حسّ سليم
9.1K subscribers
749 photos
72 videos
1 file
36 links
Download Telegram
كما يعلم بعضكم على الأقل، لا تستخدم الإدارة في الجزائر الاسم الثلاثي، فقط اسم الشخص ولقب عائلته، وهذا موروث عن الاستعمار الفرنسي الذي فرض ذلك على السكان منذ سنة 1882، قيل أنه فعل ذلك لكسر الانتماء القبلي الذي كان يتسبب في اندلاع الثورات، إذا كان ذلك فعلاً هو هدفه فقد حققه، لأن النزعة القبلية بشكل عام في الجزائر ضعيفة جداً بالمقارنة مع دول المشرق العربي ولا تنتقل تلك القبلية إن وجدت إلى المدن كما هو الحال في الخليج أو الأردن أو العراق، وجزء كبير من الناس لا يعرفون حتى من أي القبائل هم، وسؤالهم عنها يبدو لهم غريب جداً.

لكن من خلال زيارة بعض المناطق القروية أو البدوية يمكن ملاحظة أن الإدارة قد تستعمل اسم الابن والأب واللقب في الوثائق الرسمية بعكس ما هو موجود في المدن. على الأغلب أن الدافع إلى ذلك هو تجاوز تشابه الأسماء الذي لابد أن يوجد في مناطق لا تكاد تجد فيها سوى ثلاث أو أربع أسر كبرى، مع محدودية اختياراتهم للأسماء.

في إحدى المرات كنت في زيارة لقرية جدي، وكنت أتحدث مع أحد الأقرباء عن هذا الفارق بينهم وبين المدن، إلى أن قال لي بأن الإدارة لديهم حاولت قبل سنوات التوقف عن إضافة اسم الأب، لكن السكان رفضوا واحتجوا على ذلك... طبعاً سألته لماذا؟ رده كان سريعاً وبدون تفكير: هل نحن أبناء حرام حتى يحذف اسم الأب؟
عندها بدأت أتصور رأي اليساري الذي لا هم له سوى المساواة كيف أنه سيعتبر ذكر الاسم الأب اضطهاداً للأطفال غير الشرعيين وينبغي تغييره، وطبعا لن ينسى استعماله المعهود لكل الطرق الممكنة لاستجداء العواطف وجعل الدموع تذرف من أجل أولئك الأطفال الأبرياء الذين يدفعون ثمن أفعال الوالدين، ما ذنبهم سيقول؟
فعلاً هم لم يذنبوا في شيء، لكن الذي يريده هذا التقدمي مثل عادته هو ضبط الأغلبية على مقاس الأقلية وجعل الاستثناء هو القاعدة... أي مجتمع غير غارق في الأفكار اليسارية لابد أن تكون فيه ضغوط اجتماعية متعلقة بالأسرة، هذه الضغوط قد تسبب بلا شك مآسي للبعض، لكن لا يمكن صنع عجة بدون كسر البيض [هذا الكلام يثير جنونه]، تلك الضغوط لابد منها لبقاء المجتمع [إذا كانت إيجابياتها أكثر من سلبياتها]، وفي حالتنا هنا نتحدث بقاء الأسرة. الفتاة أو الصبي الذين عليهم هكذا ضغوط سيفكرون ألف مرة قبل الانجاب بدون الزواج، لكن برفع تلك الضغوط فلن يطول الأمر قبل أن يكون لك نصف المجتمع لا يعرف أباه وكله أمهات عازبات.

تذكرت هذا الموضوع اليوم لأن الحكومة أصدرت قراراً بالسماح للمتكفلين بيتيم أن يعطوه لقبهم (عمليا أصبح اسمه تبني) ولا داعي لسرد إلى أين ينتهي ذلك كما حدث مع من سبقونا إليه. هذه الرغبة في المساواة المطلقة والاعتقاد بأنه يمكن حل كل المشاكل وإنهاء كل المآسي لدى التقدميين بدل محاولة جعلها في الحد الأدنى هو ما ينتهي دائما إلى جحيم.
5👏1
رفع الضغوط القانونية التي تحمي الأسرة ليس كافياً لاضعاف الأسرة تماماً، يحتاج الأمر أيضاً لدعاية وغسل أدمغة بالتدريج لرفع الضغوط التي يمارسها المجتمع لحماية نفسه بعيداً عن الدولة، بالاضافة لنموذج اقتصادي يسمح بذلك. لنأخذ اليابان مثلاً التي لا تضع أي تمييز أو قيود قانونية حقيقية على طريقة الانجاب، لكن بحكم أن المجتمع الياباني هو مجتمع تقليدي جداً برغم ظاهره التقدمي والتحرري في بعض الجوانب بحيث يوحي بالتناقض، والدولة التي لا تتدخل كثيراً في ذلك، فهو يمارس ضغوط لا تسمح للأفراد بتجاوز الزواج من أجل الانجاب، لهذا نجد 2,14% (2009) فقط من المواليد في اليابان غير شرعيين، وهي أدنى نسبة بين الدول المتقدمة التي تتجاوز فيها أحياناً نسبة الأطفال المولودين بدون زواج الـ50% نتيجة فصل الانجاب عن الزواج بعد رفع كل الضغوط التي كانت موجودة سابقاً
2👏2
يقول المثل الشعبي: الحجرة من عند الحبيب تفاحة... هذا المثل ينطبق تماماً على طريقة تعامل اليسار وكل ملحقاته مع الخُضر والخضريين Vegans.

بلا شك أنك قد سمعت من قبل تلك النغمة التي تقول: تريدون إعادتنا لركوب الحمير والجمال... مغالطة مشهورة لدى اليساري الذي يحاول دائماً إيهامك بأن التكنولوجيا الحديثة بحاجة لأيديولوجياته لإنتاجها واستعمالها، رزمة واحدة إما أن تؤخذ كلها أو تترك كلها.
الغريب في الأمر أن من يكاد يقول فعلاً نريد العودة لركوب الحمير والجمال هم في الغالب أعزاءه الخضر الذين يتبنون أيديولوجياته الاجتماعية. خطاب الخضر معروف بعداءه للتقدم المادي باعتباره السبب في تلويث البيئة والاحتباس الحراري، ومع ذلك لن تسمع يساري يقول لهم تريدون إعادتنا لركوب الحمير والجمال، بل يقابلهم فقط بالاحتفاء ويعتبرهم النموذج المثالي الذي تمنعه نفسه الضعيفة أمام مغريات الرفاهية من الانضمام لهم بشكل كامل. هذا اليساري على الأغلب سيفضل الحمير والبغال على صعود التلال على الدراجة أو على أقدامه لو فرض عليه ذاك يومياً وليس فقط في مناسباته الاحتفالية بالدراجات لأخذ الصور.

وكثيراً أيضا ما نسمع اليساري يسخر من بعض العادات لدى المجتمعات التقليدية أو الأديان (خاصة إذا كانت تمثل الأغلبية) بسبب ما تتطلبه من شروط يعتبرها هو تعقيدات غير ضرورية في نظره. وربما أبرز نماذج هذه المجتمعات وأوضحها هم طائفة "الأميش" المسيحية في الولايات المتحدة، الذين يرفضون كل نتاج التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك حتى الأدوية والعلاجات. حتى أشد المدافعين عن البيئة من البوبو لن يتحمل العيش لأسبوع واحد معهم، رغم أن حياتهم هي المثالية بالنسبة للبيئة.

لكن وبغض النظر عن البيئة... لن ترى اليساري يسخر من الخضريين Vegans الذين يعتبرهم مجرد تطرف بسيط للأفكار اليسارية وأصحاب مشاعر نبيلة جاوزت حدها قليلاً، بالرغم من أن حياتهم تتطلب تعقيدات لا حصر لها من حيث الأكل والألبسة والأدوية واللقاحات وحتى مواد التجميل والآثاث وكل ما له علاقة بالحيوانات. ومع ذلك لا يرفض اليساري المتنور السخرية فقط منهم، بل ويطالب من الدولة والمجتمع تسهيل حياتهم وتوفير كل ما يحتاجون إليه ليعيشوا وفق معتقداتهم التي أصبحت في بعض الدول الأوروبية تتمتع بنفس الحماية القانونية للأديان... الحجرة من عند الحبيب تفاحة
👏41👍1😍1
«بعض التقدميين يبدون معارضةً للتكنولوجيا، سيستمر هذا طالما أنهم مستبعدون من قيادة النظام. لكن إذا أصبحت التقدمية يومًا ما هي المهيمنة في مجتمعنا ثم امتلكت التكنولوجيا، فسيستخدمها التقدميون بحماس ويعززون تطورها. سوف يكررون فقط ما فعلوه مرات عديدة في الماضي. عندما كان البلاشفة أقلية في روسيا، كانوا يعارضون بشدة الرقابة والشرطة السرية، ودعوا إلى تقرير مصير الأقليات القومية ..إلخ، لكن بمجرد وصولهم إلى السلطة، فرضوا رقابة أكثر صرامة، وأنشأوا شرطة سرية أكثر قسوة من تلك الخاصة بالحقبة القيصرية، واضطهدوا الأقليات القومية على الأقل بقدر ما فعل القيصر. في الولايات المتحدة، قبل عشرين عامًا، عندما كان التقدميون يمثلون أقلية في الجامعات، كان الأساتذة التقدميون هم من يدافع بحماس عن حرية التعبير. اليوم وقد نجحوا في فرض طريقة تفكيرهم، وتمكنوا من استبعاد غيرهم، أصبحوا يمثلون الأغلبية في الجامعات وفرضوا "الصواب السياسي". الأمر نفسه ينطبق على التكنولوجيا، إذا كان بإمكانهم التحكم فيها، فسيستخدمونها لقمع الجميع.»

— تيد كازينسكي - المجتمع الصناعي ومستقبله
_________________

من عادة الأيديولوجيات الناشئة وخاصةً التقدمية منها، الاعلاء من قيم التسامح وحرية التعبير والدعوة لحل الخلافات من خلال النقاش. لكن كل هذه مجرد أدوات تستعملها للاجهاز على النظام القائم، لهذا نلاحظ بأن حرية التعبير تكون في ذروتها خلال المراحل الانتقالية التي تشهد صعود نظام جديد وتراجع من سبقه. وما إن تتمكن هذه الأيديولوجيات من السلطة تماماً وتقع عليها مسؤولية الحكم كاملةً وتدرك خطورة تلك الوسائل بيد خصومها وتبدأ تخشى من أن تنقلب ضدها حتى تبدأ في سد أبواب حرية التعبير بالتدريج تحت مختلف الذرائع ودعاوى السلم الأهلي، وهي قد تكون محقة في ذلك رغم التناقض لو نظرنا للأمر بتجرد. حتى الليبرالية التي من المفروض ليس لها ما تدعو إليه سوى إطلاق الحريات، تنقلب على حرية التعبير مثل غيرها أو أكثر.
نأخذ قضية الشوااذ جنسيا كمثال... خلال الستينات والسبعينات كان كل مطلب الشوااذ ومن وراءهم الليبراليين السماح لهم بالعيش مثل الأسوياء بدون حاجة للتخفي، كلما يريدونه بزعمهم هو رفع القيود عن "الحب". بمرور الوقت أخذت المطالب تزداد إلى أن انتهى الأمر بملاحقة كل من يسيء إليهم ولو مزاحاً (سجن، طرد من العمل، تشهير)، ومؤخراً وصل الأمر إلى الحكم على أمريكي بـ 16 سنة سجن لأنه أحرق علم الشوااذ، لو أحرق صورة الزعيم في إحدى البلدان التي توصف بالاستبدادية لكان ربما الأمر أهون عليه... بعد 30 سنة قد تسجن لمجرد أنك لم تعلق علمهم على سطح بيتك، قد يقال هذه مبالغة، لكن من كان يتصور في الستينات أنه سيأتي يوم يسجن فيها شخص لـ 16 سنة لأنه أحرق علمهم؟
4👏1
2
«الأيديولوجية التقدمية شمولية. وحيثما كانت التقدمية في موقع قوة، فإنها تسعى إلى غزو كل ركن من أركان الحياة الخاصة وصياغة كل فكر، لأن أيديولوجيتها لها طابع ديني تقريبًا وكل ما يتعارض مع معتقداتها فهو خطيئة. ولكن إذا كانت التقدمية شمولية، فإن السبب في المقام الأول هو حاجة مناضليها إلى القوة، وهي حاجة يسعون إلى إشباعها من خلال التماهي مع حركة اجتماعية ومحاولة تحقيق الذات من خلال السعي وراء أهداف هذه الحركة. ومع ذلك، فهم غير راضين أبدًا، مهما كانت الحركة ناجح، لأن نشاطهم هو مجرد نشاط بديل. إن دافعهم الحقيقي ليس تحقيق أهدافهم المعلنة ولكن تجربة الشعور بالقوة من خلال الكفاح من أجل فرض تدابير اجتماعية معينة. لذلك فهم غير راضين أبدًا عما يحصلون عليه؛ تدفعهم حاجتهم إلى تحقيق الذات إلى البحث باستمرار عن شيء آخر. إنهم يطالبون بفرص متساوية للأقليات، وبعد ذلك، عندما يتحقق هذا الهدف، فإنهم يريدون تعيين حصص توظيف لكل أقلية. سوف يلاحقون أي شخص لإعادة تأهيله إذا احتفظ في زاوية ما من ذهنه بحكم يقلل من قيمة أي أقلية. الأقليات العرقية ليست كافية بالنسبة لهم، لا ينبغي أيضاً لأحد أن يسمح لنفسه أن يحكم بشكل سلبي على الشوااذ والمعاقين والبدينين والمسنين والقبيحين وما إلى ذلك. كما لا يكفي تحذير الجمهور من الآثار الضارة للتبغ؛ يجب طباعة تحذير على كل علبة سجائر؛ وينبغي أيضاً تقليل أو ربما حظر جميع إعلانات التبغ. لن يكون النشطاء راضين حتى يتم حظر التدخين تمامًا، ثم الكحول، والأطعمة غير الصحية ...إلخ. لقد وقفوا ضد إساءة معاملة الأطفال، وهو أمر معقول. لكنهم الآن يرغبون في حظر حتى الضرب التأديبي البسيط. بعد ذلك سيعلنون الحرب على كل شيء آخر يعتبرونه غير سليم، ثم آخر، وآخر. لن يكونوا راضين حتى يسيطروا تماماً على تعليم الأطفال. بعد ذلك سوف يركبون هواية جديدة.

لنفترض أننا طلبنا منهم عمل قائمة بكل ما هو خطأ في المجتمع، ثم نقوم بإجراء كل التغييرات الاجتماعية التي يحتاجون إليها. يمكننا أن نقول بثقة أنهم سيجدون بسرعة أسبابًا جديدة للشكوى، "شرور" اجتماعية جديدة لتصحيحها لأنه، ومرة أخرى، ليس دافعهم هو بؤس المجتمع بقدر ما هي غريزة القوة التي تدفعهم إلى فرض حلولهم.»

— تيد كازينسكي - المجتمع الصناعي ومستقبله
2👏1
«في أغلب الأحيان أتجنب استخدام تلك الكلمة الرائعة: مقاومة... لأن الكثير من الأوغاد يستخدمونها ليل نهار، لكنني أعرف اليوم أن الحياة الخاصة هي المقاومة القاطعة الوحيدة، وهي الازدراء الراديكالي الوحيد الذي يمكن إلحاقه بالمجتمع الحديث، مجتمع كل شيء أمام كاميرا الويب، وتلك السرية هي النقد اللاذع والمستمر لحضارة الاستعراء.»

― فيليب موراي
2👏1
«في زمن ملك الشمس [لويس 14]، كان وجود زوجة أحدهم على سرير الملك هو مصدر امتياز لا مثيل لدى النبلاء. في اليوم الذي وضع فيه لويس الرابع عشر عينه على السيدة "دو مونتيسبان"، هنأ الجميع في قصر فرساي الزوج على حظه السعيد. كان ذلك لسوء معرفتهم بـ "هنري ماركيز دو مونتيسبان" ... محموم ومغرم بشدة بزوجته، أخذ هنري الأمر بشكل سيء للغاية. بمجرد علمه بمصيبته، زين عربته بقرون عملاقة وبدأ في شن حرب قاسية ضد الرجل الذي دنس الاتحاد المقدس مع زوجته. رافضاً التكريم والقبول، غير مكترث بالتهديدات المتكررة، المحاكمات بجميع أنواعها، السجن، التخريب أو الشروع في القتل، سعى بكراهيته أقوى رجل على هذا الكوكب لمحاولة استعادة زوجته.»

― جون لوتي _ مونتيسبان

______________

خلال حربه ضد الملك كان مونتيسبان يتردد على أسوء وأقذر دور الدعارة والمومسات في باريس على أمل أن يلتقط مرضاً ما ينتقل جنسياً لينقله لزوجته التي بدورها تنقله للملك... لكنه فشل وأنتهى أمر "أرجل" النبلاء في المنفى. أما زوجته فكانت مثل عشيقات الملك سعيدة بعلاقتها بالملك وما كانت تحظى به من خلال ذلك من أموال وعقارات خيالية وألقاب (عشيقات الملك لهن مكانة رسمية)... كل هذا يعطينا فكرة عن الوضع الذي وصلت إليه الأرستقراطية التي غرقت في الملذات قبل أن تنهار بعد هذا ببضع عقود على يد البرجوازية (الثورة الفرنسية).
3👏2👍1
1
العنف ضد المرأة:

«يبدأ الأمر بقول: كل هذا هو ما عانيتموه... ثم يقال لكم: تذكروا ما عانيتموه» موريس بارديش

لنبدأ مناقشة العنف ضد المرأة سنطرح سؤال لابد أن نتذكره دائماً خلال أي حديث عن هكذا موضوع ضمن سياق مساواتي كما تدعي الحركة النسوية.

~ ما هو الحد الذي عنده يمكننا أن نقول بأن أعداد حالات العنف ضد المرأة في حدود معقولة بحيث لا يحتاج هذا العنف لكل تلك المساحة الإعلامية والسياسية والقانونية المخصصة له اليوم؟

هذا السؤال يقسم الناس إلى نوعين:

— نوع عادي يدرك بأن المجتمع المثالي لا وجود له وأنه ستبقى هناك دائماً جرائم وأعمال عنف بكل أنواعها بين البشر ولا يمكننا سوى محاولة الحد منها قدر الإمكان بدون توقع إنهاءها، وبالتالي سيكون جوابه غالباً غير محدد "لا أدري... المهم أن يكون العدد معقولاً بالنظر لعدد السكان" أو ربما يكون جوابه "إذا كان ذلك العنف بارزاً جداً ومستفحلاً أكثر من أي عنفٍ آخر"

— نوع نسوي، وجوابه عن هذا السؤال عادة ما يكون دقيق ويردد كثيراً "حتى الحالة الواحدة كثير".

إذن نحن أمام رغبة مستحيلة... فما الجدوى من وراء هكذا طلب تعجيزي يعلم أصحابه [ما لم يكونوا حمقى] بأنه كذلك؟

المسألة كلها تكمن في كون العنف ضد المرأة هو السلاح الأيديولوجي الرئيسي في يد الحركة النسوية الذي تستعمله لشيطنة الرجل وتكريس فكرة المظلومية والمرأة الضحية، وطلب تحديد سقف معين وتبريره يعني إمكانية انتزاع هذا السلاح من يدهم أو إضعافه، وفي المعارك الأيديولوجية كما في المعارك الحقيقية لا يرضى بنزع سلاحه سوى الحمقى.

بدون هذا السلاح سيكون من الصعب على الحركة النسوية إقناع أغلب النساء كما هو حالهن اليوم بأنهن مظلومات وضحايا [وهذا ما يتوافق حتى مع طبيعتهن الميالة للمظلومية كأفراد] بحيث أنه حتى من تعتبر نفسها غير متأثرة بالنسوية وربما تكون ضد النسوية، ترى بأن هناك عنف استثنائي إتجاه المرأة ويجب الاهتمام به على وجه التحديد، وهذا راجع لحجم البروباغندا [يطلقون عليها اسم "حملات التوعية"] التي تصور الأمر وكأن هناك إعدامات جماعية بالألاف يومياً في الشوارع ويجب فعل شيء قبل أن تنقرض النساء مع الباندا. كل ذلك من خلال تركيز إعلامي على جرائم قد تكون بشعة أحياناً لكنها لا تمثل سوى استثناءاً إذا ما نظرنا لعدد السكان وحجم الجرائم بشكل عام، لكن ذلك الاستثناء تسلط عليه الأضواء بكثافة في الإعلام ومواقع التواصل [بالنسبة للبعض، الإعلام ومواقع التواصل هما العالم الحقيقي] وبكائيات بلا حدود وعرض صور مؤلمة للضحية، ليبدو في النهاية مقتل امرأة وكأنه إبادة جماعية وقتل لكل نساء العالم، وعلى كل امرأة أن تشعر بأن ما حصل هو استهداف لذاتها الأنثوية المقدسة، بما في ذلك تلك التي لم تصبها شوكة في حياتها ولم تسمع عن قتل هر في محيطها، ورغم ذلك تتقمص بفضل ذلك دور الضحية المضطهدة على أشلاء الضحية الحقيقية، وهذا هو بالتحديد معنى توظيف مآسي الأخرين.

ولهذا قضية هؤلاء ليست مرتبطة بالعدد، العدد هنا لا قيمة له، والحالة الواحدة مثل المليون، ما يقوله هؤلاء في النهاية هو أن وجود عنف ضد المرأة بالتحديد لا ينبغي أن يكون، فما بالك إذاً أن تتحدث عن إمكانية استحقاق امرأة ما للضرب مثلاً تماماً كما قد يقال ذلك عن الرجل أيضاً، سيثير هذا جنونهم ولو كان ذلك من باب الرد بالمثل والعنف مقابل العنف.

لذلك يمكننا أن نرى تجلي هذه الذهنية بوضوح في الغياب الشبه كامل لضرب المرأة في الأفلام الحالية [النخبة الثقافية اليوم كلها نسوية] بعكس الأفلام القديمة [أبيض-أسود] إلا في سياق تكون فيه المرأة ضحية أمام شخص لئيم أو أنها قامت بفعل شنيع جداً [غالباً ما يبررون تصرفاتها بكونها ضحية ونتاج المجتمع الذي جعلها "شريرة"]، في حين نرى بأن ضرب المرأة للرجل في الأفلام هو مشهد عادي جداً وأحياناً كوميدي حتى وإن لم يفعل ما يستحق ذلك، فقط كان مزاجها سيء أو ربما لأنه فضح تصرفاتها اللئيمة أمام الناس فصفعته كردة فعل تقدم على أنها طبيعية، وأحياناً تجد ذلك الرجل يقول: "لا بأس، كنت أستحق ذلك" [تخيل ممثلة تقول ذلك]. وهنا تجد النسويات/النسويين وحتى النساء بشكل عام يبررون ذلك الضرب بحجة أنه ضرب غير مبرح، مجرد صفعة أو لكمة بسيطة على الكتف [هذا أبسط سيناريو]، لكن هل يتقبلون ذلك لو كانت الأدوار معكوسة؟ لمس شعرة منها كافٍ لفتح كل صنابير الدموع لأسابيع، سيكون ذلك مساوٍ لجريمة لمس الذات الملكية المقدسة في القرون الوسطى التي كان يعاقب صاحبها بالاعدام، وسيقولون لك بأن الضرب ليس فقط آلم وجروح بل أيضاً هو فعل رمزي. أو يقولون لك أي رجولة هذه التي تهتم بصفعة بسيطة من كائن ضعيف [لا ينقص إلا أن يقولوا لك عيب تحط عقلك بعقل مرا]؟ تخيل مثلاً مواطناً يصفع إمبراطور، من سيقول له لا تهتم لأنك إمبراطور قوي ومن صفعك هو مجرد مواطن لا قيمة له.
4👍3
يبقى السؤال الأخير الذي يجب أن يطرح أيضاً في كل نقاش مثل السؤال الأول حول العنف ضد المرأة:
~ من يدعي إمكانية وقف العنف ضد المرأة، لماذا لا يعمم وسائله على الجميع وفي كل الحالات بحيث يقضي على كل العنف بكل أنواعه؟
👏32
هنا يمكننا رؤية التناقض في خطاب النسوية من زاوية أخرى، فهي عندما تتحدث عن العنف ضد المرأة أو أي مسألة متعلقة بها، تبرر ذلك دائماً برغبتها في تحقيق المساواة وضرورة تجاهل الاختلافات بين الجنسين، كل ما تريده النسوية بحسب زعمها هو أن يعامل الرجل المرأة كبقية الرجال، في حين أنه لو عامل الرجل المرأة حقاً كما يعامل بقية الرجال عند أبسط خلاف أو استفزاز منهم لأصبح ضرب النساء أحد الرياضات الأولمبية ولا خصصت له حصص دعم مدرسية.

في المجتمع التقليدي مثلاً قد تجد نوع من استنكار ضرب المرأة خاصةً إذا ما كانت غريبة عن الرجل [ضرب امرأة من الأسرة غالباً ما ينظر إليه من قبلهم وضمن حدود معينة كضرب الأطفال وغايته التأديب وفرض النظام ] ويعتبره الناس يناقض رجولة الرجل [عيب تضرب مرا]، في المقابل لا يغفلون بأن على المرأة التحلي بآداب معينة مع الرجال وتجنب الصدام معهم، وكل هذا طبيعي جداً ومفهوم ضمن النسق التقليدي الرافض للمساواة.

أما أن يطالب نسوي بمعاملة المرأة ربما كالأطفال تقريباً فذلك يتناقض تماماً مع طبيعة فلسفته المساواتية التي من المفروض لا تعترف إلا بمواطن ضرب مواطن آخر، والتحجج بالضعف الجسدي لا قيمة له، لأن الرجال أيضاً يختلفون بين بعضهم البعض، لهذا نجد في الرياضات القتالية أصناف مختلفة حسب الوزن، رغم هذا لا تسن قوانين من أجل ذلك ولا توجد حركة لوقف عنف صنف الـ100 كغ ضد صنف الـ60 كغ. كما لا نجد حركة لكبار السن ضد الشباب. وهناك أنواع من العنف من غير الصائب سياسياً الحديث عنها ولا يمكن حتى تصورها من قبل الليبراليين مثل عنف السود ضد البيض في الولايات المتحدة [أغلب البيض والسود يقتلون على يد السود رغم عددهم القليل] أو عنف النساء ضد الأطفال [أغلب العنف ضد الأطفال من النساء] أو عنف السحاقيات بين بعضهن البعض [العنف بينهن أكبر من العنف لدى الأسوياء]، أو عنف الفقراء ضد الأغنياء [خطر أن يتعرض غني للعنف في حي فقير أكبر بكثير من حالة فقير في حي غني]، أو محدودي التعليم ضد المتعلمين. بالإضافة إلى عنف النساء ضد الرجال الذي نجد بأن أرقامه لا يستهان بها، ورغم ذلك يمكننا أن نقول بأن ضحاياه مهمشين ويواجهون السخرية من كل جهة وبالتالي من المفروض أن تكون لهم الأولوية قبل غيرهم [من وجهة نظر تقليدية (وحسب رأيي إلى حدٍ ما) يستحقون فعلاً السخرية والتهميش]. كل هذه الأصناف يمكنها أن تدعي وجود مظلومية تبرر من خلالها تأسيس حركة "حقوقية"، لكنهم لا يفعلون، ولو فعلوا لسخر منهم الجميع، وذلك هو حال جمعيات العنف ضد الرجل التي دائماً ما توضع أخبارها في خانة الهزل والترفيه عن القارئ، في حين أن ذلك بالضبط ما تقوم به الحركة النسوية التي تتلاعب بين ما هو تقليدي ومساواتي، وتستعمل العنف ضد المرأة في حربها المقدسة وترفض أن تعتبر ذلك مثل أي عنف آخر، وهنا تظهر رغبة النسوية في وضع ترتيب قانوني لأنواع العنف.

بعكس الدعاية النسوية التي تصور الأمر وكأنه يمكنك ضرب وقتل العدد التي تشاءه من النساء، فإن القوانين الحالية في العالم تجرم الضرب والقتل، ولا تهتم بطبيعة أو نوع الضحية، إلا ربما أحياناً في حالة الأصول لدى البعض، لكن عندما تتحدث عملياً عن عنف أسمى وعنف أدنى بين من هم بزعمك متساوين، كما نرى ذلك مع العنف ضد المرأة، فأنت هنا تتحدث عن رغبة في وضع هرمية في العقاب تجعل العنف ضد فئة ما يستحق مثلاً 5 سنوات سجن ونفس العنف ضد فئة أخرى يستحق سنتين. وهذا بالضبط ما تفعله النسوية وتسعى إليه، وبالتحديد ما تفعله مع العنف الأسري [ضع في ذهنك دائماً عداء النسوية للأسرة والذكور من العائلة قبل غيرهم] لأنه صنف العنف الوحيد الذي نجد فيه النساء كضحايا أكثر من غيرهن، ولهذا وجب سن قوانين خاصة به فقط، وتجد من المبررات التي تقدمها النسوية بأن الخطر الأكبر على المرأة احصائياً يأتي غالباً من أحد أفراد العائلة أو المعارف، رغم أن لذلك تفسيراً منطقي نجده في كون المرأة قليلة الاحتكاك بالعالم الخارجي (خارج البيت والوظيفة والأماكن المؤمنة) وبالتالي إذا ما حدث لها مكروه فلا بد أن يكون من محيطها، بعكس الرجل الذي غالباً ما يحتك كثيراً بالعالم الخارجي ويدخل الأماكن والوظائف الخطرة …إلخ. هذا ما يفسر أيضاً لما نجد بأن أكبر خطر على الأطفال هن النساء، ببساطة لأنهن أكثر من يحتك بهم.

إذن حتى لو لم يوجد أي عنف ضد المرأة [ولا يمكن أن لا يوجد] لأخترعته الحركة النسوية من شدة حاجتها له في حربها الأيديولوجية، وبالنسبة لبعضهن ضروري لغايات مادية (جمعيات، دعم مالي...إلخ). والغريب في الأمر أنها تستعمل حجج هي أقرب في جوهرها إلى النسق التقليدي منه إلى النسق المساواتي الذي من المفروض لا يتعامل سوى مع مواطنين متساوين ولا يصنف الجرائم بحسب النوع، خاصةً مع الافتقار إلى تبرير احصائي يظهر خطورة هذا العنف بالمقارنة مع سائر أنواع العنف، لكن من المعروف عن النسوية الانتقائية والمزج بين الخطاب المساواتي والتقليدي بالرغم من تناقضهما.
👏31👍1
ربما من السذاجة التي نقع فيها كثيراً هي توقع نقاش منطقي مبني على الحقائق مع نسوية، الحقائق هي آخر ما قد يخطر على بالها فهي لا تهتم بها سوى من منظور جنسها ولا ترى سوى ما هو متعلق به. لو قتل مثلاً ألف شخص، منهم مئة امرأة، فهي لن ترى سوى تلك المئة مهما حاولت لفت نظرها للبقية، وستجد 999 سبب عاطفي مدعمين بقص ولصق من هنا وهناك حتى لا ترى غيرهن، والسبب رقم ألف سيكون تصريح شرفي لها موقع في البلدية على أن ما تقوله حقيقة لا جدال فيها... قدرتها على التجرد من جنسها مهمة مستحيلة.

سنأخذ جريمة القتل كمثال بما أن النسوية تصور الأمر وكأن هناك إعدامات بالألاف يوميا للنساء... بحسب الإحصاءات الرسمية تعد الدول العربية من بين أدنى الدول من حيث نسبة الضحايا الإناث مقابل الذكور، بحيث نجد بأن أعداد الضحايا الرجال أكثر من ضعف إلى 5 أضعاف أعداد النساء (السبب هو الذكورية التي ترى بأن المرأة أدنى من أن تستحق القتل)، في حين أن هناك دول تصل فيها أعداد الضحايا الإناث إلى 10 أضعاف الذكور... لكن من المفروض أن يكون البلد المثالي لدى النسوية من حيث المساواة هو رومانيا الذي تتساوى فيه أعداد الضحايا الإناث والذكور
3👍1
«لطالما كانت النساء هن أولى ضحايا الحرب. تفقد النساء أزواجهن وآبائهن وأبنائهن في القتال»
― هيلاري كلينتون
3👏1
الجميع ربما يتفق على حماية الأطفال أكثر من غيرهم، والجميع أيضاً على اتفاق بأن الأطفال ليسوا متساوين مع البالغين، لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تجتمع معاً الحاجة للحماية والمساواة. إلا مع المنطق النسوي (والليبرالي بشكل عام مع الأقليات)، تطالب بالمساواة وحماية خاصة بها في نفس الوقت...
كان هناك دائماً صفات تنسب للمرأة بشكل عام حتى وإن لم تكن حصرية فيها، مثل اللامنطق، عدم معرفة ما تريده، التقلب ...إلخ، كل هذه الصفات أكدتها الحركة النسوية كما لم تؤكد من قبل من حيث أرادت نفيها وأوصلتها إلى مدى غير مسبوق.
2👍2👏1
أنواع الملحدين السبعة:
تلخيص وبعض الشرح لكتاب بنفس العنوان لـ جون نيكولاس غراي

الإلحاد الجديد: هو تيار إلحادي يمتد من القرن 19 مع "أوغست كونت" و"جيمس فريزر" إلى غاية القرن 21 مع أمثال "ريتشارد دوكينز" و"كريستوفر هيتشنز"، يرى هذا الإلحاد بأنه بمقدور العلم أن يقدم نظرة شاملة للحياة، وهو في هذا ابن "أوغست كونت" الذي حاول تأسيس "دين الإنسانية" ومؤسس الفلسفة الوضعية التي ترى بأنه لا قيمة لأي معرفة اجتماعية أو طبيعية إلا من خلال التجربة الحسية. ومن هنا ينظر هذا النوع من الإلحاد إلى الدين على أنه نظرية علمية خاطئة يمكن دحضها علمياً، ويصنف الدين على أنه مرحلة بدائية للمعرفة الإنسانية، وبالتالي نحن الآن في غناً عنه بما في ذلك من حيث الجانب الأخلاقي والاجتماعي، لأن العلم والخبراء سيتكفلون بتوضيح ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي لعامة الناس، هذا ما سماه "سام هاريس" بـ «علم الخير والشر» الذي بزعمه سوف يدعم القيم الليبرالية [هو نفسه لديه مواقف غير ليبرالية واضحة] والمساواة بين البشر واستقلال الفرد... لماذا ينبغي على العلم أن يدعم ذلك، هذا الذي لم يشرحه.

2) الإنسانوية العلمانية: حتى وإن كان أصحابها يعتقدون بأنهم قد خرجوا تماماً عن المنظومة الدينية التوحيدية، فإن هذا النوع من الإلحاد يمثل النسخة الفارغة والمعلمنة من الإيمان المسيحي وهو الأقرب إليها بالنظر إلى إيمانه بالخلاص الحتمي للبشرية بعد حذف الإله بوصفه الفاعل الرئيسي في التاريخ وتعويضه بالإنسانية.
بالنسبة للوثنيين قبل المسيحية في أوروبا، الحياة عبارة عن حلقات زمنية، كلما انتهت إحداها بدأت أخرى، وبالتالي لا يتضمن التاريخ بالنسبة لهم أي حركة حتمية نحو الخلاص، وبالتأكيد لن يكون هناك خلاص للإنسانية جمعاء فلا وجود لوحدة إنسانية ضمن تصورهم للوجود في ظل تعدد الألهة [لكل شعب ألهته وأحياناً لكل فئة في الشعب ألهتها].
من هذا الجانب جاء التوحيد المسيحي بفكرة غير معروفة بين الوثنين سابقاً تتحدث عن وحدة الإنسانية [إله واحد/إنسانية واحدة] وقدم تصوراً خطي للتاريخ يؤمن بحركة مستمرة نحو عالم مثالي للبشرية في نهايته، وكان ذلك أكثر وضوحاً مع حركة الألفية Millennialism. هذا الإيمان ورثته الإنسانوية العلمانية عن المسيحية، لكنه لم يعد بعد العلمنة مرتبطاً بالعناية الإلهية Divine providence وعودة المسيح بل بالمعرفة والعقلانية الإنسانية [الغنوصية والأفلاطونية اللتين لهما أثرهما على المسيحية]، هذا ما يعرف بـ الأيديولوجيا التقدمية التي تقع في قلب معتقدات المعاصرين وبدونها يفقدون كل معناً للحياة ويسقطون في عدمية كاملة.
بحسب الكاتب، من بين أوضح الأمثلة عن هذا الصنف من الإلحاد نجد برتراند راسل، ماركس، جون ستيوارت ميل، آين راند ونيتشه مع مفهومه عن الإنسان الأعلى.

3) العلموية: بالرغم من إدعاء أصحاب هذا النوع من الإلحاد إختلافهم عن الأخرين بفضل ما يقولون أنه منهجية علمية صارمة، إلا أنهم لا يختلفون عن النوعين السابقين من حيث ذلك الإيمان المسيحي المعلمن بالتقدم والسعي إلى خلاص الإنسانية من خلال المعرفة. لكن ما يميزهم بشكل خاص هو جعلهم العلم ديانة قائمة بذاتها تنافس بقية الأديان في كل شيء بما في ذلك الجوانب القيمية والأخلاقية ضمن ما يعرف بـ الأخلاق العلمية scientific ethics التي غالباً لا تكون سوى محاولة لتقديم غطاء علمي للحركات السياسية وللقيم السائدة في عصرها التي أحياناً تكون ليبرالية وأحياناً أخرى ضد الليبرالية، مثل الأحادية Monism لدى هيكل إرنست ثم لاحقاً الإنسانية التطورية evolutionary humanism لصحابها جوليان هكسلي، وهي أيديولوجيات علموية تزعم الاعتماد على نظرية التطور وتتبنى رؤيةً هرمية للأعراق البشرية التي نجد على رأسها العرق الأوروبي الذي عليه قيادة البشرية، وهي في ذلك إستمرار لأفكار فلاسفة عصر التنوير عن الأعراق، أمثال كانط وهيوم وفولتير الذين أعتبروا بقية الشعوب أدنى من الأوروبيين، والأفارقة كائنات بين البشر والقردة، وهذا ما كان يشكل الغطاء الفلسفي للاستعمار [ما يعرف أحياناً بـ واجب الرجل الأبيض] ثم لاحقاً الغطاء العلمي للنازية. من بين الأديان العلموية نجد أيضاً المادية الجدلية التي تشكل عماد الفلسفة الماركسية وهي بحسب برتراند راسل تمثل الإله في الديانة الماركسية التي نبيها ماركس، والشعب المختار فيها هم العمال، والكنيسة هي الحزب الشيوعي، والعودة الثانية [مثل عودة المسيح] هي الثورة، وجهنم هي معاقبة الرأسماليين، والألفية [حكم المسيح للعالم ألف سنة] هي رابطة الدول الشيوعية.
وأخر هذه الأديان العلموية نجد ما بعد الإنسانية التي لا تضع فقط الإنسانية محل الإله، بل تتصور بأنه من الممكن جعل الإنسان إلهاً حقيقي ذو قدرات خارقة ولا يموت أبداً بفضل العلوم الجينية والحاسوبية الحديثة.
2👍1👏1