الجميع ربما يتفق على حماية الأطفال أكثر من غيرهم، والجميع أيضاً على اتفاق بأن الأطفال ليسوا متساوين مع البالغين، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجتمع معاً الحاجة للحماية والمساواة. إلا مع المنطق النسوي (والليبرالي بشكل عام مع الأقليات)، تطالب بالمساواة وحماية خاصة بها في نفس الوقت...
كان هناك دائماً صفات تنسب للمرأة بشكل عام حتى وإن لم تكن حصرية فيها، مثل اللامنطق، عدم معرفة ما تريده، التقلب ...إلخ، كل هذه الصفات أكدتها الحركة النسوية كما لم تؤكد من قبل من حيث أرادت نفيها وأوصلتها إلى مدى غير مسبوق.
كان هناك دائماً صفات تنسب للمرأة بشكل عام حتى وإن لم تكن حصرية فيها، مثل اللامنطق، عدم معرفة ما تريده، التقلب ...إلخ، كل هذه الصفات أكدتها الحركة النسوية كما لم تؤكد من قبل من حيث أرادت نفيها وأوصلتها إلى مدى غير مسبوق.
❤2👍2👏1
أنواع الملحدين السبعة:
تلخيص وبعض الشرح لكتاب بنفس العنوان لـ جون نيكولاس غراي
الإلحاد الجديد: هو تيار إلحادي يمتد من القرن 19 مع "أوغست كونت" و"جيمس فريزر" إلى غاية القرن 21 مع أمثال "ريتشارد دوكينز" و"كريستوفر هيتشنز"، يرى هذا الإلحاد بأنه بمقدور العلم أن يقدم نظرة شاملة للحياة، وهو في هذا ابن "أوغست كونت" الذي حاول تأسيس "دين الإنسانية" ومؤسس الفلسفة الوضعية التي ترى بأنه لا قيمة لأي معرفة اجتماعية أو طبيعية إلا من خلال التجربة الحسية. ومن هنا ينظر هذا النوع من الإلحاد إلى الدين على أنه نظرية علمية خاطئة يمكن دحضها علمياً، ويصنف الدين على أنه مرحلة بدائية للمعرفة الإنسانية، وبالتالي نحن الآن في غناً عنه بما في ذلك من حيث الجانب الأخلاقي والاجتماعي، لأن العلم والخبراء سيتكفلون بتوضيح ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي لعامة الناس، هذا ما سماه "سام هاريس" بـ «علم الخير والشر» الذي بزعمه سوف يدعم القيم الليبرالية [هو نفسه لديه مواقف غير ليبرالية واضحة] والمساواة بين البشر واستقلال الفرد... لماذا ينبغي على العلم أن يدعم ذلك، هذا الذي لم يشرحه.
2) الإنسانوية العلمانية: حتى وإن كان أصحابها يعتقدون بأنهم قد خرجوا تماماً عن المنظومة الدينية التوحيدية، فإن هذا النوع من الإلحاد يمثل النسخة الفارغة والمعلمنة من الإيمان المسيحي وهو الأقرب إليها بالنظر إلى إيمانه بالخلاص الحتمي للبشرية بعد حذف الإله بوصفه الفاعل الرئيسي في التاريخ وتعويضه بالإنسانية.
بالنسبة للوثنيين قبل المسيحية في أوروبا، الحياة عبارة عن حلقات زمنية، كلما انتهت إحداها بدأت أخرى، وبالتالي لا يتضمن التاريخ بالنسبة لهم أي حركة حتمية نحو الخلاص، وبالتأكيد لن يكون هناك خلاص للإنسانية جمعاء فلا وجود لوحدة إنسانية ضمن تصورهم للوجود في ظل تعدد الألهة [لكل شعب ألهته وأحياناً لكل فئة في الشعب ألهتها].
من هذا الجانب جاء التوحيد المسيحي بفكرة غير معروفة بين الوثنين سابقاً تتحدث عن وحدة الإنسانية [إله واحد/إنسانية واحدة] وقدم تصوراً خطي للتاريخ يؤمن بحركة مستمرة نحو عالم مثالي للبشرية في نهايته، وكان ذلك أكثر وضوحاً مع حركة الألفية Millennialism. هذا الإيمان ورثته الإنسانوية العلمانية عن المسيحية، لكنه لم يعد بعد العلمنة مرتبطاً بالعناية الإلهية Divine providence وعودة المسيح بل بالمعرفة والعقلانية الإنسانية [الغنوصية والأفلاطونية اللتين لهما أثرهما على المسيحية]، هذا ما يعرف بـ الأيديولوجيا التقدمية التي تقع في قلب معتقدات المعاصرين وبدونها يفقدون كل معناً للحياة ويسقطون في عدمية كاملة.
بحسب الكاتب، من بين أوضح الأمثلة عن هذا الصنف من الإلحاد نجد برتراند راسل، ماركس، جون ستيوارت ميل، آين راند ونيتشه مع مفهومه عن الإنسان الأعلى.
3) العلموية: بالرغم من إدعاء أصحاب هذا النوع من الإلحاد إختلافهم عن الأخرين بفضل ما يقولون أنه منهجية علمية صارمة، إلا أنهم لا يختلفون عن النوعين السابقين من حيث ذلك الإيمان المسيحي المعلمن بالتقدم والسعي إلى خلاص الإنسانية من خلال المعرفة. لكن ما يميزهم بشكل خاص هو جعلهم العلم ديانة قائمة بذاتها تنافس بقية الأديان في كل شيء بما في ذلك الجوانب القيمية والأخلاقية ضمن ما يعرف بـ الأخلاق العلمية scientific ethics التي غالباً لا تكون سوى محاولة لتقديم غطاء علمي للحركات السياسية وللقيم السائدة في عصرها التي أحياناً تكون ليبرالية وأحياناً أخرى ضد الليبرالية، مثل الأحادية Monism لدى هيكل إرنست ثم لاحقاً الإنسانية التطورية evolutionary humanism لصحابها جوليان هكسلي، وهي أيديولوجيات علموية تزعم الاعتماد على نظرية التطور وتتبنى رؤيةً هرمية للأعراق البشرية التي نجد على رأسها العرق الأوروبي الذي عليه قيادة البشرية، وهي في ذلك إستمرار لأفكار فلاسفة عصر التنوير عن الأعراق، أمثال كانط وهيوم وفولتير الذين أعتبروا بقية الشعوب أدنى من الأوروبيين، والأفارقة كائنات بين البشر والقردة، وهذا ما كان يشكل الغطاء الفلسفي للاستعمار [ما يعرف أحياناً بـ واجب الرجل الأبيض] ثم لاحقاً الغطاء العلمي للنازية. من بين الأديان العلموية نجد أيضاً المادية الجدلية التي تشكل عماد الفلسفة الماركسية وهي بحسب برتراند راسل تمثل الإله في الديانة الماركسية التي نبيها ماركس، والشعب المختار فيها هم العمال، والكنيسة هي الحزب الشيوعي، والعودة الثانية [مثل عودة المسيح] هي الثورة، وجهنم هي معاقبة الرأسماليين، والألفية [حكم المسيح للعالم ألف سنة] هي رابطة الدول الشيوعية.
وأخر هذه الأديان العلموية نجد ما بعد الإنسانية التي لا تضع فقط الإنسانية محل الإله، بل تتصور بأنه من الممكن جعل الإنسان إلهاً حقيقي ذو قدرات خارقة ولا يموت أبداً بفضل العلوم الجينية والحاسوبية الحديثة.
تلخيص وبعض الشرح لكتاب بنفس العنوان لـ جون نيكولاس غراي
الإلحاد الجديد: هو تيار إلحادي يمتد من القرن 19 مع "أوغست كونت" و"جيمس فريزر" إلى غاية القرن 21 مع أمثال "ريتشارد دوكينز" و"كريستوفر هيتشنز"، يرى هذا الإلحاد بأنه بمقدور العلم أن يقدم نظرة شاملة للحياة، وهو في هذا ابن "أوغست كونت" الذي حاول تأسيس "دين الإنسانية" ومؤسس الفلسفة الوضعية التي ترى بأنه لا قيمة لأي معرفة اجتماعية أو طبيعية إلا من خلال التجربة الحسية. ومن هنا ينظر هذا النوع من الإلحاد إلى الدين على أنه نظرية علمية خاطئة يمكن دحضها علمياً، ويصنف الدين على أنه مرحلة بدائية للمعرفة الإنسانية، وبالتالي نحن الآن في غناً عنه بما في ذلك من حيث الجانب الأخلاقي والاجتماعي، لأن العلم والخبراء سيتكفلون بتوضيح ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي لعامة الناس، هذا ما سماه "سام هاريس" بـ «علم الخير والشر» الذي بزعمه سوف يدعم القيم الليبرالية [هو نفسه لديه مواقف غير ليبرالية واضحة] والمساواة بين البشر واستقلال الفرد... لماذا ينبغي على العلم أن يدعم ذلك، هذا الذي لم يشرحه.
2) الإنسانوية العلمانية: حتى وإن كان أصحابها يعتقدون بأنهم قد خرجوا تماماً عن المنظومة الدينية التوحيدية، فإن هذا النوع من الإلحاد يمثل النسخة الفارغة والمعلمنة من الإيمان المسيحي وهو الأقرب إليها بالنظر إلى إيمانه بالخلاص الحتمي للبشرية بعد حذف الإله بوصفه الفاعل الرئيسي في التاريخ وتعويضه بالإنسانية.
بالنسبة للوثنيين قبل المسيحية في أوروبا، الحياة عبارة عن حلقات زمنية، كلما انتهت إحداها بدأت أخرى، وبالتالي لا يتضمن التاريخ بالنسبة لهم أي حركة حتمية نحو الخلاص، وبالتأكيد لن يكون هناك خلاص للإنسانية جمعاء فلا وجود لوحدة إنسانية ضمن تصورهم للوجود في ظل تعدد الألهة [لكل شعب ألهته وأحياناً لكل فئة في الشعب ألهتها].
من هذا الجانب جاء التوحيد المسيحي بفكرة غير معروفة بين الوثنين سابقاً تتحدث عن وحدة الإنسانية [إله واحد/إنسانية واحدة] وقدم تصوراً خطي للتاريخ يؤمن بحركة مستمرة نحو عالم مثالي للبشرية في نهايته، وكان ذلك أكثر وضوحاً مع حركة الألفية Millennialism. هذا الإيمان ورثته الإنسانوية العلمانية عن المسيحية، لكنه لم يعد بعد العلمنة مرتبطاً بالعناية الإلهية Divine providence وعودة المسيح بل بالمعرفة والعقلانية الإنسانية [الغنوصية والأفلاطونية اللتين لهما أثرهما على المسيحية]، هذا ما يعرف بـ الأيديولوجيا التقدمية التي تقع في قلب معتقدات المعاصرين وبدونها يفقدون كل معناً للحياة ويسقطون في عدمية كاملة.
بحسب الكاتب، من بين أوضح الأمثلة عن هذا الصنف من الإلحاد نجد برتراند راسل، ماركس، جون ستيوارت ميل، آين راند ونيتشه مع مفهومه عن الإنسان الأعلى.
3) العلموية: بالرغم من إدعاء أصحاب هذا النوع من الإلحاد إختلافهم عن الأخرين بفضل ما يقولون أنه منهجية علمية صارمة، إلا أنهم لا يختلفون عن النوعين السابقين من حيث ذلك الإيمان المسيحي المعلمن بالتقدم والسعي إلى خلاص الإنسانية من خلال المعرفة. لكن ما يميزهم بشكل خاص هو جعلهم العلم ديانة قائمة بذاتها تنافس بقية الأديان في كل شيء بما في ذلك الجوانب القيمية والأخلاقية ضمن ما يعرف بـ الأخلاق العلمية scientific ethics التي غالباً لا تكون سوى محاولة لتقديم غطاء علمي للحركات السياسية وللقيم السائدة في عصرها التي أحياناً تكون ليبرالية وأحياناً أخرى ضد الليبرالية، مثل الأحادية Monism لدى هيكل إرنست ثم لاحقاً الإنسانية التطورية evolutionary humanism لصحابها جوليان هكسلي، وهي أيديولوجيات علموية تزعم الاعتماد على نظرية التطور وتتبنى رؤيةً هرمية للأعراق البشرية التي نجد على رأسها العرق الأوروبي الذي عليه قيادة البشرية، وهي في ذلك إستمرار لأفكار فلاسفة عصر التنوير عن الأعراق، أمثال كانط وهيوم وفولتير الذين أعتبروا بقية الشعوب أدنى من الأوروبيين، والأفارقة كائنات بين البشر والقردة، وهذا ما كان يشكل الغطاء الفلسفي للاستعمار [ما يعرف أحياناً بـ واجب الرجل الأبيض] ثم لاحقاً الغطاء العلمي للنازية. من بين الأديان العلموية نجد أيضاً المادية الجدلية التي تشكل عماد الفلسفة الماركسية وهي بحسب برتراند راسل تمثل الإله في الديانة الماركسية التي نبيها ماركس، والشعب المختار فيها هم العمال، والكنيسة هي الحزب الشيوعي، والعودة الثانية [مثل عودة المسيح] هي الثورة، وجهنم هي معاقبة الرأسماليين، والألفية [حكم المسيح للعالم ألف سنة] هي رابطة الدول الشيوعية.
وأخر هذه الأديان العلموية نجد ما بعد الإنسانية التي لا تضع فقط الإنسانية محل الإله، بل تتصور بأنه من الممكن جعل الإنسان إلهاً حقيقي ذو قدرات خارقة ولا يموت أبداً بفضل العلوم الجينية والحاسوبية الحديثة.
❤2👍1👏1
ملاحظة: حسب رأيي، النوع الأول والثالث والرابع وربما حتى الخامس ما هي سوى تفرعات عن النوع الثاني الذي يمثل الغالبية الساحقة من الملحدين وهو ما أدعوه عادةً بـ الإلحاد المؤدلج
❤3
4) الأديان السياسية الحديثة: إذا كنت ترغب في فهم الحركات السياسية الحديثة، ينبغي عليك أولاً أن تضع جانباً فكرة أن الحركات العلمانية على تناقض مع الحركات الدينية. الاعتقاد بأننا نعيش في عصر علماني هو وهم، إلا إذا قُصد بذلك مجرد تراجع سلطة الكنيسة في الدول الغربية. أما الفكر العلماني فهو في غالبه إمتداد للمسيحية والغنوصية، بما في ذلك التمييز بين ما هو ديني ودنيوي [الأساس الأول للعلمانية] الذي كان أول من جاء به هو المسيح عندما أمر تلامذته بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله. أما الحركات الثورية فهي إمتداد للحركة المسيحية الألفية Millenarianism التي لها ستة خصائص بحسب نورمان كوهين:
(أ) الجماعية: بمعنى أن يتمتع بها المؤمنون كجماعة
(ب) أرضية: بمعنى أنها تتحقق على هذه الأرض وليس في جنة من عالم آخر
(ج) وشيكة: بمعنى أنها ستأتي قريبًا وبشكل مفاجئ
(د) كلية: بمعنى أنه من الضروري تغيير الحياة على الأرض تماماً، بحيث لا يكون التغيير الجديد مجرد تحسين للحاضر بل يجب أن يصل للكمال نفسه
(هـ) معجزة: بمعنى أن يتم إنجازها من طرف قوى خارقة للطبيعة أو بمساعدة منها.
كما نرى إذن، وباستثناء أخرها، تنطبق خصائص الألفية على الحركات الثورية الحديثة من اليعقوبية في فرنسا أواخر القرن 18 [الثورة الفرنسية] إلى البلشفية والماوية وأتباع بول بوت في القرن 20.
أما النازية وزعيمها هتلر فهما كما ذكر ريك ماليتشوين النسخة السياسية لحركة "تجديدية العماد" Anabaptism [من الحركات الألفية] وزعيمها جان بوكلسون الذي نصب نفسه ملكاً على مدينة مونستر الألمانية خلال القرن 16. كلا الحركتين [النازية/تجديدية العماد] تصورها مرتبط بنهاية العالم Apocalypticism وضرورة حدوث كوارث كبرى لأنها الطريق الوحيد للوصول إلى الخلاص والمجتمع المثالي.
وفي الأخير لدينا الليبرالية، وهي حركة تتضمن تيارات مختلفة، ومثل كل المعتقدات تنفي هذه التيارات عن بعضها البعض صفة الليبرالية رغم أن الاختلافات بينها في كثير من الأحيان تكون طفيفة. لكن ربما هناك نقطة مرجعية يجتمع عليها أغلب الليبرليين وهي جون لوك، فكر هذا الأخير مدين للمسيحية بكل شيء، وليبراليته هي نتاج واضح للتوحيد. وفقاً لـ لوك، البشر أحرار لأن الله خلقهم كذلك وأعطاهم القدرة على توجيه مسار حياتهم. أما حقوق الإنسان فهي ليست حقائق أخلاقية قائمة بذاتها، بل ترتكز على واجبات الإنسان تجاه الله، لهذا نجد في الممارسة العملية بأن حقوق الإنسان لم تحمي جميع البشر، ولذلك استثنى لوك الهنود الحمر والملحدين والمسلمين والكاثوليك من التسامح. وما تحاول فعله الليبرالية الحديثة هو تأسيس قانون أخلاقي عالمي لا يكون بحاجة لأساس إلهي، وتبحث عن ذلك في الأخلاق العلمية، لكن باستثناء انتهاج سبل مضللة في استعمال العلم فإنه ليس بمقدور العلم تقديم أي أسس لليبرالية أو تحديد نوع القيم التي على البشر إتباعها.
5) كره الرب Misotheism: مثل أنواع الإلحاد السابقة، يعتقد كارهي الإله أنهم تجاوزوا التوحيد ولم يعد لهم معه أي علاقة. في الحقيقة، كراهية الإله التي من أشهر أمثلتها نجد "ماركيز دو ساد" [من اسمه أشتقت كلمة سادية] أو الناقد الأدبي ويليام أمبسن William Empson، هي مجرد إيمان معكوس للإيمان التوحيدي بالإله كلي الخيرية Omnibenevolence، وقد يكون أصحابها متعلقين بالإله وبحاجة له أكثر من غيرهم في حياتهم، وإن كان إيمانهم بالله المدفوع بمعضلة الشر سلبياً. يمكننا أن نقول بأن كراهية الرب هي مسيحية مبالغ فيها تحاكم الإله من خلال قيم المسيحية نفسها، لهذا لو نعود إلى الإغريق فسنجد في الميثولوجيا اليونانية بأن الآلهة قد تكون لئيمة ومخادعة وربما تؤذي البشر لمجرد المتعة فقط، ومع ذلك لم ينجم عن ذلك إلحاد قوي بها أو كراهية لها.
6) إلحاد بدون تقدم: هذا النوع من الإلحاد يرفض أن يكون للتاريخ أي معنى أو أن يوجد خلاص للبشرية أو تقدم حتمي للحضارة، بل هناك فقط تقدم تكنولوجي قد يصحابه إنحطاط حضاري. كما يرى هذا الإلحاد بأن فكرة الكون القائم على نظام هرمي على رأسه الله كما تقول الأديان أو الإنسانية كما يقول الإنسانويون هي فكرة وهمية. لكن هذا لا يعني أخذ موقف سلبي من الدين أو أن يدخل معه في صراع، بالنسبة لهذا النوع، الدين والأساطير هي جزء من طبيعة البشر التطورية، لأن التطور في نظرهم لا يدعم الأكثر عقلانية بل الأكثر قدرة على التكيف والبقاء... من الأمثلة عن هذا الإلحاد لدينا خورخي سانتايانا وجوزيف كونراد.
[الكاتب يضع نفسه ضمن النوع السادس والسابع]
7) إلحاد الصمت أو الإلحاد الصوفي: هو نوع ترك الدين والإيمان بالله بدون أي آسف على ذلك أو محاولة لبناء منظومة تدعي أنها بديلة عن الدين كما تفعل الإنسانوية والتقدمية في حين هي جزء منه. من أمثلة هذا النوع نجد شوبنهاور الذي وجد ملاذاً في الموسيقى أو سبينوزا وليف شستوف اللذين اتجهوا نحو اللاهوت السلبي.
————————
(أ) الجماعية: بمعنى أن يتمتع بها المؤمنون كجماعة
(ب) أرضية: بمعنى أنها تتحقق على هذه الأرض وليس في جنة من عالم آخر
(ج) وشيكة: بمعنى أنها ستأتي قريبًا وبشكل مفاجئ
(د) كلية: بمعنى أنه من الضروري تغيير الحياة على الأرض تماماً، بحيث لا يكون التغيير الجديد مجرد تحسين للحاضر بل يجب أن يصل للكمال نفسه
(هـ) معجزة: بمعنى أن يتم إنجازها من طرف قوى خارقة للطبيعة أو بمساعدة منها.
كما نرى إذن، وباستثناء أخرها، تنطبق خصائص الألفية على الحركات الثورية الحديثة من اليعقوبية في فرنسا أواخر القرن 18 [الثورة الفرنسية] إلى البلشفية والماوية وأتباع بول بوت في القرن 20.
أما النازية وزعيمها هتلر فهما كما ذكر ريك ماليتشوين النسخة السياسية لحركة "تجديدية العماد" Anabaptism [من الحركات الألفية] وزعيمها جان بوكلسون الذي نصب نفسه ملكاً على مدينة مونستر الألمانية خلال القرن 16. كلا الحركتين [النازية/تجديدية العماد] تصورها مرتبط بنهاية العالم Apocalypticism وضرورة حدوث كوارث كبرى لأنها الطريق الوحيد للوصول إلى الخلاص والمجتمع المثالي.
وفي الأخير لدينا الليبرالية، وهي حركة تتضمن تيارات مختلفة، ومثل كل المعتقدات تنفي هذه التيارات عن بعضها البعض صفة الليبرالية رغم أن الاختلافات بينها في كثير من الأحيان تكون طفيفة. لكن ربما هناك نقطة مرجعية يجتمع عليها أغلب الليبرليين وهي جون لوك، فكر هذا الأخير مدين للمسيحية بكل شيء، وليبراليته هي نتاج واضح للتوحيد. وفقاً لـ لوك، البشر أحرار لأن الله خلقهم كذلك وأعطاهم القدرة على توجيه مسار حياتهم. أما حقوق الإنسان فهي ليست حقائق أخلاقية قائمة بذاتها، بل ترتكز على واجبات الإنسان تجاه الله، لهذا نجد في الممارسة العملية بأن حقوق الإنسان لم تحمي جميع البشر، ولذلك استثنى لوك الهنود الحمر والملحدين والمسلمين والكاثوليك من التسامح. وما تحاول فعله الليبرالية الحديثة هو تأسيس قانون أخلاقي عالمي لا يكون بحاجة لأساس إلهي، وتبحث عن ذلك في الأخلاق العلمية، لكن باستثناء انتهاج سبل مضللة في استعمال العلم فإنه ليس بمقدور العلم تقديم أي أسس لليبرالية أو تحديد نوع القيم التي على البشر إتباعها.
5) كره الرب Misotheism: مثل أنواع الإلحاد السابقة، يعتقد كارهي الإله أنهم تجاوزوا التوحيد ولم يعد لهم معه أي علاقة. في الحقيقة، كراهية الإله التي من أشهر أمثلتها نجد "ماركيز دو ساد" [من اسمه أشتقت كلمة سادية] أو الناقد الأدبي ويليام أمبسن William Empson، هي مجرد إيمان معكوس للإيمان التوحيدي بالإله كلي الخيرية Omnibenevolence، وقد يكون أصحابها متعلقين بالإله وبحاجة له أكثر من غيرهم في حياتهم، وإن كان إيمانهم بالله المدفوع بمعضلة الشر سلبياً. يمكننا أن نقول بأن كراهية الرب هي مسيحية مبالغ فيها تحاكم الإله من خلال قيم المسيحية نفسها، لهذا لو نعود إلى الإغريق فسنجد في الميثولوجيا اليونانية بأن الآلهة قد تكون لئيمة ومخادعة وربما تؤذي البشر لمجرد المتعة فقط، ومع ذلك لم ينجم عن ذلك إلحاد قوي بها أو كراهية لها.
6) إلحاد بدون تقدم: هذا النوع من الإلحاد يرفض أن يكون للتاريخ أي معنى أو أن يوجد خلاص للبشرية أو تقدم حتمي للحضارة، بل هناك فقط تقدم تكنولوجي قد يصحابه إنحطاط حضاري. كما يرى هذا الإلحاد بأن فكرة الكون القائم على نظام هرمي على رأسه الله كما تقول الأديان أو الإنسانية كما يقول الإنسانويون هي فكرة وهمية. لكن هذا لا يعني أخذ موقف سلبي من الدين أو أن يدخل معه في صراع، بالنسبة لهذا النوع، الدين والأساطير هي جزء من طبيعة البشر التطورية، لأن التطور في نظرهم لا يدعم الأكثر عقلانية بل الأكثر قدرة على التكيف والبقاء... من الأمثلة عن هذا الإلحاد لدينا خورخي سانتايانا وجوزيف كونراد.
[الكاتب يضع نفسه ضمن النوع السادس والسابع]
7) إلحاد الصمت أو الإلحاد الصوفي: هو نوع ترك الدين والإيمان بالله بدون أي آسف على ذلك أو محاولة لبناء منظومة تدعي أنها بديلة عن الدين كما تفعل الإنسانوية والتقدمية في حين هي جزء منه. من أمثلة هذا النوع نجد شوبنهاور الذي وجد ملاذاً في الموسيقى أو سبينوزا وليف شستوف اللذين اتجهوا نحو اللاهوت السلبي.
————————
👏3❤2
بحسب كارل شميت، دور السياسة هو تمييز الصديق من العدو، ولا يمكن أن يتحقق ذلك بدون تحيز وعصبية لانتماء عضوي (قبلي، عرقي...) أو لانتماء اصطناعي (ديني، أيديولوجي، وطني، لغوي...) أو لمزيج بين عناصر عضوية واصطناعية. لذلك نجد مثلاً بأنه ما إن تراجع الانتماء الديني في أوروبا حتى حل محله الانتماء العرقي تلقائياً، عصر التنوير الذي حطم الانتماء الديني كان هو أيضا أول من وضع أسس تفوق العرق الاوروبي وما يعرف بالعنصرية. نجاح هذا الانتماء العرقي يتطلب إما وجود تجانس عرقي كامل (اليابان) أو تحقيق هذا التجانس العرقي (كما حاولت النازية)، أما محاولة بناء دول على أساس عرقي في العالم العربي (باستثناء الخليج) فهو ضرب من الجنون، هذه المنطقة التي تقع في قلب العالم وتضم أقدم الحضارات والتي شهدت تدفقاً بشرياً عليها من كل جهة لم تعرفه أي منطقة أخرى في العالم يستحيل توحيدها عرقياً، وحتى القوميون العرب عندما حاولوا توحيدها شددوا على أن حركتهم هي حركة ثقافة وليست عرقية (لم يكن ذلك مقنعاً دائماً)، إذن لا يمكن للسياسي هنا تحديد العدو من الصديق وتأسيس دولة إلا بفرض فكرة أو مجموع أفكار على السكان سواءً بالدعاية أو بالاجبار والضغط بغية تجنب النزاعات وضمان الولاء الكامل.
أما الليبرالية فهي ترفض حتى مجرد الحديث عن تحيز مهما كان نوعه إلا للإنسانية، ومن هنا يستحيل وجود سياسية ليبرالية أو دولة ليبرالية حقيقية، لا يمكن أن يوجد إلا نقد ليبرالي للسياسة كما يقول مرة أخرى كارل شميت.
أما الليبرالية فهي ترفض حتى مجرد الحديث عن تحيز مهما كان نوعه إلا للإنسانية، ومن هنا يستحيل وجود سياسية ليبرالية أو دولة ليبرالية حقيقية، لا يمكن أن يوجد إلا نقد ليبرالي للسياسة كما يقول مرة أخرى كارل شميت.
❤2👍2👏1
فاطمة دعاس، سحاقية وروائية فرنسية ذات أصول جزائرية، صرحت بأنها تعتبر نفسها أثمة لممارستها السحاق ولا تحاول أن توافق بين الشذ_وذ والإسلام وتجعله ممارسة مقبولة، وتقول بأنه ليس من السهل قول ذلك لأنهم عودونا على أن نقول بأنه جائز. وأضافت تقول أمام دهشة المذيعة: من أكون أنا لأحكم بأنه ليس إثم، وبالتالي نعم أعتبره إثم لأنني لست مثالية. وقد سبق وأن صرحت أيضاً قبل أيام بأن علاقتها بالله أهم من أي علاقة لها مع امرأة.
هذا النوع من الشذ_وذ هو النوع التقليدي الذي كان موجوداً في الماضي قبل أن يتحول لأيديولوجيا وهوية شخصية يُعرف الشا_ذ نفسه من خلالها ويجعلها كل شيء في حياته بحيث يخضع الدين لها أو يتركه بسببها. مثله مثل أي "أثم" آخر يرتكب أي ذنب ولا ينوي التوقف عنه بدون الحاجة لجعله جائزاً.
هذا النوع من الشذ_وذ هو النوع التقليدي الذي كان موجوداً في الماضي قبل أن يتحول لأيديولوجيا وهوية شخصية يُعرف الشا_ذ نفسه من خلالها ويجعلها كل شيء في حياته بحيث يخضع الدين لها أو يتركه بسببها. مثله مثل أي "أثم" آخر يرتكب أي ذنب ولا ينوي التوقف عنه بدون الحاجة لجعله جائزاً.
👏6❤2
ترجمة لجزء من نص للفيلسوف والثيولوجي الفرنسي Paul Valadier يساعدنا على فهم جذور النزعة الإنسانوية التي أدت بدورها إلى ظهور الإلحاد المؤدلج وعلاقة ذلك بالمسيحية ضمن السياق النتشوي.
________________________________________
نيتشه، الذي عرف الإنسان على أنه "صانع ألهة" هو قبل شيء ناقد للوثنية التي قد تأخذ عدة أشكال أخرى غير الدين. المسيحية حسب نيتشه هي المسبب الأصلي «لإنتحارها» والناتج عن التناقض الذي وقع بين الاخلاق المستقيمة والدوغما.
نهاية المسيحية ليست في حد ذاتها إذَنّ خبراً سعيداً ولا خبراً مطمئناً. لكن؛ درس نيتشه هو أن المستقبل في جوهره مازال مفتوحاً بما في ذلك "إحياء الإله".
هل من الممكن أن يكون لفكر نيشته أي فائدة لدى من يتسائل عن مستقبل الدين في بداية هذه الألفية الثالثة؟ إذا اختزلنا نيتشه في الفولغاتا التي نخلطها بفلسفته الدينية، وهي موت الإله وبروز إنسان حر ومستقل أخيراً، منفك عن المعتقدات الطفولية والمخدِرة، فسيكون من الخطأ التوقف عند فكره. نرى جيداً استمرار وجود الأديان حتى تحت أشكال مقلقة وخطيرة؛ نعلم أيضاً إلى أي مدى هي أسطورة الإنسان البالغ والمتحرر أخيراً من الأوهام قد تبخرت حتى لا نتوقف كثيراً عند مثل هذه النبوءات الكاذبة. لهذا إذا كان نيتشه يثير اهتمامنا، بمعنى يساعدنا كفيلسوف على التفكير في وضعنا الديني الأصلي، فـ لأن فكره لا يتناسب مع هذه التصورات المبتذلة حتى وإن اختزله بعض القراء المتعجلين والمهتمين بتلك التصورات الهزيلة، بما في ذلك ثيولوجيون مسيحيون.
يجب التأكيد فوراً بأن نيتشه لم يتوقف كثيراً عند مستقبل الدين في حد ذاته، إذا قصدنا بذلك حديثه عن الدين بشكل عام، أو التشكيك في مزاعم شعور ديني لإظهار ابتذاله، لم يقدم فلسفة تتنبىٔ بمستقبل الدين في حد ذاته. كما يجب أن نؤكد أيضاً على أنه لم يشكك فعلاً في حيوية ودوام الشعور الديني لدى الإنسان الذي عرفه بوصفه «صانع ألهة» وصاحب مقدرة خصبة ولا تنضب في ابتكار الأوثان، إلى درجة أنه أكد في مقدمة كتابه «غسق الأوثان» على ذلك بقوله "هناك في العالم أوثان أكثر من الحقائق". صيغة تعبر عن إلى أي مدى هو صنع الأوثان خاصية بشرية وصيغة معبرة أيضاً عن ما تريد أن تنبهنا إليه: كم من ديانات تلاشت وضعفت، وبالأخص المسيحية، ورغم ذلك لم تمنع الإنسان من أن يكون مدفوعًا بـ «الرغبة في الإيمان» بمعنى حاجته للخضوع إلى أوثان، إلى يقين لا يتزعزع، إلى دعائم يرتكز عليها لتحمُل ودعم وجوده. من الواضح بالنسبة لنيتشه بأن العالم الحديث مليء بهكذا أوثان تحمل إسم «التقدمية»، «العلموية»، «نشر السعادة من أجل الجميع»، «الاشتراكية» أو «حقوق الإنسان»، بل وحتى «الإلحاد» الذي إذا صدقنا «جنيالوجيا الأخلاق» فهو ليس إلا التأويل الأكثر مكراً والأكثر تخفياً للرغبة في الحقيقة بأي ثمن، وبالتالي الرغبة في الايمان.
من هنا يمكن للدين أن يبقى على قيد الحياة رغم انحصار سيطرته المؤسساتية والدوغمائية والاخلاقية على الأنفس، تحت شكل وثنية معاصرة تحمل في جوهرها حسب نيتشه نفس خصائص الديانات القديمة، لكن مع إضافة وهم التحرر من الدين. ديانة من غير ديانة، إيمان بدون قناع ديني، هنا يقع «القادم متأخراً» أو «الإنسان الأعلى» الذي يعتقد أنه أذكى من البشر في الماضي، في فخاخ سيكون من الصعب عليه تجنبها.
لذلك من الضروري أن نقف قليلاً عند مصير الدين في العصر الحديث، وبالتحديد عند مصير المسيحية. أكد نيتشه كثيراً على كونه يتحدث انطلاقاً من ذاته وتجربته الحية والمؤلمة أثناء نشأته ومن مرضه ومصيره الذاتي، يتحدث في الأساس عن المسيحية، المسيحية التاريخية التي بالتأكيد شكلت أوروبا، وبالتحديد حركة التقوية اللوثرية التي صاغت شخصيته إلى الأفضل والأسوء. الحديث عن الدين، هو إذن بالنسبة لنيتشه حديث عن المسيحية بشكل أساسي، كذلك هي الأطروحات التي سأقدمها في هذه المداخلة.
نحن على «فراش موت المسيحية» على حد تعبير الأفوريزم 92 من كتابه «الفجر»؛ لكن هذا «الانتحار» لا ينبئ بخير، وسيفرز اضطرابات لا حصر لها ستسرع من خسارة البشرية؛ لأن في موت المسيحية يكمن مصير العدمية، وبالتالي لا ضمان أبداً لحكم الحقيقة والحرية والإنسان الذي سيكون أخيراً نفسه؛ ولهذا يجب أن نقف عند سؤال كيف سيكون شكل بنية الدين في المستقبل؟
________________________________________
نيتشه، الذي عرف الإنسان على أنه "صانع ألهة" هو قبل شيء ناقد للوثنية التي قد تأخذ عدة أشكال أخرى غير الدين. المسيحية حسب نيتشه هي المسبب الأصلي «لإنتحارها» والناتج عن التناقض الذي وقع بين الاخلاق المستقيمة والدوغما.
نهاية المسيحية ليست في حد ذاتها إذَنّ خبراً سعيداً ولا خبراً مطمئناً. لكن؛ درس نيتشه هو أن المستقبل في جوهره مازال مفتوحاً بما في ذلك "إحياء الإله".
هل من الممكن أن يكون لفكر نيشته أي فائدة لدى من يتسائل عن مستقبل الدين في بداية هذه الألفية الثالثة؟ إذا اختزلنا نيتشه في الفولغاتا التي نخلطها بفلسفته الدينية، وهي موت الإله وبروز إنسان حر ومستقل أخيراً، منفك عن المعتقدات الطفولية والمخدِرة، فسيكون من الخطأ التوقف عند فكره. نرى جيداً استمرار وجود الأديان حتى تحت أشكال مقلقة وخطيرة؛ نعلم أيضاً إلى أي مدى هي أسطورة الإنسان البالغ والمتحرر أخيراً من الأوهام قد تبخرت حتى لا نتوقف كثيراً عند مثل هذه النبوءات الكاذبة. لهذا إذا كان نيتشه يثير اهتمامنا، بمعنى يساعدنا كفيلسوف على التفكير في وضعنا الديني الأصلي، فـ لأن فكره لا يتناسب مع هذه التصورات المبتذلة حتى وإن اختزله بعض القراء المتعجلين والمهتمين بتلك التصورات الهزيلة، بما في ذلك ثيولوجيون مسيحيون.
يجب التأكيد فوراً بأن نيتشه لم يتوقف كثيراً عند مستقبل الدين في حد ذاته، إذا قصدنا بذلك حديثه عن الدين بشكل عام، أو التشكيك في مزاعم شعور ديني لإظهار ابتذاله، لم يقدم فلسفة تتنبىٔ بمستقبل الدين في حد ذاته. كما يجب أن نؤكد أيضاً على أنه لم يشكك فعلاً في حيوية ودوام الشعور الديني لدى الإنسان الذي عرفه بوصفه «صانع ألهة» وصاحب مقدرة خصبة ولا تنضب في ابتكار الأوثان، إلى درجة أنه أكد في مقدمة كتابه «غسق الأوثان» على ذلك بقوله "هناك في العالم أوثان أكثر من الحقائق". صيغة تعبر عن إلى أي مدى هو صنع الأوثان خاصية بشرية وصيغة معبرة أيضاً عن ما تريد أن تنبهنا إليه: كم من ديانات تلاشت وضعفت، وبالأخص المسيحية، ورغم ذلك لم تمنع الإنسان من أن يكون مدفوعًا بـ «الرغبة في الإيمان» بمعنى حاجته للخضوع إلى أوثان، إلى يقين لا يتزعزع، إلى دعائم يرتكز عليها لتحمُل ودعم وجوده. من الواضح بالنسبة لنيتشه بأن العالم الحديث مليء بهكذا أوثان تحمل إسم «التقدمية»، «العلموية»، «نشر السعادة من أجل الجميع»، «الاشتراكية» أو «حقوق الإنسان»، بل وحتى «الإلحاد» الذي إذا صدقنا «جنيالوجيا الأخلاق» فهو ليس إلا التأويل الأكثر مكراً والأكثر تخفياً للرغبة في الحقيقة بأي ثمن، وبالتالي الرغبة في الايمان.
من هنا يمكن للدين أن يبقى على قيد الحياة رغم انحصار سيطرته المؤسساتية والدوغمائية والاخلاقية على الأنفس، تحت شكل وثنية معاصرة تحمل في جوهرها حسب نيتشه نفس خصائص الديانات القديمة، لكن مع إضافة وهم التحرر من الدين. ديانة من غير ديانة، إيمان بدون قناع ديني، هنا يقع «القادم متأخراً» أو «الإنسان الأعلى» الذي يعتقد أنه أذكى من البشر في الماضي، في فخاخ سيكون من الصعب عليه تجنبها.
لذلك من الضروري أن نقف قليلاً عند مصير الدين في العصر الحديث، وبالتحديد عند مصير المسيحية. أكد نيتشه كثيراً على كونه يتحدث انطلاقاً من ذاته وتجربته الحية والمؤلمة أثناء نشأته ومن مرضه ومصيره الذاتي، يتحدث في الأساس عن المسيحية، المسيحية التاريخية التي بالتأكيد شكلت أوروبا، وبالتحديد حركة التقوية اللوثرية التي صاغت شخصيته إلى الأفضل والأسوء. الحديث عن الدين، هو إذن بالنسبة لنيتشه حديث عن المسيحية بشكل أساسي، كذلك هي الأطروحات التي سأقدمها في هذه المداخلة.
نحن على «فراش موت المسيحية» على حد تعبير الأفوريزم 92 من كتابه «الفجر»؛ لكن هذا «الانتحار» لا ينبئ بخير، وسيفرز اضطرابات لا حصر لها ستسرع من خسارة البشرية؛ لأن في موت المسيحية يكمن مصير العدمية، وبالتالي لا ضمان أبداً لحكم الحقيقة والحرية والإنسان الذي سيكون أخيراً نفسه؛ ولهذا يجب أن نقف عند سؤال كيف سيكون شكل بنية الدين في المستقبل؟
❤3👍2
إذا ضرب الموت المسيحية، فلا ينبغي حسب نيتشه أن نبحث عن السبب خارج المسيحية نفسها. الأمر الذي خالف فيه تيار العقلانية الذي ساد قرنه، وحتى فلسفة الأنوار التي أُعجب بها خلال حقبة «إنسان مفرط في إنسانيته»، لم يرى بأن الدين سيتراجع أمام عقلانية لا تتعدى كونها عشيقة نفسها، ولا أمام "تقدم" العلوم. بل هو يؤكد في الأفوريزم 300 في «العلم المرح» بأن الديانات هي من قدمت الدافع الحاسم نحو التعطش للمعرفة الذي ولدت منه العلوم، لأنها هي من جعلت الإنسان ينفتح نحو أبعاد أوسع من البعد المألوف للعالم المحسوس، وحفزته للشعور «بجوع ذاته وبعطشها، وأن يجد الشبع والارتواء»، وفي نفس النص استشهد بشكل معبر جداً بـ «بروميثيوس» بوصفه من خصائص ذلك الوهم الديني بإمتياز «وقد سرق النور»، قبل أن يكتشف أن هذه الرغبة في النور هي «من صنع يديه». لكن يبقى أصل الدافع نحو المعرفة في البداية هو الدين. بشكلٍ أعم، إذا لم تكن هناك أي «حقيقة» في الأديان، حسب الأفوريزم 110 في كتابه «إنسان مفرط في إنسانيته»، فإن للدين أهميته، بل ضروري للإنسان لما يقدمه له من قوة للعيش؛ وبالتالي لا يمكن أن نضعه بجانب الأوهام التي كلها شر، ولا أيضاً بجانب الأخطاء التي يمكن تجاوزها بسهولة. إذا كان الدين يعطي الإنسان قوة العيش ثم هذا الدين تلاشى، فمن أين سنجد هذه القوة للعيش؟ هل من الممكن حتى أن يجدها الإنسان المعاصر بسهولة؟
أصالة النقد النيتشوي للمسيحية ترجع إلى اعتبار نيتشه المسيحية ديانة تفاعلية في جوهرها، بمعنى غير مستقرة ومتناقضة. مبنية على تناقضات لا يمكن إلا أن تنهار على المدى الطويل، وقد حان ذلك وقت. إذ اقتفينا أثر التحليلات للأفوريزم 357 من «العلم المرح» (ويمكن أن نرتكز على نصوص أخرى تقودنا إلى مقاربات ذات اختلافات ملحوظة، لكنها متسقة من حيث الجوهر مع هذا النص) سنقول: بأن موت المسيحية سببه التناقض الحاصل داخلها بين الأخلاق والدوغما. المؤمن ينشأ في الحقيقة على مراجعة ضميره ليوافق دقة تحليل أفعاله إلى غاية أدنى حركات روحه بالنسبة للإرادة الإلهية. من زاوية النظر هذه جاءت المسيحية بفكرة الإصرار على الذاتية وهو ما كان مجهولاً لدى الإغريق، إصرار جعل اي عودة إلى الإغريق مستحيلة، بما أننا نعجز حتى على فهم عالمهم الأخلاقي والديني. لكن هذه التنشئة التي أخذت قرون من الزمن، عظمت من صدق المفكر المؤمن، وبشكل أعم الاوروبي الذي شكله كرسي الاعتراف وتوجيه الوعي. جاء اليوم الذي انقلبت فيه هذه النزاهة الفكرية على النظام العقدي؛ هذا الأخير أصبح غير قابل للتصديق (الإيمان بعناية إلهية تقود التاريخ، بطيبة إلهٍ يدفع بكل شيء نحو الأفضل، وبالتالي فكرة «نهاية أخلاقية للنظام الكوني»، الإيمان بالفداء الذبيحي من قبل المسيح ...إلخ). ما يتعارض إذن مع المسيحية، هي ليست فعلاً حججنا بقدر ما هي أذواقنا: لم نعد قادرين «نحن الأوروبيين ورثة هذه الإرادة الأكثر ديمومةً والأكثر شجاعةً التي أظهرتها اوروبا» على دخول النظام العقدي الذي تطرحه المسيحية. هذا النظام بوصفه مربٍّ ارتهننا لذاته ثم انهار من الداخل من خلال تآكلٍ بطيء من مظاهره الاصلاح اللوثري على سبيل المثال، لقد كانت لحظةً أساسية وبالخصوص تفاعلية (أعتقد لوثر أنه سيعيد الحيوية الأولى للإيمان، لكنه ساهم في الحقيقة في خرابه بنزع القدسية عن القس والكتاب المقدس).
أصالة النقد النيتشوي للمسيحية ترجع إلى اعتبار نيتشه المسيحية ديانة تفاعلية في جوهرها، بمعنى غير مستقرة ومتناقضة. مبنية على تناقضات لا يمكن إلا أن تنهار على المدى الطويل، وقد حان ذلك وقت. إذ اقتفينا أثر التحليلات للأفوريزم 357 من «العلم المرح» (ويمكن أن نرتكز على نصوص أخرى تقودنا إلى مقاربات ذات اختلافات ملحوظة، لكنها متسقة من حيث الجوهر مع هذا النص) سنقول: بأن موت المسيحية سببه التناقض الحاصل داخلها بين الأخلاق والدوغما. المؤمن ينشأ في الحقيقة على مراجعة ضميره ليوافق دقة تحليل أفعاله إلى غاية أدنى حركات روحه بالنسبة للإرادة الإلهية. من زاوية النظر هذه جاءت المسيحية بفكرة الإصرار على الذاتية وهو ما كان مجهولاً لدى الإغريق، إصرار جعل اي عودة إلى الإغريق مستحيلة، بما أننا نعجز حتى على فهم عالمهم الأخلاقي والديني. لكن هذه التنشئة التي أخذت قرون من الزمن، عظمت من صدق المفكر المؤمن، وبشكل أعم الاوروبي الذي شكله كرسي الاعتراف وتوجيه الوعي. جاء اليوم الذي انقلبت فيه هذه النزاهة الفكرية على النظام العقدي؛ هذا الأخير أصبح غير قابل للتصديق (الإيمان بعناية إلهية تقود التاريخ، بطيبة إلهٍ يدفع بكل شيء نحو الأفضل، وبالتالي فكرة «نهاية أخلاقية للنظام الكوني»، الإيمان بالفداء الذبيحي من قبل المسيح ...إلخ). ما يتعارض إذن مع المسيحية، هي ليست فعلاً حججنا بقدر ما هي أذواقنا: لم نعد قادرين «نحن الأوروبيين ورثة هذه الإرادة الأكثر ديمومةً والأكثر شجاعةً التي أظهرتها اوروبا» على دخول النظام العقدي الذي تطرحه المسيحية. هذا النظام بوصفه مربٍّ ارتهننا لذاته ثم انهار من الداخل من خلال تآكلٍ بطيء من مظاهره الاصلاح اللوثري على سبيل المثال، لقد كانت لحظةً أساسية وبالخصوص تفاعلية (أعتقد لوثر أنه سيعيد الحيوية الأولى للإيمان، لكنه ساهم في الحقيقة في خرابه بنزع القدسية عن القس والكتاب المقدس).
❤1👏1
يمكننا أن نقول بعبارة أخرى أن المسيحية بالغت في تقدير الإنسان، وضعته في المركز، جعلته يؤمن بأن له قيمة لا حدود لها عند الرب إلى درجة أنه كان لزاماً على الرب أن يقبل بالتضحية بابنه من أجل خلاصه (حسب نسخة بولس للمسيحية التي انتقدها نيتشه بشكل خاص). من المهم جداً أن ننتبه هنا إلى التهمة المركزية، في أغلب الأحيان مجهولة لدى المفسرين، وبالأخص الثيولوجيين المسيحيين: هي موجهة ضد «مركزية الإنسان» anthropocentrism التي في المسيحية، ضد هذه الغطرسة المتعاظمة في الإنسان التي جعلته يعتقد أنه أهم مما هو عليه في الواقع، بما أنه حسب المبادئ الأساسية في المسيحية، الرب نظر نحوه وهو قلق بشأن خلاصه- مركزية إنسان جديرة بالسخرية- بما أن الإنسان ليس سوى نملة تائهة في هذا الكون الواسع، لم يتوقف نيتشه عن تكرار ذلك في نصوصٍ مبهرة من حيث شدة تشكيكها في غرور الإنسان المفرط في إنسانيته. المسيحية هي -حسب نيتشه- من أعطت مكانة مفرطة للانسان، أخرجت الوجود عن توازنه وبالتالي أعطته أهمية أكثر مما لديه في الواقع. هكذا «اعتزاز بالذات» ستكون نتيجته اندفاع نحو أخلاق زهدية مثيرة للشفقة، بما أن المسيحي عليه أن يكون في مستوى سقف تطلعات عالية ويلغي من حياته كل تعلق عاطفي لا يليق به. لكن لديه نتيجة أخرى على المدى الطويل بجعل الإنسان يدرك قيمته الفريدة. وكـ ارتداد لذلك يكتشف أن الرب المسيحي، الطيب والرحيم جداً لديه صفات مفرطة في الإنسانية، وأنه الحالة المثالية للإنسان التي تحت غطاءها يؤكد الإنسان نفسه ويعطيها قيمتها؛ وبالتالي لا يمكن اعتبار هذا الرب God إلا كربٍّ مثير للشفقة، وليس كإله Divine. هذا المنطق الذاتي التدمير هو من أفرز الالحاد المعاصر، إذن الإله المسيحي هو من دفعته رخاوته، تناقضه وضعفه نحو موته. من هنا يكون الإلحاد نتاج المسيحية نفسها، مخرجاً بذلك إلى العلن جوهرها المدمر والعدمي.
_________________________
« الإلحاد هو الانتصار الكبير للمسيحية، لأن المسيحية لم تعد بحاجة لإله لتفرض نفسها كإيديولوجية أخلاقية»
Peter Sjostedt-H
«يصبح الإنسان ملحداً عندما يعتقد أنه أفضل من إلهه»
~ بيير جوزيف برودون ـ فيلسوف آناركي
«فقط مسيحي حقيقي يمكنه أن يكون ملحداً جيداً، فقط ملحد حقيقي يمكنه أن يكون مسيحياً جيداً»
~ إرنست بلوخ ~ فيلسوف ماركسي
«الله مصدر إزعاج الإنسان الحديث. الكثيرون يحبّون "الإنسانية"، فقط من أجل أن ينسوا الله بضميرٍ مرتاح»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
_________________________
« الإلحاد هو الانتصار الكبير للمسيحية، لأن المسيحية لم تعد بحاجة لإله لتفرض نفسها كإيديولوجية أخلاقية»
Peter Sjostedt-H
«يصبح الإنسان ملحداً عندما يعتقد أنه أفضل من إلهه»
~ بيير جوزيف برودون ـ فيلسوف آناركي
«فقط مسيحي حقيقي يمكنه أن يكون ملحداً جيداً، فقط ملحد حقيقي يمكنه أن يكون مسيحياً جيداً»
~ إرنست بلوخ ~ فيلسوف ماركسي
«الله مصدر إزعاج الإنسان الحديث. الكثيرون يحبّون "الإنسانية"، فقط من أجل أن ينسوا الله بضميرٍ مرتاح»
~ نيكولاس ڠوميز داڤيلا
👌4❤2😡1
«لا يوجد أكثر تفردًا من غريزة قوية لا تنكسر. يتماسك المجتمع بالقدر الذي يكون فيه غير إنساني، حيث يعرف كيف يستثني نفسه... في هذا تتفوق القبائل "البدائية". ليسوا هم، بل "المتحضرون" هم من اخترع التسامح، وسوف يهلكون به. لماذا اخترعوه؟ لأنهم كانوا يحتضرون... لم يكن التسامح هو الذي أضعفهم، بل ضعفهم، قلة الحيوية لديهم هي ما جعلهم متسامحين.»
― إميل سيوران
― إميل سيوران
❤2👏1
التسامح ليس فضيلة، بل قد يكون في كثير من الأحيان من أحط ما قد يتصف به الإنسان لما يرافقه من وهن وضعف. أن تكون متسامحاً يعني أن تكون بلا قيم، أن يتساوى في نظرك الخطأ والصواب، وأن تتقبل التعايش مع انحطاط يطلب التسامح وهو نفسه لن يتسامح معك عندما يتمكن. هذا ما يخلطه البعض مع فضيلة العفو، أن تكون عفواً يعني أن تتجاوز ما قد مضى، غالباً من موقع قوة، لا أن تتقبل وجوده أو تكراره.
«التسامح هو دليل على عدم ثقة الفرد في مثله العليا.»
― نيتشه
«التسامح هو دليل على عدم ثقة الفرد في مثله العليا.»
― نيتشه
❤18👍7👏2
«الفرد، هو المنتج النهائي لمجتمع أصبح عقيمًا، هو الكائن البشري الذي سقط من سعة الإنسان إلى ضيق الأنا، هو القزم المتغطرس، جنين ساقط ومغرور، دائمًا سعيد بنفسه وناقم على الآخرين. يبقى دائماً منعزل بدون أن يكون قادرًا على العيش وحيدًا، متمرد وتابع في نفس الوقت، هو مجرد ذرة ضمن حشد بدل أن يكون عنصرًا ضمن شعب. يعيش الفرد بشكل دائم في حالة من الهجر الاجتماعي. يدعي أنه تحت حفظ مجتمع لا يحافظ عليه، ويطالب بدون أن يعطي، ويود أن يحصل على كل شيء دون أن يقدم أي شيء، وفي مجتمع متحلل، يمثل انحطاطًا يشمل كل الطبقات.
بالطبع، إذا كان هناك أي شيء مرفوض ومدان، فهو هذه الطريقة المتغطرسة لتكون لا شيء. ومع ذلك، لا تعتقد أن الفرد سيتقبل أن يلغى دون مقاومة. بما أنه يرى نفسه في حال سيء، فقد غير اسمه في اللحظة الأخيرة لكسب الاحترام، هل تعرف أي اسم أطلقه على نفسه؟ اسم "إنسان". لكن هذه الكلمة بالذات هي من بقايا الحياة السابقة.
في الديماغوجية، التي خرج منها الكثير من مواطنينا على مضض، بما أن الأمر كان يتعلق بتملق الجميع، فقد تم توزيع الأوسمة على الجميع تقريبًا في حين كان ينبغي أن تشير فقط إلى القلة التي تستحقها. ومع ذلك، ورغم ما قمنا به، ظل هناك أناس بدون تكريم. لذلك اخترعنا وساماً للجميع: أن تكون إنسانًا.»
― هابيل بونرد
بالطبع، إذا كان هناك أي شيء مرفوض ومدان، فهو هذه الطريقة المتغطرسة لتكون لا شيء. ومع ذلك، لا تعتقد أن الفرد سيتقبل أن يلغى دون مقاومة. بما أنه يرى نفسه في حال سيء، فقد غير اسمه في اللحظة الأخيرة لكسب الاحترام، هل تعرف أي اسم أطلقه على نفسه؟ اسم "إنسان". لكن هذه الكلمة بالذات هي من بقايا الحياة السابقة.
في الديماغوجية، التي خرج منها الكثير من مواطنينا على مضض، بما أن الأمر كان يتعلق بتملق الجميع، فقد تم توزيع الأوسمة على الجميع تقريبًا في حين كان ينبغي أن تشير فقط إلى القلة التي تستحقها. ومع ذلك، ورغم ما قمنا به، ظل هناك أناس بدون تكريم. لذلك اخترعنا وساماً للجميع: أن تكون إنسانًا.»
― هابيل بونرد
👏3❤1
الشيخ عبد الحميد ابن باديس شخصية دينية جزائرية معروفة أثناء الاستعمار، لديه مقولة مشهورة "لو قالت لي فرنسا قل لا إله إلا الله ما قلتها". لأن "لا إله إلا الله" بحسبه إذا خرجت في اللحظة التي تريدها فرنسا فلن تكون سوى خدمة لها. هل هذا يعني أن الشيخ يمكن أن يدعو لعكس "لا إله إلا الله" فقط نكاية في فرنسا؟ بلا شك لن يفعل ذلك، بل سيكتفي فقط بالصمت وتجاهل الأمر إلى وقت آخر بدون التراجع عن "لا إله إلا الله"... كذلك يجب التعامل مع الليبرالية.
في بعض الأحيان ترفع الليبرالية شعارات قد نوافقها عليها من حيث المبدأ، والكثيرون ممن هم من المفروض ضد الليبرالية من تيارات مختلفة ينساقون خلف تلك الشعارات ويزايدون على الليبرالية فيها معتقدين بأن ذلك سيقوي موقفهم ضدها أو ربما طلباً لرضاها عنهم وبعضهم من المثاليين الذين يريدون كل شيء وفوراً (هؤلاء لا يحصلون إلا على لا شيء وفوراً) غير أبهين بواقع أن تلك الشعارات تأتي ضمن نسق أوسع بكثير ومختلف تمامًا عن نسقهم، في حين أن هؤلاء المندفعين ليس لهم القدرة (الإعلامية، السياسية، الأكاديمية...) على توجيه وجني ثمار تلك الشعارات، وبالتالي لن ترفع مساهمتهم في حمل تلك الشعارات سوى من رصيد الليبرالية وهيمنتها لأنها الأقدر وأحياناً الوحيدة التي تملك أدوات التوجيه. وكأن الليبرالية تُسخر مختلف التيارات المناوئة لها وكل تيار حسب ما تريده منه وبدون أن يشعر بأنه يساهم في دفع عجلة الليبرالية. وهذا هو تعريف الأحمق المفيد useful idiot الذي يخدم خصمه من حيث يعتقد أنه يضر به.
يمكن أن نحصي عدة شعارات خادعة قد تكون صائبة أحياناً لكنها تنقلب بسهولة لصالح الليبرالية ما لم نتعامل معها بحذر مثل شعار الحرية الذي أصبحت تتضمنه أغلب دساتير العالم وفتح من خلال التأويل كل أبوب الإنحرافات الممكنة، أو شعار المساواة الذي قد نعني به شيئاً ما ثم ينتهي به الأمر إلى شرعنة شيء آخر، مثلما تحدث الدستور الأمريكي عن المساواة، ثم في بداية التسعينات حكمت المحكمة العليا الأمريكية بأن الأباء المؤسسين لم يكن قصدهم من المساواة السماح بزواج الشـ9اذ وبالتالي ليس في عدم السماح بهذا الزواج ما يخالف الدستور، لكن في سنة 2015 حكمت نفس المحكمة بأن عدم السماح بزواج الشـ9اذ مخالف لمبدأ المساواة المذكور في الدستور.
إذن لن يكون من المبالغة لو قلنا بأن ما نوافق الليبرالية عليه قد يكون أخطر مما لا نوافقها عليه، لأنه غالباً ما يكون هو حصان طروادة لما لا نوافقها عليه، من الأمثلة الواضحة أيضاً لذلك نجد مناهضة العنصرية التي هي بالنسبة لليبرالية جزء من مبدأ عدم التمييز The principle of non-discrimination الذي لا يتوقف عند التمييز على أساس العرق فقط، بل يشمل ربما كل ما يمكن تخيله: الجنس، التوجهات الجنسية، الدين، الجنسية، العمر، مكان الولادة، اللغة...إلخ، كلها عناصر لا ينبغي التمييز على أساسها وللسبب نفسه، بحيث لا يكون من حيث المبدأ التمييز على أساس العرق أدنى أو أهم من التمييز ضد التوجهات الجنسية، كلها تمييزات لا ينبغي أن توجد لأي سببٍ كان لأن البشر متساوون بالمطلق وفي كل الحالات. والذي يساعد الليبرالية العربية بالذات في ترسيخ هذا الخلط بين ما هو تمييز عرقي وبقية التمييزات هي تلك الترجمة السيئة وغير الدقيقة لكلمة Racism المشتقة من Race (عرق) إلى "عنصرية" المشتقة من عنصر، الأمر الذي يجعل من تعميمها على كل أنواع التمييز صحيحًا لغويا، وهذا ما يفعله الليبرالي دائماً الذي يستغل الوقع السلبي لكلمة عنصرية في أذهان الناس والمرتبطة بـ "التمييز العرقي"، في وصف أنواع أخرى من التمييز. وبالتالي لن يكون من الغريب أن يقول مثلاً وهو الخبير في اللعب بالعواطف وفبركة التناقضات: أنتم منافقون، ترفضون العنصرية العرقية لكنكم تشجعون العنصرية على أساس الجنس. لكن يبقى أخطر ما تحمله مناهضة العنصرية هو في كونها أداة تفكيكية تستعملها الليبرالية دائماً ضد المكون الذي يمثل الأغلبية في المجتمع لشيطنته وجعله دائماً في حالة إحساس بالعار إتجاه الأقليات بكل أنواعها من شعار "لا للتمييز" والتي تمثل مناهضة العنصرية أحد عناصرها فقط.
هذا لا يستوجب منك أن تكون عنصرياً لتواجه الليبرالية، لكن فقط أن تتعلم متى تسكت ومتى تتكلم وأن تتذكر بأن الفكرة الصائبة لها وقت صائب أيضاً وإلا أصبحت أسوء من الفكرة الخاطئة نفسها، وأن تدرك حجم قوتك بحيث لا تحمل إلا ما تقدر عليه، أنت لست في إحدى قصص ديزني للأطفال لتعتقد بأن الصواب لابد أن تكون نهايته سعيدة.
«نادرًا ما يرى المبتذل، قليل الإدراك، أكثر من رابط واحد في سلسلة الأسباب؛ لكن أولئك الذين يعرفون كيف ينظرون إلى ما هو أبعد من ذلك، ويرغبون في أخذ الوقت الكافي للتفكير في بقية مجرى وسلسلة الأحداث، سيرون في مئات الأماكن الشر يخرج من الخير بوفرة، مثل الكتاكيت التي تفقس من البيض.»
― برنارد دي ماندفيل (بتصرف)
في بعض الأحيان ترفع الليبرالية شعارات قد نوافقها عليها من حيث المبدأ، والكثيرون ممن هم من المفروض ضد الليبرالية من تيارات مختلفة ينساقون خلف تلك الشعارات ويزايدون على الليبرالية فيها معتقدين بأن ذلك سيقوي موقفهم ضدها أو ربما طلباً لرضاها عنهم وبعضهم من المثاليين الذين يريدون كل شيء وفوراً (هؤلاء لا يحصلون إلا على لا شيء وفوراً) غير أبهين بواقع أن تلك الشعارات تأتي ضمن نسق أوسع بكثير ومختلف تمامًا عن نسقهم، في حين أن هؤلاء المندفعين ليس لهم القدرة (الإعلامية، السياسية، الأكاديمية...) على توجيه وجني ثمار تلك الشعارات، وبالتالي لن ترفع مساهمتهم في حمل تلك الشعارات سوى من رصيد الليبرالية وهيمنتها لأنها الأقدر وأحياناً الوحيدة التي تملك أدوات التوجيه. وكأن الليبرالية تُسخر مختلف التيارات المناوئة لها وكل تيار حسب ما تريده منه وبدون أن يشعر بأنه يساهم في دفع عجلة الليبرالية. وهذا هو تعريف الأحمق المفيد useful idiot الذي يخدم خصمه من حيث يعتقد أنه يضر به.
يمكن أن نحصي عدة شعارات خادعة قد تكون صائبة أحياناً لكنها تنقلب بسهولة لصالح الليبرالية ما لم نتعامل معها بحذر مثل شعار الحرية الذي أصبحت تتضمنه أغلب دساتير العالم وفتح من خلال التأويل كل أبوب الإنحرافات الممكنة، أو شعار المساواة الذي قد نعني به شيئاً ما ثم ينتهي به الأمر إلى شرعنة شيء آخر، مثلما تحدث الدستور الأمريكي عن المساواة، ثم في بداية التسعينات حكمت المحكمة العليا الأمريكية بأن الأباء المؤسسين لم يكن قصدهم من المساواة السماح بزواج الشـ9اذ وبالتالي ليس في عدم السماح بهذا الزواج ما يخالف الدستور، لكن في سنة 2015 حكمت نفس المحكمة بأن عدم السماح بزواج الشـ9اذ مخالف لمبدأ المساواة المذكور في الدستور.
إذن لن يكون من المبالغة لو قلنا بأن ما نوافق الليبرالية عليه قد يكون أخطر مما لا نوافقها عليه، لأنه غالباً ما يكون هو حصان طروادة لما لا نوافقها عليه، من الأمثلة الواضحة أيضاً لذلك نجد مناهضة العنصرية التي هي بالنسبة لليبرالية جزء من مبدأ عدم التمييز The principle of non-discrimination الذي لا يتوقف عند التمييز على أساس العرق فقط، بل يشمل ربما كل ما يمكن تخيله: الجنس، التوجهات الجنسية، الدين، الجنسية، العمر، مكان الولادة، اللغة...إلخ، كلها عناصر لا ينبغي التمييز على أساسها وللسبب نفسه، بحيث لا يكون من حيث المبدأ التمييز على أساس العرق أدنى أو أهم من التمييز ضد التوجهات الجنسية، كلها تمييزات لا ينبغي أن توجد لأي سببٍ كان لأن البشر متساوون بالمطلق وفي كل الحالات. والذي يساعد الليبرالية العربية بالذات في ترسيخ هذا الخلط بين ما هو تمييز عرقي وبقية التمييزات هي تلك الترجمة السيئة وغير الدقيقة لكلمة Racism المشتقة من Race (عرق) إلى "عنصرية" المشتقة من عنصر، الأمر الذي يجعل من تعميمها على كل أنواع التمييز صحيحًا لغويا، وهذا ما يفعله الليبرالي دائماً الذي يستغل الوقع السلبي لكلمة عنصرية في أذهان الناس والمرتبطة بـ "التمييز العرقي"، في وصف أنواع أخرى من التمييز. وبالتالي لن يكون من الغريب أن يقول مثلاً وهو الخبير في اللعب بالعواطف وفبركة التناقضات: أنتم منافقون، ترفضون العنصرية العرقية لكنكم تشجعون العنصرية على أساس الجنس. لكن يبقى أخطر ما تحمله مناهضة العنصرية هو في كونها أداة تفكيكية تستعملها الليبرالية دائماً ضد المكون الذي يمثل الأغلبية في المجتمع لشيطنته وجعله دائماً في حالة إحساس بالعار إتجاه الأقليات بكل أنواعها من شعار "لا للتمييز" والتي تمثل مناهضة العنصرية أحد عناصرها فقط.
هذا لا يستوجب منك أن تكون عنصرياً لتواجه الليبرالية، لكن فقط أن تتعلم متى تسكت ومتى تتكلم وأن تتذكر بأن الفكرة الصائبة لها وقت صائب أيضاً وإلا أصبحت أسوء من الفكرة الخاطئة نفسها، وأن تدرك حجم قوتك بحيث لا تحمل إلا ما تقدر عليه، أنت لست في إحدى قصص ديزني للأطفال لتعتقد بأن الصواب لابد أن تكون نهايته سعيدة.
«نادرًا ما يرى المبتذل، قليل الإدراك، أكثر من رابط واحد في سلسلة الأسباب؛ لكن أولئك الذين يعرفون كيف ينظرون إلى ما هو أبعد من ذلك، ويرغبون في أخذ الوقت الكافي للتفكير في بقية مجرى وسلسلة الأحداث، سيرون في مئات الأماكن الشر يخرج من الخير بوفرة، مثل الكتاكيت التي تفقس من البيض.»
― برنارد دي ماندفيل (بتصرف)
❤3👏2
لفهم سياق مقطع الفيديو الأخير... سنة 2002 قررت الحكومة الفرنسية منح الأباء عطلة لـ 14 يوما إن شاؤوا في حالة ما رزقوا بطفل، والغاية كانت دائما مصرح بها: المساواة بين الجنسين من ناحية الاعتناء بالطفل، بدون أن ينسوا إضافة مصلحة الطفل في حضور الأب أكثر في حياته (نتحدث هنا عن رضيع). منذ 2002 كانت هناك إعتراضات بأن الدولة، مدفوعة بأيديولوجيا شمولية، تريد التدخل في شؤون بيوت الناس، وتريد أن تفرض حالة من اللاتمايز بين الجنسين وبين دور الأم والأب. كان يرد على هذا بأنها إجراءات غير إجبارية تم وضعها فقط لمن لديه الرغبة في ذلك وأن الحكومة لا تريد أن تفرض شيء على أحد بل أن تمنحهم حرية أكبر، لكن ليس من السهل أن يقاوم الناس إغراء عطلة مدفوعة الأجر، هذه الجزرة نجحت مع 70% من الناس.
الجديد هذه الأيام، وهو سبب هذا الحديث، هو مضاعفة أيام هذه العطلة إلى 28 يوم مع جعل 7 أيام منها "إجبارية" هذه المرة. أي مرة أخرى نشهد أسلوب التدرج والخداع الذي يمارسه التقدميون للوصول إلى هدفهم وهو حالة اللاتمايز بين الجنسين وإمكانية تبادل الأدوار، أو كما قال الرئيس ماكرون: لا يكون الأب بالضرورة ذكرًا... لكن طبعا وحده القذافي هو المجنون.
بالنسبة للمتحدث فإن ما يريد أن يقوله هو أن تعامل الأب مع الطفل تمامًا كما لو كان أمه، أي يعتني به مثلها ويسهر على رعايته، يجعل من الأب أمًا أخرى في ذهن الطفل، دوره تلبية حاجاته ومصدرًا للحنان، وهذا بلا شك أمر نبيل، لكنه في حالة الأب سيحذف التمايز الذي بينه وبين الأم بشكل يضيق تلك المساحة التي تفصل الأب عن ابنه والتي تسمح له بإنتشال الطفل لاحقًا من حضن الأم لينضج، وبفرض الاحترام اللازم لفرض القانون... طبعا هذا الكلام سيجعل المعاصرين يصرخون، وبالأخص الأباء، لأنهم تعودوا على دور الأم الثانية (إما طوعًا أو كرهًا) الذي يعفيهم من مسؤولية فرض القانون ووضع الحدود اللازمة، ومثل الأم يفضلون حب أبناءهم لهم على إحترامهم. وبلا شك هم مثل كل المعاصرين يعتقدون أن اللاتمايز فضيلة وأنه يمكن الجمع بين كل الأدوار حتى وإن كانت متناقضة وأي شيء يمكنه تعويض كل شيء... عقلية أنا في نفس الوقت أمه وأبوه وجده وخالته وابن عمه.
الجديد هذه الأيام، وهو سبب هذا الحديث، هو مضاعفة أيام هذه العطلة إلى 28 يوم مع جعل 7 أيام منها "إجبارية" هذه المرة. أي مرة أخرى نشهد أسلوب التدرج والخداع الذي يمارسه التقدميون للوصول إلى هدفهم وهو حالة اللاتمايز بين الجنسين وإمكانية تبادل الأدوار، أو كما قال الرئيس ماكرون: لا يكون الأب بالضرورة ذكرًا... لكن طبعا وحده القذافي هو المجنون.
بالنسبة للمتحدث فإن ما يريد أن يقوله هو أن تعامل الأب مع الطفل تمامًا كما لو كان أمه، أي يعتني به مثلها ويسهر على رعايته، يجعل من الأب أمًا أخرى في ذهن الطفل، دوره تلبية حاجاته ومصدرًا للحنان، وهذا بلا شك أمر نبيل، لكنه في حالة الأب سيحذف التمايز الذي بينه وبين الأم بشكل يضيق تلك المساحة التي تفصل الأب عن ابنه والتي تسمح له بإنتشال الطفل لاحقًا من حضن الأم لينضج، وبفرض الاحترام اللازم لفرض القانون... طبعا هذا الكلام سيجعل المعاصرين يصرخون، وبالأخص الأباء، لأنهم تعودوا على دور الأم الثانية (إما طوعًا أو كرهًا) الذي يعفيهم من مسؤولية فرض القانون ووضع الحدود اللازمة، ومثل الأم يفضلون حب أبناءهم لهم على إحترامهم. وبلا شك هم مثل كل المعاصرين يعتقدون أن اللاتمايز فضيلة وأنه يمكن الجمع بين كل الأدوار حتى وإن كانت متناقضة وأي شيء يمكنه تعويض كل شيء... عقلية أنا في نفس الوقت أمه وأبوه وجده وخالته وابن عمه.
❤3👍2
عندما يقول العلماني العربي بأن العلمانية هي مجرد مبدأ يفصل الدين عن الدولة بغية إفساح المجال لكل الناس أن تعتقد ما تشاء وأن تعيش حياتها بالأسلوب الذي تريده فهو إما مخادع من نخبة العلمانيين أو هو عامي من أجهل البشر بما يدعون له وهو الغالب.
لم تكن علمانية في يومٍ من الأيام تعني حياد الدولة نحو معتقدات الناس، بل هي تسعى لرفع القيود التي تضعها القيم الدينية على الدولة وعلى مساحة الفعل لدى السياسي إتجاه المجتمع، سواءً كان ذلك من خلال مؤسسة دينية موازية للمؤسسة السياسية أو تفوقها أحياناً (رجال الدين/رجال السياسة) كما هو الحال مع المسيحية، أو من خلال نص ديني يعلو على السياسي كما هو الحال مع الإسلام (لهذا من حماقات العلماني العربي مصطلح "رجال دين مسلمين"). وما تريده العلمانية من خلال رفع هذه القيود هو حصر قدرة التأثير على المجتمع بيد السياسي حتى لو تطلب ذلك إخضاع الدين للدولة كما تفعل الدول العربية، أو كما فعلت العلمانية الفرنسية منذ الثورة الفرنسية 1789 إلى غاية قانون فصل الكنيسة عن الدولة سنة 1905، ثم الآن مع ما تريده فعله السلطة الفرنسية التي ترغب في تجميد قانون 1905 بسبب بروز دين جديد في فرنسا لم يكن موجوًدا على أرضها من قبل ولم يخضع لترويض الدولة هو الإسلام. لكن الإسلام وكما نعلم هو قبل كل شيء "نص" وليس مؤسسة دينية، وبالتالي يحتاج لمأسسته أولاً ليمكن إخضاعه للسياسي وما يريد فرضه من قيم بديلة، هذا ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ماكرون عندما قال "العمل على تأطير جيل من الأئمة والمثقفين للدفاع عن إسلام متوافق مع قيم الجمهورية"... هذا التصريح من الرئيس الفرنسي جاء في إطار نقاش واسع يجري منذ حوالي سنة في فرنسا حول ما يسمونه الإنفصال عن الجمهورية. هذا الإنفصال ليس إنفصالاً جغرافي بالمعنى الحقيقي، بل الحديث خاصةً عن إنفصال ثقافي بين فئة من المجتمع (المسلمين) يعتقد 30٪ منها و50% من فئة الشباب أن قوانين الإسلام أعلى من قوانين الجمهورية، لكنهم لم يقولوا أبداً بأنهم ضد الخضوع لقوانين الجمهورية (هنا يمكنك لمس الطريقة التي تستعمل فيها الاحصاءات بشكل مخادع). وهنا تظهر ماهية العلمانية الحقيقية، فهي لا تريد من الناس أن يحترموا ما تفرضه من قوانين، بل عليهم أن يؤمنوا بأن قوانينها هي الأرقى والأفضل، وتضيف على ذلك "قيم جمهورية" لا يدري أحد ما هي بالضبط، وهذا يتنافى مع الحد الأدنى من الحرية الدينية، فلو سؤل الـيـ،هود هذا السؤال (ولن يسألوه أبدًا) لكان الرد مماثلاً، وإلا فلا معنى لإعتناق دين أو أي أيديولوجيا مثل الشيوعية مثلاً.
هنا قد يعترض العلماني العربي ويقول بأن فرنسا لا تمثل العلمانية ويضرب مثلاً ببريطانيا أو الولايات المتحدة، وهذا غير صحيح، فرنسا هي مهد وقلب العلمانية وكل نموذج علماني كان استنساخًا منها. لكن العلماني العربي العامي مثل عادته لا يميز بين العلمانية والليبرالية. العلمانية هي فقط لا تريد القيم الدينية، لكنها ليست أبدًا ضد فرض قيم بديلة. أما الليبرالية فهي تزعم على الأقل نظرياً بأن الهدف هو جعل الدولة محايدة قيمياً، أي أنه ليس من حق الدولة أن تفرض أي قيم على المجتمع وينحصر دورها في منح الحقوق ولعب دور الشرطي الذي يمنع الناس من الإقتتال. لهذا نلاحظ بأن الدول الأنجلوسكسونية التي تمثل الليبرالية إلى حدٍ كبير، لا نجد فيها ذلك التشنج نحو الدين ومظاهره، ومنه قد نجد مثلاً شرطية أو عسكرية محجبة في بريطانيا أو الولايات المتحدة (أمر لا يسمح به حتى في أغلب الدول المسلمة)، بدون أن يسبب ذلك ضجة كبيرة كما لو حدث الأمر في فرنسا التي قد تقيم الدنيا على مجرد دخول محجبة للمدرسة أو حتى الوقوف على بابها. هذا لا يعني أن الليبرالية لا تسعى تمامًا لفرض قيمٍ ما على المجتمع، كل دولة وكل سلطة مهما كان نوعها لديها تلك الرغبة في فرض قيمٍ ما، والصواب السياسي مثال جيد في حالة الليبرالية، لكن الليبرالية من حيث أن أساسها الأول كنظرية تقف ضد فرض أي قيم على الناس فهي أقل حدية وعدوانية من العلمانية اللائكية.
تنبيه:
هذا المنشور ليس إعتراضًا على محاولة فرنسا فرض قيم ما وجعل المجتمع بلون واحد، بل هو فقط لتوضيح نفاق من يقدمون (على رأسهم فرنسا) الدروس للأمم كلها عن التعددية الثقافية والتسامح، ولتوضيح مدى خداع أو جهل العلماني العربي الذي يعتقد أن العلمانية هي ما يناسب مزاجه
لم تكن علمانية في يومٍ من الأيام تعني حياد الدولة نحو معتقدات الناس، بل هي تسعى لرفع القيود التي تضعها القيم الدينية على الدولة وعلى مساحة الفعل لدى السياسي إتجاه المجتمع، سواءً كان ذلك من خلال مؤسسة دينية موازية للمؤسسة السياسية أو تفوقها أحياناً (رجال الدين/رجال السياسة) كما هو الحال مع المسيحية، أو من خلال نص ديني يعلو على السياسي كما هو الحال مع الإسلام (لهذا من حماقات العلماني العربي مصطلح "رجال دين مسلمين"). وما تريده العلمانية من خلال رفع هذه القيود هو حصر قدرة التأثير على المجتمع بيد السياسي حتى لو تطلب ذلك إخضاع الدين للدولة كما تفعل الدول العربية، أو كما فعلت العلمانية الفرنسية منذ الثورة الفرنسية 1789 إلى غاية قانون فصل الكنيسة عن الدولة سنة 1905، ثم الآن مع ما تريده فعله السلطة الفرنسية التي ترغب في تجميد قانون 1905 بسبب بروز دين جديد في فرنسا لم يكن موجوًدا على أرضها من قبل ولم يخضع لترويض الدولة هو الإسلام. لكن الإسلام وكما نعلم هو قبل كل شيء "نص" وليس مؤسسة دينية، وبالتالي يحتاج لمأسسته أولاً ليمكن إخضاعه للسياسي وما يريد فرضه من قيم بديلة، هذا ما عبر عنه الرئيس الفرنسي ماكرون عندما قال "العمل على تأطير جيل من الأئمة والمثقفين للدفاع عن إسلام متوافق مع قيم الجمهورية"... هذا التصريح من الرئيس الفرنسي جاء في إطار نقاش واسع يجري منذ حوالي سنة في فرنسا حول ما يسمونه الإنفصال عن الجمهورية. هذا الإنفصال ليس إنفصالاً جغرافي بالمعنى الحقيقي، بل الحديث خاصةً عن إنفصال ثقافي بين فئة من المجتمع (المسلمين) يعتقد 30٪ منها و50% من فئة الشباب أن قوانين الإسلام أعلى من قوانين الجمهورية، لكنهم لم يقولوا أبداً بأنهم ضد الخضوع لقوانين الجمهورية (هنا يمكنك لمس الطريقة التي تستعمل فيها الاحصاءات بشكل مخادع). وهنا تظهر ماهية العلمانية الحقيقية، فهي لا تريد من الناس أن يحترموا ما تفرضه من قوانين، بل عليهم أن يؤمنوا بأن قوانينها هي الأرقى والأفضل، وتضيف على ذلك "قيم جمهورية" لا يدري أحد ما هي بالضبط، وهذا يتنافى مع الحد الأدنى من الحرية الدينية، فلو سؤل الـيـ،هود هذا السؤال (ولن يسألوه أبدًا) لكان الرد مماثلاً، وإلا فلا معنى لإعتناق دين أو أي أيديولوجيا مثل الشيوعية مثلاً.
هنا قد يعترض العلماني العربي ويقول بأن فرنسا لا تمثل العلمانية ويضرب مثلاً ببريطانيا أو الولايات المتحدة، وهذا غير صحيح، فرنسا هي مهد وقلب العلمانية وكل نموذج علماني كان استنساخًا منها. لكن العلماني العربي العامي مثل عادته لا يميز بين العلمانية والليبرالية. العلمانية هي فقط لا تريد القيم الدينية، لكنها ليست أبدًا ضد فرض قيم بديلة. أما الليبرالية فهي تزعم على الأقل نظرياً بأن الهدف هو جعل الدولة محايدة قيمياً، أي أنه ليس من حق الدولة أن تفرض أي قيم على المجتمع وينحصر دورها في منح الحقوق ولعب دور الشرطي الذي يمنع الناس من الإقتتال. لهذا نلاحظ بأن الدول الأنجلوسكسونية التي تمثل الليبرالية إلى حدٍ كبير، لا نجد فيها ذلك التشنج نحو الدين ومظاهره، ومنه قد نجد مثلاً شرطية أو عسكرية محجبة في بريطانيا أو الولايات المتحدة (أمر لا يسمح به حتى في أغلب الدول المسلمة)، بدون أن يسبب ذلك ضجة كبيرة كما لو حدث الأمر في فرنسا التي قد تقيم الدنيا على مجرد دخول محجبة للمدرسة أو حتى الوقوف على بابها. هذا لا يعني أن الليبرالية لا تسعى تمامًا لفرض قيمٍ ما على المجتمع، كل دولة وكل سلطة مهما كان نوعها لديها تلك الرغبة في فرض قيمٍ ما، والصواب السياسي مثال جيد في حالة الليبرالية، لكن الليبرالية من حيث أن أساسها الأول كنظرية تقف ضد فرض أي قيم على الناس فهي أقل حدية وعدوانية من العلمانية اللائكية.
تنبيه:
هذا المنشور ليس إعتراضًا على محاولة فرنسا فرض قيم ما وجعل المجتمع بلون واحد، بل هو فقط لتوضيح نفاق من يقدمون (على رأسهم فرنسا) الدروس للأمم كلها عن التعددية الثقافية والتسامح، ولتوضيح مدى خداع أو جهل العلماني العربي الذي يعتقد أن العلمانية هي ما يناسب مزاجه
❤4👏1