حسّ سليم
Photo
«العالم المعاصر مليء بأناس شديدي التعلق بدوغمائيات لا يعلمون بأنها دوغمائيات.»
― غلبرت كايث تشيسترتون
يهوى المعاصرون النظر بتعالي للقدماء والسخرية منهم ظناً منهم أنهم "عقلانيون" بدون أساطير وعقائد تحجب رؤيتهم للعالم كما هو على خلاف أجدادهم المساكين والدراويش. من ضمن ما يسخر منه المعاصرين هو "تبجيل الأموات" أو "عبادة الأجداد" لدى القدماء وسعيهم لطلب البركة من الموتى وأحياناً من الأحياء... لكن إذا نظرنا للمعاصرين بعين مجردة سنجدهم لا يختلفون في الجوهر عن القدماء من حيث تبجيل الأموات وطلب ما يشبه البركة، لكن بشكل معلمن ومع شخصيات ذات أدوار مختلفة. كان القدماء ومن هم على منوالهم يعظمون شخصيات مثل الأنبياء والقديسين والسلف والمحاربين الأبطال والأولياء الصالحين وأحياناً الفلاسفة. أما المعاصرين فكل ما قاموا به هو استبدال من سلف ذكرهم بـ الأباء المؤسسين وعلماء الطبيعة ومن تفرع عنهم من مبسطين للعلوم، بالإضافة إلى عبادة المشاهير (CWS) من نجوم الكرة والغناء والسينما ...إلخ. يمكننا القول بأنه لو أتيحت للقدماء فرصة رؤية المعاصرين وهم ينفقون ثروات طائلة من أجل قميص "س" أو توقيع "ع" لسخروا منهم هم أيضاً ولأعتبروا ذلك ضرباً من الخبل والدروشة.
إذن؛ ورغم ادعاء المعاصرين بأنهم لا يقدسون الموتى وأن كل اهتمامهم موجه نحو الأحياء فقط، إلا أن لديهم نفس ذلك الشعور بالهالة الروحانية تماماً كما لدى القدماء عند وقوفهم أمام بعض الشخصيات أو بقاياهم، تشهد على ذلك متاحفهم المليئة ببقايا الشخصيات التاريخية القريبة منهم كما لم يفعل البشر من قبل، ونحتهم للتماثيل والنصب التذكارية لا يكون سوى لتخليد ذكرى الموتى في حين ربما لم يفعل ذلك القدماء إلا لتمجيد الأحياء (الملوك والقادة الأحياء) أو الآلهة.
حتى أولئك العلماويين (من علموية Scientism) الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم يمثلون أعلى درجات العقلانية ولا يوجد فوقهم سوى كوكب زحل، هم بدورهم يتعاملون مع العلماء كأنبياء ومبسطي العلوم كقديسين يطلبون منهم البركة وإلا كيف نفسر مثلاً احتفاظ جامعة أكسفورد بلوح كتب عليه أينشتاين في زيارةٍ له بعض المعادلات حتى يتمكن الناس من الوقوف أمامه مذهولين رغم أنه فيزيائياً لا يمثل عملاً استثنائياً في حد ذاته بحيث لا يمكن تعويضه إذا ضاع، فأي فيزيائي اليوم يمكنه كتابة ما هو أكثر قيمةً وتعقيداً منه، ولا هو لوحة فنية تحتاج لإبداع، كما أنه ليس من العجائب السبع أو الآثار التي تعطينا فكرة عن الأمم السابقة وغالباً من يزوره لن يفهم شيء من تلك المعادلات، وبالتالي هو هناك فقط من أجل بعده الروحاني، يؤكد هذا ما قاله عن اللوح Jim Bennett وهو مؤرخ ومدير متحف أكسفورد الذي يوجد فيه اللوح «يأتي الناس إلى هنا ليلقوا عليه نظرة وكأنه شيء يكاد يكون ديني، لأن أينشتاين يحظى بهذه المكانة في العالم المعاصر.» ويقول أيضاً Stephen Johnston أحد القائمين على المتحف «أينشتاين هو قديس علماني، والناس تأتي إلى هنا لتكون في حضوره، هذا اللوح ليس سوى طريقة للتواجد مع أينشتاين في نفس المكان.»
لا يتوقف الأمر بالنسبة لأينشتاين عند هذا اللوح الذي يُعامل وكأنه أحد ألواح موسى، هناك أيضا قلم أينشتاين، كرسي أينشتاين، مغسل أينشتاين، مخ أينشتاين، المقهى الذي كان يجلس فيه أينشتاين الذي تحول الآن إلى مزار، هناك حتى ذلك الطباشير الذي كتب به على ذلك اللوح في أوكسفرد، ويعود الفضل في الاحتفاظ به إلى طالبٍ فطن قفز إلى قطعة الطباشير في نهاية المحاضرة (لا أدري أين مر علي مشهد مشابه... ربما الطرق الصوفية!!)
طبعًا لا يقتصر الأمر على أينشتاين فقط، لدينا مثلاً إصبع غاليليو، الذي يمكننا فهم قيمته فقط إذا اعتبرناه أداةً للرصد الفلكي كونه على الأغلب كان يستعمله للإشارة إلى النجوم. لدينا أيضاً شجرة التفاح تلك التي قيل أن نيوتن كان يجلس تحتها وهي اليوم مزار حتى وإن لم تعد تثمر. لدينا أيضاً كرة معدنية بداخلها رماد تيسلا وهي الآن في أحد متاحف صربيا، لدينا أيضاً (وهذه الأكثر غرابةً) في متحف هنري فورد للإبداع الأمريكي أنبوب زجاجي بداخله آخر نفس لتوماس آديسون، السؤال هنا كيف عرفوا أي الأنفاس سيكون هو الأخير؟
― غلبرت كايث تشيسترتون
يهوى المعاصرون النظر بتعالي للقدماء والسخرية منهم ظناً منهم أنهم "عقلانيون" بدون أساطير وعقائد تحجب رؤيتهم للعالم كما هو على خلاف أجدادهم المساكين والدراويش. من ضمن ما يسخر منه المعاصرين هو "تبجيل الأموات" أو "عبادة الأجداد" لدى القدماء وسعيهم لطلب البركة من الموتى وأحياناً من الأحياء... لكن إذا نظرنا للمعاصرين بعين مجردة سنجدهم لا يختلفون في الجوهر عن القدماء من حيث تبجيل الأموات وطلب ما يشبه البركة، لكن بشكل معلمن ومع شخصيات ذات أدوار مختلفة. كان القدماء ومن هم على منوالهم يعظمون شخصيات مثل الأنبياء والقديسين والسلف والمحاربين الأبطال والأولياء الصالحين وأحياناً الفلاسفة. أما المعاصرين فكل ما قاموا به هو استبدال من سلف ذكرهم بـ الأباء المؤسسين وعلماء الطبيعة ومن تفرع عنهم من مبسطين للعلوم، بالإضافة إلى عبادة المشاهير (CWS) من نجوم الكرة والغناء والسينما ...إلخ. يمكننا القول بأنه لو أتيحت للقدماء فرصة رؤية المعاصرين وهم ينفقون ثروات طائلة من أجل قميص "س" أو توقيع "ع" لسخروا منهم هم أيضاً ولأعتبروا ذلك ضرباً من الخبل والدروشة.
إذن؛ ورغم ادعاء المعاصرين بأنهم لا يقدسون الموتى وأن كل اهتمامهم موجه نحو الأحياء فقط، إلا أن لديهم نفس ذلك الشعور بالهالة الروحانية تماماً كما لدى القدماء عند وقوفهم أمام بعض الشخصيات أو بقاياهم، تشهد على ذلك متاحفهم المليئة ببقايا الشخصيات التاريخية القريبة منهم كما لم يفعل البشر من قبل، ونحتهم للتماثيل والنصب التذكارية لا يكون سوى لتخليد ذكرى الموتى في حين ربما لم يفعل ذلك القدماء إلا لتمجيد الأحياء (الملوك والقادة الأحياء) أو الآلهة.
حتى أولئك العلماويين (من علموية Scientism) الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم يمثلون أعلى درجات العقلانية ولا يوجد فوقهم سوى كوكب زحل، هم بدورهم يتعاملون مع العلماء كأنبياء ومبسطي العلوم كقديسين يطلبون منهم البركة وإلا كيف نفسر مثلاً احتفاظ جامعة أكسفورد بلوح كتب عليه أينشتاين في زيارةٍ له بعض المعادلات حتى يتمكن الناس من الوقوف أمامه مذهولين رغم أنه فيزيائياً لا يمثل عملاً استثنائياً في حد ذاته بحيث لا يمكن تعويضه إذا ضاع، فأي فيزيائي اليوم يمكنه كتابة ما هو أكثر قيمةً وتعقيداً منه، ولا هو لوحة فنية تحتاج لإبداع، كما أنه ليس من العجائب السبع أو الآثار التي تعطينا فكرة عن الأمم السابقة وغالباً من يزوره لن يفهم شيء من تلك المعادلات، وبالتالي هو هناك فقط من أجل بعده الروحاني، يؤكد هذا ما قاله عن اللوح Jim Bennett وهو مؤرخ ومدير متحف أكسفورد الذي يوجد فيه اللوح «يأتي الناس إلى هنا ليلقوا عليه نظرة وكأنه شيء يكاد يكون ديني، لأن أينشتاين يحظى بهذه المكانة في العالم المعاصر.» ويقول أيضاً Stephen Johnston أحد القائمين على المتحف «أينشتاين هو قديس علماني، والناس تأتي إلى هنا لتكون في حضوره، هذا اللوح ليس سوى طريقة للتواجد مع أينشتاين في نفس المكان.»
لا يتوقف الأمر بالنسبة لأينشتاين عند هذا اللوح الذي يُعامل وكأنه أحد ألواح موسى، هناك أيضا قلم أينشتاين، كرسي أينشتاين، مغسل أينشتاين، مخ أينشتاين، المقهى الذي كان يجلس فيه أينشتاين الذي تحول الآن إلى مزار، هناك حتى ذلك الطباشير الذي كتب به على ذلك اللوح في أوكسفرد، ويعود الفضل في الاحتفاظ به إلى طالبٍ فطن قفز إلى قطعة الطباشير في نهاية المحاضرة (لا أدري أين مر علي مشهد مشابه... ربما الطرق الصوفية!!)
طبعًا لا يقتصر الأمر على أينشتاين فقط، لدينا مثلاً إصبع غاليليو، الذي يمكننا فهم قيمته فقط إذا اعتبرناه أداةً للرصد الفلكي كونه على الأغلب كان يستعمله للإشارة إلى النجوم. لدينا أيضاً شجرة التفاح تلك التي قيل أن نيوتن كان يجلس تحتها وهي اليوم مزار حتى وإن لم تعد تثمر. لدينا أيضاً كرة معدنية بداخلها رماد تيسلا وهي الآن في أحد متاحف صربيا، لدينا أيضاً (وهذه الأكثر غرابةً) في متحف هنري فورد للإبداع الأمريكي أنبوب زجاجي بداخله آخر نفس لتوماس آديسون، السؤال هنا كيف عرفوا أي الأنفاس سيكون هو الأخير؟
👍5❤1
Media is too big
VIEW IN TELEGRAM
الاستعمار: تبشير اليسار الأوروبي بالتنوير والعلمانية وواجب الأعراق المتفوقة نحو الأعراق الأدنى
❤1
حسّ سليم
الاستعمار: تبشير اليسار الأوروبي بالتنوير والعلمانية وواجب الأعراق المتفوقة نحو الأعراق الأدنى
«إن لإفريقيا جانبان فقط، إن كانت مأهولة فهي همجية، وإن كانت مهجورة فهي متوحشة، هيا أيتها الشعوب استولي على تلك الأرض وخذيها... من من؟ من لا أحد، خذي هذه الأرض من الله، خذيها لا من أجل المدفع بل من أجل المحراث، لا من أجل السيف بل من أجل التجارة، لا من أجل المعارك بل من أجل الصناعة.»
― فكتور هوغو (صاحب رواية البؤساء)
«يجب أن نقول بصراحة بأن للأعراق المتفوقة حق على الأعراق الأدنى... أعيد، إن للأعراق المتفوقة حق لأن عليها واجبًا، واجب جعل الأعراق الأدنى متحضرة.»
― جول فيري (رئيس حكومة فرنسا ومن بين أكثر السياسيين تأثيرًا)
«نقر بحق، بل حتى بواجب الأعراق المتفوقة بأن تجذب تلك التي لم تتمكن من بلوغ مستواها الثقافي، وبأن تدعوها إلى التقدم الذي تحقق بفضل قدرات العلم والصناعة.»
― ليون بلوم (رئيس حكومة فرنسا)
― فكتور هوغو (صاحب رواية البؤساء)
«يجب أن نقول بصراحة بأن للأعراق المتفوقة حق على الأعراق الأدنى... أعيد، إن للأعراق المتفوقة حق لأن عليها واجبًا، واجب جعل الأعراق الأدنى متحضرة.»
― جول فيري (رئيس حكومة فرنسا ومن بين أكثر السياسيين تأثيرًا)
«نقر بحق، بل حتى بواجب الأعراق المتفوقة بأن تجذب تلك التي لم تتمكن من بلوغ مستواها الثقافي، وبأن تدعوها إلى التقدم الذي تحقق بفضل قدرات العلم والصناعة.»
― ليون بلوم (رئيس حكومة فرنسا)
❤1
فلسفة التنوير لم تكن فقط هي الأساس الذي ارتكز عليه الاستعمار الذي يمكن أن نقول بأنه كان يمثل رغبة في تصدير الثورة إلى العالم وله مآرب أخرى، بل كانت أيضًا تمثل أساس النزعة العرقية في أوروبا بعد أن حلت كبديل محل الدين الذي أزيح عن مكانته بوصفه العنصر الأساسي (وليس الوحيد بلا شك) لهوية المجمتع [بقاء أي مجتمع مرتبط بوجود عصبيات].
هذا مما لا يجب أن ننساه أمام أحفاد فلاسفة التنوير من اليساريين والليبراليين في أوروبا وأطفالهم اللقطاء خارجها، فهم أكثر من يقدم المواعظ حول الاستعمار والعنصرية في حين أن جزء كبير من الأساس الذي يقفون عليه والذي منحهم مكانتهم المهيمنة اليوم هو بالتحديد الاستعمار والعنصرية.
————————
«عندما استخدم إرنست هيكل وجوليان هكسلي العلم لدعم أفكار تفوق العرق الأوروبي، كانا يسلكان طريقًا مهد له المفكرون العقلانيون السابقون. إصدارات العنصرية لها سوابق في كتابات بعض الفلاسفة البارزين في عصر التنوير.
في الوقت الحاضر، هناك حديث لا ينتهي عن "قيم التنوير" التي يُفترض أن الكرامة الإنسانية والمساواة مركزية فيها. ولكن إذا نظرت إلى الشخصيات الأكثر شهرة في عصر التنوير - ديفيد هيوم وإيمانويل كانط وفولتير - ستجد أن أفكار التسلسل الهرمي للأعراق أساسية في طرحهم. كان جزء كبير من عصر التنوير محاولة لإثبات تفوق جزء واحد من البشرية - الجزء أوروبي وبؤره الاستعمارية - على البقية.
سيقول المتعصبون للتنوير أن هذا كان خروجًا عن التنوير "الحقيقي"، البريء من كل شر. تمامًا كما سيخبرك المؤمنون الدينيون أن المسيحية "الحقيقية" لم تلعب أي دور في محاكم التفتيش، يصر الإنسانويون العلمانيون على أن عصر التنوير لم يكن مسؤولاً عن ظهور العنصرية الحديثة. من الواضح أن هذا غير صحيح. الأيديولوجية العنصرية الحديثة هي مشروع تنويري.»
― جون نيكولاس غراي
هذا مما لا يجب أن ننساه أمام أحفاد فلاسفة التنوير من اليساريين والليبراليين في أوروبا وأطفالهم اللقطاء خارجها، فهم أكثر من يقدم المواعظ حول الاستعمار والعنصرية في حين أن جزء كبير من الأساس الذي يقفون عليه والذي منحهم مكانتهم المهيمنة اليوم هو بالتحديد الاستعمار والعنصرية.
————————
«عندما استخدم إرنست هيكل وجوليان هكسلي العلم لدعم أفكار تفوق العرق الأوروبي، كانا يسلكان طريقًا مهد له المفكرون العقلانيون السابقون. إصدارات العنصرية لها سوابق في كتابات بعض الفلاسفة البارزين في عصر التنوير.
في الوقت الحاضر، هناك حديث لا ينتهي عن "قيم التنوير" التي يُفترض أن الكرامة الإنسانية والمساواة مركزية فيها. ولكن إذا نظرت إلى الشخصيات الأكثر شهرة في عصر التنوير - ديفيد هيوم وإيمانويل كانط وفولتير - ستجد أن أفكار التسلسل الهرمي للأعراق أساسية في طرحهم. كان جزء كبير من عصر التنوير محاولة لإثبات تفوق جزء واحد من البشرية - الجزء أوروبي وبؤره الاستعمارية - على البقية.
سيقول المتعصبون للتنوير أن هذا كان خروجًا عن التنوير "الحقيقي"، البريء من كل شر. تمامًا كما سيخبرك المؤمنون الدينيون أن المسيحية "الحقيقية" لم تلعب أي دور في محاكم التفتيش، يصر الإنسانويون العلمانيون على أن عصر التنوير لم يكن مسؤولاً عن ظهور العنصرية الحديثة. من الواضح أن هذا غير صحيح. الأيديولوجية العنصرية الحديثة هي مشروع تنويري.»
― جون نيكولاس غراي
❤1
الفكرة التي كانت تربط الرقابة على حرية التعبير بالدولة كانت تفترض ذلك بناءً على احتكارها للسلطة وأدوات الرقابة، أما اليوم فلم تعد هذه الفكرة صالحة بعد انتقال جزء كبير من سلطة الدولة وقدرتها على حجب الأراء إلى شركات احتكارية خاصة لها توجه ليبرالي واضح، بحيث أصبحت تستعمل ذلك لفرض معتقداتها التي تظنها بديهية مثل كل الليبراليين.
مواقع التواصل ومحركات البحث والشركات الرقمية بشكل عام، أصبحت اليوم تمثل ما يشبه سلطة كنسية، فهي لم تعد تقدم للناس سلعة/خدمة وفقط، بل منحت لنفسها نتيجة احتكارها للسوق، سلطة رعاية الفضيلة والأخلاق الحميدة في المجتمع والعالم كله، بدون أن يكون لهذه الشركات أي شرعية من أي نوع سوى المال، أصبحت تحدد للناس ما هو الخير وما هو الشر وماذا عليهم أن يقولوا وكيف يجب عليهم أن يفكروا وما هي حدود الهرطقة التي لا ينبغي تجاوزها حتى لو كنت رئيس أقوى دولة في العالم (تخيل حجم السلطة التي يتطلبها ذاك)، ومنحت نفسها أيضا سلطة تقدير ما هو الصالح العام وكأنها دولة لها مسؤوليات. كل هذا باسم مناهضة الكراهية (الفوبيات) وحماية الديمقراطية ومكافحة نظريات المؤامرة.
طبعًا لليبراليين تبريراتهم للرد على ذلك، لكن الذي لا ينتبهون إليه مثل عادتهم هو أنهم مثل من سبقوهم في السلطة واعتبروهم مستبدين، هدفهم هو ضمان نوع من الاستقرار الاجتماعي بناءً على قيم معينة يتم تقديسها بشكل أو بآخر، باستثناء أن الليبراليين يعتقدون بأن قيمهم ومعتقداتهم هي قوانين فيزيائية يخضع أمامها كل من يواجه بها.
مواقع التواصل ومحركات البحث والشركات الرقمية بشكل عام، أصبحت اليوم تمثل ما يشبه سلطة كنسية، فهي لم تعد تقدم للناس سلعة/خدمة وفقط، بل منحت لنفسها نتيجة احتكارها للسوق، سلطة رعاية الفضيلة والأخلاق الحميدة في المجتمع والعالم كله، بدون أن يكون لهذه الشركات أي شرعية من أي نوع سوى المال، أصبحت تحدد للناس ما هو الخير وما هو الشر وماذا عليهم أن يقولوا وكيف يجب عليهم أن يفكروا وما هي حدود الهرطقة التي لا ينبغي تجاوزها حتى لو كنت رئيس أقوى دولة في العالم (تخيل حجم السلطة التي يتطلبها ذاك)، ومنحت نفسها أيضا سلطة تقدير ما هو الصالح العام وكأنها دولة لها مسؤوليات. كل هذا باسم مناهضة الكراهية (الفوبيات) وحماية الديمقراطية ومكافحة نظريات المؤامرة.
طبعًا لليبراليين تبريراتهم للرد على ذلك، لكن الذي لا ينتبهون إليه مثل عادتهم هو أنهم مثل من سبقوهم في السلطة واعتبروهم مستبدين، هدفهم هو ضمان نوع من الاستقرار الاجتماعي بناءً على قيم معينة يتم تقديسها بشكل أو بآخر، باستثناء أن الليبراليين يعتقدون بأن قيمهم ومعتقداتهم هي قوانين فيزيائية يخضع أمامها كل من يواجه بها.
❤3👍1
عندما يصطدم الليبرالي/العلماني عندنا بالواقع ويكتشف بأنه مجرد أداة هدم يستحيل أن تبني أي شيء سوى أوهام تكرس التبعية، تصبح مهنته، وهو التقدمي الذي لا ينظر أبدًا إلى الخلف، هي الهروب من الواقع نحو نبش قبور الهوموسابينس بحثًا عن بديل لما تم هدمه أو يراد هدمه... لكن من يحيي العظام وهي رميم؟ من يظن نفسه مثل المسيح يحيي الموتى، وهو التنويري المتنور، لن يحصل سوى على فرانكنشتاين يكون مادة لسخرية الفتيان.
*الصورة ألتقطت أثناء بحث أحدهم عن بديل
*الصورة ألتقطت أثناء بحث أحدهم عن بديل
❤1
يضطرك تنويري هذا الزمن البائس أن تكون تنويريًا معه وهو يحاول إيجاد وتبرير بديل بكل ثمن وبشكل يثير أحياناً الضحك وفي آخرى الشفقة. أصبح التنويري العربي ولواحقه يتحدث وبوقاحة عن أهمية الأساطير في تشكيل "عقل" جمعي وبناء حضارة في محاولة منه لتبرير المسخ الذي أراد خلقه من رفات الهوموسابيان والمومياءات، ذلك الذي صدع البشرية بكونه محطم الأساطير ومقدم المواعظ حول العقلانية يحاول وللمفارقة تسويق أساطير حمقاء لا تعكس سوى حماقة عقله ولا غاية من وجودها سوى أنها نكاية في ما هو راسخ في الواقع.
يعتقد بسطحية تفكيره بأنه يمكن صناعة أسطورة من خلال نبش القبور واختلاق بعض القصص وتضخيم أخرى أو البحث عنها بالمجهر في الزوايا مثل لصوص الليل لتمنح بعض الشعور المزيف بالفخر، مع بعض التهريج الذي شوه بقايا الفولكلور ويتناسب مع النظرة الحديثة للهوية بوصفها مجرد مناسبة أخرى للإحتفال.
كل هذا طبيعي جدًا عندما يصدر عن هذا التنويري من الدرجة العاشرة، فهو من الأساس صاحب نظرة سطحية للأساطير وينظر إليها كـ قصص عشوائية للتسلية لا كـ نظم ورؤية شاملة للحياة، ليجد نفسه في النهاية وهو يحاول فبركة بعضها قد أصبح مادةً لا تنضب لصناعة الميمز وكأنه قدم بيده العصا لضربه بها.
يعتقد بسطحية تفكيره بأنه يمكن صناعة أسطورة من خلال نبش القبور واختلاق بعض القصص وتضخيم أخرى أو البحث عنها بالمجهر في الزوايا مثل لصوص الليل لتمنح بعض الشعور المزيف بالفخر، مع بعض التهريج الذي شوه بقايا الفولكلور ويتناسب مع النظرة الحديثة للهوية بوصفها مجرد مناسبة أخرى للإحتفال.
كل هذا طبيعي جدًا عندما يصدر عن هذا التنويري من الدرجة العاشرة، فهو من الأساس صاحب نظرة سطحية للأساطير وينظر إليها كـ قصص عشوائية للتسلية لا كـ نظم ورؤية شاملة للحياة، ليجد نفسه في النهاية وهو يحاول فبركة بعضها قد أصبح مادةً لا تنضب لصناعة الميمز وكأنه قدم بيده العصا لضربه بها.
❤2👍1
«يبدو لي أن معيارية الشذ9ذ Homonormativity هو نتيجة طبيعية لعدم تجريم الشذ9ذ الجنسي: بمجرد أن يصبح فعلٌ ما غير محظور أو يعاقب عليه أو يعامل كمرض أو يستخدم كأساس قانوني للتمييز أو أعمال العنف، فإنه لن يكون بمقدور هذه الظاهرة أن تكون تخريبية أو ثقافة هامشية تعيش تحت الأرض بالشكل الذي كانت عليه»
― ماجي نيلسون ، كاتبة نسوية جندرية (2015)
― ماجي نيلسون ، كاتبة نسوية جندرية (2015)
❤1👍1
الجميع سمع عن حديث الوزيرة الفرنسية للمساواة عن تعدد الزوجات، وكل التعليقات كانت تشير إلى التناقض الواقع بين محاولة منع تعدد هو في الحقيقة غزوة إعلامية لقضية وهمية ولا يمكن منطقيًا أن تقع بما أنها غير موجودة قانونيًا، مقابل محاولتها طمأنة الناس بأن هذا المنع لن يطال العشيقات وتبادل الزوجات وعلاقات الحب المتعددة Polyamory.
لكن هل هذا فعلاً تناقض؟
من حق الناس أن تسخر وهي تشعر بوجود تناقض في الخطاب حول الزواج بعد أن تعودت على سماع محاضرات طويلة ذات نغمة بيوريتانية مزيفة عن العلاقة الأبدية بين الرجل والمرأة والقائمة على الحب الخالص الذي ينتهي بزواج مونوغامي، تمامًا كما في روايات المراهقات الرومنسية. من قبل من؟ من قبل من خربوا الأسرة بكل الطرق وجعلوا الزواج أداة للتهريج وتسويغ كل انحراف جنسي.
هذا بالنسبة للظاهر، لكنه ليس فعلاً ما يهم الليبراليين والحركة النسوية فآخر ما يعنيهم هو تلك الرومنسيات، ما يهمهم هو المساواة والمقارنة بين الجنسين بحكم أنهم ينطلقون من عقيدة أن لا فرق بين الذكر والأنثى، وعندما نتحدث عن العلاقات فعلى الذكر أن يكون مثل الأنثى، فلو وجد تعدد للأزواج كما هناك تعدد للزوجات لما خطر على بالهم أبدًا الحديث عن هذا الموضوع، لكن ولأن التعدد هو فقط للرجل فهذا يعني حتمية أن تكون الأسرة أبوية وهرمية، بمعنى أن العلاقة داخل الأسرة ستكون بلا شك تراتبية بحيث يكون الأب/الزوج هو رأس الهرم، ثم الأمهات/الزوجات، ثم الأبناء، وهذا ما يسمونه بالنظام الأبوي أو البطرياركية أو كما يعبر عنه الإسلام بـ: القوامة.
رجل متزوج بأكثر من واحدة يستحيل أن تكون علاقته بزوجاته ندية، لهذا لا يمكن للحركة النسوية أن ترى تعدد الزوجات إلا بوصفه أشر الشرور، الشيطان بحد ذاته، فهو لا يترك أي مجال للمساواة، لهذا تكافح النسوية العربية ضده حتى وإن كان التعدد اليوم لا يمثل سوى حالات نادرة جدًا وهامشية وتأثيره على مواقع التواصل أكبر من تأثيره على الواقع، لكن بالنسبة لهم، وهم ليسوا مخطئين في ذلك تمامًا، مجرد أن يكون بمقدور الرجل ولو نظريًا فقط الزواج بأخرى، حتى ولو لم توجد أي إمكانية واقعية لحدوثه، يعني وجود قوامة رمزية للرجل في الوعي الجمعي. ومنه نجد دائمًا ذلك الخطاب السلبي حول الأسر البوليغامية في الإعلام (الوثائقيات عن طائفة المورمون كمثال) وتقدم على أنها بائسة، وحتى وإن بدت سعيدة فذلك مجرد قناع مزيف يخفي حزنًا عميقًا. وللمفارقة نجد دائمًا في المقابل احتفاء من الإعلام بتلك العلاقات التي تكون فيها للمرأة أكثر من رجل تحت سقف واحد وتقدم على أنها تقدمية وتعبر عن تحضر الرجال. وهذا ما يتوافق مع تلك النزعة المعاصرة، التي تسعى وبكل راحة ضمير، بفضل المظلومية وأيديولوجيا الضحية، لقلب كل ما كان موجودًا سابقًا حرفيًا (ربما نتحدث عن هذا في منشور آخر)
إذن، بالنسبة لهم لا يمكن أن توجد مشكلة مع العشيقات فهن يمثلن علاقة سرية، أي أن الرجل يفعل ما يفعل وهو غالبًا خائف، ثم هي أيضًا يمكن أن يكون لها عشيق. أما علاقات الحب المتعددة فهي مساواتية بطبيعتها حتى أكثر من أي علاقة مونوغامية، ولولا خشية الأوروبيين من بعض المسلمين أن يستغلوا ذلك كغطاء لقننتها منذ زمن كما فعلت بعض الدول غير الأوروبية مثل كولومبيا.
لكن هل هذا فعلاً تناقض؟
من حق الناس أن تسخر وهي تشعر بوجود تناقض في الخطاب حول الزواج بعد أن تعودت على سماع محاضرات طويلة ذات نغمة بيوريتانية مزيفة عن العلاقة الأبدية بين الرجل والمرأة والقائمة على الحب الخالص الذي ينتهي بزواج مونوغامي، تمامًا كما في روايات المراهقات الرومنسية. من قبل من؟ من قبل من خربوا الأسرة بكل الطرق وجعلوا الزواج أداة للتهريج وتسويغ كل انحراف جنسي.
هذا بالنسبة للظاهر، لكنه ليس فعلاً ما يهم الليبراليين والحركة النسوية فآخر ما يعنيهم هو تلك الرومنسيات، ما يهمهم هو المساواة والمقارنة بين الجنسين بحكم أنهم ينطلقون من عقيدة أن لا فرق بين الذكر والأنثى، وعندما نتحدث عن العلاقات فعلى الذكر أن يكون مثل الأنثى، فلو وجد تعدد للأزواج كما هناك تعدد للزوجات لما خطر على بالهم أبدًا الحديث عن هذا الموضوع، لكن ولأن التعدد هو فقط للرجل فهذا يعني حتمية أن تكون الأسرة أبوية وهرمية، بمعنى أن العلاقة داخل الأسرة ستكون بلا شك تراتبية بحيث يكون الأب/الزوج هو رأس الهرم، ثم الأمهات/الزوجات، ثم الأبناء، وهذا ما يسمونه بالنظام الأبوي أو البطرياركية أو كما يعبر عنه الإسلام بـ: القوامة.
رجل متزوج بأكثر من واحدة يستحيل أن تكون علاقته بزوجاته ندية، لهذا لا يمكن للحركة النسوية أن ترى تعدد الزوجات إلا بوصفه أشر الشرور، الشيطان بحد ذاته، فهو لا يترك أي مجال للمساواة، لهذا تكافح النسوية العربية ضده حتى وإن كان التعدد اليوم لا يمثل سوى حالات نادرة جدًا وهامشية وتأثيره على مواقع التواصل أكبر من تأثيره على الواقع، لكن بالنسبة لهم، وهم ليسوا مخطئين في ذلك تمامًا، مجرد أن يكون بمقدور الرجل ولو نظريًا فقط الزواج بأخرى، حتى ولو لم توجد أي إمكانية واقعية لحدوثه، يعني وجود قوامة رمزية للرجل في الوعي الجمعي. ومنه نجد دائمًا ذلك الخطاب السلبي حول الأسر البوليغامية في الإعلام (الوثائقيات عن طائفة المورمون كمثال) وتقدم على أنها بائسة، وحتى وإن بدت سعيدة فذلك مجرد قناع مزيف يخفي حزنًا عميقًا. وللمفارقة نجد دائمًا في المقابل احتفاء من الإعلام بتلك العلاقات التي تكون فيها للمرأة أكثر من رجل تحت سقف واحد وتقدم على أنها تقدمية وتعبر عن تحضر الرجال. وهذا ما يتوافق مع تلك النزعة المعاصرة، التي تسعى وبكل راحة ضمير، بفضل المظلومية وأيديولوجيا الضحية، لقلب كل ما كان موجودًا سابقًا حرفيًا (ربما نتحدث عن هذا في منشور آخر)
إذن، بالنسبة لهم لا يمكن أن توجد مشكلة مع العشيقات فهن يمثلن علاقة سرية، أي أن الرجل يفعل ما يفعل وهو غالبًا خائف، ثم هي أيضًا يمكن أن يكون لها عشيق. أما علاقات الحب المتعددة فهي مساواتية بطبيعتها حتى أكثر من أي علاقة مونوغامية، ولولا خشية الأوروبيين من بعض المسلمين أن يستغلوا ذلك كغطاء لقننتها منذ زمن كما فعلت بعض الدول غير الأوروبية مثل كولومبيا.
👍4❤1
لا يستحق الاحتقار أكثر ممن يترحم على الاستعمار إلا منعدم الكرامة الذي يطالبه بالاعتذار ومن موقع الضعف وكأنه في الحضانة، وكأن هذا المستعمر شقيقه الذي حدث له معه خلاف ويتوقع منه اعتذاراً لتعود المياه إلى مجاريها إكراماً للوالدة المريضة.
المستعمر عدو، والعدو لا يطالب بالاعتذار ولا يُجرم، العدو تنتقم منه أو تنسى الأمر كله وتخرس. فلا يطالب بالاعتذار من خلال البكاء والنواح إلا ذلك الشعب اللقيط ذو الطباع اللئيمة الذي تعود على الذل وكلنا نعرف من تنطبق عليه هذه الأوصاف ومن سن هذه السنة الحقيرة بين البشر.
المستعمر عدو، والعدو لا يطالب بالاعتذار ولا يُجرم، العدو تنتقم منه أو تنسى الأمر كله وتخرس. فلا يطالب بالاعتذار من خلال البكاء والنواح إلا ذلك الشعب اللقيط ذو الطباع اللئيمة الذي تعود على الذل وكلنا نعرف من تنطبق عليه هذه الأوصاف ومن سن هذه السنة الحقيرة بين البشر.
👍4❤1
الأرباب الثلاث
ميزة هذا العصر الأساسية هي روحه الأناركية ومعاداته للسلطة، بحيث يرفض كل مظاهر السلطة وتجلياتها مهما كانت بسيطة. بالنسبة له، السلطة كلمة نابية ولا تعني سوى الاستبداد لأنها تضع حدودًا لحرية الفرد ورغباته وتنفي مبدأ المساواة (حاكم/محكوم). ومن هنا تقديسه للضحية فهي بشكل ما تمثل النقيض المطلق للسلطة.
هناك ثلاث سلطات تمثل الأساس الذي يقوم عليها المجتمع التقليدي والحضارة بشكل عام، وهي العدو الرئيسي الذي يجب التخلص منه في نظر العصر الحديث، يمثل هذه السلطات الأرباب الثلاث: الله، الملك، الأب [رب الكون، ورب الأمة، ورب الأسرة]. ومقابل هؤلاء الأرباب الثلاث لدينا ثلاث أيديولوجيات رئيسية في هذا الزمن وربما هي الأكثر أهمية فيه: العلمانية، الديمقراطية الليبرالية، النسوية.
أما الله فلا يمكن للعصر الحديث إلا أن يراه على أنه يمثل الاستبداد المطلق، فهو صاحب السلطة المطلقة التي تعلو كل ما في الوجود، وبالتالي من الأفضل إزاحته خارج حياة الفرد ليكون بمقدور الأخير التحرر من كل قيد بكل راحة ضمير، لهذا لا يوجد معتقد يتلائم مع العصر الحديث ويعبر عن روحه مثل الإلحاد، وليس أي إلحاد، بل ذلك الإلحاد الجديد الذي يمثل اليوم الغالبية الساحقة والذي يخفي وراءه أيديولوجيات ليبرالية ومساواتية بخلاف الإلحاد القديم الذي وجد بين النخب. كما لدينا العلمانية التي تسعى لإزاحة الله عن الحياة العامة للمجتمع وهي نوعان: علمانية ملحدة على الطريقة الفرنسية لا تريد إلهًا ولا حتى أن تسمع عنه، وعلمانية ربوبية على الطريقة البريطانية، لها إله لكنه لا يتدخل في شؤون العالم، تمامًا كما لها ملك لكنه لا يتدخل في شؤون الأمة [لا يوجد ملكية بدون إله/آلهة].
بالنسبة للملك أو الأمير أو السلطان أو حتى الرئيس وإن كان منتخبًا، فهو الطاغية والمستبد الذي يجب الحذر منه، لأنه هو من يضع الحدود للأمة، والأهم من ذلك يضع حدودًا للفرد، وبالتالي يجب الاستغناء عنه عمليًا وتعويضه بالديمقراطية، لكن ليس أي ديمقراطية، فحتى سلطة الشعب تثير الريبة في نظر العصر الحديث مثل أي سلطة أخرى، بل الديمقراطية الليبرالية التي تضع على الشعب والسياسي معًا قيودًا تقيض سيادتهما وتنتزع سلطة القرار من يدهما باسم مفاهيم مجردة مثل الحرية وحقوق الإنسان والمساواة، لصالح ما يسمونه دولة القانون التي هي في الحقيقة ليست سوى دولة نصوص دينية لها إلهٌ هو الفرد.
أخرهم الأب، ذلك الذي لا تقع عليه فقط مسؤولية رسم الحدود للطفل، لكن أيضًا لأمه. هذا ما يعرف بالأسرة الأبوية أو البطرياركية. هو العدو ورمز الشر الذي يجب التخلص منه في نظر الحركة النسوية، يجب أن لا يكون للمركب قبطان يعود إليه القرار النهائي ويضع القانون ويفرض النظام الذي تسير عليه الأسرة فهذا بالنسبة لهم هو استبداد وطغيان، وكبديل على ذلك يطرحون على الناس بدائل شاعرية ومثالية عن دمقرطة الأسرة والحوار والتفاهم وقصص المراهقات، لكن الناس تصطدم في النهاية بالواقع المختلف عن تلك الرومنسيات، فليس كل خلاف يحل دائماً بالحوار، والأم لا يمكنها أن تكون أبًا مع أطفالها ولا العكس بالنسبة للأب، أما المساواة بين الزوجين فتنتهي غالبًا إما بخلق ندية ومنافسة بينهما وحربًا لا نهاية لها إلا بالطلاق [هذا ما يفسر انفجار نسب الطلاق] أو يتحول الأب إلى ما يدعونه بالأب المتحضر والمتفهم الذي هو في الحقيقة ليس سوى أمًا معطوبة في البيت، أو يتحول الأب إلى مجرد سلف غائب لأنه يرفض أن يكون تلك الأم الثانية التي تأخذ أوامرها من الأم الحقيقية التي بدورها تأخذ أوامرها من الطفل الملك الذي لا تعرف كيف تضع له حدًا، لنصل في النهاية إلى أنه بدون أسرة أبوية حقيقية لن يكون هناك أسرة من الأساس.
لكن كما يقول كارل شميت: لا توجد سياسة ليبرالية بل هناك فقط انتقادات ليبرالية للسياسة... عندما يواجه الليبرالي الواقع يكتشف بالتدريج بأن البشر ليسوا بالضرورة أفرادًا عاقلين وسيختارون دائمًا ما هو صائب، وأنه لابد لهم من سلطة سيصفها بالمتنورة لتخفيف وقعها على ضميره، من أجل أن تضع لهم الحدود والقانون وتقول لهم ما يجب عليهم فعله. سيكتشف عندها بأنه حتى الأفكار اللاسلطوية نفسها بحاجة لسلطة ولفرض حدود وقيود وإلا ستعم الفوضى. حالهم حال الشيوعيين الذي تخيلوا مجتمعًا بدون سلطة وبدون طبقات وبدون ملكية، أي المساواة المطلقة، لينتهي بهم الأمر إلى دولة الاستبداد المطلق كما لم يعرفه القرن 20، ومع التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد المعولم لا يبدو بأن القرن 21 سيكون مختلفًا من حيث الجوهر بفضل الليبرالية... ربما عندها فقط سيدرك هذا العصر بأن السلطة التي كان يصفها بالاستبداد هي الحماية الحقيقية من الاستبداد.
«عندما يجد الإنسان نفسه بدون إله، سريعًا ما يجد نفسه بدون ملك وبدون أب»
— خوان دونوسو كورتيس (قالها سنة 1852، والزمن أكد مقولته)
ميزة هذا العصر الأساسية هي روحه الأناركية ومعاداته للسلطة، بحيث يرفض كل مظاهر السلطة وتجلياتها مهما كانت بسيطة. بالنسبة له، السلطة كلمة نابية ولا تعني سوى الاستبداد لأنها تضع حدودًا لحرية الفرد ورغباته وتنفي مبدأ المساواة (حاكم/محكوم). ومن هنا تقديسه للضحية فهي بشكل ما تمثل النقيض المطلق للسلطة.
هناك ثلاث سلطات تمثل الأساس الذي يقوم عليها المجتمع التقليدي والحضارة بشكل عام، وهي العدو الرئيسي الذي يجب التخلص منه في نظر العصر الحديث، يمثل هذه السلطات الأرباب الثلاث: الله، الملك، الأب [رب الكون، ورب الأمة، ورب الأسرة]. ومقابل هؤلاء الأرباب الثلاث لدينا ثلاث أيديولوجيات رئيسية في هذا الزمن وربما هي الأكثر أهمية فيه: العلمانية، الديمقراطية الليبرالية، النسوية.
أما الله فلا يمكن للعصر الحديث إلا أن يراه على أنه يمثل الاستبداد المطلق، فهو صاحب السلطة المطلقة التي تعلو كل ما في الوجود، وبالتالي من الأفضل إزاحته خارج حياة الفرد ليكون بمقدور الأخير التحرر من كل قيد بكل راحة ضمير، لهذا لا يوجد معتقد يتلائم مع العصر الحديث ويعبر عن روحه مثل الإلحاد، وليس أي إلحاد، بل ذلك الإلحاد الجديد الذي يمثل اليوم الغالبية الساحقة والذي يخفي وراءه أيديولوجيات ليبرالية ومساواتية بخلاف الإلحاد القديم الذي وجد بين النخب. كما لدينا العلمانية التي تسعى لإزاحة الله عن الحياة العامة للمجتمع وهي نوعان: علمانية ملحدة على الطريقة الفرنسية لا تريد إلهًا ولا حتى أن تسمع عنه، وعلمانية ربوبية على الطريقة البريطانية، لها إله لكنه لا يتدخل في شؤون العالم، تمامًا كما لها ملك لكنه لا يتدخل في شؤون الأمة [لا يوجد ملكية بدون إله/آلهة].
بالنسبة للملك أو الأمير أو السلطان أو حتى الرئيس وإن كان منتخبًا، فهو الطاغية والمستبد الذي يجب الحذر منه، لأنه هو من يضع الحدود للأمة، والأهم من ذلك يضع حدودًا للفرد، وبالتالي يجب الاستغناء عنه عمليًا وتعويضه بالديمقراطية، لكن ليس أي ديمقراطية، فحتى سلطة الشعب تثير الريبة في نظر العصر الحديث مثل أي سلطة أخرى، بل الديمقراطية الليبرالية التي تضع على الشعب والسياسي معًا قيودًا تقيض سيادتهما وتنتزع سلطة القرار من يدهما باسم مفاهيم مجردة مثل الحرية وحقوق الإنسان والمساواة، لصالح ما يسمونه دولة القانون التي هي في الحقيقة ليست سوى دولة نصوص دينية لها إلهٌ هو الفرد.
أخرهم الأب، ذلك الذي لا تقع عليه فقط مسؤولية رسم الحدود للطفل، لكن أيضًا لأمه. هذا ما يعرف بالأسرة الأبوية أو البطرياركية. هو العدو ورمز الشر الذي يجب التخلص منه في نظر الحركة النسوية، يجب أن لا يكون للمركب قبطان يعود إليه القرار النهائي ويضع القانون ويفرض النظام الذي تسير عليه الأسرة فهذا بالنسبة لهم هو استبداد وطغيان، وكبديل على ذلك يطرحون على الناس بدائل شاعرية ومثالية عن دمقرطة الأسرة والحوار والتفاهم وقصص المراهقات، لكن الناس تصطدم في النهاية بالواقع المختلف عن تلك الرومنسيات، فليس كل خلاف يحل دائماً بالحوار، والأم لا يمكنها أن تكون أبًا مع أطفالها ولا العكس بالنسبة للأب، أما المساواة بين الزوجين فتنتهي غالبًا إما بخلق ندية ومنافسة بينهما وحربًا لا نهاية لها إلا بالطلاق [هذا ما يفسر انفجار نسب الطلاق] أو يتحول الأب إلى ما يدعونه بالأب المتحضر والمتفهم الذي هو في الحقيقة ليس سوى أمًا معطوبة في البيت، أو يتحول الأب إلى مجرد سلف غائب لأنه يرفض أن يكون تلك الأم الثانية التي تأخذ أوامرها من الأم الحقيقية التي بدورها تأخذ أوامرها من الطفل الملك الذي لا تعرف كيف تضع له حدًا، لنصل في النهاية إلى أنه بدون أسرة أبوية حقيقية لن يكون هناك أسرة من الأساس.
لكن كما يقول كارل شميت: لا توجد سياسة ليبرالية بل هناك فقط انتقادات ليبرالية للسياسة... عندما يواجه الليبرالي الواقع يكتشف بالتدريج بأن البشر ليسوا بالضرورة أفرادًا عاقلين وسيختارون دائمًا ما هو صائب، وأنه لابد لهم من سلطة سيصفها بالمتنورة لتخفيف وقعها على ضميره، من أجل أن تضع لهم الحدود والقانون وتقول لهم ما يجب عليهم فعله. سيكتشف عندها بأنه حتى الأفكار اللاسلطوية نفسها بحاجة لسلطة ولفرض حدود وقيود وإلا ستعم الفوضى. حالهم حال الشيوعيين الذي تخيلوا مجتمعًا بدون سلطة وبدون طبقات وبدون ملكية، أي المساواة المطلقة، لينتهي بهم الأمر إلى دولة الاستبداد المطلق كما لم يعرفه القرن 20، ومع التكنولوجيا الحديثة والاقتصاد المعولم لا يبدو بأن القرن 21 سيكون مختلفًا من حيث الجوهر بفضل الليبرالية... ربما عندها فقط سيدرك هذا العصر بأن السلطة التي كان يصفها بالاستبداد هي الحماية الحقيقية من الاستبداد.
«عندما يجد الإنسان نفسه بدون إله، سريعًا ما يجد نفسه بدون ملك وبدون أب»
— خوان دونوسو كورتيس (قالها سنة 1852، والزمن أكد مقولته)
🤯5❤2
كيف يعقل أن أنغيلا ميركل دخلت في عامها 16 وهي مستشارة ألمانيا بدون أن نسمع الإعلام يصيح: ديكتاتورية... بل أكثر من ذلك، يتحدثون عن فوائد الاستقرار الذي منحه بقاءها في نفس المنصب. في حين أن نفس هذا الإعلام قد يصم أذنيك بمعزوفة الاستبداد لو تعلق الأمر بغيرها حتى لو كان منتخبًا وبشكل مباشر من الشعب بخلاف ميركل.
السبب الأول هو أن ميركل التي تحكم من خلال منظومة برلمانية وفدرالية قائمة على التوازنات لا تشكل أي تهديد للمنظومة الليبرالية التي لا تهتم حقًا بالديمقراطية، ولهذا تسعى دائمًا هذه المنظومة لتحديد العهدات وتقليص مدتها في الأنظمة الرئاسية حتى لا يمتلك أي سياسي بدعم شعبي المدة الكافية لاحداث تغيير جذري لا يمكن إصلاحه بجرة قلم بعد ذهابه.
السبب الثاني هو أن ميركل امرأة، وكونها امرأة يجعلها في نظر الإعلام الليبرالي تنتمي لمجموعة "مضطهدة" وبالتالي هي ضحية بطبيعتها ولا يمكن أن تكون مستبدة بحسب مثلث كاربمن الذي يمنحها الحصانة. تمامًا كما يمنح الحصانة لأفراد الأقليات العرقية مثلاً في أن يكونوا عنصريين ويعبروا عن ذلك بدون أي خشية من العقوبة، لأن كونهم ينتمون لأقلية يعني أنهم ضحايا وبالتالي لا يمكن أن يكونوا عنصريين حتى لو صرحوا بذلك بعكس أفراد الأغلبية الذين تراقب أدنى حركاتهم.
هذا لا يعني أن ميركل نفسها تقصد ذلك، فهي تنتمي لتيار محافظ نوعا ما وهذا تيار ليس من تقاليده استعمال المظلومية كما قد تفعل ذلك التيارات اليسارية. لم يعرف عن ميركل التباكي على كونها امرأة مسكينة لتقنع الناس بأنها أفضل من يجب انتخابه.
السبب الأول هو أن ميركل التي تحكم من خلال منظومة برلمانية وفدرالية قائمة على التوازنات لا تشكل أي تهديد للمنظومة الليبرالية التي لا تهتم حقًا بالديمقراطية، ولهذا تسعى دائمًا هذه المنظومة لتحديد العهدات وتقليص مدتها في الأنظمة الرئاسية حتى لا يمتلك أي سياسي بدعم شعبي المدة الكافية لاحداث تغيير جذري لا يمكن إصلاحه بجرة قلم بعد ذهابه.
السبب الثاني هو أن ميركل امرأة، وكونها امرأة يجعلها في نظر الإعلام الليبرالي تنتمي لمجموعة "مضطهدة" وبالتالي هي ضحية بطبيعتها ولا يمكن أن تكون مستبدة بحسب مثلث كاربمن الذي يمنحها الحصانة. تمامًا كما يمنح الحصانة لأفراد الأقليات العرقية مثلاً في أن يكونوا عنصريين ويعبروا عن ذلك بدون أي خشية من العقوبة، لأن كونهم ينتمون لأقلية يعني أنهم ضحايا وبالتالي لا يمكن أن يكونوا عنصريين حتى لو صرحوا بذلك بعكس أفراد الأغلبية الذين تراقب أدنى حركاتهم.
هذا لا يعني أن ميركل نفسها تقصد ذلك، فهي تنتمي لتيار محافظ نوعا ما وهذا تيار ليس من تقاليده استعمال المظلومية كما قد تفعل ذلك التيارات اليسارية. لم يعرف عن ميركل التباكي على كونها امرأة مسكينة لتقنع الناس بأنها أفضل من يجب انتخابه.
❤1
في كل مرة نتحدث عن أخبار متعلقة بالجندر ومعاتيه الـ TBGL، نجد من يتفاعل مع ذلك بالضحك. يمكن تفهم ذلك فالجماعة لها قدرة عالية على الفكاهة. ولا أقول لا ينبغي أن نضحك فشر البلية ما يضحك، لكن إذا كنت تضحك من منطلق: نحن غير معنيين... فأنت كما يقول المثل: الدجاجة المذبوحة تضحك على المسلوخة. القضية قضية وقت فقط لنلحق بهم إذا استمر الحال على ما هو عليه، ربما لن يكون بشكل متطابق لكنه سيقترب منه كثيرا. وضحكك اليوم لا يختلف ربما عن ضحكك قبل سنوات على قصص معاتيه المجموعة الأخرى وأختها التوأم "ةيوسناا" التي كنت تظنها بعيدة واليوم أصبحت حقيقة. يكفي أن تقرأ التعليقات في الصفحات العامة أين لا يعرف الناس حتى معنى "جندر" لتلاحظ حجم تغير الخطاب نحو كل هؤلاء المعاتيه، كيف أصبح كثير من الناس يتحدثون عن التسامح باسم الإنسانية واللاعنصرية والمساواة وكل ما تحشوه في أدمغتهم ماكنات الأيديولوجية المسيطرة لتدرك حجم التغير الذي طرأ. يجب أن تعلم بأن مسألة هؤلاء المعاتيه ستكون هي أهم معركة للبشرية في السنوات القادمة
🔥3