من أصدق ما كتبه أنطون #تشيخوف:
هناك أَشياء في الحياة لا يبوح بِها المرءُ سِوى إلى شخصٍ وحيد يطمئن إليه، وهو ما يدعوني لِلكتابة لأمي دونَ الآخرين .. في هذا العالم الفاِسد لا يتبقى لنا أخلص مِن الأم.
هناك أَشياء في الحياة لا يبوح بِها المرءُ سِوى إلى شخصٍ وحيد يطمئن إليه، وهو ما يدعوني لِلكتابة لأمي دونَ الآخرين .. في هذا العالم الفاِسد لا يتبقى لنا أخلص مِن الأم.
❤19😭14💔9🕊4👍2
قصة دموع لا يراها العالم | أنطون تشيخوف
– آه يا سادة يا كرام لو نتعشَّى الآن.
قال القائد العسكري المُقدَّم ريبروتيوسوف، وهو رجل طويل نحيف كعمود البرق، وكان خارجًا من النادي مع جماعة من أصحابه ذات ليلة مُظلِمة من شهر أغسطس. ومضى يقول: في المدن المحترَمة، مثل ساراتوف، يمكنك دائمًا أن تتعشى في النادي، أما هنا، في مدينتنا العفنة تشيرفيانسك، فبخلاف الفودكا والشاي بالذُّباب لا تحصل على شيء. ليس هناك ما هو أسوأ من أن تشرب ولا تجد ما تَمُز به!
– نعم، لا بأس الآن بشيء ما، هكذا يعني — أمَّن مُفتِّش المعهد الديني إيفان أيفانيتش دفويتوتشيف وهو يلتَفُّ بمعطفه الأصفر اتقاءً للريح — الساعة الآن الثانية، والحانات مُغلَقة، آه لو يَعني فسيخة مُملَّحة … أو فُطر مُخلَّل … أو يعني شيئًا ما هكذا.
وحَرَّك المفتِّش أصابعه في الهواء ورسم على وجهه أكلة، يبدو أنها شهية جدًّا؛ لأن كل من نظروا إلى وجهه لَعقوا شفاهم. وتوقَّفَت الجماعة عن السَّير وأخذت تُفكِّر، وفكَّرَت طويلًا، ولكن تفكيرها لم يَتفتَّق عن شيء يُؤكَل. واضطُرَّت إلى الاكتفاء بالأحلام فقط.
وتنهد نائب مأمور المركز بروجينا-بروجينسكي وقال: يا لَه مِن ديك رومي عظيم ذلك الذي أكلتُه بالأمس عند جولوبيسوف … بالمناسبة يا سادة، ألَم يزُرْ أحد منكم وارسو؟ هناك يفعلون هكذا … يأخذون سمك الشَّبُّوط العادي، وهو حي … يَتلوَّى، ويُلقُون به في اللبن … ويَظل هذا الوغد يَعوم في اللبن يومًا، وبعد ذلك يَغمِسونه في القِشدَة ويَقلُونه في مقلاة تُطشطِش … وعند ذلك لا حاجة يا أخي لأناناسك! إي والله … خاصة إذا شربت كأسًا أو كأسين … تأكل ولا تحس، كأنك في غيبوبة … الرائحة وَحدَها تجنن!
فأردف ريبروتيوسوف بنبرة مشاركة قلبية: فإذا أضفت إليه خيارًا مملَّحًا … عندما كنَّا مُعسكرِين في بولندا كان يحدث أن تحشر في جوفك حوالي المائتين من البيلميني مرة واحدة … تملأ بها طبقًا كاملًا وترُش عليها الفُلفل والشَّبَت والبَقدونس و… لا أستطيع أن أُعبِّر لكم!
وتوقف ريبروتيوسوف فجأة واستغرق في التفكير؛ تَذكَّر حساء السمك الذي أكله عام ١٨٥٦م في دير الثالوث الأقدس، وكانت ذكرى هذا الحساء لذيذة إلى درجة أن القائد العسكري شَم فجأة رائحة السمك وحرَّك فكَّيه لا إراديًّا ولم يلحظ تَسرُّب الوحل إلى خلف حذائه.
وقال: كلا، لا أستطيع، لا أستطيع أن أصبر أكثر!
سأذهب إلى البيت وأُمتِّع نفسي، اسمعوا يا سادة، فلتأتوا معي! إي والله! لنشرب كأسًا، ونمُز بما رزقَنا به الله؛ خيار، مرتدلة … ونشعل السماور … هه؟ لِنَمُز، ونتحدث عن الكوليرا، ونتذكر ما مضى … زوجتي نائمة الآن، لن نوقِظها … سنجلس في هدوء … هيا بنا!
ولا حاجة لوصف الإعجاب الذي قُوبل به هذا العرض. يكفي فقط أن أقول إنه لم يكن لدى ريبروتيوسوف في أي وقت مضى مثل هذه الكثرة من الخيِّرِين كما كان لديه في هذه الليلة.
– سأقطع أذنيك.
قال القائد العسكري لجندي المراسلة وهو يدخل بالضيوف إلى غرفة الجلوس المظلمة: قلتُ لك ألف مرة يا حيوان أن تُشعل البخور عندما تنام في المدخل، اذهب يا غبي وأشعل السماور، وقُل لإيرينا أن تحضر اﻟ … أن تحضر من القبو خيارًا وفِجلًا … ونظِّف بعض الفسيخ … وقطِّع البطاطس دوائر … والبنجر أيضًا … وكُلُّ هذا صُبَّ عليه الخل والزيت، يعني، والمسطردة أيضًا … ورُشَّ الفلفل فوقه … باختصار طَبَق مَزَّة … مفهوم؟
وحرَّك ريبروتيوسوف أصابعه مصوِّرًا الخلطة، وأضاف إلى المَزَّة بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يضيفه بالكلمات … وخلَع الضيوف أخفافهم ودَلفوا إلى القاعة المظلِمة. وأشعل صاحب البيت عود ثقاب ففاحت رائحة الكبريت، وأضاء الجدران المزيَّنة بهدايا مجلة «نيفا» ومناظر البندقية وصورتَين للكاتب لاجيتشنيكوف وجنرالٍ ما بعينين مدهوشتين للغاية.
– حالًا، حالًا، همس ربُّ الدار وهو يوسع المنضدة بهدوء، سأَعُد المائدة ثم نجلس … ماشا زوجتي مريضة اليوم … أرجو المعذرة إذن … عندها مرض نسائي ما … الدكتور جوسين يقول إن ذلك بسبب أكل الصيام … جائز جدًّا! ولكني أقول لها: «يا روحي، ليست المسألة في الأكل! ليست المسألة فيما يدخل الفم بل فيما يخرج من الفم … فأنت تأكلين أكل الصيام ولكنك عصبية كما كنت … وبدلًا من أن تتعبي جسدك، الأفضل ألا تغضبي، وألا تتفوهي بكلمات …»، ولكنها لا تريد حتى أن تسمع! تقول: «لقد تعودنا على ذلك منذ الصغر.»
ودخل جندي المراسلة، ومَدَّ عنقه وأسرَّ بشيء ما في أذن رب الدار … ولعَّب ريبروتيوسوف حاجبيه.
ودمدم بصوت كالخوار: هم … نعم … هم … هكذا … عمومًا بسيطة … حالًا سأعود … دقيقة واحدة … ماشا أوصدت القبو والخزائن في وجه الخدم وأخذت المفاتيح. ينبغي أن أذهب لإحضارها.
وصعد ريبروتيوسوف على أطراف أصابعه، وفتح الباب بهدوء، ودخل على زوجته … كانت نائمة.
وقال وهو يقترب بحذر من السرير: يا ماشا! استيقِظي دقيقة واحدة يا ماشا!
– من؟ أهو أنت؟ ماذا تريد؟
– آه يا سادة يا كرام لو نتعشَّى الآن.
قال القائد العسكري المُقدَّم ريبروتيوسوف، وهو رجل طويل نحيف كعمود البرق، وكان خارجًا من النادي مع جماعة من أصحابه ذات ليلة مُظلِمة من شهر أغسطس. ومضى يقول: في المدن المحترَمة، مثل ساراتوف، يمكنك دائمًا أن تتعشى في النادي، أما هنا، في مدينتنا العفنة تشيرفيانسك، فبخلاف الفودكا والشاي بالذُّباب لا تحصل على شيء. ليس هناك ما هو أسوأ من أن تشرب ولا تجد ما تَمُز به!
– نعم، لا بأس الآن بشيء ما، هكذا يعني — أمَّن مُفتِّش المعهد الديني إيفان أيفانيتش دفويتوتشيف وهو يلتَفُّ بمعطفه الأصفر اتقاءً للريح — الساعة الآن الثانية، والحانات مُغلَقة، آه لو يَعني فسيخة مُملَّحة … أو فُطر مُخلَّل … أو يعني شيئًا ما هكذا.
وحَرَّك المفتِّش أصابعه في الهواء ورسم على وجهه أكلة، يبدو أنها شهية جدًّا؛ لأن كل من نظروا إلى وجهه لَعقوا شفاهم. وتوقَّفَت الجماعة عن السَّير وأخذت تُفكِّر، وفكَّرَت طويلًا، ولكن تفكيرها لم يَتفتَّق عن شيء يُؤكَل. واضطُرَّت إلى الاكتفاء بالأحلام فقط.
وتنهد نائب مأمور المركز بروجينا-بروجينسكي وقال: يا لَه مِن ديك رومي عظيم ذلك الذي أكلتُه بالأمس عند جولوبيسوف … بالمناسبة يا سادة، ألَم يزُرْ أحد منكم وارسو؟ هناك يفعلون هكذا … يأخذون سمك الشَّبُّوط العادي، وهو حي … يَتلوَّى، ويُلقُون به في اللبن … ويَظل هذا الوغد يَعوم في اللبن يومًا، وبعد ذلك يَغمِسونه في القِشدَة ويَقلُونه في مقلاة تُطشطِش … وعند ذلك لا حاجة يا أخي لأناناسك! إي والله … خاصة إذا شربت كأسًا أو كأسين … تأكل ولا تحس، كأنك في غيبوبة … الرائحة وَحدَها تجنن!
فأردف ريبروتيوسوف بنبرة مشاركة قلبية: فإذا أضفت إليه خيارًا مملَّحًا … عندما كنَّا مُعسكرِين في بولندا كان يحدث أن تحشر في جوفك حوالي المائتين من البيلميني مرة واحدة … تملأ بها طبقًا كاملًا وترُش عليها الفُلفل والشَّبَت والبَقدونس و… لا أستطيع أن أُعبِّر لكم!
وتوقف ريبروتيوسوف فجأة واستغرق في التفكير؛ تَذكَّر حساء السمك الذي أكله عام ١٨٥٦م في دير الثالوث الأقدس، وكانت ذكرى هذا الحساء لذيذة إلى درجة أن القائد العسكري شَم فجأة رائحة السمك وحرَّك فكَّيه لا إراديًّا ولم يلحظ تَسرُّب الوحل إلى خلف حذائه.
وقال: كلا، لا أستطيع، لا أستطيع أن أصبر أكثر!
سأذهب إلى البيت وأُمتِّع نفسي، اسمعوا يا سادة، فلتأتوا معي! إي والله! لنشرب كأسًا، ونمُز بما رزقَنا به الله؛ خيار، مرتدلة … ونشعل السماور … هه؟ لِنَمُز، ونتحدث عن الكوليرا، ونتذكر ما مضى … زوجتي نائمة الآن، لن نوقِظها … سنجلس في هدوء … هيا بنا!
ولا حاجة لوصف الإعجاب الذي قُوبل به هذا العرض. يكفي فقط أن أقول إنه لم يكن لدى ريبروتيوسوف في أي وقت مضى مثل هذه الكثرة من الخيِّرِين كما كان لديه في هذه الليلة.
– سأقطع أذنيك.
قال القائد العسكري لجندي المراسلة وهو يدخل بالضيوف إلى غرفة الجلوس المظلمة: قلتُ لك ألف مرة يا حيوان أن تُشعل البخور عندما تنام في المدخل، اذهب يا غبي وأشعل السماور، وقُل لإيرينا أن تحضر اﻟ … أن تحضر من القبو خيارًا وفِجلًا … ونظِّف بعض الفسيخ … وقطِّع البطاطس دوائر … والبنجر أيضًا … وكُلُّ هذا صُبَّ عليه الخل والزيت، يعني، والمسطردة أيضًا … ورُشَّ الفلفل فوقه … باختصار طَبَق مَزَّة … مفهوم؟
وحرَّك ريبروتيوسوف أصابعه مصوِّرًا الخلطة، وأضاف إلى المَزَّة بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يضيفه بالكلمات … وخلَع الضيوف أخفافهم ودَلفوا إلى القاعة المظلِمة. وأشعل صاحب البيت عود ثقاب ففاحت رائحة الكبريت، وأضاء الجدران المزيَّنة بهدايا مجلة «نيفا» ومناظر البندقية وصورتَين للكاتب لاجيتشنيكوف وجنرالٍ ما بعينين مدهوشتين للغاية.
– حالًا، حالًا، همس ربُّ الدار وهو يوسع المنضدة بهدوء، سأَعُد المائدة ثم نجلس … ماشا زوجتي مريضة اليوم … أرجو المعذرة إذن … عندها مرض نسائي ما … الدكتور جوسين يقول إن ذلك بسبب أكل الصيام … جائز جدًّا! ولكني أقول لها: «يا روحي، ليست المسألة في الأكل! ليست المسألة فيما يدخل الفم بل فيما يخرج من الفم … فأنت تأكلين أكل الصيام ولكنك عصبية كما كنت … وبدلًا من أن تتعبي جسدك، الأفضل ألا تغضبي، وألا تتفوهي بكلمات …»، ولكنها لا تريد حتى أن تسمع! تقول: «لقد تعودنا على ذلك منذ الصغر.»
ودخل جندي المراسلة، ومَدَّ عنقه وأسرَّ بشيء ما في أذن رب الدار … ولعَّب ريبروتيوسوف حاجبيه.
ودمدم بصوت كالخوار: هم … نعم … هم … هكذا … عمومًا بسيطة … حالًا سأعود … دقيقة واحدة … ماشا أوصدت القبو والخزائن في وجه الخدم وأخذت المفاتيح. ينبغي أن أذهب لإحضارها.
وصعد ريبروتيوسوف على أطراف أصابعه، وفتح الباب بهدوء، ودخل على زوجته … كانت نائمة.
وقال وهو يقترب بحذر من السرير: يا ماشا! استيقِظي دقيقة واحدة يا ماشا!
– من؟ أهو أنت؟ ماذا تريد؟
❤10💔3
– أنا ياماشنكا بخصوص اﻟ … أعطني يا مَلاكي المفاتيح ولا تقلقي … نامي مطمئِنَّة … سأهتم أنا بهم … سأعطي كلًّا منهم خيارة، ولن أُبدِّد أكثر من ذلك شيئًا … أقسم لك … هناك دفويتوتشيف، أتدرين، وبروجينا-بروجينسكي … وآخرون … كلهم أشخاص رائعون … مُحترَمون في المجتمع … أتدرين أن بروجينسكي يحمل وسام فلاديمير من الطبقة الرابعة؟ أوه، كم يحترمك!
– أين سكرت إلى هذا الحد؟
– ها أنت ذي تغضبين … يا سلام عليك … سأعطي كلًّا منهم خيارة، وهذا كل شيء … وسينصرفون … أنا سأهتم بهم ولن نزعجك أبدًا … نامي يا لعبتي … هه، وكيف صحتك؟ هل جاء جوسين في غيابي؟ انظري، ها أنا ذا أُقبِّل يدك … والضيوف كلهم يحترمونك … دفويتوتشيف رجل مُتديِّن، أتدرين … وبروجينا، والصرَّاف أيضًا … كلهم يُكنُّون لك أطيب المشاعر … يقولون: «ماريا بتروفنا ليست امرأة، بل شيء عسير على الفهم … إنها كوكب إقليمنا.»
– ارقد! كفاك هذرًا! يَسكر هناك في النادي مع صعاليكه ثم يروح يغلي طول الليل! ألا تخجل؟ عندك أولاد!
– أنا … عندي أولاد، ولكن أرجوك ألا تغضبي يا ماشا … لا تحزني … إنني أقدرك وأحبك … والأولاد إن شاء الله سأدبر أمورهم؛ ميتيا سأدخله المدرسة … لا أستطيع أن أطردهم … لا يليق … جاءوا ورائي وطلبوا أن يتعشوا، قالوا: «نريد أن نأكل، أطعمنا» … دفويتوتشيف، وبروجينا-بروجينسكي … ناس ظرفاء جدًّا … كم يُقدِّرونك ويعطفون عليك … فلنعطِ كلًّا منهم خيارة وكأسًا، وليمضوا في سبيلهم أنا سأتكفَّل بهم.
– اللعنة! ماذا؟ هل جننتَ؟ أي ضيوف في هذه الساعة؟ ألا يخجلون، هؤلاء الشياطين المتسولون، يزعجون الناس في الليالي؟ مَن سمع بضيوف يأتون في الليل؟ هل يظنون بيتنا حانة؟ سأكون حمقاء لو أعطيتك المفاتيح! فليفيقوا وليعودوا غدًا!
– هم … هلا قلت هذا من البداية؟ إذن لما تذللتُ أمامك … إذن فأنتِ لست بشريكة العمر، لستِ سلوى زوجك كما جاء في الكتاب، بل … من العيب أن أقول … كنتِ أفعى وظللتِ أفعى.
– آه … وتشتم أيضًا يا وغد؟!
ونهضتِ الزوجة و… حكَّ القائد العسكري خده، ومضى يقول: ميرسي … صحيح ما قرأتُه في إحدى المجلات: «بين الناس قديس، ومع زوجها إبليس.» … عين الحقيقة … كنتِ إبليس، وظللتِ إبليس.
– خذ، خذ!
– اضربي، اضربي … اضربي زوجك الوحيد! ولكني أرجوك، أتوسَّل إليك يا ماشا … سامحيني! أعطِني المفاتيح! ماشا يا مَلاكي! يا مُعذِّبَتي الشريرة، لا تفضحيني أمام الناس! أيتها المتوحِّشة، إلى متى ستعذبينني؟ اضربي … اضربي … أرجوك … بل أتوسَّل إليك!
واستمر حديث الزوجين بهذه الصورة طويلًا … ركع ريبروتيوسوف على ركبتيه، وبكى مرتين، وسب وهو يحك خده بين الحين والحين … وانتهى الأمر بأن نهضَت زوجته وبصقت وقالت: يبدو لن تكون نهاية لعذابي! أعطني فستاني من على المقعد أيها الكافر!
وقدَّم لها ريبروتيوسوف الفستان بحرص، وسوَّى شعره، وذهب إلى ضيوفه. كان الضيوف واقفِين أمام صورة الجنرال يتطلعون إلى عينيه المندهشتين وهم يُقرِّرون مسألة: مَن الأكبر؛ الجنرال، أم الكاتب لاجيتشنيكوف؟ وكان دفويتوتشيف في صف لاجيتشنيكوف، مشددًا على الخلود، أما بروجينسكي فقد قال: بالطبع هو كاتِب جيد، لا شك في هذا … ويكتب فيثير الضحك والشفقة، ولكن لو أرسلتَه إلى الجبهة فلن يستطيع قيادة حتى سَرية، أما الجنرال فلتعطه ولو فيلقًا كاملًا، لن يهمه.
وقال رب الدار وهو يدخل مقاطعًا: زوجتي ماشا ستأتي الآن … حالًا.
– لقد أزعجناكم حقًّا … يا فيودر أكيميتش، ماذا حدث لخدِّك؟ يا إلهي، وتحت عينك كدمة! أين حصلت على هذا؟
فقال رب الدار محرَجًا: خَدِّي؟ أين خدي؟ آه، نعم … لقد ذهبتُ الآن إلى ماشا متسللًا، أردتُ أن أخيفها، وإذا بي أصطدم في الظلام بالسرير! ها … ها … ها هي ذي ماشا … أوه كم أنت مُشعثة يا عزيزتي! مثل لويزا ميشيل تمامًا!
– أين سكرت إلى هذا الحد؟
– ها أنت ذي تغضبين … يا سلام عليك … سأعطي كلًّا منهم خيارة، وهذا كل شيء … وسينصرفون … أنا سأهتم بهم ولن نزعجك أبدًا … نامي يا لعبتي … هه، وكيف صحتك؟ هل جاء جوسين في غيابي؟ انظري، ها أنا ذا أُقبِّل يدك … والضيوف كلهم يحترمونك … دفويتوتشيف رجل مُتديِّن، أتدرين … وبروجينا، والصرَّاف أيضًا … كلهم يُكنُّون لك أطيب المشاعر … يقولون: «ماريا بتروفنا ليست امرأة، بل شيء عسير على الفهم … إنها كوكب إقليمنا.»
– ارقد! كفاك هذرًا! يَسكر هناك في النادي مع صعاليكه ثم يروح يغلي طول الليل! ألا تخجل؟ عندك أولاد!
– أنا … عندي أولاد، ولكن أرجوك ألا تغضبي يا ماشا … لا تحزني … إنني أقدرك وأحبك … والأولاد إن شاء الله سأدبر أمورهم؛ ميتيا سأدخله المدرسة … لا أستطيع أن أطردهم … لا يليق … جاءوا ورائي وطلبوا أن يتعشوا، قالوا: «نريد أن نأكل، أطعمنا» … دفويتوتشيف، وبروجينا-بروجينسكي … ناس ظرفاء جدًّا … كم يُقدِّرونك ويعطفون عليك … فلنعطِ كلًّا منهم خيارة وكأسًا، وليمضوا في سبيلهم أنا سأتكفَّل بهم.
– اللعنة! ماذا؟ هل جننتَ؟ أي ضيوف في هذه الساعة؟ ألا يخجلون، هؤلاء الشياطين المتسولون، يزعجون الناس في الليالي؟ مَن سمع بضيوف يأتون في الليل؟ هل يظنون بيتنا حانة؟ سأكون حمقاء لو أعطيتك المفاتيح! فليفيقوا وليعودوا غدًا!
– هم … هلا قلت هذا من البداية؟ إذن لما تذللتُ أمامك … إذن فأنتِ لست بشريكة العمر، لستِ سلوى زوجك كما جاء في الكتاب، بل … من العيب أن أقول … كنتِ أفعى وظللتِ أفعى.
– آه … وتشتم أيضًا يا وغد؟!
ونهضتِ الزوجة و… حكَّ القائد العسكري خده، ومضى يقول: ميرسي … صحيح ما قرأتُه في إحدى المجلات: «بين الناس قديس، ومع زوجها إبليس.» … عين الحقيقة … كنتِ إبليس، وظللتِ إبليس.
– خذ، خذ!
– اضربي، اضربي … اضربي زوجك الوحيد! ولكني أرجوك، أتوسَّل إليك يا ماشا … سامحيني! أعطِني المفاتيح! ماشا يا مَلاكي! يا مُعذِّبَتي الشريرة، لا تفضحيني أمام الناس! أيتها المتوحِّشة، إلى متى ستعذبينني؟ اضربي … اضربي … أرجوك … بل أتوسَّل إليك!
واستمر حديث الزوجين بهذه الصورة طويلًا … ركع ريبروتيوسوف على ركبتيه، وبكى مرتين، وسب وهو يحك خده بين الحين والحين … وانتهى الأمر بأن نهضَت زوجته وبصقت وقالت: يبدو لن تكون نهاية لعذابي! أعطني فستاني من على المقعد أيها الكافر!
وقدَّم لها ريبروتيوسوف الفستان بحرص، وسوَّى شعره، وذهب إلى ضيوفه. كان الضيوف واقفِين أمام صورة الجنرال يتطلعون إلى عينيه المندهشتين وهم يُقرِّرون مسألة: مَن الأكبر؛ الجنرال، أم الكاتب لاجيتشنيكوف؟ وكان دفويتوتشيف في صف لاجيتشنيكوف، مشددًا على الخلود، أما بروجينسكي فقد قال: بالطبع هو كاتِب جيد، لا شك في هذا … ويكتب فيثير الضحك والشفقة، ولكن لو أرسلتَه إلى الجبهة فلن يستطيع قيادة حتى سَرية، أما الجنرال فلتعطه ولو فيلقًا كاملًا، لن يهمه.
وقال رب الدار وهو يدخل مقاطعًا: زوجتي ماشا ستأتي الآن … حالًا.
– لقد أزعجناكم حقًّا … يا فيودر أكيميتش، ماذا حدث لخدِّك؟ يا إلهي، وتحت عينك كدمة! أين حصلت على هذا؟
فقال رب الدار محرَجًا: خَدِّي؟ أين خدي؟ آه، نعم … لقد ذهبتُ الآن إلى ماشا متسللًا، أردتُ أن أخيفها، وإذا بي أصطدم في الظلام بالسرير! ها … ها … ها هي ذي ماشا … أوه كم أنت مُشعثة يا عزيزتي! مثل لويزا ميشيل تمامًا!
❤6💔4
دخلت ماريا بتروفنا إلى القاعة، مشعثة الشعر، ناعسة، ولكنها متهلِّلة ومرحة. وقالت: هذا لطيف منكم إذ جئتم إلينا! إذا كنتم لا تأتون إلينا في النهار فشكرًا لزوجي الذي جاء بكم ولو ليلًا. كنت نائمة، وإذا بي أسمع أصواتًا … فقلتُ لنفسي: «يا ترى من هؤلاء؟» … لقد أمرني فيديا أن أرقد وألا أخرج، ولكني لم أُطِق.
وهرولت الزوجة إلى المطبخ وبدأ العشاء.
وعندما خرجوا بعد ساعة من دار القائد العسكري قال بروجينا-بروجينسكي وهو يَتنهَّد: ما أطيب أن تكون متزوجًا! تأكل عندما تريد، وتشرب وقتما تشاء … وتعلم أن هناك مخلوقًا يُحبُّك … ويلعبُ لك على البيانو شيئًا ما، هكذا … ما أسعد ريبروتيوسوف!
أما دفويتوتشيف فلَزِم الصمَت. كان يَتنهَّد ويفكر، وعندما وصل إلى البيت وراح يخلع ملابسه، تَنهَّد بصوت عالٍ حتى إنه أيقظ زوجته.
– لا تَدقَّ بحذائك أيها الرحى! قالت زوجته: تمنعني من النوم. يشرب حتى السكر في النادي ثم يثير الضجة، هذا المَسخ!
فتنهد المفتِّش قائلًا: لا تعرفين سوى السُّباب! لو أنك رأيتِ كيف يعيش آل ريبروتيوسوف! ما أروع حياتهم! عندما ينظر المرء إليهم يود لو يبكي من التأثُّر، أنا وحدي التعيس؛ إذ بُلِيت بشمطاء مثلك، أفسحي!
وتَغطَّى المفتِّش بالبطانية، ونام وهو يشكو في سره حظه البائس.
وهرولت الزوجة إلى المطبخ وبدأ العشاء.
وعندما خرجوا بعد ساعة من دار القائد العسكري قال بروجينا-بروجينسكي وهو يَتنهَّد: ما أطيب أن تكون متزوجًا! تأكل عندما تريد، وتشرب وقتما تشاء … وتعلم أن هناك مخلوقًا يُحبُّك … ويلعبُ لك على البيانو شيئًا ما، هكذا … ما أسعد ريبروتيوسوف!
أما دفويتوتشيف فلَزِم الصمَت. كان يَتنهَّد ويفكر، وعندما وصل إلى البيت وراح يخلع ملابسه، تَنهَّد بصوت عالٍ حتى إنه أيقظ زوجته.
– لا تَدقَّ بحذائك أيها الرحى! قالت زوجته: تمنعني من النوم. يشرب حتى السكر في النادي ثم يثير الضجة، هذا المَسخ!
فتنهد المفتِّش قائلًا: لا تعرفين سوى السُّباب! لو أنك رأيتِ كيف يعيش آل ريبروتيوسوف! ما أروع حياتهم! عندما ينظر المرء إليهم يود لو يبكي من التأثُّر، أنا وحدي التعيس؛ إذ بُلِيت بشمطاء مثلك، أفسحي!
وتَغطَّى المفتِّش بالبطانية، ونام وهو يشكو في سره حظه البائس.
❤7💔5
Forwarded from الكتب تسقي العقول - أدبيات
هذه أعظم وأهم تجميعيات القنوات على تيليغرام 👍 ⬇️ ⬇️ ⬇️
1⃣ المجموعة الأولى – قنوات الكتب الصوتية
قنوات مميزة لكل من يريد استغلال وقته بالاستماع إلى الكتب المسموعة والاستفادة منها في أي مكان وزمان.
⚫️ https://t.me/addlist/8uNL6_7lUHUzMTkx
2⃣ المجموعة الثانية – قنوات الفكر والمعرفة
هنا تجد قنوات تُخاطب العقول قبل القلوب؛ بعضها يضع نقاط المنطق على حروف الفكر، وأخرى متنوعة الفائدة بين الأدب، والدورات التعليمية، والفوائد التقنية.
⚫️ https://t.me/addlist/MdWs2iAF3d00YzEx
3⃣ المجموعة الثالثة – شخصيات أدبية وفلسفية
في هذه المجموعة ستصادفون عظماء الأدب الروسي مثل تولستوي، دوستويفسكي، وتشيخوف. وسيناجيكم رهين المحبسين، ويحدثكم غسان كنفاني، وتلتقون بذٰلك الذي كُتب على قبره: هذا الذي جعل الشباب يقرؤون!
⚫️ https://t.me/addlist/LcBdrEeifm8xNmZh
قنوات مميزة لكل من يريد استغلال وقته بالاستماع إلى الكتب المسموعة والاستفادة منها في أي مكان وزمان.
هنا تجد قنوات تُخاطب العقول قبل القلوب؛ بعضها يضع نقاط المنطق على حروف الفكر، وأخرى متنوعة الفائدة بين الأدب، والدورات التعليمية، والفوائد التقنية.
في هذه المجموعة ستصادفون عظماء الأدب الروسي مثل تولستوي، دوستويفسكي، وتشيخوف. وسيناجيكم رهين المحبسين، ويحدثكم غسان كنفاني، وتلتقون بذٰلك الذي كُتب على قبره: هذا الذي جعل الشباب يقرؤون!
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
❤6
العشاق، هم أولئك الذين يفهمون بعضهم بعضاً عندما يصمتون.
— أنطون تشيخوف
— أنطون تشيخوف
❤30💔8🔥4
من مسرحية "الشقيقات الثلاث - أنطون تشيخوف":
- إن البشر لا يفعلون شيئا سوى أن يأكلوا ويشربوا ويتكاثروا ويناموا، وبعد هذا يموتون، ثم يولد خلق جديد، يأكلون هم أيضا ويشربون ويتكاثرون وينامون، وحتي لايصيبهم العته من فرط الفراغ! يحاولون ملء حياتهم بإغتياب الناس وشرب الفودكا ولعب الورق ورفع القضايا فى المحاكم، والزوجات منهم يخدعن أزواجهن، والأزواج يكذبون ويتظاهرون بأنهم لايرون ولايسمعون شيئا، وهكذا يمتد الشر إلى الأولاد! يحيق بهم فلا يجدون منه مفرا، فتخبو الشرارة المقدسة فى أرواحهم، ويصبحون جثثا تثير الرثاء، وتتشابه أحوالها وصفاتها مثلهم فى هذا مثل آبائهم وأمهاتهم."
- إن البشر لا يفعلون شيئا سوى أن يأكلوا ويشربوا ويتكاثروا ويناموا، وبعد هذا يموتون، ثم يولد خلق جديد، يأكلون هم أيضا ويشربون ويتكاثرون وينامون، وحتي لايصيبهم العته من فرط الفراغ! يحاولون ملء حياتهم بإغتياب الناس وشرب الفودكا ولعب الورق ورفع القضايا فى المحاكم، والزوجات منهم يخدعن أزواجهن، والأزواج يكذبون ويتظاهرون بأنهم لايرون ولايسمعون شيئا، وهكذا يمتد الشر إلى الأولاد! يحيق بهم فلا يجدون منه مفرا، فتخبو الشرارة المقدسة فى أرواحهم، ويصبحون جثثا تثير الرثاء، وتتشابه أحوالها وصفاتها مثلهم فى هذا مثل آبائهم وأمهاتهم."
❤38💔14🔥5
"أنطون تشيخوف":
- إن العالم يهلك لا من اللصوص، ولا من الحرائق بل من الحقد والعداوة، من كل هذه الضغائن التافهة."
- إن العالم يهلك لا من اللصوص، ولا من الحرائق بل من الحقد والعداوة، من كل هذه الضغائن التافهة."
❤54
لماذا يحبس أهل هذا العالم أنفسهم داخل إطار أفكارهم الضيق, في الوقت الذي يوجد فيه متسع للحياة والفكر؟ لماذا لا يأتون إلى هذه الرحابة ؟
أنطون تشيخوف : رواية جريمة في حفلة صيد
-------------------------
يقول تولستوي عن تشيخوف :حينما أقرأ لـتشيخوف يتراءى لي ليس فقط أبطاله, بل حتى أسمع أصواتهم .
ولم يكتفي بهذا الأمر، بل راح يقول عنه: فنان الحياة الذي لا يقارن به أحد .
في الصورة تشيخوف مع ليف تولستوي عام ١٩٠١:
تولستوي عمره ٧٣ سنة.
وتشيخوف عمره ٤١ سنة.
أنطون تشيخوف : رواية جريمة في حفلة صيد
-------------------------
يقول تولستوي عن تشيخوف :حينما أقرأ لـتشيخوف يتراءى لي ليس فقط أبطاله, بل حتى أسمع أصواتهم .
ولم يكتفي بهذا الأمر، بل راح يقول عنه: فنان الحياة الذي لا يقارن به أحد .
في الصورة تشيخوف مع ليف تولستوي عام ١٩٠١:
تولستوي عمره ٧٣ سنة.
وتشيخوف عمره ٤١ سنة.
❤26💔14❤🔥9
الحياةُ فخٌ محزنٌ، وعندما يُحقِّق الشَّخص المفكِّر فرصته ويبلغ وعيه درجة النُّضج, يَحسُّ بنفسه لا إراديَّاً وكأنَّه قد وقع في فخٍ لا مهربَ منه.
وبالفعل، فقد جاء إلى الحياةِ من العدمِ رغم إرادتهِ بفعل عوامل عارضةٍ، فلماذا إنَّه لمَّا يُريد أن يَعرف مغزى وهدف وجودهِ فلا يُقال له، أو تُقال له حماقاتٍ، ويَدقُّ الباب فلا يَفتح له أحد، ويَأتيه الموتَ أيضاً رغم إرادته.
أنطون تشيخوف
وبالفعل، فقد جاء إلى الحياةِ من العدمِ رغم إرادتهِ بفعل عوامل عارضةٍ، فلماذا إنَّه لمَّا يُريد أن يَعرف مغزى وهدف وجودهِ فلا يُقال له، أو تُقال له حماقاتٍ، ويَدقُّ الباب فلا يَفتح له أحد، ويَأتيه الموتَ أيضاً رغم إرادته.
أنطون تشيخوف
❤26❤🔥5💔5👍4
المعلمة - قصة من الأدب الروسي
للأديب: أنطون تشيخوف
ترجمة: د. شاكر خصباك
في الثامنة والنصف غادرا المدينة.
كان الطريق العام جافاً، وكانت شمس إبريل البديعة تشرق دافئة، لكن الثلج كان لا يزال متجمعاً في الحفر والغابات.. كان الشتاء المعتم الطويل قد ولى أخيراً، وأقبل الربيع فجأة. لكن الغابات الضاحكة البديعة التي عطرتها أنفاس الربيع، وقطعان الطيور السود المحلقة فوق البرك الواسعة التي تبدو كالبحيرات، والسماء المدهشة العميقة الغور التي يلوح أن بوسع الإنسان التوغل فيها في غبطة عظيمة، لم تكن لتقدم شيئاً جديداً أو ممتعاً لماريا فاسيلفنا التي كانت قابعة في العربة. لقد مضى عليها ثلاثون عاماً وهي تعمل معلمة، ولا يمكن حساب المرات التي جاءت فيها إلى المدينة كل تلك الأعوام لتقبض مرتبها. وكان الأمر سواء لديها؛ أربيعاً كما هو الآن، أم شتاء، أم ليلة خريفية ممطرة. وكانت تشتاق على الدوام إلى شيء واحد فقط، هو انتهاء الرحلة بأسرع وقت ممكن.
كانت تحس كأنها عاشت في هذه المنطقة الريفية منذ عصور وعصور، منذ قرن من الزمن، وبدا لها أنها تعرف كل حجارة، كل شجرة، في الطريق الذي يؤدي من المدينة إلى مدرستها. لقد كان ماضيها هنا، وإن حاضرها هنا، وليس في قدرتها أن تتصور مستقبلاً آخر غير المدرسة. الطريق إلى المدينة، ثم العودة، ثم المدرسة ثانية، ثم الطريق ثانية...
لقد كفت عن التفكير في ماضيها قبل أن تحترف التعليم، وأوشكت أن تنساه. كان لها يوماً أب وأم، وكانوا يسكنون في منزل واسع قرب البوابة الحمراء في موسكو، لكنها لم تعد تتذكر من تلك الحياة كلها إلا شيئاً غامضاً ضبابياً كالحلم. لقد توفي أبوها وهي في العاشرة من عمرها، ثم تلته أمها بعد زمن وشيك... وكان لها شقيق ضابط في الجيش، كانا يتكاتبان في البدء، ثم انقطع عن الرد على رسائلها، ثم نسي أمرها كلياً. ولم يتبق من ممتلكاتها القديمة سوى صورة لأمها، لكن هذه الصورة أصبحت مطموسة الملامح بسبب رطوبة المدرسة، ولم يعد في الإمكان تمييز شيء فيها سوى الشعر والحاجبين.
حينما قطعت العربة ميلين التفت سائقها سيمون العجوز وقال: إنهم قبضوا على كاتب حكومي في المدينة وأبعدوه. يقال إنه اشترك في قتل المحافظ في موسكو.
- من أخبرك؟
- كانوا يقرؤون ذلك في الجريدة في حانة إيفان يونوف.
خيم عليهما الصمت ثانية وقتاً طويلاً. وفكرت ماري فاسيليفنا في مدرستها، في الامتحان القادم وشيكاً، في الفتاة والفتيان الأربعة الذين أوفدت من أجلهم. وبينما كانت تفكر في الامتحان فاجأتها عربة هانوف ذات الأربعة خيول، وهو أحد جيرانها الملاّكين، وكان ممتحناً في مدرستها في السنة الماضية. ولما جاورها عرفها فانحنى لها محيياً وقال: أظن أنك عائدة إلى البيت.
وهانوف هذا في الأربعين من عمره، ذو تعبير فاتر ووجه يلوح عليه الضجر، قد دب إليه الكبر، لكنه لا يزال جميلاً يجتذب النساء. وهو يعيش لوحده في منزل الأسرة الكبير بلا وظيفة. وقد اعتاد الناس أن يقولوا عنه أنه لا عمل له في المنزل سوى السير جيئة وذهاباً وهو يصفر، وسوى لعب النرد مع خادمه العجوز. ويقول عنه الناس أيضاً إنه يفرط في الشراب. والحقيقة أن رائحة الخمر كانت تفوح من ورقة الامتحان التي أحضرها معه. وكان يرتدي في تلك المناسبة حلة جديدة. واعتقدت ماريا فاسيليفنا أنه جذاب جداً. وكانت تشعر بانزعاج طوال الوقت الذي أمضته جالسة بجواره. كانت معتادة أن ترى ممتحنين متزمتين وقورين يعرفون كل شيء، لكنه لم يكن يتذكر أية صلاة، ولم يكن يعلم عمّ يسأل، وكان لطيفاً مجاملاً للغاية، ولم يعط إلا درجات عالية.
واستطرد هانوف في كلامه قائلاً: أنا ذاهب لزيارة باكفيت، لكنني أخبرت أنه غير موجود في المنزل.
انحرفوا عن الطريق الرئيسي إلى طريق جانبي يؤدي إلى القرية؛ هانوف في المقدمة ووراءه سميون. وتحركت الخيل الأربعة في خطوات قصيرة وهي تجرّ العربة الثقيلة في الوحل. كان سميون يتنقل من جانب إلى آخر، ملتزماً جوانب الطريق، مخترقاً كتلة من الثلج مرة، وبركة صغيرة أخرى، قافزاً إلى الأرض أغلب الوقت لمساعدة الحصان. وكانت ماريا فاسيليفنا لا تزال تفكر بالمدرسة، متسائلة إن كانت أسئلة امتحان الحساب ستكون صعبة أم سهلة. وشعرت بالانزعاج من مجلس زمستفو الذي لم تلق فيه أحداً يوم أمس. يا لها من بطالة! لقد مضى عليها عامان وهي تلح عليهم بفصل الحارس الذي لا يعمل شيئاً، والذي يعاملها بخشونة ويضرب التلاميذ، لكنهم لم يعبؤا بإلحاحها. كان من المتعذر رؤية الرئيس في مكتبه، وإذا ما وجده المرء قال والدموع تكاد تطفر من عينيه إنه لا يستطيع التفرغ دقيقة واحدة. ولقد زار المفتش المدرسة مرة واحدة خلال ثلاثة أعوام، ولم يكن يعرف أي شيء عن عمله. كان موظفاً في قسم الضرائب، ونقل إلى منصب التفتيش بالواسطة. ولا يجتمع مجلس المدرسة إلا نادراً، ولا يعلم أي شخص أين يجتمع.
للأديب: أنطون تشيخوف
ترجمة: د. شاكر خصباك
في الثامنة والنصف غادرا المدينة.
كان الطريق العام جافاً، وكانت شمس إبريل البديعة تشرق دافئة، لكن الثلج كان لا يزال متجمعاً في الحفر والغابات.. كان الشتاء المعتم الطويل قد ولى أخيراً، وأقبل الربيع فجأة. لكن الغابات الضاحكة البديعة التي عطرتها أنفاس الربيع، وقطعان الطيور السود المحلقة فوق البرك الواسعة التي تبدو كالبحيرات، والسماء المدهشة العميقة الغور التي يلوح أن بوسع الإنسان التوغل فيها في غبطة عظيمة، لم تكن لتقدم شيئاً جديداً أو ممتعاً لماريا فاسيلفنا التي كانت قابعة في العربة. لقد مضى عليها ثلاثون عاماً وهي تعمل معلمة، ولا يمكن حساب المرات التي جاءت فيها إلى المدينة كل تلك الأعوام لتقبض مرتبها. وكان الأمر سواء لديها؛ أربيعاً كما هو الآن، أم شتاء، أم ليلة خريفية ممطرة. وكانت تشتاق على الدوام إلى شيء واحد فقط، هو انتهاء الرحلة بأسرع وقت ممكن.
كانت تحس كأنها عاشت في هذه المنطقة الريفية منذ عصور وعصور، منذ قرن من الزمن، وبدا لها أنها تعرف كل حجارة، كل شجرة، في الطريق الذي يؤدي من المدينة إلى مدرستها. لقد كان ماضيها هنا، وإن حاضرها هنا، وليس في قدرتها أن تتصور مستقبلاً آخر غير المدرسة. الطريق إلى المدينة، ثم العودة، ثم المدرسة ثانية، ثم الطريق ثانية...
لقد كفت عن التفكير في ماضيها قبل أن تحترف التعليم، وأوشكت أن تنساه. كان لها يوماً أب وأم، وكانوا يسكنون في منزل واسع قرب البوابة الحمراء في موسكو، لكنها لم تعد تتذكر من تلك الحياة كلها إلا شيئاً غامضاً ضبابياً كالحلم. لقد توفي أبوها وهي في العاشرة من عمرها، ثم تلته أمها بعد زمن وشيك... وكان لها شقيق ضابط في الجيش، كانا يتكاتبان في البدء، ثم انقطع عن الرد على رسائلها، ثم نسي أمرها كلياً. ولم يتبق من ممتلكاتها القديمة سوى صورة لأمها، لكن هذه الصورة أصبحت مطموسة الملامح بسبب رطوبة المدرسة، ولم يعد في الإمكان تمييز شيء فيها سوى الشعر والحاجبين.
حينما قطعت العربة ميلين التفت سائقها سيمون العجوز وقال: إنهم قبضوا على كاتب حكومي في المدينة وأبعدوه. يقال إنه اشترك في قتل المحافظ في موسكو.
- من أخبرك؟
- كانوا يقرؤون ذلك في الجريدة في حانة إيفان يونوف.
خيم عليهما الصمت ثانية وقتاً طويلاً. وفكرت ماري فاسيليفنا في مدرستها، في الامتحان القادم وشيكاً، في الفتاة والفتيان الأربعة الذين أوفدت من أجلهم. وبينما كانت تفكر في الامتحان فاجأتها عربة هانوف ذات الأربعة خيول، وهو أحد جيرانها الملاّكين، وكان ممتحناً في مدرستها في السنة الماضية. ولما جاورها عرفها فانحنى لها محيياً وقال: أظن أنك عائدة إلى البيت.
وهانوف هذا في الأربعين من عمره، ذو تعبير فاتر ووجه يلوح عليه الضجر، قد دب إليه الكبر، لكنه لا يزال جميلاً يجتذب النساء. وهو يعيش لوحده في منزل الأسرة الكبير بلا وظيفة. وقد اعتاد الناس أن يقولوا عنه أنه لا عمل له في المنزل سوى السير جيئة وذهاباً وهو يصفر، وسوى لعب النرد مع خادمه العجوز. ويقول عنه الناس أيضاً إنه يفرط في الشراب. والحقيقة أن رائحة الخمر كانت تفوح من ورقة الامتحان التي أحضرها معه. وكان يرتدي في تلك المناسبة حلة جديدة. واعتقدت ماريا فاسيليفنا أنه جذاب جداً. وكانت تشعر بانزعاج طوال الوقت الذي أمضته جالسة بجواره. كانت معتادة أن ترى ممتحنين متزمتين وقورين يعرفون كل شيء، لكنه لم يكن يتذكر أية صلاة، ولم يكن يعلم عمّ يسأل، وكان لطيفاً مجاملاً للغاية، ولم يعط إلا درجات عالية.
واستطرد هانوف في كلامه قائلاً: أنا ذاهب لزيارة باكفيت، لكنني أخبرت أنه غير موجود في المنزل.
انحرفوا عن الطريق الرئيسي إلى طريق جانبي يؤدي إلى القرية؛ هانوف في المقدمة ووراءه سميون. وتحركت الخيل الأربعة في خطوات قصيرة وهي تجرّ العربة الثقيلة في الوحل. كان سميون يتنقل من جانب إلى آخر، ملتزماً جوانب الطريق، مخترقاً كتلة من الثلج مرة، وبركة صغيرة أخرى، قافزاً إلى الأرض أغلب الوقت لمساعدة الحصان. وكانت ماريا فاسيليفنا لا تزال تفكر بالمدرسة، متسائلة إن كانت أسئلة امتحان الحساب ستكون صعبة أم سهلة. وشعرت بالانزعاج من مجلس زمستفو الذي لم تلق فيه أحداً يوم أمس. يا لها من بطالة! لقد مضى عليها عامان وهي تلح عليهم بفصل الحارس الذي لا يعمل شيئاً، والذي يعاملها بخشونة ويضرب التلاميذ، لكنهم لم يعبؤا بإلحاحها. كان من المتعذر رؤية الرئيس في مكتبه، وإذا ما وجده المرء قال والدموع تكاد تطفر من عينيه إنه لا يستطيع التفرغ دقيقة واحدة. ولقد زار المفتش المدرسة مرة واحدة خلال ثلاثة أعوام، ولم يكن يعرف أي شيء عن عمله. كان موظفاً في قسم الضرائب، ونقل إلى منصب التفتيش بالواسطة. ولا يجتمع مجلس المدرسة إلا نادراً، ولا يعلم أي شخص أين يجتمع.
❤15❤🔥2
ووصي المدرسة فلاح جاهل يشتغل رئيساً في معمل لدبغ الجلود، وهو غبي، فظ، وصديق صدوق للحارس، والله يعلم لمن يجب أن تتوجه بشكاويها أو استفساراتها...
«إنه جميل حقاً» فكرت بهذا وهي ترنو إلى هانوف.
اشتدت رداءة الطريق. وتقدمت العربتان في الغابة، وتعذرت عليهما الاستدارة، وغاصت عجلاتهما في الطين بعمق، وبقبقت المياه وطرطشت، وصفعتهم الأغصان المدببة على وجوههم بعنف.
- يا له من طريق!
قال هانوف ثم ضحك.
ونظرت إليه المعلمة ولم تستطع أن تفهم لماذا يعيش هذا الرجل الغريب هنا. كيف يمكن أن يفيده مظهره البديع، نقوده، ثقافته، في هذه الأوحال، في هذا المكان الكئيب الذي نبذه الله! إنه لن ينال بهذا أية فوائد خاصة من الحياة، وإنه ليسوق، شأن سميون، عربته ببطء، في طريق شاق، متحملاً نفس المزعجات. لماذا يعيش المرء هنا إذا كان في وسعه أن يعيش في بطرسبورغ أو في الخارج؟! وقد يخطر في ذهن الإنسان أن تعبيد طريق جيد بدلاً من هذا لطريق لتجنب رؤية هذا العذاب واليأس على وجه سميون ووجه حوذيه لا يكلف شيئاً بالنسبة لرجل غني مثله، لكنه يضحك غير مبال بشيء ومن الواضح أنه لا يهمه، بل ولا يرغب في حياة أفضل. إنه شفوق، رقيق، بسيط، وهو لا يفهم هذا النوع من الحياة الشاقة، شأنه أثناء الامتحان حين كان يجهل الصلاة. وهو لم يقدم إلى المدرسة سوى مصابيح. واعتبر نفسه شخصاً نافعاً وعاملاً هاماً من عوامل تشجيع الثقافة العامة. وما فائدة مصابيحه هنا؟
- أمسكي جيداً يا فاسيليفنا.
قال سميون.
ترنحت العربة بعنف وكادت تنقلب، وتدحرج شيء ثقيل نحو أقدام فاسيليفنا، كان لفافتها من المشتريات. كان ثمة ربوة وعرة من الطين، وكانت المياه في الحفر الكثيرة تطرطش على الجوانب. كانت المياه تلوح كأنها قد نخرت الطريق. وكيف يمكن للعربة أن تتقدم في مثل هذا الطريق؟! وتنفست الخيل بصعوبة، وترجل هانوف وسار على جانب الطريق بمعطفه الطويل. كان يعاني من الحرّ.
- يا له من طريق!
قال، وضحك ثانية. ثم أضاف: إنه سيحطم العربة حالاً.
قال سميون بخشونة: لم يرغمك أحد على السفر في مثل هذا الجو. كان عليك أن تمكث في البيت.
- إنني أضجر في البيت أيها الجد. لست أحب المكوث في البيت.
كان هانوف يبدو بجوار سميون العجوز لطيفاً، نشيطاً، ومع ذلك كان في طريقة سيره شيء محسوس ينم عما تسرب إليه من تسوس وضعف، ويدل على أنه سائر في طريق الخراب. وعلى حين غرة فاحت رائحة كحول في الغابة. وفاضت نفس ماريا فاسيليفنا بالشفقة والخوف على هذا الرجل الذي يتعجل القضاء على نفسه بدون سبب واضح. وخطر في ذهنها أنها لو كانت زوجه أو أخته لكرست حياتها لإنقاذه من هذا الخراب. زوجه! لقد شاءت الحياة أن يعيش هو وحيداً في بيته الكبير، وأن تعيش هي أيضاً وحيدة في هذه القرية التي نبذها الله. ومع ذلك فإن فكرة عيشهما معاً كندّين مرتبطين تبدو مستحيلة وسخيفة. لقد تعقدت العلاقات الإنسانية تعقّداً عظيماً يستعصي على كل إدراك، حتى أن الإنسان ليحس بالبلادة والكآبة إذا فكر بها.
وفكرت: «إنه ليستعصي على كل إدراك لماذا يهب الله هذا الجمال، هذا اللطف، هذين العينين الحزينتين، إلى أناس ضعفاء، غير محظوظين، عديمو النفع... لماذا يهبهم كل هذا السحر!».
قال هانوف وهو يستقل عربته: يجب أن أنعطف هنا إلى اليمين. مع السلامة. أتمنى لك كل خير.
وفكرت ثانية بتلاميذها، بالامتحان، بالحارس، بمجلس المدرسة. وحينما حملت إليها الريح صوت العربة الذاهبة اختلطت هذه الأفكار بأفكار أخرى. وحنّت إلى التفكير بعينين ساحرتين، بالحب، بالسعادة التي لن تذوقها...
زوجه؟! كان الجو بارداً في الصباح، ولم يكن هناك من يسخن الموقد، لم يكن هناك من أثر للحارس. وأقبل الأطفال حالما انبلج النور مصطحبين معهم الثلج والوحل والضوضاء؛ كان كل شيء مزعجاً جداً، متعباً جداً. وإن مسكنها ليشتمل على غرفة صغيرة واحدة يجاورها المطبخ. وإن الصداع لينتاب رأسها كل يوم إثر فراغها من العمل، وهي تصاب بالتهاب في القلب كلما فرغت من الغداء. وعليها أن تجمع النقود من الأطفال للخشب وللحارس، ولوصيّ المدرسة، ثم تتوسل إلى ذلك الفلاح الكريه المتخوم، أن يرسل إليها خشباً إحساناً لله. وتحلم في الليل بالالامتحانات، بالفلاحين، بأكوام الثلج. وإن هذه الحياة لتنحدر بها إلى الكبر والخشونة، لتحيلها قبيحة، نحيلة، خرقاء، كما لو أنها صيغت من رصاص. إنها خائفة على الدوام، وقد تنهض من مقعدها دون أن تجرأ على الجلوس ثانية في حضور أحد أعضاء مجلس زمستفو أو وصي المدرسة. وإنها لتستعمل عبارات الاحترام الرسمية حينما تتحدث إلى أي واحد منهم. ولم يعتبرها أحد منهم جذابة. وإن الحياة لتمضي بها موحشة، بدون عواطف، بدون مودة الأصدقاء، بدون معارف لطاف. ما أفظعه من موقف لو أنها وقعت في الحب.
«إنه جميل حقاً» فكرت بهذا وهي ترنو إلى هانوف.
اشتدت رداءة الطريق. وتقدمت العربتان في الغابة، وتعذرت عليهما الاستدارة، وغاصت عجلاتهما في الطين بعمق، وبقبقت المياه وطرطشت، وصفعتهم الأغصان المدببة على وجوههم بعنف.
- يا له من طريق!
قال هانوف ثم ضحك.
ونظرت إليه المعلمة ولم تستطع أن تفهم لماذا يعيش هذا الرجل الغريب هنا. كيف يمكن أن يفيده مظهره البديع، نقوده، ثقافته، في هذه الأوحال، في هذا المكان الكئيب الذي نبذه الله! إنه لن ينال بهذا أية فوائد خاصة من الحياة، وإنه ليسوق، شأن سميون، عربته ببطء، في طريق شاق، متحملاً نفس المزعجات. لماذا يعيش المرء هنا إذا كان في وسعه أن يعيش في بطرسبورغ أو في الخارج؟! وقد يخطر في ذهن الإنسان أن تعبيد طريق جيد بدلاً من هذا لطريق لتجنب رؤية هذا العذاب واليأس على وجه سميون ووجه حوذيه لا يكلف شيئاً بالنسبة لرجل غني مثله، لكنه يضحك غير مبال بشيء ومن الواضح أنه لا يهمه، بل ولا يرغب في حياة أفضل. إنه شفوق، رقيق، بسيط، وهو لا يفهم هذا النوع من الحياة الشاقة، شأنه أثناء الامتحان حين كان يجهل الصلاة. وهو لم يقدم إلى المدرسة سوى مصابيح. واعتبر نفسه شخصاً نافعاً وعاملاً هاماً من عوامل تشجيع الثقافة العامة. وما فائدة مصابيحه هنا؟
- أمسكي جيداً يا فاسيليفنا.
قال سميون.
ترنحت العربة بعنف وكادت تنقلب، وتدحرج شيء ثقيل نحو أقدام فاسيليفنا، كان لفافتها من المشتريات. كان ثمة ربوة وعرة من الطين، وكانت المياه في الحفر الكثيرة تطرطش على الجوانب. كانت المياه تلوح كأنها قد نخرت الطريق. وكيف يمكن للعربة أن تتقدم في مثل هذا الطريق؟! وتنفست الخيل بصعوبة، وترجل هانوف وسار على جانب الطريق بمعطفه الطويل. كان يعاني من الحرّ.
- يا له من طريق!
قال، وضحك ثانية. ثم أضاف: إنه سيحطم العربة حالاً.
قال سميون بخشونة: لم يرغمك أحد على السفر في مثل هذا الجو. كان عليك أن تمكث في البيت.
- إنني أضجر في البيت أيها الجد. لست أحب المكوث في البيت.
كان هانوف يبدو بجوار سميون العجوز لطيفاً، نشيطاً، ومع ذلك كان في طريقة سيره شيء محسوس ينم عما تسرب إليه من تسوس وضعف، ويدل على أنه سائر في طريق الخراب. وعلى حين غرة فاحت رائحة كحول في الغابة. وفاضت نفس ماريا فاسيليفنا بالشفقة والخوف على هذا الرجل الذي يتعجل القضاء على نفسه بدون سبب واضح. وخطر في ذهنها أنها لو كانت زوجه أو أخته لكرست حياتها لإنقاذه من هذا الخراب. زوجه! لقد شاءت الحياة أن يعيش هو وحيداً في بيته الكبير، وأن تعيش هي أيضاً وحيدة في هذه القرية التي نبذها الله. ومع ذلك فإن فكرة عيشهما معاً كندّين مرتبطين تبدو مستحيلة وسخيفة. لقد تعقدت العلاقات الإنسانية تعقّداً عظيماً يستعصي على كل إدراك، حتى أن الإنسان ليحس بالبلادة والكآبة إذا فكر بها.
وفكرت: «إنه ليستعصي على كل إدراك لماذا يهب الله هذا الجمال، هذا اللطف، هذين العينين الحزينتين، إلى أناس ضعفاء، غير محظوظين، عديمو النفع... لماذا يهبهم كل هذا السحر!».
قال هانوف وهو يستقل عربته: يجب أن أنعطف هنا إلى اليمين. مع السلامة. أتمنى لك كل خير.
وفكرت ثانية بتلاميذها، بالامتحان، بالحارس، بمجلس المدرسة. وحينما حملت إليها الريح صوت العربة الذاهبة اختلطت هذه الأفكار بأفكار أخرى. وحنّت إلى التفكير بعينين ساحرتين، بالحب، بالسعادة التي لن تذوقها...
زوجه؟! كان الجو بارداً في الصباح، ولم يكن هناك من يسخن الموقد، لم يكن هناك من أثر للحارس. وأقبل الأطفال حالما انبلج النور مصطحبين معهم الثلج والوحل والضوضاء؛ كان كل شيء مزعجاً جداً، متعباً جداً. وإن مسكنها ليشتمل على غرفة صغيرة واحدة يجاورها المطبخ. وإن الصداع لينتاب رأسها كل يوم إثر فراغها من العمل، وهي تصاب بالتهاب في القلب كلما فرغت من الغداء. وعليها أن تجمع النقود من الأطفال للخشب وللحارس، ولوصيّ المدرسة، ثم تتوسل إلى ذلك الفلاح الكريه المتخوم، أن يرسل إليها خشباً إحساناً لله. وتحلم في الليل بالالامتحانات، بالفلاحين، بأكوام الثلج. وإن هذه الحياة لتنحدر بها إلى الكبر والخشونة، لتحيلها قبيحة، نحيلة، خرقاء، كما لو أنها صيغت من رصاص. إنها خائفة على الدوام، وقد تنهض من مقعدها دون أن تجرأ على الجلوس ثانية في حضور أحد أعضاء مجلس زمستفو أو وصي المدرسة. وإنها لتستعمل عبارات الاحترام الرسمية حينما تتحدث إلى أي واحد منهم. ولم يعتبرها أحد منهم جذابة. وإن الحياة لتمضي بها موحشة، بدون عواطف، بدون مودة الأصدقاء، بدون معارف لطاف. ما أفظعه من موقف لو أنها وقعت في الحب.
❤10❤🔥3
- أمسكي جيداً يا فاسيليفنا.
رابية وعرة ثانية...
لقد أصبحت معلمة بدافع الحاجة، بدون أن تشعر بأدنى ميل لهذه المهنة، وهي لم تفكر أبداً بالواجب، بخدمة الثقافة. وقد كان يبدو لها دائماً أن الشيء المهم في عملها ليس الأطفال، ولا الثقافة، بل الامتحانات. وكيف يتوفر لها الوقت لتفكر بالواجب وبخدمة الثقافة؟! إن المعلمين والأطباء ذوي الرواتب القليلة ومساعديهم بعملهم المرهق الفظيع لا يجدون راحة الفكر التي تدفعهم إلى التفكير بخدمة فكرة أو بخدمة الناس. فرؤوسهم مكتظة دائماً بأفكار تدور حول خبزهم اليومي، حول خشب النار، حول الطرق الرديئة، حول الأمراض. إنه لعمل شاق، حياة تنقصها المتعة، ولا يطيقها زمناً طويلاً سوى خيول العربات الصامتة الصابرة، مثل ماريا فاسيليفنا. إن الناس الأحياء ذوي الحساسية المرهفة، الذي يتحدثون عن الواجب وعن خدمة فكرة معينة ليضيقون بها ذرعاً بسرعة، ويهجرونها.
واستمر سميون يختار الطرق الجافة القصيرة، بجوار الحدائق أولاً، ثم بجوار الجوانب الخلفية لمنازل المدينة. لكن الفلاحين لم يكونوا يسمحون لهما بالمرور في بعض المناطق. وكانت مناطق أخرى ملكاً للكنيسة فلا يمكن عبورها. وفي مناطق ثالثة يكون إيفان يونوف قد ابتاع الأرض وحفر خندقاً حولها. فكانا مرغمين على الاستدارة بين حين وآخر والعودة ثانية.
وأخيراً وصلا إلى نيزهني جوروديشج. كانت تقف بجوار الحانة، في مكان انتثر فيه السماد وتراكم الثلج، عربات تحمل زجاجات عظيمة لأوكسيد السلفات الخام. وكانت الحانة غاصة بالرواد، كلهم سوّاق. وكان الهواء عابقاً برائحة الفودكا والتبغ وجلود الأغنام. وكانت ضوضاء الأحاديث واصطفاق الباب المتأرجحة تملأ الهواء. وخلال الجدران كانت الموسيقى تسمع باستمرار. جلست ماريا فاسيليفنا وشربت بعض الشاي، بينما كان الفلاحون يحتسون في المناضد المجاورة أقداح الفودكا والبيرة والعرق يسح على وجوههم بسب الحرارة الخانقة والشاي الذي شربوه. وظلت الأصوات تتعالى في فوضى: «اسمع يا كوزما»، «بارك الله فينا»، «إيفان تيمتش، بإمكاني أن أخبرك بذلك»، «احذر أيها العجوز». وأدهش شيء ما فجأة رجلاً ضئيلاً مجدّراً ذا لحية سوداء، وكان سكراناً تماماً، فانطلق يسب بلغة مقذعة.
- علام تشتم، أنت هناك؟ ألا ترى السيدة الشابة؟
قال سميون الذي كان يجلس حول مائدة بعيدة وقد امتلكه الغضب.
- الشابة.
قال أحد الجالسين في زاوية من الحانة ساخراً.
- أيها البقرة الخنزيرية.
قال الرجل الضئيل في ارتباك: نحن لم نقصد شيئاً. أرجو العفو. إننا ندفع بنقودنا، والشابة تدفع بنقودها. صباح الخير.
أجابت المعلمة: صباح الخير.
- ونحن نشكرك أعظم الشكر.
شربت ماريا فاسيليفنا شايها في ارتياح، وبدأ وجهها يحمرّ كوجوه الفلاحين. وعادت تفكر ثانية بخشب النار، بالحارس...
وسمعت صوتاً من المائدة المجاورة يقول: تمهل أيها العجوز.. إنها المعلمة من فيازوفى... نحن نعرفها، إنها شابة طيبة.
- إنها لا بأس بها.
كانت الباب المتأرجحة تصطفق باستمرار، يدخل البعض ويخرج الآخرون. وظلت ماريا فاسيليفنا جالسة وهي تفكر طوال الوقت بنفس الأشياء، بينما استمرت الموسيقى تعزف وتعزف. كانت بقع الشمس على أرض الحانة، ثم انتقلت إلى الزوايا، ثم إلى الجدران، ثم توارت كليا، فتجاوز الوقت منتصف النهار. وتأهب الفلاحون في المائدة المجاورة للانصراف. واتجه الرجل الضئيل، وهو يترنح قليلاً، نحو ماريا فاسيليفنا ومد يده إليها. واحتذى به الآخرون فصافحوها وخرجوا واحداً إثر الآخر. صرّت الباب المتأرجحة واصطفقت تسع مرات.
قال لها سميون: فاسيليفنا. استعدي.
وانطلقا. تحركت العربة ثانية في خطوات قصيرة. قال سميون وهو يستدير حواليه: كانوا يشيّدون مدرسة هنا قبل زمن في نجنى جوروديش.. كان عملاً خبيثاً ذلك الذي ارتكب...
- لماذا؟ ماذا؟
- يقال إن الرئيس وضع في جيبه ألف روبل، وكذلك فعل وصيّ المدرسة، وسرق المعلم خمسمائة روبل.
- المدرسة بكليتها لا تكلف أكثر من ألف روبل. ليس من الصواب الوشاية بالناس أيها الجد. هذا هذر كله.
- لست أدري. لم أقل سوى ما يتناقله الناس.
كان من الجليّ أن سميون لم يصدق المعلمة. لم يكن الفلاحون يصدقونها. كانوا يعتقدون على الدوام أنها تتسلم راتباً ضخماً، واحد وعشرين روبلاً في الشهر (بينما يكفيها خمسة روبلات)، وأنها تحتفظ بالجزء الأكبر من النقود التي تجمعها من الأطفال لخشب النار والحارس. وكان وصيّ المدرسة يحمل نفس هذا الاعتقاد، مع أنه يستغل حطب النار، ويتسلم نقوداً من الفلاحين لكونه وصّياً بدون علم السلطات.
كانت الغابة خلفهما، شكراً لله، وسيكون الطريق ممهداً مفتوحاً أمامهما حتى فيازوفى، ولم تبق سوى مسافة قصيرة. عليهما أن يعبرا النهر، ثم السكة الحديد، ثم تلوح فيازوفى للأنظار.
رابية وعرة ثانية...
لقد أصبحت معلمة بدافع الحاجة، بدون أن تشعر بأدنى ميل لهذه المهنة، وهي لم تفكر أبداً بالواجب، بخدمة الثقافة. وقد كان يبدو لها دائماً أن الشيء المهم في عملها ليس الأطفال، ولا الثقافة، بل الامتحانات. وكيف يتوفر لها الوقت لتفكر بالواجب وبخدمة الثقافة؟! إن المعلمين والأطباء ذوي الرواتب القليلة ومساعديهم بعملهم المرهق الفظيع لا يجدون راحة الفكر التي تدفعهم إلى التفكير بخدمة فكرة أو بخدمة الناس. فرؤوسهم مكتظة دائماً بأفكار تدور حول خبزهم اليومي، حول خشب النار، حول الطرق الرديئة، حول الأمراض. إنه لعمل شاق، حياة تنقصها المتعة، ولا يطيقها زمناً طويلاً سوى خيول العربات الصامتة الصابرة، مثل ماريا فاسيليفنا. إن الناس الأحياء ذوي الحساسية المرهفة، الذي يتحدثون عن الواجب وعن خدمة فكرة معينة ليضيقون بها ذرعاً بسرعة، ويهجرونها.
واستمر سميون يختار الطرق الجافة القصيرة، بجوار الحدائق أولاً، ثم بجوار الجوانب الخلفية لمنازل المدينة. لكن الفلاحين لم يكونوا يسمحون لهما بالمرور في بعض المناطق. وكانت مناطق أخرى ملكاً للكنيسة فلا يمكن عبورها. وفي مناطق ثالثة يكون إيفان يونوف قد ابتاع الأرض وحفر خندقاً حولها. فكانا مرغمين على الاستدارة بين حين وآخر والعودة ثانية.
وأخيراً وصلا إلى نيزهني جوروديشج. كانت تقف بجوار الحانة، في مكان انتثر فيه السماد وتراكم الثلج، عربات تحمل زجاجات عظيمة لأوكسيد السلفات الخام. وكانت الحانة غاصة بالرواد، كلهم سوّاق. وكان الهواء عابقاً برائحة الفودكا والتبغ وجلود الأغنام. وكانت ضوضاء الأحاديث واصطفاق الباب المتأرجحة تملأ الهواء. وخلال الجدران كانت الموسيقى تسمع باستمرار. جلست ماريا فاسيليفنا وشربت بعض الشاي، بينما كان الفلاحون يحتسون في المناضد المجاورة أقداح الفودكا والبيرة والعرق يسح على وجوههم بسب الحرارة الخانقة والشاي الذي شربوه. وظلت الأصوات تتعالى في فوضى: «اسمع يا كوزما»، «بارك الله فينا»، «إيفان تيمتش، بإمكاني أن أخبرك بذلك»، «احذر أيها العجوز». وأدهش شيء ما فجأة رجلاً ضئيلاً مجدّراً ذا لحية سوداء، وكان سكراناً تماماً، فانطلق يسب بلغة مقذعة.
- علام تشتم، أنت هناك؟ ألا ترى السيدة الشابة؟
قال سميون الذي كان يجلس حول مائدة بعيدة وقد امتلكه الغضب.
- الشابة.
قال أحد الجالسين في زاوية من الحانة ساخراً.
- أيها البقرة الخنزيرية.
قال الرجل الضئيل في ارتباك: نحن لم نقصد شيئاً. أرجو العفو. إننا ندفع بنقودنا، والشابة تدفع بنقودها. صباح الخير.
أجابت المعلمة: صباح الخير.
- ونحن نشكرك أعظم الشكر.
شربت ماريا فاسيليفنا شايها في ارتياح، وبدأ وجهها يحمرّ كوجوه الفلاحين. وعادت تفكر ثانية بخشب النار، بالحارس...
وسمعت صوتاً من المائدة المجاورة يقول: تمهل أيها العجوز.. إنها المعلمة من فيازوفى... نحن نعرفها، إنها شابة طيبة.
- إنها لا بأس بها.
كانت الباب المتأرجحة تصطفق باستمرار، يدخل البعض ويخرج الآخرون. وظلت ماريا فاسيليفنا جالسة وهي تفكر طوال الوقت بنفس الأشياء، بينما استمرت الموسيقى تعزف وتعزف. كانت بقع الشمس على أرض الحانة، ثم انتقلت إلى الزوايا، ثم إلى الجدران، ثم توارت كليا، فتجاوز الوقت منتصف النهار. وتأهب الفلاحون في المائدة المجاورة للانصراف. واتجه الرجل الضئيل، وهو يترنح قليلاً، نحو ماريا فاسيليفنا ومد يده إليها. واحتذى به الآخرون فصافحوها وخرجوا واحداً إثر الآخر. صرّت الباب المتأرجحة واصطفقت تسع مرات.
قال لها سميون: فاسيليفنا. استعدي.
وانطلقا. تحركت العربة ثانية في خطوات قصيرة. قال سميون وهو يستدير حواليه: كانوا يشيّدون مدرسة هنا قبل زمن في نجنى جوروديش.. كان عملاً خبيثاً ذلك الذي ارتكب...
- لماذا؟ ماذا؟
- يقال إن الرئيس وضع في جيبه ألف روبل، وكذلك فعل وصيّ المدرسة، وسرق المعلم خمسمائة روبل.
- المدرسة بكليتها لا تكلف أكثر من ألف روبل. ليس من الصواب الوشاية بالناس أيها الجد. هذا هذر كله.
- لست أدري. لم أقل سوى ما يتناقله الناس.
كان من الجليّ أن سميون لم يصدق المعلمة. لم يكن الفلاحون يصدقونها. كانوا يعتقدون على الدوام أنها تتسلم راتباً ضخماً، واحد وعشرين روبلاً في الشهر (بينما يكفيها خمسة روبلات)، وأنها تحتفظ بالجزء الأكبر من النقود التي تجمعها من الأطفال لخشب النار والحارس. وكان وصيّ المدرسة يحمل نفس هذا الاعتقاد، مع أنه يستغل حطب النار، ويتسلم نقوداً من الفلاحين لكونه وصّياً بدون علم السلطات.
كانت الغابة خلفهما، شكراً لله، وسيكون الطريق ممهداً مفتوحاً أمامهما حتى فيازوفى، ولم تبق سوى مسافة قصيرة. عليهما أن يعبرا النهر، ثم السكة الحديد، ثم تلوح فيازوفى للأنظار.
❤8❤🔥2
سألت ماريا فاسيليفنا سميون قائلة: إلى أية جهة تسوق العربة؟ اتبع الطريق نحو اليمين إلى الجسر.
- لماذا؟ بوسعنا أن نمضي في هذا الطريق أيضاً، النهر غير ذي عمق يؤبه له.
- احذر أن تغرق الحصان.
- ماذا؟
- انظر، إن هانوف يسوق متجهاً نحو الجسر.
قالت ماريا فاسيليفنا وهي تلمح العربة ذات الخيول الأربعة من بعيد متجهة نحو اليمين، ثم أردفت تقول: أعتقد أنه هو.
- أجل، إنه هو. وهكذا فلم يجد باكفيت في البيت. يا له من شخص يحمل رأس خنزير! الرحمة يا رب..! إنه يسوق نحو ذلك الطريق... ولأي غرض؟! هذا الطريق أقرب من ذلك بميلين.
وبلغا النهر. كان النهر أثناء الصيف مجرى صغيراً يمكن عبوره بسهولة خوضاً، وهو يجف في شهر آب عادة، لكنه أصبح الآن بعد أن وردت عليه سيول الربيع نهراً يتجاوز عرضه أربعين قدماً، سريعاً، طينياً، بارداً. كان ثمة آثار جديدة على الشاطئ تصل إلى حافة المياه، فلابد أنه قد عبر من ذلك المكان.
- استمر.
صاح سميون بغضب وقلق وهو يشد اللجام بعنف، ويهز مرفقيه كما يفعل الطائر بجناحيه.
- استمر.
وخرجت العربة إلى الشاطئ.
-إنها لورطة بديعة. الرحمة يا رب!
تمتم سميون وهو يسوّي السرج. ثم استمر يقول: إنه لطاعون حقيقي هذا الزمستفو..
كان حذائيها قد امتلآ بالمياه، وكان الجزء الأسفل من فستانها وسترتها وأحد أكمامها قد ابتلت وأخذت تقطر منها المياه. وابتل السكر والطحين، وكان أشد الأمور سوءاً أنها لم تستطع إلاّ أن تشبك يديها في يأس وتقول: أوه، سميون، سميون، يا لك من متعب حقاً!
كان الحاجز مقفلاً في معبر الخط الحديدي وكان هناك قطار خارجاً من المحطة. وقفت ماريا عند الحاجز تنتظر مروره وهي ترتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. كانت فيازوفى في مرمى البصر الآن، ولاحت المدرسة بسطحها الأخضر، والكنيسة بصلبانها المتوهجة في شمس الغروب، وتصاعد من ماكنة القطار دخان أحمر.. وبدا لها أن كل شيء كان يرتجف من البرد.
أقبل القطار، وعكست نوافذه نوراً متوهجاً شأن صلبان الكنيسة. كانت تحس بألم في النظر إليه. وكانت ثمة سيدة واقفة في الفسحة التي تربط عربتين من عربات الدرجة الأولى. نظرت إليها ماريا فاسيليفنا حينما مرت العربة أمامها... أمّها! يا له من شبه! كان لأمها مثل هذا الشعر الرائع تماماً، مثل هذا الحاجب وهذه الانحناءة في الرأس. ولأول مرة خلال الثلاثين عاماً المنصرمة تمثلت في ذهنها صورة قوية واضحة لأمها، لأبيها، لأخيها، لمنزلهم في موسكو، للحوض والسمكة الصغيرة، لكل شيء بأدق تفصيلاته وأتفهها. وسمعت عزف البيانو، صوت أبيها، وأحست كأنها شابة، جميلة، أنيقة، في غرفة مشرقة دافئة بين أهلها. وغمرها فجأة شعور من السرور والسعادة. وضغطت يديها إلى وجنتيها في فرح غامر، وقالت برقة ضارعة: أماه!
وطفقت تبكي. ولم تدر لماذا. في تلك اللحظة أقبل هانوف بعربته ذات الأربعة خيول، وحالما أبصرته تخيلت سعادة فائقة لم تخطر في ذهنها من قبل، وابتسمت، وأومأت له كندّ وصديق. وتراءى لها أن سعادتها، انتصارها، كان يشع في السماء وفي جميع الجهات، في النوافذ وعلى الأشجار. إن أباها وأمها لم يموتا أبداً، وإنها لم تكن معلمة في يوم من الأيام. لقد كان حلماً طويلا مملاً، وقد استيقظت من كابوسه الآن...
- فاسيليفنا، ادخلي.
واختفى كل شيء حالاً. ارتفع الحاجز فجأة. ودخلت ماريا فاسيليفنا العربة وهي ترتجف وقد خدرها البرد. عبرت العربة، ذات الأربعة خيول قضبان القطار، ثم تبعها سميون. وخلع عامل الإشارات قبعته.
- وها هي ذي فيازوفى. ها نحن فيها.
- لماذا؟ بوسعنا أن نمضي في هذا الطريق أيضاً، النهر غير ذي عمق يؤبه له.
- احذر أن تغرق الحصان.
- ماذا؟
- انظر، إن هانوف يسوق متجهاً نحو الجسر.
قالت ماريا فاسيليفنا وهي تلمح العربة ذات الخيول الأربعة من بعيد متجهة نحو اليمين، ثم أردفت تقول: أعتقد أنه هو.
- أجل، إنه هو. وهكذا فلم يجد باكفيت في البيت. يا له من شخص يحمل رأس خنزير! الرحمة يا رب..! إنه يسوق نحو ذلك الطريق... ولأي غرض؟! هذا الطريق أقرب من ذلك بميلين.
وبلغا النهر. كان النهر أثناء الصيف مجرى صغيراً يمكن عبوره بسهولة خوضاً، وهو يجف في شهر آب عادة، لكنه أصبح الآن بعد أن وردت عليه سيول الربيع نهراً يتجاوز عرضه أربعين قدماً، سريعاً، طينياً، بارداً. كان ثمة آثار جديدة على الشاطئ تصل إلى حافة المياه، فلابد أنه قد عبر من ذلك المكان.
- استمر.
صاح سميون بغضب وقلق وهو يشد اللجام بعنف، ويهز مرفقيه كما يفعل الطائر بجناحيه.
- استمر.
وخرجت العربة إلى الشاطئ.
-إنها لورطة بديعة. الرحمة يا رب!
تمتم سميون وهو يسوّي السرج. ثم استمر يقول: إنه لطاعون حقيقي هذا الزمستفو..
كان حذائيها قد امتلآ بالمياه، وكان الجزء الأسفل من فستانها وسترتها وأحد أكمامها قد ابتلت وأخذت تقطر منها المياه. وابتل السكر والطحين، وكان أشد الأمور سوءاً أنها لم تستطع إلاّ أن تشبك يديها في يأس وتقول: أوه، سميون، سميون، يا لك من متعب حقاً!
كان الحاجز مقفلاً في معبر الخط الحديدي وكان هناك قطار خارجاً من المحطة. وقفت ماريا عند الحاجز تنتظر مروره وهي ترتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها. كانت فيازوفى في مرمى البصر الآن، ولاحت المدرسة بسطحها الأخضر، والكنيسة بصلبانها المتوهجة في شمس الغروب، وتصاعد من ماكنة القطار دخان أحمر.. وبدا لها أن كل شيء كان يرتجف من البرد.
أقبل القطار، وعكست نوافذه نوراً متوهجاً شأن صلبان الكنيسة. كانت تحس بألم في النظر إليه. وكانت ثمة سيدة واقفة في الفسحة التي تربط عربتين من عربات الدرجة الأولى. نظرت إليها ماريا فاسيليفنا حينما مرت العربة أمامها... أمّها! يا له من شبه! كان لأمها مثل هذا الشعر الرائع تماماً، مثل هذا الحاجب وهذه الانحناءة في الرأس. ولأول مرة خلال الثلاثين عاماً المنصرمة تمثلت في ذهنها صورة قوية واضحة لأمها، لأبيها، لأخيها، لمنزلهم في موسكو، للحوض والسمكة الصغيرة، لكل شيء بأدق تفصيلاته وأتفهها. وسمعت عزف البيانو، صوت أبيها، وأحست كأنها شابة، جميلة، أنيقة، في غرفة مشرقة دافئة بين أهلها. وغمرها فجأة شعور من السرور والسعادة. وضغطت يديها إلى وجنتيها في فرح غامر، وقالت برقة ضارعة: أماه!
وطفقت تبكي. ولم تدر لماذا. في تلك اللحظة أقبل هانوف بعربته ذات الأربعة خيول، وحالما أبصرته تخيلت سعادة فائقة لم تخطر في ذهنها من قبل، وابتسمت، وأومأت له كندّ وصديق. وتراءى لها أن سعادتها، انتصارها، كان يشع في السماء وفي جميع الجهات، في النوافذ وعلى الأشجار. إن أباها وأمها لم يموتا أبداً، وإنها لم تكن معلمة في يوم من الأيام. لقد كان حلماً طويلا مملاً، وقد استيقظت من كابوسه الآن...
- فاسيليفنا، ادخلي.
واختفى كل شيء حالاً. ارتفع الحاجز فجأة. ودخلت ماريا فاسيليفنا العربة وهي ترتجف وقد خدرها البرد. عبرت العربة، ذات الأربعة خيول قضبان القطار، ثم تبعها سميون. وخلع عامل الإشارات قبعته.
- وها هي ذي فيازوفى. ها نحن فيها.
❤12❤🔥2
لقد رأيت « العم فانيا » منذ بضعة أيام ، و لقد بكيت كامرأة طيبة رغم اني بعيد عن اكون عصبيا ، و عدت الى منزلي و انا في دوار و قد قلبتني مسرحيتك رأساً على عقب ، و كتبت اليك رسالة مطولة ثم مزقتها . ان المرء ليخونه التعبير الواضح عما تثيره هذه المسرحية في اعماق النفس ، انه ليس سوى شعور ، غير انه يخيل إليَّ عندما انظر الى ابطالها على خشبة المسرح ، كأن ثمة منشاراً مفلولاً يعمل في كياني تقطيعا . ان اسنانه تنفذ مباشرة الى القلب الذي يتقلص تحت وطأة نهشها له ، و يئن و يتمزق ٠ ان مسرحية « العم فانيا » عمل رائع بالنسبة اليَّ ، انها دستور لمسرح جديد كل الجدة ، و مطرقة تهوي بها على رأس الجمهور الفارغ ٠
من مكسيم جوركي إلى أنطون تشيخوف نيجني نوفجورد نصف الثاني من تشرين الثاني عام ١٨٩٨
من مكسيم جوركي إلى أنطون تشيخوف نيجني نوفجورد نصف الثاني من تشرين الثاني عام ١٨٩٨
❤17🕊4
" لا تهدر حواسك الخمسة على شخصٍ لم يستخدم إحساسًا واحدًا ليشعر بك. "
ــ أنطون تشيخوف.
ــ أنطون تشيخوف.
❤65💯9👍4🔥4🏆1