شجرة ديسقوريدس.
906 subscribers
36 photos
1 file
3 links
"مسألة التفرّع وقانون أندرونيكوس فيما يتعلّق بشجرة ديسقوريدس". أ.ك.

يكتب هنا سومر، متواريًا خلف الشجرة.
Download Telegram
عندي صوت قديم لا يلحّ علي كثيرًا لأنني أدفنه، يقول لي حين يطلّ: من أكبر مخاوفك يا سومر أن لا تكون كافيًا. ويحيط بك النقص حين يفكر بك امرؤٌ تحبّه.

ما الذي يخطر في بال شخص حين يفكّر فيك؟ ألم تسأل نفسك؟ حين أفكر أنا بأشخاص آخرين، أصنع حدائق غريبةً من القصص، وآخذ هذا النَّفَس الذي يوهمنا أننا فهمنا الحياة، وعشناها واكتفينا بها. هذا هو الحبّ. لكن أخشى ذات يوم أن أكون قد غششتُ نفسي حين أكتشف أنه غير ذلك.
❤1
لا يمكنني التوقف عن إرسال الأغاني، أو الحديث حول البلكونات الجميلة التي رأيتها في النهار، أو التقاط الصور للوجوه التي أحبها، أو كتابة الرسائل القصيرة في الصباحات التي أكون سعيدًا فيها، أو تحضيري لطعامٍ زائد يشاركني به من يقابلني في الدوام، أو مراقبة الحركات التي أحفظها جيّدًا لصديقٍ حين يغضب، أو يفرح، أو يحزن، أو يشعر بالضيق. لا يمكنني أن أكذب على نفسي حين أقول في يوم: سأكون قاسيًا بما يكفي لأكون مثلهم، مثل الناس، وأخفي نهر الحبّ الذي يجري في صدري تجاه العالم كله.

كتبت هذه الفقرة قبل عامين بالضبط. اليوم حين أفكر فيها، أتساءل كيفّ جفّ هذا النبع! وانتهت حياة النهر الذي تحدثت عنه.
❤1
كان لجدتي رحمها الله قول مفاده أنّ قلب الإنسان ليس ثابتًا في مكانه، يتحرك طوال اليوم، في كل أنحاء الجسد. أزيد على جدتي أنّ قلبي رغم هذا لم يكن قطعةً واحدة أصلا، جزء من قلبي في عيني، وآخر منه في أذني، لباطن يدي منه نصيب، وعلى أطراف أصابعي له موضع، حول رقبتي، عند قدميّ، متفرّقًا في كل ناحية. من أجل هذا كانت توجعني أصغر النخزات. أذني تتأذى بكلمات صغيرة لا تخدش حتّى جدارَ الريح في طريقها. عيني تحمرّ وتُدمى لمشهدٍ ليس له نصيبٌ من أوصاف اللغة إلا كلمة: اعتياديّ. يدي التي تلمس وجوه الناس وأيديهم فلا تجدهم، كم كانت تؤلمني حين تغيب عنها ذرّة من روحِ اليد التي تلمس.
❤2
صديقيَ العزيز،
قد لا تفي الكلمات حين أكتب إليك، لأن قلبي يعلم أن قلبك يعلم. كنتُ مشعًّا أكثر في السابق، حتى في أشدّ اللحظات عتامةً. أعلم أنك تقول في نفسك أنني أكرر هذا في كل رسالة -رغم أن الرسائل لا تصلك. لكنني أكتب في كل مرة لأنني أجد في هذه الطريقة بابًا يذكّرني بالماضي، ويفتح لي أرضًا رحبةً من الذكريات السعيدة/الحزينة، ذكرياتٍ تقول لي أن فيما هو آتٍ متّسع كما كان فيما انصرفَ متّسع.. وكنت تحسّ بقلبكَ كله ذات يوم.
هذه الأيام -التي تمتد لشهور- أفكّر أنني كبرت، كبرتُ للحد الذي يفصلني عن الباب الذي أدخله في كل مرة نحو الماضي. أقول: سومر انصرفَ ولن يعود، وأقفلَ الباب. أنتَ هنا الآن وحدَك، تمشي وحدَك، على رصيف هذه المدينة، تحت القمرِ المكتمل، والأشجارِ التي ترحّب بالربيع، وتغنّي: "كان زمان عندي فرصة الاختيار" لكنّني خسرتها، خسرت فرصة الاختيار، والآن أدفع ثمن اختياراتي القديمة.. وأنا أمشي وحيدًا، في الثانية صباحًا، نحوَ المنزل.. بعينٍ تدمع.
❤1😢1
يلمعُ الماضي مثل شهابٍ عجول، يترك خدشًا صغيرًا في عيون الخلائق التي لمحته. هكذا تحضر الذكرى، ثم تختفي خطفًا، ولا يزول أثر كدَرها الذي خلّفته.
❤2
هذا الشعور بالرغبة في احتضان أي شيء. الشوق إلى مكانٍ دافئ، آمن، لا يعاتبك.
انتظار معجزةٍ تنقلك من الوسط الذي تشعر فيه بالغربة إلى البيت. حين تختنق بكلّ الكلمات التي حُشرت في حلقك، ولا تستطيع الخروج. وقتها حين لا تريد لأحدٍ أن ينتبه لعينك التي تفتحها على اتّساعها حتى تحتملَ أكبر قدرٍ من الدمع قبل سقوطه. حين لا تتحدّث حتى لا يلحظ أحدٌ صوتك المتكسّر.. هنا يكون كلّ ما تريده أن تشدّك يدٌ إلى البيت.
❤1
حين أقرأ ملاحظاتي أشعر بالشفقة، كما يشعر بذلك كل الذين يشيرون إليها بعين الازدراء لأنني أتحدّث فيها حول كل ما يجري ويزعجني، وحتى الأشياء التي أحبها وتحصل لي.
أنفر من الآخرين الذين لا يمكنهم قول ما يشعرون به.
👍2
لا يمكنك مدّ يدكَ لأحدٍ في الوقت الذي تنتظر فيه يدًا تمتدّ لتمسك بك. لا يمكنك أن تقول ببساطة: أرجوك ساعدني. حتى لأقرب القلوب حولك.
أقوم بالكتابة هنا حين لا أستطيع بيان ذلك في مكانٍ آخر. هنا أشعر بالدفء، وأن هذه الشجرة هي مكاني الهادئ الذي لا أسمع فيه غير صوت أوراق الشجرة وهي تصافح بعضها أوّل النهار.
هنا أكتب عن الكلمات الرقيقة التي -وللأسف- أخجل من كتابتها في مكانٍ غير جدّي، يمكن أن تُحمَل فيه على محامل أخرى بعيدةٍ عن لمسة الحزن فيها.
قليلًا ما ألجأ إلى هذه الشجرة للحديث عن الأفراح والكلمات المبهجة. هنا حيث أنظر للعالم كأنّه ظلّ. ظلّ شيءٍ حقيقيّ آخر لم نصل له بعد. هنا حيث أفكر في كل شيء على أنه كان خارج النصّ، فاصلًا صغيرًا فقط من شيء أكبر. فيهون على قلبي، وأشعر أنّني صرت أخفّ. وأقرب إلى الشجرة.
أفكر دائمًا في النصوص أنها لو كانت على شكل رسائل لكانت أجمل بكثير، لكن عند الشجرة يا سومر، وحدك، إلى من ستكتب؟ لو كان هذا الكلام على شكل رسالة لكتبت فيها:
صديقيَ العزيز، كيف حالك؟
أكتب إليك اليوم رغم أنه لم تحدث أحداث كثيرة، لكنني أريد أن أكتب لك.
ليس في الدنيا أرقّ من شخص لطيف إلى جوارك، شخصٍ لا يعقّد الحياة، بل يجعلها أكثر عذوبةً وحنيّة. أفكر يا صديقي أنني حاولت أن أكون هذا الشخص في حياة مَن حولي، لكن أفلت كلّ شيء من يدي فجأة، وسقطتْ ذراعي من أيدي الذين أحبّهم. خسرتُ في اللحظة التي ظننت فيها أنني انتصرت أمام صعوبة الحياة وصنعت عالمًا وديعًا.
تنتهي الرسالة هنا لأنني لا أريد أن أجعلها محزنة. في المرة القادمة حين أكتب لك سنتحدّث عن البحيرات التي تودّ زيارتها. ولنكتب أرجوك، عن موضوعٍ لا يتعلّق بنا، عن شيء آخر غير مشاعر الإنسان وأفكاره الصعبة. لنتحدث عن القضايا السخيفة.
تعدية الشارع، واحدة من أكثر اللحظات شاعريّةً.
من لا يعرفُ إدوارد هوبر، لا يعرف كيف تبدو الشخصيات الصامتة بعد. هوبر يجسّد صدمة الإنسان الحديث، عزلته، خوفه، واغترابه.
بإمكان الفنان أن يرسم الإنسان وحيدًا من الخارج، بينما العالمُ في اللوحة يتحرّك. لكنّ هوبر بطريقةٍ ما يرسمُ من داخل الوحدة، حتّى أنه يجمّد كل ما في اللوحة. كأنّ كل العناصر تغرقُ في تفكيرٍ عميق. ليست الشخصية فقط هي التي تعيشُ عزلتها، بل كلّ ما تنظرُ إليه.
ربّي خلق العلاقات حتى نسامح فيها قسوة الحياة.
يبني المرء ثُلثَي حياته على الرهانات. ويسير من أول يوم في عمره حتى آخر ساعة وهو يراهن على افتراضاته. غدًا أجمل، يقولُ وهو يختتم يومه التعيس.
👍1
قبل عام استعدتُ رغبتي في الاستمرار ومهادنة الحياة، وكسبتُ حجرةً جديدةً في قلبي. حتى ظننت أن كلّ شيء سيستمرّ وديعًا بهذا الشكل، لكنني كنت مخطئًا. يقولون أنّ المرء إذا مرّ بما هو صعب فلن يهزمه ما هو أصعب. يصدقُ هذا أحيانًا، لكن في ظروفٍ لا نفهمها يحصل أنّ المرء يصير أكثرَ هشاشةً وتكسّره الأحداث الصغيرة.. مثلَ شجرةٍ أسقطتها نسمةٌ خفيفة بعدَ أن كانت تقاوم الفأس.
❤2💔1
في السابق كنت أخاف أن أُنسى، اليوم أخاف أن تظلَّ لي ذكرى.
يلتفت إلى نفسه في اللحظات التي ينتبه فيها أنّ الحياة تسير، فيرى داخله يتكسّر. يتكسّرُ أكثر.