أصدقائك تلهو باللعب بأفكار حمقاء كما كان الرجال يفعلون في الحانات و الأسواق ومجالس السمر، بل سيكون عليك أن تدفع لآخرين لتراهم وهم يلهون باستمناء عقولهم العنينة التي لا تقذف إلا بولاً لا منيّاً مُخصِباً.
اللهو دوماً لم يكن على رأس ما يحترمه البشر، لم يكن كالقتال مثلاً. كان اللهو حقّاً للجميع، لكنه لم يُعتبر فضيلةً تفاضلية أو أسلوب حياة، لذا كان الكلّ يلهو لبعض الوقت، أما من كانت حياته لهواً وحسب فسيُعدّ من أسافل البشر، وسيعامل معاملة دونية كغانية أو قصاص أو مهرج.
لكن مع الحداثة تغير معلم أساسي من الفطرة البشرية؛ أصبحت ممارسة اللهو مضيّقاً عليها بالغلاء أو الانشغال بالعمل، سيكون عليك أن تدفع لغيرك فقط لتشاهده يلهو، ستصبح مثل مريض السكري الذي يشتري الجاتوه للآخرين ليرى شكل المتعة التي هو محروم منها، أو كعنين يدفع لمشاهدة ما لا يمكنه فعله، ستدفع مالك لمن (وظيفته أن يلهو)، لست وحدك، فقد صار هناك (mass media)، لذا سيدفع مليارات الأشخاص بعض مالهم لبضعة آلاف من الأشخاص وظيفتهم اللهو، والنتيجة بالتالي هي أن هؤلاء الآلاف سيصبحون من أصحاب الملايين.
❤1
الحداثة كذلك ومن مسار آخر -جزء منه الرأسمالية الحمقاء وبناء الدولة الأبوية- قد جعلت المال هو الأداة الوحيدة لتمايز البشر، لذا سيصبح المليونيرات من أهل اللهو أعلى و أرفع مكانة من عبيد العمالة المنتجة منتظري راتب آخر الشهر. أصبحت العاهرات والمهرجين واللعّيبة أعلى قدراً من أصحاب العلم و العمل. ومن منحى آخر هو الديموقراطية ستجعل الحداثة السيادة للرعاع بالمطلق؛ سيكون العدد هو مصدر صحّة الفكرة وشرعيّتها، اجتماع ألف سفيه رويبضة على فكرة ما سيجعلها أقوى من فكرة مفكّر نابه أو فارس نبيل. ومن جديد سينقلب الحال ويصبح الحكّام تفهاء استحقّوا الحكم بأن باعوا تفاهاتهم لأكبر عدد من تفهاء آخرين أتفه منهم بالضرورة.
وكلّ ما سبق كان فصلاًً من فصول انقلاب الهرم البشري بأفاعيل الحداثة، التي هي بلا جدل أسوأ ما حدث للبشر على الإطلاق؛ هي الأسوأ ليس فقط لأنها فعلت كل التحريف السابق في الفطرة البشرية، ثم جعلته عمومياً إجبارياً على كل البشر بالعولمة لا يسلم تاركه حتى لو اعتزل الناس، لكن كذلك لأنها الثقافة الوحيدة في التاريخ التي تستعبد باسم الحرية وتسرق باسم المعونة وتفحش باسم الرقيّ. إنها الثقافة الوحيدة التي تُظلِم عقلك ثم تهيئ لك أنّها تنيره. لو أردت دليلاً على ذلك ببساطة انظر إلى رأيك في الكلمات السابقة، في الأغلب ستنفر منها و تسخر كلّما ازداد تعليمك، لقد تم إغباؤك و توريطك رغم أنك قد دفعت لهم لتنويرك وتحريرك. ليس هناك استعباد أسوأ من هذا على مرّ التاريخ.
وكلّ ما سبق كان فصلاًً من فصول انقلاب الهرم البشري بأفاعيل الحداثة، التي هي بلا جدل أسوأ ما حدث للبشر على الإطلاق؛ هي الأسوأ ليس فقط لأنها فعلت كل التحريف السابق في الفطرة البشرية، ثم جعلته عمومياً إجبارياً على كل البشر بالعولمة لا يسلم تاركه حتى لو اعتزل الناس، لكن كذلك لأنها الثقافة الوحيدة في التاريخ التي تستعبد باسم الحرية وتسرق باسم المعونة وتفحش باسم الرقيّ. إنها الثقافة الوحيدة التي تُظلِم عقلك ثم تهيئ لك أنّها تنيره. لو أردت دليلاً على ذلك ببساطة انظر إلى رأيك في الكلمات السابقة، في الأغلب ستنفر منها و تسخر كلّما ازداد تعليمك، لقد تم إغباؤك و توريطك رغم أنك قد دفعت لهم لتنويرك وتحريرك. ليس هناك استعباد أسوأ من هذا على مرّ التاريخ.
❤1
«الغرض من الاحتفال هو جعلنا ننسى أننا وحيدون وبائسون وعلى وشك الموت. بمعنى آخر، أن نحول أنفسنا إلى حيوانات. لهذا نجد لدى البدائي حساً احتفالي متطوراً جداً. بحرقه لبعض النباتات المهلوسة، مع ثلاثة دفوف، يكون قد حصل على ما يريد: القليل يمكن أن يمنحه المتعة. وعلى العكس من ذلك، لا يصل الغربي العادي [المعاصر العادي] إلى نشوة منقوصة إلا من خلال الدخول في حالة هذيان وصياح لا تنتهي ويخرج منها مخدرا وأصم: لا يملك أي حس احتفالي على الإطلاق. هو واعٍ بعمق بنفسه، وغريب جذرياً عن الآخرين، وتخيفه فكرة الموت، لهذا فهو غير قادر على تحقيق أي نوع من الاندماج. ومع ذلك يستمر. يحزنه جداً فقدان حالته الحيوانية، يشعر بالخزي والاستياء؛ ويود لو كان مولعاً بالحفلات، أو على الأقل أن يبدو كذلك. هو حقاً في وضع سيء.
[...] في الواقع، ما عليك سوى التخطيط للاستمتاع حتى تشعر بالملل. لذلك فإن الحل الأمثل هو التخلي عن الاحتفالات كلياً. لكن لسوء الحظ، يعتبر المولع بالحفلات [العربيد] شخصية محترمة لدرجة أن هذا التنازل يؤدي إلى تدهور شديد في الصورة الاجتماعية.»
— ميشال ويلبك
[...] في الواقع، ما عليك سوى التخطيط للاستمتاع حتى تشعر بالملل. لذلك فإن الحل الأمثل هو التخلي عن الاحتفالات كلياً. لكن لسوء الحظ، يعتبر المولع بالحفلات [العربيد] شخصية محترمة لدرجة أن هذا التنازل يؤدي إلى تدهور شديد في الصورة الاجتماعية.»
— ميشال ويلبك
👍2❤1
حسّ سليم
Video
من جهة يأتي التقدمي الليبرالي الأوروبي بالمهاجرين ويعمل على استقرارهم في أوروبا ويعدهم بالتسامح وتعدد الثقافات، ومن جهة أخرى يخلق أوضاعا تجعل من اندماجهم بالمستوى المتوقع أمرا شبه مستحيل (مضمون الفيديو كمثال). ثم يصيح في الجهة المقابلة اليميني - وهذه من مفارقاته المضحكة والطفولية - متهما المهاجرين بضعف العقلية الليبرالية والتقدمية لديهم وهو الذي يُحملها مسؤولية تفكك الثقافة الأوروبية التقليدية التي قد تكون أقرب للمهاجرين منها إليه. وهكذا يصنع التقدمي ظروفا يكون فيها المجتمع في حالة صراع وعدم استقرار دائمين لأنه بطبيعته يملك دائما المزيد والمزيد ويعتاش على ذلك.
لكن ضرر التقدمي على الدول الأوروبية أقل بكثير بالمقارنة بضرره على بقية الدول، فتلك دول حظيت بالاستقرار السياسي والأيديولوجي لعقود طويلة وربما لقرون مما سمح لها ببناء مؤسسات قوية وراسخة قبل ظهور التقدمي الذي لم يكن سوى نتيجة للترف الزائد لا سببا له.
في حين أن دولنا- التي ما زالت في طور التعرف على المؤسسات الحديثة- تعيش فوق رمال متحركة بسبب حالة الفعل وردات الفعل التي لا تنتهي، حيث لا نخرج من جدال حتى يفتح التقدمي جدالا آخر دون أي مراعاة لأي خصوصية لمجتمعه. وهذا ما يمكن أن نصفه ب "التطرف التقدمي"، وهو أشد أنواع التطرف نظرا لكونه التطرف الوحيد الذي لا يمكننا معرفة حدوده.
لكن ضرر التقدمي على الدول الأوروبية أقل بكثير بالمقارنة بضرره على بقية الدول، فتلك دول حظيت بالاستقرار السياسي والأيديولوجي لعقود طويلة وربما لقرون مما سمح لها ببناء مؤسسات قوية وراسخة قبل ظهور التقدمي الذي لم يكن سوى نتيجة للترف الزائد لا سببا له.
في حين أن دولنا- التي ما زالت في طور التعرف على المؤسسات الحديثة- تعيش فوق رمال متحركة بسبب حالة الفعل وردات الفعل التي لا تنتهي، حيث لا نخرج من جدال حتى يفتح التقدمي جدالا آخر دون أي مراعاة لأي خصوصية لمجتمعه. وهذا ما يمكن أن نصفه ب "التطرف التقدمي"، وهو أشد أنواع التطرف نظرا لكونه التطرف الوحيد الذي لا يمكننا معرفة حدوده.
❤1👌1
الموجة القادمة من "التطرف" ستولد من المناهضة الراديكالية للنسوية. وفي أي انفجار اجتماعي قادم أو صراع سياسي مسلح في المنطقة خلال الفترة القادمة سيكون وقودها هم شباب الميغتاو (MGTOW) والريد البيل (Red Pill). طبعا مايزال الأمر في بدايته، لكن يمكن استشعار ذلك من رؤية هذا الشباب (بدون تعميم) الذي يتصاعد عدده بشكل رهيب، حيث نجد أن لديهم نفس بروفيل جماعة الدولة ونفس الأسلوب العدواني في التعامل مع الآخرين ونفس طريقة التحرك في الأنترنت فيما يشبه ميليشيات رقمية لديها غريزة قطيع قوية لكنها عشوائية وبدون تنظيم صارم (ستشاهد عينة في التعليقات). كما لديهم أيضا نفس العلاقة مع الدين: شباب في أغلبه لا تظهر عليه علامات التدين، والدين بالنسبة له هو أقرب إلى الأداة التي يستعملها في اسكات الخصم.
والمثير في الاهتمام لدى هذه التيارات أنها لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تضم أيضا صنفا من شباب ملحد لم يكن متصورا في وقت من الأوقات أن لا يكون إلا مناصرا للنسوية من باب مناهضته للدين، ومايزال مناهضا للدين، لكنه يبحث عن فلسفات وأيديولوجيات محافظة تكون بديلا يستند عليه.
نفس الأمر يمكن ملاحظته في الغرب، حيث نجد أن الحركات الراديكالية في مناهضتها للنسوية تشكل إحدى المنابع الأساسية للشباب في التحول نحو اليمين "المتطرف".
كل هذا بسبب "تطرف" الخطاب النسوي الذي تصاعد في السنوات الأخيرة مع الانقلاب الذي صاحبه في قوانين الأحوال الشخصية. الشيء الذي يدفع الشباب اليوم (بالإضافة لمشاكل اقتصادية وتعليمية) إلى اليأس من المستقبل، وهذا الأمر كان دائما هو من الأسباب الرئيسية لحدوث الاضطرابات. شباب لم يعد يرغب في التعليم ولا في الزواج وتأسيس أسرة هو قنبلة موقوتة تنتظر فقط الوقت المناسب لتنفجر.
والمثير في الاهتمام لدى هذه التيارات أنها لا تقتصر على المؤمنين فقط، بل تضم أيضا صنفا من شباب ملحد لم يكن متصورا في وقت من الأوقات أن لا يكون إلا مناصرا للنسوية من باب مناهضته للدين، ومايزال مناهضا للدين، لكنه يبحث عن فلسفات وأيديولوجيات محافظة تكون بديلا يستند عليه.
نفس الأمر يمكن ملاحظته في الغرب، حيث نجد أن الحركات الراديكالية في مناهضتها للنسوية تشكل إحدى المنابع الأساسية للشباب في التحول نحو اليمين "المتطرف".
كل هذا بسبب "تطرف" الخطاب النسوي الذي تصاعد في السنوات الأخيرة مع الانقلاب الذي صاحبه في قوانين الأحوال الشخصية. الشيء الذي يدفع الشباب اليوم (بالإضافة لمشاكل اقتصادية وتعليمية) إلى اليأس من المستقبل، وهذا الأمر كان دائما هو من الأسباب الرئيسية لحدوث الاضطرابات. شباب لم يعد يرغب في التعليم ولا في الزواج وتأسيس أسرة هو قنبلة موقوتة تنتظر فقط الوقت المناسب لتنفجر.
👏9👍2❤1
العصر الحديث مثل العبد؛ يجعل من الحرية القيمة الأسمى عنده. لكنه لا يريدها، هي بالنسبة له واجهة منمقة ومضيئة تماما كمدخل ملهىً ليلي. يتحدث عنها كثيرا ولا يكاد يتحدث عن غيرها، لكنه غير مستعد للحظة لأن يدفع ثمنها.
الإنسان المعاصر، ساكن المدن الكبرى، الذي لسبب ما يظن أنه حر كما لم يكن إنسان من قبل، لا يملك عُشر حرية راعي أبقار في الصومال. هذا الأخير وبخلاف الأول، لا يمكنك قمعه بإشعار تهدده فيه بغلق حساب لا يملكه في مواقع التواصل، تحتاج إلى أكثر من ذلك، كأن تصوب رشاشا أو مدفعا نحو رأسه فقط ليلتفت إليك.
حرية واحدة متاحة للإنسان المعاصر: المتعة. إلى درجة أنه غير قادر أبداً على تمييزها عن الحرية، فهو يراهما شيئا واحداً، أو على الأقل يرى واحدة منهما موجودة فقط من أجل الأخرى.
الأكثر هيدونية في نظره هو الأكثر حرية. المتعة هي المحرر مثل نشوة خيط كوكايين يستنشقه مدمن طال به الانتظار. الحياة بالنسبة له بسيطة لا حاجة إلى تعقيدها. فما نسميه مبادئ ليست سوى أحمال حملها الإنسان نفسه عبثا في حين أن العالم بأسره يكفيه، لكي يسير كما ينبغي له، أن يتبع مبدأ واحدا: "الألم واللذة" (مذهب النفعية). عليه أن يعظم اللذة في هذا الوجود بأي طريقة، ويستأصل كل ألم بأي ثمن. باتّباع مبدأ "الألم/اللذة" تنتفي الحاجة إلى مبادئ أسمى؛ لا إيمان بمتجاوز ولا دين ولا شرف ولا شجاعة ولا إخلاص لانتماء من أي نوع. قيمة الشيء عنده متعلقة فقط بمقدار زيادته للذة وتقليله للألم. ثنائية "الألم/اللذة" حجته الوحيدة التي يمكنه من خلالها تبرير أي شيء: إن كان إجهاضا فالمهم أن الجنين لا يشعر بالألم أثناء تقطيع مقص الطبيب لأطرافه، ودع عنك هنا سؤال "هل هو إنسان؟" فتلك سفسطة في نظره. وإن كان قتلا رحيما فهو يخلص المريض من الألم، ولا تتكبد عناء التفكير في سؤال "من منحك سلطة الحكم بالموت أو الحياة على إنسان بريء؟". يدافع عن الحيوانات لسبب واحد: إنها تشعر بالألم أيضا، هذا هو الشيء الوحيد الذي يشعره براحة الضمير وهو يتناول خُضاره العضوية. يرى أنه بفضل هذا يقف على قمة الأخلاق الإنسانية، لكن أي إنسانية هذه وهو يشترك مع حيوان البرية في واحدية المبدأ؛ مبدأ الألم! واللذة.
الإنسان المعاصر، ساكن المدن الكبرى، الذي لسبب ما يظن أنه حر كما لم يكن إنسان من قبل، لا يملك عُشر حرية راعي أبقار في الصومال. هذا الأخير وبخلاف الأول، لا يمكنك قمعه بإشعار تهدده فيه بغلق حساب لا يملكه في مواقع التواصل، تحتاج إلى أكثر من ذلك، كأن تصوب رشاشا أو مدفعا نحو رأسه فقط ليلتفت إليك.
حرية واحدة متاحة للإنسان المعاصر: المتعة. إلى درجة أنه غير قادر أبداً على تمييزها عن الحرية، فهو يراهما شيئا واحداً، أو على الأقل يرى واحدة منهما موجودة فقط من أجل الأخرى.
الأكثر هيدونية في نظره هو الأكثر حرية. المتعة هي المحرر مثل نشوة خيط كوكايين يستنشقه مدمن طال به الانتظار. الحياة بالنسبة له بسيطة لا حاجة إلى تعقيدها. فما نسميه مبادئ ليست سوى أحمال حملها الإنسان نفسه عبثا في حين أن العالم بأسره يكفيه، لكي يسير كما ينبغي له، أن يتبع مبدأ واحدا: "الألم واللذة" (مذهب النفعية). عليه أن يعظم اللذة في هذا الوجود بأي طريقة، ويستأصل كل ألم بأي ثمن. باتّباع مبدأ "الألم/اللذة" تنتفي الحاجة إلى مبادئ أسمى؛ لا إيمان بمتجاوز ولا دين ولا شرف ولا شجاعة ولا إخلاص لانتماء من أي نوع. قيمة الشيء عنده متعلقة فقط بمقدار زيادته للذة وتقليله للألم. ثنائية "الألم/اللذة" حجته الوحيدة التي يمكنه من خلالها تبرير أي شيء: إن كان إجهاضا فالمهم أن الجنين لا يشعر بالألم أثناء تقطيع مقص الطبيب لأطرافه، ودع عنك هنا سؤال "هل هو إنسان؟" فتلك سفسطة في نظره. وإن كان قتلا رحيما فهو يخلص المريض من الألم، ولا تتكبد عناء التفكير في سؤال "من منحك سلطة الحكم بالموت أو الحياة على إنسان بريء؟". يدافع عن الحيوانات لسبب واحد: إنها تشعر بالألم أيضا، هذا هو الشيء الوحيد الذي يشعره براحة الضمير وهو يتناول خُضاره العضوية. يرى أنه بفضل هذا يقف على قمة الأخلاق الإنسانية، لكن أي إنسانية هذه وهو يشترك مع حيوان البرية في واحدية المبدأ؛ مبدأ الألم! واللذة.
❤8👍1
من المفارقات الغريبة لهذا العصر، جعله للدين شأنا خاصا، سراً من الأسرار الشخصية، وبعضهم يقول ذلك وكأنها بدهية.
يمكن تفهم ذلك إذا تعلق الأمر بالإيمان، لكن الدين من حيث هو المُنظم للمجتمع والرابط بين أفراده عبر التاريخ البشري كان دائما يقع في قلب الشأن العام، هو النشاط الاجتماعي الأول بلا منازع. الدين الذي ينحسر إلى الشأن الخاص لابد أن ينتهي ويزول لا محالة، فلا وجود لدين فردي، لا وجود لدين يعتنقه فرد واحد.
في المقابل، وهنا المفارقة، يحتفي هذا العصر بإخراج أكثر الأمور خصوصية على الإطلاق إلى العلن مثل الجنس والتوجهات الجنسية، فهو يعتبر ذلك فضيلة، فضيلة "الصدق"، فإن لم تفعل فأنت بالطبع "منافق". الأسرار الشخصية والعائلية تجلس في كل زاوية تتوسل الاعجاب والتعاطف. غرفة النوم أصبحت هي الشأن العام الوحيد المشترك، أصبحت قضية مع من تنام وكيف هوية يمكنك أن تُعرف نفسك من خلالها. عندما لم يعد أحد يجرؤ على التعبير عن إحدى الهويات التقليدية التي تم شيطنتها، مثل الهوية الدينية والقومية وأحيانا الوطنية، أصبح ما تفعله بعضوك التناسلي وحبك للإنسانية الكبير هما الهوية الوحيدة المتبقية والمسموح لك بها.
هذا العصر نفسه الذي يرفع أعلام العقلانية وهو يقول بأن الدين والقومية والوطن وربما حتى والديك، هم مجرد نتاج الصدفة التي لم تخترها، فلا تفتخر، هو من ينكس أعلامه ليرفع أعلام الفخر الملونة بألوان قوس قزح، افتخر فأنت ....
يمكن تفهم ذلك إذا تعلق الأمر بالإيمان، لكن الدين من حيث هو المُنظم للمجتمع والرابط بين أفراده عبر التاريخ البشري كان دائما يقع في قلب الشأن العام، هو النشاط الاجتماعي الأول بلا منازع. الدين الذي ينحسر إلى الشأن الخاص لابد أن ينتهي ويزول لا محالة، فلا وجود لدين فردي، لا وجود لدين يعتنقه فرد واحد.
في المقابل، وهنا المفارقة، يحتفي هذا العصر بإخراج أكثر الأمور خصوصية على الإطلاق إلى العلن مثل الجنس والتوجهات الجنسية، فهو يعتبر ذلك فضيلة، فضيلة "الصدق"، فإن لم تفعل فأنت بالطبع "منافق". الأسرار الشخصية والعائلية تجلس في كل زاوية تتوسل الاعجاب والتعاطف. غرفة النوم أصبحت هي الشأن العام الوحيد المشترك، أصبحت قضية مع من تنام وكيف هوية يمكنك أن تُعرف نفسك من خلالها. عندما لم يعد أحد يجرؤ على التعبير عن إحدى الهويات التقليدية التي تم شيطنتها، مثل الهوية الدينية والقومية وأحيانا الوطنية، أصبح ما تفعله بعضوك التناسلي وحبك للإنسانية الكبير هما الهوية الوحيدة المتبقية والمسموح لك بها.
هذا العصر نفسه الذي يرفع أعلام العقلانية وهو يقول بأن الدين والقومية والوطن وربما حتى والديك، هم مجرد نتاج الصدفة التي لم تخترها، فلا تفتخر، هو من ينكس أعلامه ليرفع أعلام الفخر الملونة بألوان قوس قزح، افتخر فأنت ....
🤯5❤3👍2
حسّ سليم
Photo
تقوم الحضارة البشرية، وكل مجتمع إنساني مهما اعتُبر بدائيا، على أربعة أبعاد في الإنسان. أبعاد تُرتب حسب المرحلة التي تعيشها الحضارة:
بداية الحضارة وصولا إلى أوج قوتها يكون على رأس الهرم البعد الديني Homo religiosus (الإنسان الديني)، يليه البعد السياسي Homo politicus (الإنسان السياسي)، ثم البعد الاقتصادي Homo economicus (الإنسان الاقتصادي)، وأخيرا بعد اللهو والمتعة Homo festivus (الإنسان الاحتفالي).
خلال قرون من الزمن شهد العالم الغربي صراعا بين الإنسان الديني والإنسان السياسي، بسبب ظروف متعلقة بأوروبا والمسيحية على وجه الخصوص. ثم انتهى الأمر بغلبة الإنسان السياسي على نظيره الديني، أو ما نسميه: العلمانية.
لكن هل انتصر السياسي فعلا؟
لم يكن الإنسان السياسي مدركا أنه بفعلته تلك سيقطع يده، أنه ما إن حكم على الإنسان الديني بالموت فقد حكم به على نفسه أيضا. حتى إن لحظة سقوط الإنسان الديني كانت هي نفسها لحظة قطع رأس الإنسان السياسي على يد البرجوازية أو "الإنسان الاقتصادي" الذي أعلن عن بداية حقبة جديدة تزيح ثنائي الإنسان الديني والسياسي وتعوضه بثنائي الإنسان الاقتصادي والاحتفالي. عصر جديد يزيح قيم الشرف والشجاعة وحس المقدس، ليستبدلها بقيم الربح والمنفعة والمدنس. كل ما لا جدوى اقتصادية منه وكل ما لا يمنح متعة أو يزيل ألما يفقد قيمته ويضمحل.
كانت الأسرة قديما هي المركز الاقتصادي للبشرية لكنها لم تعد كذلك مع اتساع المدن، إذن فلا حاجة لوجودها، هي مجرد حفل زفاف أي لحظة متعة أخرى. كان الإنجاب الوسيلة التي تضمن الاستمرارية وتنتقل من خلالها القيم والأملاك والمهن من جيل إلى جيل. أما اليوم، فباستثناء أقلية بلوتوقراطية مسموح لها وحدها بالاحتفاظ بفضائل العالم القديم، فإن الإنسان الحديث ليس لديه ما قد يحمل قيمة ليورثه، فهو يعيش بالإيجار والقروض، ولا يملك مهنة أو حرفة إذ نجده موظفا في شركة أو إدارة لا يتجاوز وجوده فيها كونه مجرد رقم، وبلا شك ليس لديه قيم يورثها بل إنه غير مسموح له بذلك. الإنجاب مجرد إشباع لغريزة يمكن تعويضها بتربية كلب أو قط. كما استحالت السيادة والحدود إلى مفاهيم بذيئة في العصر الحديث باعتبارها تمنع تجول الأموال والسلع. أما الدين فقد أصبح شأناً خاصا، مناسبة للاحتفال، هو في أحسن أحواله مواساة للإنسان تنسيه آلامه النفسية.
انحدار غير مسبوق للإنسان من المقدس والسياسي إلى الاقتصادي والمتعة، من الإنسان الأعلى إلى الإنسان الأدنى القادر على تبرير كل انحطاط له من خلال العاطفة والمتعة. فالاباحية هي ما يجسد ذروة هذا العصر رغم حديثه الذي لا ينقطع عن كرامة المرأة، إلا أنه يتعامى عن الإباحية التي تتضمن إهانة للمرأة كما لا يمكن أن يحدث، لكن لا بأس فالصناعة الإباحية تدر المليارات وأصبحت مشاهدتها النشاط الجنسي الأكثر شيوعا في انقلاب غير مسبوق في الممارسة الجنسية.
يُحاضر هذا العصر كثيرا في كرامة الإنسان وحقوقه، لكنه لا يمانع قتل جنين بعد نزع صفة الإنسانية عنه لأن أمه صاحبة طموح في وظيفتها أو تريد التمتع بسنوات أخرى من حياتها.
هذا العصر الذي يدعي حماية الفرد لا يفعل ذلك إلا إذا كانت لهذا الأخير جدوى اقتصادية، فإن لم يكن منه جدوى فلا بأس بحقنة في الوريد تنهي حياته غير المنتجة أو يلقى به في دار للعجزة تستنزف مرتب تقاعده في انتظار الموت.
كان الديني والسياسي هما ما يمنحان الإنسان هويته، من خلالهما يعلم أنه ليس مثل بقية البهائم التي تجري في البرية، وبتراجعهما يفقد الإنسان كل قيمة له ويُختزل في الإنسان المجرد الذي لا طعم له ولا رائحة.
بداية الحضارة وصولا إلى أوج قوتها يكون على رأس الهرم البعد الديني Homo religiosus (الإنسان الديني)، يليه البعد السياسي Homo politicus (الإنسان السياسي)، ثم البعد الاقتصادي Homo economicus (الإنسان الاقتصادي)، وأخيرا بعد اللهو والمتعة Homo festivus (الإنسان الاحتفالي).
خلال قرون من الزمن شهد العالم الغربي صراعا بين الإنسان الديني والإنسان السياسي، بسبب ظروف متعلقة بأوروبا والمسيحية على وجه الخصوص. ثم انتهى الأمر بغلبة الإنسان السياسي على نظيره الديني، أو ما نسميه: العلمانية.
لكن هل انتصر السياسي فعلا؟
لم يكن الإنسان السياسي مدركا أنه بفعلته تلك سيقطع يده، أنه ما إن حكم على الإنسان الديني بالموت فقد حكم به على نفسه أيضا. حتى إن لحظة سقوط الإنسان الديني كانت هي نفسها لحظة قطع رأس الإنسان السياسي على يد البرجوازية أو "الإنسان الاقتصادي" الذي أعلن عن بداية حقبة جديدة تزيح ثنائي الإنسان الديني والسياسي وتعوضه بثنائي الإنسان الاقتصادي والاحتفالي. عصر جديد يزيح قيم الشرف والشجاعة وحس المقدس، ليستبدلها بقيم الربح والمنفعة والمدنس. كل ما لا جدوى اقتصادية منه وكل ما لا يمنح متعة أو يزيل ألما يفقد قيمته ويضمحل.
كانت الأسرة قديما هي المركز الاقتصادي للبشرية لكنها لم تعد كذلك مع اتساع المدن، إذن فلا حاجة لوجودها، هي مجرد حفل زفاف أي لحظة متعة أخرى. كان الإنجاب الوسيلة التي تضمن الاستمرارية وتنتقل من خلالها القيم والأملاك والمهن من جيل إلى جيل. أما اليوم، فباستثناء أقلية بلوتوقراطية مسموح لها وحدها بالاحتفاظ بفضائل العالم القديم، فإن الإنسان الحديث ليس لديه ما قد يحمل قيمة ليورثه، فهو يعيش بالإيجار والقروض، ولا يملك مهنة أو حرفة إذ نجده موظفا في شركة أو إدارة لا يتجاوز وجوده فيها كونه مجرد رقم، وبلا شك ليس لديه قيم يورثها بل إنه غير مسموح له بذلك. الإنجاب مجرد إشباع لغريزة يمكن تعويضها بتربية كلب أو قط. كما استحالت السيادة والحدود إلى مفاهيم بذيئة في العصر الحديث باعتبارها تمنع تجول الأموال والسلع. أما الدين فقد أصبح شأناً خاصا، مناسبة للاحتفال، هو في أحسن أحواله مواساة للإنسان تنسيه آلامه النفسية.
انحدار غير مسبوق للإنسان من المقدس والسياسي إلى الاقتصادي والمتعة، من الإنسان الأعلى إلى الإنسان الأدنى القادر على تبرير كل انحطاط له من خلال العاطفة والمتعة. فالاباحية هي ما يجسد ذروة هذا العصر رغم حديثه الذي لا ينقطع عن كرامة المرأة، إلا أنه يتعامى عن الإباحية التي تتضمن إهانة للمرأة كما لا يمكن أن يحدث، لكن لا بأس فالصناعة الإباحية تدر المليارات وأصبحت مشاهدتها النشاط الجنسي الأكثر شيوعا في انقلاب غير مسبوق في الممارسة الجنسية.
يُحاضر هذا العصر كثيرا في كرامة الإنسان وحقوقه، لكنه لا يمانع قتل جنين بعد نزع صفة الإنسانية عنه لأن أمه صاحبة طموح في وظيفتها أو تريد التمتع بسنوات أخرى من حياتها.
هذا العصر الذي يدعي حماية الفرد لا يفعل ذلك إلا إذا كانت لهذا الأخير جدوى اقتصادية، فإن لم يكن منه جدوى فلا بأس بحقنة في الوريد تنهي حياته غير المنتجة أو يلقى به في دار للعجزة تستنزف مرتب تقاعده في انتظار الموت.
كان الديني والسياسي هما ما يمنحان الإنسان هويته، من خلالهما يعلم أنه ليس مثل بقية البهائم التي تجري في البرية، وبتراجعهما يفقد الإنسان كل قيمة له ويُختزل في الإنسان المجرد الذي لا طعم له ولا رائحة.
❤10
هناك جدلية لا نتوقف عن سماعها حول التكيف أو الثبات. هل يجب أن نتكيف مع هذا العصر أو أن نأخذ موقفا ثابتا قد يكون مناهضا له؟
هذا السؤال يطرح كثيرا دون محاولة فهم معاني الكلمات بالتحديد. ماذا نقصد بقولنا "هذا العصر"؟ ما هو هذا العصر؟
عندما ندقق في ما يقال أنه يجب التكيف معه وكأنه قدر منزل من السماء قد يتخيل بعض الناس أن الحديث هو عن "التقنية" في حين أن المقصود يتعلق بأيديولوجيات منحتها هيمنةُ أصحابها العسكرية والاقتصادية القوة لتدّعي الثبات البديهي وتفرض على غيرها التكيف مثل مغلوب يقلد الغالب. عندما يقال لك اليوم أنه ينبغي عليك التكيف فإنه لا يقصد بذلك التكيف مع الهاتف الذكي الذي في يدك، فهو لا يهتم إن كنت تقدميا أم رجعيا، وبرنامج غزو الفضاء لا يشترط عليك الديمقراطية أو الديكتاتورية وإلا ما كنا لنسمع بيوري غاغارين.
ما يطلب منك التكيف معه هو هيمنة الليبرالية والإنسانوية والنسبوية (إلى حد ما) والنسوية …إلخ. أيديولوجيات ثابتة -تدعي الحركة- ينبغي على الجميع التكيف معها، فإن قالت "حرية" ادعى الجميع أنهم أحرار قبل أن يسمع أحد شيئا عن الحرية، وإن قالت "نسوية" ادعى الجميع أنهم أصل النسوية قبل أن يفطن لها أحد من العالمين، وإن قالت "حقوق الإنسان" قالوا: "انظروا، نحن أصلا من اخترعها". الجميع إنسانيون، الجميع ديمقراطيون، لأن هناك ثابتاً بديهياً يؤمن به الجميع وكل ما سواه متغير شكلي عليه أن يتكيف. هذا ما يسميه المعاصرون: التغيير.
«يطلق الإنسان المعاصر صفة "التغيير" على السير بشكل أسرع على نفس المسار وفي نفس الاتجاه.
العالم، خلال الثلاثة قرون الأخيرة، لم يتغير إلا في ذلك الاتجاه.
مجرد طرح تغيير حقيقي يصدم ويفزع الإنسان المعاصر.»
— نيكولاس ڠوميز داڤيلا
هذا السؤال يطرح كثيرا دون محاولة فهم معاني الكلمات بالتحديد. ماذا نقصد بقولنا "هذا العصر"؟ ما هو هذا العصر؟
عندما ندقق في ما يقال أنه يجب التكيف معه وكأنه قدر منزل من السماء قد يتخيل بعض الناس أن الحديث هو عن "التقنية" في حين أن المقصود يتعلق بأيديولوجيات منحتها هيمنةُ أصحابها العسكرية والاقتصادية القوة لتدّعي الثبات البديهي وتفرض على غيرها التكيف مثل مغلوب يقلد الغالب. عندما يقال لك اليوم أنه ينبغي عليك التكيف فإنه لا يقصد بذلك التكيف مع الهاتف الذكي الذي في يدك، فهو لا يهتم إن كنت تقدميا أم رجعيا، وبرنامج غزو الفضاء لا يشترط عليك الديمقراطية أو الديكتاتورية وإلا ما كنا لنسمع بيوري غاغارين.
ما يطلب منك التكيف معه هو هيمنة الليبرالية والإنسانوية والنسبوية (إلى حد ما) والنسوية …إلخ. أيديولوجيات ثابتة -تدعي الحركة- ينبغي على الجميع التكيف معها، فإن قالت "حرية" ادعى الجميع أنهم أحرار قبل أن يسمع أحد شيئا عن الحرية، وإن قالت "نسوية" ادعى الجميع أنهم أصل النسوية قبل أن يفطن لها أحد من العالمين، وإن قالت "حقوق الإنسان" قالوا: "انظروا، نحن أصلا من اخترعها". الجميع إنسانيون، الجميع ديمقراطيون، لأن هناك ثابتاً بديهياً يؤمن به الجميع وكل ما سواه متغير شكلي عليه أن يتكيف. هذا ما يسميه المعاصرون: التغيير.
«يطلق الإنسان المعاصر صفة "التغيير" على السير بشكل أسرع على نفس المسار وفي نفس الاتجاه.
العالم، خلال الثلاثة قرون الأخيرة، لم يتغير إلا في ذلك الاتجاه.
مجرد طرح تغيير حقيقي يصدم ويفزع الإنسان المعاصر.»
— نيكولاس ڠوميز داڤيلا
👍4❤1👌1
حسّ سليم
Photo
هناك دائما من ينكب على حساب عدد من قتل من أجل ذلك الدين أو ذاك، كم عدد من قُتل على يد الملحدين أو الشيوعيين أو الفاشيين.
لكن لا يبدو أن هناك من يهتم كثيرا بعدد من قتلوا باسم الديمقراطية مثلا أو الحرية أو المساواة، كم عدد الذين قتلوا من أجل حقوق الإنسان ونشر التنوير، وكأن من يقتل في سبيل هذه الشعارات معفى تلقائيا لأنه يمثل فريق الخير، وفريق الخير مغفور له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، ومن قتل في طريقه ينسى أمره أو يتحمل وزره الفريق الآخر ويسجل باسمه، أو في أسوء الأحوال نصبح فجأة عقلانيين ونبحث لفريق الخير عن دوافع أخرى غير معلنة لحروبه غير تلك الشعارات التي، وبعكس غيرها، ينبغي تنزيهها عن كل دنس. هي مفاهيم يتصورها المعاصرون بديهية ولا يفهمون كيف يمكن أن تناقش وتوضع مع غيرها في سلة واحدة ولو من باب الموضوعية بدون أدنى احترام لجلالتها وقدرها.
«في هذا القرن سُجن أناس من أجل الحرية، أذلوا وعُذبوا باسم المساواة، ذُبحوا في سبيل الأخوة، أكثر من أي سبب أقل نفاقاً في العصور الوسطى.»
— روي كامبل
لكن لا يبدو أن هناك من يهتم كثيرا بعدد من قتلوا باسم الديمقراطية مثلا أو الحرية أو المساواة، كم عدد الذين قتلوا من أجل حقوق الإنسان ونشر التنوير، وكأن من يقتل في سبيل هذه الشعارات معفى تلقائيا لأنه يمثل فريق الخير، وفريق الخير مغفور له ما تقدم وما تأخر من ذنبه، ومن قتل في طريقه ينسى أمره أو يتحمل وزره الفريق الآخر ويسجل باسمه، أو في أسوء الأحوال نصبح فجأة عقلانيين ونبحث لفريق الخير عن دوافع أخرى غير معلنة لحروبه غير تلك الشعارات التي، وبعكس غيرها، ينبغي تنزيهها عن كل دنس. هي مفاهيم يتصورها المعاصرون بديهية ولا يفهمون كيف يمكن أن تناقش وتوضع مع غيرها في سلة واحدة ولو من باب الموضوعية بدون أدنى احترام لجلالتها وقدرها.
«في هذا القرن سُجن أناس من أجل الحرية، أذلوا وعُذبوا باسم المساواة، ذُبحوا في سبيل الأخوة، أكثر من أي سبب أقل نفاقاً في العصور الوسطى.»
— روي كامبل
❤4
حسّ سليم
Photo
من أجل تبرير كل انحراف جنسي يقول الليبراليون بأن القاعدة الوحيدة التي يجب أن تحكم العلاقات الجنسية هي القبول (consent). إذا توفر القبول قبل وأثناء العملية الجنسية فإن ذلك الفعل أخلاقي تماما مهما كان شكله، لأنه وكما نعلم، الفعل الأخلاقي الوحيد بالنسبة لليبراليين هو الفعل الناجم عن إرادة حرة -بغض النظر عن طبيعة الفعل في حد ذاته- ما لم يسبب ضررا مباشراً وواضحا لبقية الأفراد، بمعنى أن أحَطّ فعل قد تتخيله يمكن ببساطة أن يصبح فضيلة يحتفى بها فقط لأنه وليد إرادة حرة ولا يتعارض مع مبدأ "أنت حر ما لم تضر".
لا يمكن فهم طبيعة هذه الرغبة المعاصرة في تأسيس قاعدة أخلاقية -خارج الدين وخارج التقاليد التي تحدد قواعد ثابتة- بناءً على بعض المبادئ البسيطة إلا بدفع هذه الأخيرة إلى مداها الأخير أو ما يعرف بـ"برهان الخلف" Reductio ad absurdum لنعرف إن كانت فعلا مبادئ تصلح لأن تكون قاعدة متناسقة لا تشوبها التناقضات.
أولاً: الأطفال
ماذا عن الطفل الذي يمكنه أن يُعبر لفظيا بشكل واضح عن قبوله ورغبته في علاقة جنسية ويستمتع بها؟
هنا يجيب الليبراليون بأن الطفل غير قادر بطبيعته على تقديم قبول حقيقي لأنه لا يملك الوعي الكافي لذلك وبالتالي ليس له إرادة حرة. لكن ماذا لو رغب الطفل في الجنس مع طفل آخر؟ هنا يرى الليبراليون بأن العلاقة سليمة تماما ولا مشكلة أخلاقية في ممارسة الأطفال للجنس بين بعضهم البعض. يمكن لمراهقة عمرها 15 سنة أن تنجب من زميلها في الصف، لكن لا يمكن أن تفعل ذلك مع شخص عمره 21 سنة. بالتالي نرى هنا بأن المشكلة ليست في ممارسة الطفل للجنس في حد ذاته بل في (مع من يمارسه)، وكأنهم يقولون: لا قبول + لا قبول = قبول.
ثانيا: حالة السُكر.
يقول الليبراليون بأن ممارسة الجنس مع شخص تحت تأثير الكحول أو المخدرات -بغض النظر عن نوع العلاقة التي تربطه بالآخر- هو اغتصاب، أي غير أخلاقي، لأن ذلك الشخص وإن كان بالغا إلا أنه في تلك الحالة عاجز عن تقديم القبول، كالطفل تماما. لكن ماذا لو أجبر شخص تحت تأثير المخدرات أو الكحول شخصا آخر على الجنس؟ أليس هذا المعتدي أيضا في حالة لاوعي ولو كانت له إرادة حرة لما قام بذلك الفعل؟ مرة أخرى يفشل مبدأ القبول في تقديم تصور متسق يعمل في الاتجاهين. كما أنه مبدأ خطير لو اعتُمد فعلا لتبرير الجرائم التي تقع تحت تأثير المخدرات (وقد بدأ هذا التبرير يتسلل نوعا ما إلى الواقع).
ثالثا: زنا المحارم.
يقول الليبراليون بأن كل علاقة جنسية تتم بالتراضي بين شخصين بالغين -أو أكثر- في كامل وعيهم هي علاقة سليمة تماما ولا غبار عليها. لكن ماذا عن زنا المحارم؟ من السهل أن نشعر بصراع الليبراليين في هكذا مأزق، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة أزمة أخلاقية حقيقية، فهم في داخلهم يعلمون أن هذا الفعل غير أخلاقي لكنهم مجبرون على الدفاع عن أيديولوجيتهم. فيحاول بعضهم أن يُشاغب ويتهرب من السؤال بشتى الطرق، أما الأكثر ذكاءً وقدرة من بينهم على المحاججة فيقولون بأن العلاقة بين الأخ وأخته غير سليمة لأنها قد تنتج طفلا يعاني من تشوهات خَلقية وأمراض وراثية، فيصونون بذلك مبدأ "أنت حر ما لم تضر". لكن ماذا لو ضاجع أخ أخته باستعمال موانع الحمل؟ ماذا لو لجأوا إلى الإجهاض المقبول تماما ليبراليا؟ والأهم من هذا، ماذا لو كانت العلاقة بين أخ وأخيه؟ بين أب وابنه؟ أي رد تملكه المبادئ الليبرالية هنا غير الصمت؟ Love wins كما نعلم..فكيف يمكن لليبرالي أن يقف ضد علاقة "حب" لا تتسبب بالضرر لأي أحد؟
رابعا: الزوفيليا.
هذا مثال على قمة العبث التي قد تصل إليها المبادئ الليبرالية. لا يملك الليبراليون في نقاشاتهم حول الجنس مع الحيوانات أي حجة ضده سوى عدم قبول الحيوان للعلاقة، ويضيفون بأنه حتى لو تمكن الإنسان من تحديد قبول الحيوان من خلال دراسة سلوكه وحركاته فإن هذا الأخير عاجز عن تقديم القبول الحقيقي الناجم عن إرادة حرة تماما مثل الأطفال. لكن المعضلة التي يتجاهلها هنا الليبراليون دائما في نقاشاتهم، والتي تبيّن أن ما يطرحونه مجرد ترقيع من غير المعقول أن يُعتمد عليه في تأسيس منظومة أخلاقية متناسقة، هي أن أغلب الليبراليين موافقون تماما على أن الإنسان يمكنه قتل الحيوان لأكل لحمه دون أي اهتمام بقبوله، فكيف نتحدث عن القبول عندما يتعلق الأمر بالجنس؟ وكأننا نقول: لا يمكنك مضاجعة تلك المرأة لأنها رافضة لكن يمكنك قتلها إن شئت. قمة العبث والتناقض اللذين يمكن تخيلهما!
ملاحظة: الدول الغربية لا تسمح إلى غاية اليوم بالجنس مع الحيوانات وبعضها يمنع زنا المحرام.. القضية لست هنا، القضية أنها لا تفعل ذلك بناء على أسس ليبرالية بل تعتمد على الإرث الأخلاقي في المجتمع الأوروبي.
لا يمكن فهم طبيعة هذه الرغبة المعاصرة في تأسيس قاعدة أخلاقية -خارج الدين وخارج التقاليد التي تحدد قواعد ثابتة- بناءً على بعض المبادئ البسيطة إلا بدفع هذه الأخيرة إلى مداها الأخير أو ما يعرف بـ"برهان الخلف" Reductio ad absurdum لنعرف إن كانت فعلا مبادئ تصلح لأن تكون قاعدة متناسقة لا تشوبها التناقضات.
أولاً: الأطفال
ماذا عن الطفل الذي يمكنه أن يُعبر لفظيا بشكل واضح عن قبوله ورغبته في علاقة جنسية ويستمتع بها؟
هنا يجيب الليبراليون بأن الطفل غير قادر بطبيعته على تقديم قبول حقيقي لأنه لا يملك الوعي الكافي لذلك وبالتالي ليس له إرادة حرة. لكن ماذا لو رغب الطفل في الجنس مع طفل آخر؟ هنا يرى الليبراليون بأن العلاقة سليمة تماما ولا مشكلة أخلاقية في ممارسة الأطفال للجنس بين بعضهم البعض. يمكن لمراهقة عمرها 15 سنة أن تنجب من زميلها في الصف، لكن لا يمكن أن تفعل ذلك مع شخص عمره 21 سنة. بالتالي نرى هنا بأن المشكلة ليست في ممارسة الطفل للجنس في حد ذاته بل في (مع من يمارسه)، وكأنهم يقولون: لا قبول + لا قبول = قبول.
ثانيا: حالة السُكر.
يقول الليبراليون بأن ممارسة الجنس مع شخص تحت تأثير الكحول أو المخدرات -بغض النظر عن نوع العلاقة التي تربطه بالآخر- هو اغتصاب، أي غير أخلاقي، لأن ذلك الشخص وإن كان بالغا إلا أنه في تلك الحالة عاجز عن تقديم القبول، كالطفل تماما. لكن ماذا لو أجبر شخص تحت تأثير المخدرات أو الكحول شخصا آخر على الجنس؟ أليس هذا المعتدي أيضا في حالة لاوعي ولو كانت له إرادة حرة لما قام بذلك الفعل؟ مرة أخرى يفشل مبدأ القبول في تقديم تصور متسق يعمل في الاتجاهين. كما أنه مبدأ خطير لو اعتُمد فعلا لتبرير الجرائم التي تقع تحت تأثير المخدرات (وقد بدأ هذا التبرير يتسلل نوعا ما إلى الواقع).
ثالثا: زنا المحارم.
يقول الليبراليون بأن كل علاقة جنسية تتم بالتراضي بين شخصين بالغين -أو أكثر- في كامل وعيهم هي علاقة سليمة تماما ولا غبار عليها. لكن ماذا عن زنا المحارم؟ من السهل أن نشعر بصراع الليبراليين في هكذا مأزق، حيث يجدون أنفسهم في مواجهة أزمة أخلاقية حقيقية، فهم في داخلهم يعلمون أن هذا الفعل غير أخلاقي لكنهم مجبرون على الدفاع عن أيديولوجيتهم. فيحاول بعضهم أن يُشاغب ويتهرب من السؤال بشتى الطرق، أما الأكثر ذكاءً وقدرة من بينهم على المحاججة فيقولون بأن العلاقة بين الأخ وأخته غير سليمة لأنها قد تنتج طفلا يعاني من تشوهات خَلقية وأمراض وراثية، فيصونون بذلك مبدأ "أنت حر ما لم تضر". لكن ماذا لو ضاجع أخ أخته باستعمال موانع الحمل؟ ماذا لو لجأوا إلى الإجهاض المقبول تماما ليبراليا؟ والأهم من هذا، ماذا لو كانت العلاقة بين أخ وأخيه؟ بين أب وابنه؟ أي رد تملكه المبادئ الليبرالية هنا غير الصمت؟ Love wins كما نعلم..فكيف يمكن لليبرالي أن يقف ضد علاقة "حب" لا تتسبب بالضرر لأي أحد؟
رابعا: الزوفيليا.
هذا مثال على قمة العبث التي قد تصل إليها المبادئ الليبرالية. لا يملك الليبراليون في نقاشاتهم حول الجنس مع الحيوانات أي حجة ضده سوى عدم قبول الحيوان للعلاقة، ويضيفون بأنه حتى لو تمكن الإنسان من تحديد قبول الحيوان من خلال دراسة سلوكه وحركاته فإن هذا الأخير عاجز عن تقديم القبول الحقيقي الناجم عن إرادة حرة تماما مثل الأطفال. لكن المعضلة التي يتجاهلها هنا الليبراليون دائما في نقاشاتهم، والتي تبيّن أن ما يطرحونه مجرد ترقيع من غير المعقول أن يُعتمد عليه في تأسيس منظومة أخلاقية متناسقة، هي أن أغلب الليبراليين موافقون تماما على أن الإنسان يمكنه قتل الحيوان لأكل لحمه دون أي اهتمام بقبوله، فكيف نتحدث عن القبول عندما يتعلق الأمر بالجنس؟ وكأننا نقول: لا يمكنك مضاجعة تلك المرأة لأنها رافضة لكن يمكنك قتلها إن شئت. قمة العبث والتناقض اللذين يمكن تخيلهما!
ملاحظة: الدول الغربية لا تسمح إلى غاية اليوم بالجنس مع الحيوانات وبعضها يمنع زنا المحرام.. القضية لست هنا، القضية أنها لا تفعل ذلك بناء على أسس ليبرالية بل تعتمد على الإرث الأخلاقي في المجتمع الأوروبي.
❤1