أحسنُ حُجةٍ عند القائلين بالمولد: أن الاحتفال في الأزمان الأولى لم يكن له مقتضٍ، وإنما نشأ هذا المقتضي في الأزمان الآخرة.
ما هو هذا المقتضي؟ = أن البُعد التاريخي عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يزيد الناس جهلا به وبفضله، فاحتيج لتذكير الناس به.
هذا أقوى ما لديهم لأن فيه التفاتا إلى الحجة السلفية القائلة: (أن المقتضي - وهو محبته صلى الله عليه وسلم - موجودٌ في الأزمان الأولى)، فقاموا بإيجاد مقتضٍ آخر لدفع الإشكال.
أقول هذا أقوى ما لديهم، وليس بشيء، لأن حدوث الحاجة إلى التذكير لا يستلزم مشروعية صورةٍ معينةٍ من التذكير في يومٍ مخصوص، فضلًا عن تخصيص زمن دوري لها، فثبوت الغاية لا يُثبت مشروعية كل وسيلة موصلة إليها.
أما ما يورده البعض من القياس على المُحدثات الجديدة من التقنيات والصناعات والسيارات والطائرات وغيرها، فهذا لا يقوله إلا من انخفض الـ IQ الخاص به .. والله المستعان
ما هو هذا المقتضي؟ = أن البُعد التاريخي عن زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يزيد الناس جهلا به وبفضله، فاحتيج لتذكير الناس به.
هذا أقوى ما لديهم لأن فيه التفاتا إلى الحجة السلفية القائلة: (أن المقتضي - وهو محبته صلى الله عليه وسلم - موجودٌ في الأزمان الأولى)، فقاموا بإيجاد مقتضٍ آخر لدفع الإشكال.
أقول هذا أقوى ما لديهم، وليس بشيء، لأن حدوث الحاجة إلى التذكير لا يستلزم مشروعية صورةٍ معينةٍ من التذكير في يومٍ مخصوص، فضلًا عن تخصيص زمن دوري لها، فثبوت الغاية لا يُثبت مشروعية كل وسيلة موصلة إليها.
أما ما يورده البعض من القياس على المُحدثات الجديدة من التقنيات والصناعات والسيارات والطائرات وغيرها، فهذا لا يقوله إلا من انخفض الـ IQ الخاص به .. والله المستعان
❤3🔥2
السلفيون والدرس السلوكي
من الملاحظ في الدرس السلفي المعاصر (بحسب استقرائي القاصر) ضعف حضور علم السلوك بوصفه علمًا مستقلًا ذا بناء تعليمي منظم ومتدرج، وإن كانت مادته نفسها حاضرة بكثرة في الدروس والمؤلفات.
ومرادي بعلم السلوك: ما يتعلق بتزكية النفس وأعمال القلوب والأخلاق ومقامات العبودية ونحوها، مما كان يندرج تحت مسمى (التصوف)، والتصوف لفظ مجمل قد يراد به مذهب بدعي مخصوص، أو جملة من الممارسات والطرائق، وقد يراد به العلم المتعلق بالسلوك والتزكية، والأخير هو المقصود.
لكن حين إطلاق لفظ (التصوف) عند بعض الأصحاب - ومُرادي بالأصحاب هنا السلفيون - تنصرف أذهانهم مباشرة إلى التصوف البدعي، وقد كان بإمكانهم تفسير اللفظ من سياقه أو من سيرة قائله وحمله على محمل حسن، لذلك خروجا عن النزاع اللفظي، سأسميه (علم السلوك)، كما أننا نسمي الفلسفة أحيانا بالعقليات كيلا يستدرك علينا البعض ويفسد معنى ما نقوله، فنضطر للخروج عن الموضوع وشرح ما الفلسفة وأننا لا نقصد الفلسفة اليونانية التي أنكرها أهل العلم، وإنما نقصد الأدلة العقلية المتوافقة مع الكتاب والسنة، وشيخ الإسلام يقرر أن هناك (فلسفة صحيحة)، وأهل العلم يقررون أن الكتاب والسنة فيهما أدلة عقلية إلخ، ويضيع النقاش، لذلك تحتاج أحيانا لمجاراة البعض، وقد قال ابن القيم: (أكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ، ويردها بعينها بلفظ آخر).
وعموما لست أعني أن المادة السلوكية غائبة عن التراث السلفي أو عن خطاب علمائه، فهذا غير صحيح، بل للسلفيين حصيلة واسعة في هذا الباب، موزعة في كتب العقيدة وشروح الحديث والسير والتراجم والتاريخ والأدب، وكتب ابن القيم خصوصا، وبعض منثورات ابن الجوزي كصيد الخاطر ونحوه، فضلًا عن الوعظ، ودروس الرقائق، وآداب طالب العلم، وأعمال القلوب، وبعض المشايخ قد يخصص كتبا أو مقررات لهذا الباب.
لكن ليس هذا محل البحث، وإنما محله: أن هذه المادة لا تبدو في الجملة جزءا ثابتا من البنية التعليمية لطالب العلم السلفي، بنفس المستوى الذي تحضر به علوم أخرى كالعقيدة والفقه والحديث والنحو وغيرها.
ففي هذه العلوم يمكن غالبا تصور مسار درسي واضح، يبدأ الطالب بمتن للمبتدئين ثم يترقى إلى ما هو أعلى، أما في علم السلوك فالغالب هو الاجتهادات الفردية، ويكون التحصيل متناثرا على شكل فائدة في ترجمة عالم مشهور، وباب صغير في الواسطية، ونقل عن ابن القيم، ومحاضرة هنا، وكتيب هناك، ولو تطور الوضع تجده يجرد كتب ابن القيم والداء والدواء ومدارج السالكين ونحوها، لكن في النهاية هو عمل فردي وليس مسارا علميا منظما ومتدرجا له كتبٌ معروفة.
والخلاصة: الغرض هو تسجيل ملاحظة، لا إيجاد حل.
وجزاكم الله خيرا
من الملاحظ في الدرس السلفي المعاصر (بحسب استقرائي القاصر) ضعف حضور علم السلوك بوصفه علمًا مستقلًا ذا بناء تعليمي منظم ومتدرج، وإن كانت مادته نفسها حاضرة بكثرة في الدروس والمؤلفات.
ومرادي بعلم السلوك: ما يتعلق بتزكية النفس وأعمال القلوب والأخلاق ومقامات العبودية ونحوها، مما كان يندرج تحت مسمى (التصوف)، والتصوف لفظ مجمل قد يراد به مذهب بدعي مخصوص، أو جملة من الممارسات والطرائق، وقد يراد به العلم المتعلق بالسلوك والتزكية، والأخير هو المقصود.
لكن حين إطلاق لفظ (التصوف) عند بعض الأصحاب - ومُرادي بالأصحاب هنا السلفيون - تنصرف أذهانهم مباشرة إلى التصوف البدعي، وقد كان بإمكانهم تفسير اللفظ من سياقه أو من سيرة قائله وحمله على محمل حسن، لذلك خروجا عن النزاع اللفظي، سأسميه (علم السلوك)، كما أننا نسمي الفلسفة أحيانا بالعقليات كيلا يستدرك علينا البعض ويفسد معنى ما نقوله، فنضطر للخروج عن الموضوع وشرح ما الفلسفة وأننا لا نقصد الفلسفة اليونانية التي أنكرها أهل العلم، وإنما نقصد الأدلة العقلية المتوافقة مع الكتاب والسنة، وشيخ الإسلام يقرر أن هناك (فلسفة صحيحة)، وأهل العلم يقررون أن الكتاب والسنة فيهما أدلة عقلية إلخ، ويضيع النقاش، لذلك تحتاج أحيانا لمجاراة البعض، وقد قال ابن القيم: (أكثر الناس يقبل المذهب والمقالة بلفظ، ويردها بعينها بلفظ آخر).
وعموما لست أعني أن المادة السلوكية غائبة عن التراث السلفي أو عن خطاب علمائه، فهذا غير صحيح، بل للسلفيين حصيلة واسعة في هذا الباب، موزعة في كتب العقيدة وشروح الحديث والسير والتراجم والتاريخ والأدب، وكتب ابن القيم خصوصا، وبعض منثورات ابن الجوزي كصيد الخاطر ونحوه، فضلًا عن الوعظ، ودروس الرقائق، وآداب طالب العلم، وأعمال القلوب، وبعض المشايخ قد يخصص كتبا أو مقررات لهذا الباب.
لكن ليس هذا محل البحث، وإنما محله: أن هذه المادة لا تبدو في الجملة جزءا ثابتا من البنية التعليمية لطالب العلم السلفي، بنفس المستوى الذي تحضر به علوم أخرى كالعقيدة والفقه والحديث والنحو وغيرها.
ففي هذه العلوم يمكن غالبا تصور مسار درسي واضح، يبدأ الطالب بمتن للمبتدئين ثم يترقى إلى ما هو أعلى، أما في علم السلوك فالغالب هو الاجتهادات الفردية، ويكون التحصيل متناثرا على شكل فائدة في ترجمة عالم مشهور، وباب صغير في الواسطية، ونقل عن ابن القيم، ومحاضرة هنا، وكتيب هناك، ولو تطور الوضع تجده يجرد كتب ابن القيم والداء والدواء ومدارج السالكين ونحوها، لكن في النهاية هو عمل فردي وليس مسارا علميا منظما ومتدرجا له كتبٌ معروفة.
والخلاصة: الغرض هو تسجيل ملاحظة، لا إيجاد حل.
وجزاكم الله خيرا
❤1
فكم يخفى على الفقيه في المسائل الكثيرة بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة.
القرافي، الفروق ٢٧/٤
القرافي، الفروق ٢٧/٤
❤3
Forwarded from قناة عبدالرحمن السديس
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
تفرع النقاش وضياع الوقت.
ما هي #نقطة_البحث؟
ما هي #نقطة_البحث؟
❤1
أنهيتُ كتاب ما تُخفي العِمامة ..
كل الشكر للباحث يوسف سمرين على هذا الجهد العلمي والتتبع المضني، فما علمنا عنه إلا الصرامة في البحث العلمي، ونَفَسَهُ الطويل في التتبع، والذي يتعجب منه القارئ، فهو يطارد خصمه حتى النهاية، يستقصي كلامه، يتتبع أصوله ومصادره، يجمع أطراف حجته، يلملم شتات كلامه المتفرق في الكتب، ثم يناقشه من داخل بنائه بما يُسمى (النقد الداخلي)، فيجعله في مواجهة مع نفسه وتناقضاته.
هذا ما رأيته في هذا البحث الموسوم بـ (ما تُخفي العِمامة)، وهو نقدٌ لمشروعِ رجلِ دينٍ شيعي معاصر اسمه (أحمد سلمان الأحمدي)، والحقيقة أن الرجل سمعت عنه قبل قراءة الكتاب وكانت وجهة نظري أنه ذو عقلية مؤامراتية، فلديه نزعة تفسيرية تآمرية واضحة ومتكررة في قراءته للتاريخ الإسلامي، فهو يميل لتفسير عدد كبير من الفجوات والاختلافات النصية والروايات المخالفة باعتبارها نتائج لتخطيط سياسي، أو إخفاء متعمد، أو تحريف مقصود، أو إشراف تحت عين السلطة، ويجعل هذا العامل في كثير من الأحيان جزءا محوريا في تفسيره للتاريخ.
وقد أكد ذلك الباحث يوسف سمرين – بحسب الأمثلة التي جمعها – فالرجل يفترض في عدد من المواضع من كتبه وجود فاعلين خفيين وخطط ممتدة وعمليات طمس وتحريف منظم للتاريخ، ثم يفسر الأخبار والفراغات والتعارضات داخل هذا الإطار، ويزداد الإشكال عندما لا يطبق نفس المبدأ على الأخبار الموافقة لسرديته، أو يؤول النصوص المخالفة باعتبارها جزءا من عملية الطمس نفسها، وهو يحول الفرضية من نتيجة قابلة للاختبار إلى إطار قادر على استيعاب الدليل وضده معا.
وتظهر في كتاباته طريقة سردية تشبه أدب الأسرار والمؤامرات، فتجده يستعمل مصطلحات تحمل حبكة درامية تشويقية (سر الغرفة المغلقة، الصندوق الأسود، الأسرار، الخطوط الحمراء، فتح الملفات، الحقيقة المخفية، السلطة التي تحجب الوثائق، الخلفاء الذين يشرفون على كتابة التاريخ إلخ) ..
نعم .. حتى لو كان مشروعك هو تدعيم سرديتك المذهبية للتاريخ الإسلامي، هذا ليس مشكلة بحد ذاته، فهذا مذهبك وتريد نصرته، لكن المشكلة أن تحاول نصرته كيفما اتفق، ولو بانتهاك قانون البحث العلمي، فالتاريخ ليس رواية درامية مستوحاة من الواقع ثم تقوم بالتعديل عليها مؤامراتيا بما يتناسب مع رؤيتك المذهبية، فهذا صنيع دان براون حينما تلاعب بعدد من الحقائق في (شيفرة دافنشي) لضرورة الحبكة القصصية بما دفع ماري فرانس وفردريك لونوار إلى إعداد تحقيق يتتبع المعلومات الزائفة في الرواية.
نعم، توجد مؤامرات في التاريخ، لكن ليس هذا محل بحثنا، وإنما محله هو حين يصبح القصد والنية المسبقة والعمل المُدبر في الخفاء هو التفسير الافتراضي المتكرر لقدر كبير من الأحداث والفجوات والاختلافات أو المسكوت عنه في قراءة التاريخ = وبذلك نمنع الاعتراض المشهور (وهل تُنكر وجود المؤامرات؟).
ومن أصرح الشواهد التي تُنبِئُك عن طريقة تفكير الرجل المؤامراتية هي (مؤامرة الأطفال اليهود الذين غيروا الإسلام) – انظر ما تُخفي العِمامة، ص 239-243 – وهي كما يراها أحمد سلمان الأحمدي:
أن هناك سبي من الأطفال وجهه خالد بن الوليد إلى المدينة، ومن بينهم سيرين – والد التابعي المشهور محمد بن سيرين –، وأن هؤلاء الأطفال تُركوا عمدا بين المسلمين، وأنهم ادعوا بأنهم من غلمان الكنيسة، لكن هذا مجرد ادعاء، فهؤلاء الأطفال رغم صغر سنهم إلا أنهم بارعون في طمس هوياتهم وإخفاء حقيقة أمرهم، والحقيقة أنهم جاؤوا من كنيس يهودي – فهناك مؤامرة إذن – ولذلك كان هؤلاء الأطفال قد عمدوا منذ أول يوم إلى إخفاء أصولهم القومية والقبلية ومحاولة قطع الطريق أمام أي محاولة لمعرفتهم، فهناك من وضعهم متعمدًا ثم بعد أن كبروا أنجبوا أطفالًا آخرين توزّعوا بين المسلمين وتعلّم هؤلاء الأطفال الإسلام وأصبحوا علماء وفق مخطّط جهنمي فكر فيه من سلّم آباءهم وهم أطفال إلى المسلمين، وأبناء هؤلاء الأطفال هم الذين غيّروا الإسلام، ولذلك فالتابعي محمّد بن سيرين هو جزء من مؤامرة تم تلفيقها لوالده الطفل المأخوذ مع هؤلاء الأطفال.
فالخلاصة: أن هناك مؤامرة أبطالها أطفال يهود، قاموا بطمس هوياتهم الحقيقية، وتم دسهم عمدا بين المسلمين، ثم كبروا وأنجبوا أطفالًا آخرين يهودًا أيضًا يتسترون بالإسلام، صار بعضهم علماء، ثم أثروا في الإسلام وفق خطة سرية ممتدة عبر الأجيال ليقضوا عليه من داخله!!
وهذه بالضبط بنية التفكير المؤامراتي (فاعل خفي + قصد سابق + إخفاء للهوية + خطة بعيدة المدى + تفسير أحداث لاحقة باعتبارها تنفيذًا للخطة).
ولو قلت لك أن أحمد سلمان الأحمدي يرى بأن يزيد بن معاوية كان مسيحيا أيضا؟! نعم قالها في لقاء على اليوتيوب
هذه النتائج الغريبة التي يصل إليها تجعلنا نقول إن الرجل ذو نزعة تفسيرية تآمرية بدرجة الامتياز، وهذا يجعلنا نتساءل عن الحد الذي يمكن أن يقف عنده؟ وما الذي يمنعه في المستقبل أن يطرد أصوله ليقول بالأرض المسطحة أو بنظام الطيبات؟
كل الشكر للباحث يوسف سمرين على هذا الجهد العلمي والتتبع المضني، فما علمنا عنه إلا الصرامة في البحث العلمي، ونَفَسَهُ الطويل في التتبع، والذي يتعجب منه القارئ، فهو يطارد خصمه حتى النهاية، يستقصي كلامه، يتتبع أصوله ومصادره، يجمع أطراف حجته، يلملم شتات كلامه المتفرق في الكتب، ثم يناقشه من داخل بنائه بما يُسمى (النقد الداخلي)، فيجعله في مواجهة مع نفسه وتناقضاته.
هذا ما رأيته في هذا البحث الموسوم بـ (ما تُخفي العِمامة)، وهو نقدٌ لمشروعِ رجلِ دينٍ شيعي معاصر اسمه (أحمد سلمان الأحمدي)، والحقيقة أن الرجل سمعت عنه قبل قراءة الكتاب وكانت وجهة نظري أنه ذو عقلية مؤامراتية، فلديه نزعة تفسيرية تآمرية واضحة ومتكررة في قراءته للتاريخ الإسلامي، فهو يميل لتفسير عدد كبير من الفجوات والاختلافات النصية والروايات المخالفة باعتبارها نتائج لتخطيط سياسي، أو إخفاء متعمد، أو تحريف مقصود، أو إشراف تحت عين السلطة، ويجعل هذا العامل في كثير من الأحيان جزءا محوريا في تفسيره للتاريخ.
وقد أكد ذلك الباحث يوسف سمرين – بحسب الأمثلة التي جمعها – فالرجل يفترض في عدد من المواضع من كتبه وجود فاعلين خفيين وخطط ممتدة وعمليات طمس وتحريف منظم للتاريخ، ثم يفسر الأخبار والفراغات والتعارضات داخل هذا الإطار، ويزداد الإشكال عندما لا يطبق نفس المبدأ على الأخبار الموافقة لسرديته، أو يؤول النصوص المخالفة باعتبارها جزءا من عملية الطمس نفسها، وهو يحول الفرضية من نتيجة قابلة للاختبار إلى إطار قادر على استيعاب الدليل وضده معا.
وتظهر في كتاباته طريقة سردية تشبه أدب الأسرار والمؤامرات، فتجده يستعمل مصطلحات تحمل حبكة درامية تشويقية (سر الغرفة المغلقة، الصندوق الأسود، الأسرار، الخطوط الحمراء، فتح الملفات، الحقيقة المخفية، السلطة التي تحجب الوثائق، الخلفاء الذين يشرفون على كتابة التاريخ إلخ) ..
نعم .. حتى لو كان مشروعك هو تدعيم سرديتك المذهبية للتاريخ الإسلامي، هذا ليس مشكلة بحد ذاته، فهذا مذهبك وتريد نصرته، لكن المشكلة أن تحاول نصرته كيفما اتفق، ولو بانتهاك قانون البحث العلمي، فالتاريخ ليس رواية درامية مستوحاة من الواقع ثم تقوم بالتعديل عليها مؤامراتيا بما يتناسب مع رؤيتك المذهبية، فهذا صنيع دان براون حينما تلاعب بعدد من الحقائق في (شيفرة دافنشي) لضرورة الحبكة القصصية بما دفع ماري فرانس وفردريك لونوار إلى إعداد تحقيق يتتبع المعلومات الزائفة في الرواية.
نعم، توجد مؤامرات في التاريخ، لكن ليس هذا محل بحثنا، وإنما محله هو حين يصبح القصد والنية المسبقة والعمل المُدبر في الخفاء هو التفسير الافتراضي المتكرر لقدر كبير من الأحداث والفجوات والاختلافات أو المسكوت عنه في قراءة التاريخ = وبذلك نمنع الاعتراض المشهور (وهل تُنكر وجود المؤامرات؟).
ومن أصرح الشواهد التي تُنبِئُك عن طريقة تفكير الرجل المؤامراتية هي (مؤامرة الأطفال اليهود الذين غيروا الإسلام) – انظر ما تُخفي العِمامة، ص 239-243 – وهي كما يراها أحمد سلمان الأحمدي:
أن هناك سبي من الأطفال وجهه خالد بن الوليد إلى المدينة، ومن بينهم سيرين – والد التابعي المشهور محمد بن سيرين –، وأن هؤلاء الأطفال تُركوا عمدا بين المسلمين، وأنهم ادعوا بأنهم من غلمان الكنيسة، لكن هذا مجرد ادعاء، فهؤلاء الأطفال رغم صغر سنهم إلا أنهم بارعون في طمس هوياتهم وإخفاء حقيقة أمرهم، والحقيقة أنهم جاؤوا من كنيس يهودي – فهناك مؤامرة إذن – ولذلك كان هؤلاء الأطفال قد عمدوا منذ أول يوم إلى إخفاء أصولهم القومية والقبلية ومحاولة قطع الطريق أمام أي محاولة لمعرفتهم، فهناك من وضعهم متعمدًا ثم بعد أن كبروا أنجبوا أطفالًا آخرين توزّعوا بين المسلمين وتعلّم هؤلاء الأطفال الإسلام وأصبحوا علماء وفق مخطّط جهنمي فكر فيه من سلّم آباءهم وهم أطفال إلى المسلمين، وأبناء هؤلاء الأطفال هم الذين غيّروا الإسلام، ولذلك فالتابعي محمّد بن سيرين هو جزء من مؤامرة تم تلفيقها لوالده الطفل المأخوذ مع هؤلاء الأطفال.
فالخلاصة: أن هناك مؤامرة أبطالها أطفال يهود، قاموا بطمس هوياتهم الحقيقية، وتم دسهم عمدا بين المسلمين، ثم كبروا وأنجبوا أطفالًا آخرين يهودًا أيضًا يتسترون بالإسلام، صار بعضهم علماء، ثم أثروا في الإسلام وفق خطة سرية ممتدة عبر الأجيال ليقضوا عليه من داخله!!
وهذه بالضبط بنية التفكير المؤامراتي (فاعل خفي + قصد سابق + إخفاء للهوية + خطة بعيدة المدى + تفسير أحداث لاحقة باعتبارها تنفيذًا للخطة).
ولو قلت لك أن أحمد سلمان الأحمدي يرى بأن يزيد بن معاوية كان مسيحيا أيضا؟! نعم قالها في لقاء على اليوتيوب
هذه النتائج الغريبة التي يصل إليها تجعلنا نقول إن الرجل ذو نزعة تفسيرية تآمرية بدرجة الامتياز، وهذا يجعلنا نتساءل عن الحد الذي يمكن أن يقف عنده؟ وما الذي يمنعه في المستقبل أن يطرد أصوله ليقول بالأرض المسطحة أو بنظام الطيبات؟
🔥3❤1
وهذا كله في وادٍ، والسرقات العلمية، والتحريفات، وحذف الوسائط، والاحتجاج بالكتب المنحولة، وتعمية المصادر، وغيرها مما عرضه يوسف سمرين في كتابه في وادٍ آخر!!
والسلام عليكم ..
والسلام عليكم ..
❤5