زجاجة أنطون تشيخوف
عبدالرزاق دحنون
يؤكد الكاتب الروسي أنطون تشيخوف أنه يستطيع كتابة قصة عن أي شيء على الإطلاق: خذ مثلاً الزجاجة التي على مائدة الطعام هذه، أستطيع أن أكتب عنها قصة قصيرة، واسميها "الزجاجة". لا يريد تشيخوف القول بأنه سيصف الزجاجة، حجمها، لونها، طولها، عرضها، وإلا لن تكون تلك قصة. إنه يعني أن الكاتب الحقيقي لديه القدرة على استخدام أي شيء من أشياء الواقع مهما كان بسيطاً وهامشياً ليسكب فيه روحه.
قد يحكي عمَّا تحتويه الزجاجة وما يتركه هذا المحتوى من تأثير في نفوس البشر، أو يحكي كيف طلَّق صانع الزجاجة زوجته لسبب بسيط وتافه. أو قد يجد من المناسب أن يحكي كيف وصلت هذه الزجاجة التي نُشاهدها واقفة بشموخ على مائدتنا بعد أن عبرت البحار والمحيطات تحمل رسالة للإنسانية من بحَّار مُغامر يُخبرنا فيها بأنه اكتشف طريق الرجاء الصالح. يكفيك أن تبدأ قراءة الكلمات الأولى من سطور القصة حتى تفيض الحياة من بين السطور مثل فيوض الربيع. إن تشيخوف لا يقول ذلك جزافاً بل إن ما كتبه من قصص خالدة تثبت ذلك بشكل باهر.
سأختار واحدة من تلك القصص المذهلة في بساطتها العميقة، وفي مضمونها العابر للأزمنة والقارات، لتقديمها في محور العدد العاشر من مجلة "مسارب أدبيَّة" تحت عنوان: " التحليل السيميائي للنصِّ الأدبي" مع أني -يشهد الله- لا أفهم كثيراً في هذه "السيميائية" ولكن قلتُ في نفسي: جرِّب ذلك، والحياة تجارب. ولا أكتمكم سراً إن قلت: ذهبت إلى المعجمات لاستكشاف "سيميائية" هذه السيميائية. فوجدت بأن السيمياء بالمختصر المفيد هي السِّحر، وحاصِلُه إحداث مثالات خياليّة لا وجود لها في الحسِّ. فهان عليَّ الأمر. والسيمياء قديماً: الكيمياء. وكانت غايتها تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، واكتشاف علاج كلّي للمرض ووسيلة لإطالة الحياة. هل "السيميائية" في الأدب هي هذا السحر الذي يجعل للكلمات تأثيراً مذهلاً في النفس الإنسانية. وعن الرسول الكريم:" إن من البيان لسحرا". وهل التحليل السيميائي للنص الأدبي يعتني بتضافر الكلمة والمعنى والحدث فيفككها ويستخرج منها اللب الكامن فيها فيتضح السحر؟ هذا ينطبق انطباقاً مذهلاً على هذه القصة التشيخوفية التي اخترتها. وسيمياءُ الشيء: عَلامَتُهُ. سيمياءُ الوجه: حُسْنُهُ. والسيميائية: علم يبحثُ دَلالَة الإشارات في الحياة الاجتماعية وأنظمتها اللغوية.
ها هي قصة أنطون تشيخوف قد عاشت أكثر من مئة سنة وستعيش معنا لمئات السنين الأخرى. هي واحدة من تلك القصص الحيَّة التي نعيشها يومياً، قريبة إلى حد مدهش من حياتنا، تكاد تلامس أرواحنا في كل ساعة من ساعات نهارنا، نراها أمامنا اليوم وغداً وبعد غد في الشارع العام، نراها ماثلة في غرف مكاتبنا في دوائر الحكومة التي نعمل بها، في وزارات الدولة المتنوعة، ادخل أية وزارة من تلك الوزارات وستجدها تتكرر بين هذا المكتب الوزاري وذاك. ناهيك عن قصور الرئاسة. وانتقل إلى قاعات الجامعات ومدرجاتها ستجد الكثير منها في هذه القاعة أو تلك، أو في هذا المدرج أو ذاك. إنها لازمة لا تفارق حياتنا، مع أننا نعيها جيداً، ولكنها دائما ما تتغلب علينا ولا نستطيع الخلاص منها بسهولة. إنها هذا الصراع الأزلي بين القديم والجديد. بين الرأس المطربش-لابس الطربوش- والرأس الحاسر، بين صاحب القنباز وصاحب البدلة. بين المجلة الورقية التي تلمسها بيدك وتكون خير جليس وبين المجلة الإلكترونية التي يُظهرها لك هذا الساحر المسمى حاسوب، تملكها ولا تملكها، ألم أقل لك أن السيميائية هي السحر. انظر كيف أتوه بين ضيق الأفق ورحابة هذا الكون. ما موقفك عندما يصبح الجديد قديماً؟ ماذا تفعل؟ الحياة تسير وأنت تُراوح مكانك.
قال الفيلسوف الإغريقي سقراط: لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم. وهناك من ينسب هذه المقولة إلى أفلاطون، وتنسب مثل هذه المقولة إلى الإمام علي بن أبي طالب وهي: لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم.
غير أن كثيرين من أولي الأمر في التاريخ الإنساني، في الماضي والحاضر، ومن عامة الناس أيضا، يتصرّفون على الضد من هذا الوعي بالمتغيرات في الأجيال والمراحل، ويحاولون فرض ما عرفوه وما نشأوا عليه، على الآخرين وعلى الحياة، ويجدون في الاعتراض على قناعاتهم، قولاً أو فعلاً، تجاوزاً على ما يعدّونه من الثوابت والمقدسات، فيمارسون على المعترض القمع والاضطهاد والتخوين، بل التكفير أيضا، بغطاء الأعراف والأخلاق والقانون والدين، ويوظفون وعّاظ السلاطين من كل صنف ومن كل نوع، لمنح مقولاتهم وتصرفاتهم صفات القداسة والحق والحقيقة.
القصة التشيخوفية التي أتحدث عنها جاءت تحت عنوان "الرجل المعلَّب" تجدها منشورة في المجلد الثاني من المختارات القصصية في أربعة كتب والتي ترجمها إلى العربية في موسكو أبو بكر يوسف في ثمانينات القرن العشرين.
1
❤10👍3
هل يمكن للإنسان أن يعيش في علبة؟ القصة بالمختصر المفيد أن جماعة كانت في ليلية سمر صيفية في الريف الروسي والحديث يدور بينها حول فئة من البشر المحافظين الذين يكرهون كل جديد ويعشقون التقليد. حكى أحدهم حكاية عن شخص يدعى بيليكوف يعمل مدرساً للغة الاغريقية في المدينة. كان دائماً، وحتى في الجو الجيد، لا يخرج من البيت إلا بالخف فوق الحذاء وبشمسية، وحتماً يرتدي معطفاً ثقيلاً ببطانة من القطن، وكانت شمسيته مطوية في كيس من الشامواه، وعندما كان يخرج المطواة الصغيرة ليبري قلماً يستخرجها من كيس، حتى وجهه بدا وكأنه أيضاً في كيس، فقد كان يخفيه دائماً بقبة المعطف المرفوعة، وعندما يركب سيارة يأمر السائس برفع الغطاء واغلاق النوافذ، بل ويسدّ أذنيه بالقطن.
هذه الشخصية التشيخوفية الروسية الأصيلة تميل في مجمل تصاريف الحياة إلى وضع نفسها فيما يشبه "العلبة" التي يمكن أن تعزلها وتحميها من المؤثرات الخارجية. كان الواقع المُعاش يثير أعصاب السيد بيليكوف ويخيفه، ويجعله في قلق مستمر، وربما لكي يبرر وجله هذا، وتقززه من الحاضر، كان يمدح الماضي دائماً. وكانت اللغة القديمة التي يُعلمها، والتي بطل استعمالها في الحياة اليومية، هي الأثيرة عنده، معشوقة مدللة، وكان يقول بتعبير عذب: أوه، ما أروع اللغة الاغريقية، كم هي موسيقية. ويزرّ عينيه ويرفع أصبعه ويقول كأنما يدلل على صدق كلماته: "أنثروبوس" الإنسان.
وكان السيد بيليكوف يسعى إلى إخفاء أفكاره في علبة. فلم تكون واضحة له سوى الأوامر الحكومية التي تأتي في نشرات دورية أو في الصحف الرسمية التي تمنع شيئاً ما. كان ذلك بالنسبة له واضحاً ومحدداً، ممنوع وانتهينا. أما السماح والإباحة فكانا ينطويان بالنسبة له على عنصر مشكوك في أمره دائماً، وشيء غامض لا يُفصح عن نفسه أبداً. وكان الخروج عن القواعد في سلوك الناس العام يجعله مهموماً، بالرغم من أن لا دخل له بذلك. فإن شُوهدتْ المشرفة المدرسية في وقت متأخر من الليل مع أحد الضباط، كان ينفعل بشدة ويردد أنه يخشى أن يحدث شيء.
كان في اجتماعات مجلس التربية يرهق المجتمعين بحذره وارتيابه وأفكاره المعلَّبة للغاية بخصوص السلوك المعيب للشباب في مدرستي البنين والبنات والضجة التي يثيرونها في الصفوف، ويخشى أن يصل الأمر إلى الرؤساء. وكانت له عادة غريبة وهي أن يطوف بمنازل رفاقه من المعلمين بين الحين والحين، يجلس صامتاً، ويظل على جلسته تلك ساعة أو ساعتين ثم ينهض مودعاً. وكان يسمى ذلك الحفاظ على الروابط الطيبة مع الرفاق. فرض السيد بيليكوف سطوته على المدرسين والمدير، نعم، هذا الشخص الذي كان يسير بخف وشمسية سيطر على المدرسة خمسة عشر عاماً، بل وانتقلت هذه السيطرة على المدينة بأكملها فقد كانت السيدات قد امتنعن عن اقامة حفلات غناء في المنازل خشية ان يلاحظ ذلك، وكان على رجال الدين أن يكونوا أكثر كياسة واحتشاماً في الحديث أمامه. وبتأثير أمثال السيد بيليكوف أصبح سكان المدينة في العشر او الخمس عشرة سنة الأخيرة يخشون كل شيء. يخشون التحدث بصوت عال، وإرسال الرسائل، والتعارف، يتجنبون الحفلات الموسيقية، وقراءة الكتب، ويخشون مساعدة الفقراء وتعليم القراءة والكتابة. كيف استطاع صاحب الخف والشمسية أن يبسط سلطانه على مدرسين مثقفين ثقافة رفيعة وفيهم من يجيد عدة لغات أجنبية، ومع ذلك خضعوا له، وتحملوه، هذه هي المسألة فعلاً.
كان منزل بيليكوف كأنه علبة مغلقة، فهو يشبه صاحبه كل الشبه، نوافذ الغرف مغلقة دائماً، والأبواب موصدة بالمزاليج، خشية أن يحدث شيء. كانت غرفة نوم بيليكوف صغيرة، كالصندوق، وكان سريره تحت ناموسية. وعندما يأوي إلى الفراش يغطي جسمه حتى رأسه. كان جو الغرفة خانقاً، كان يرتعد رعباً تحت البطانية. كان يخشى أن يحدث شيء، أن يتسلل اللصوص، ثمَّ يرى طوال الليل أحلاماً مزعجة، وفي الصباح، عندما يتوجه إلى المدرسة، كان يلوح كئيباً، ممتقعاً، ويبدو واضحاً أن المدرسة الكبيرة المزدحمة التي كان ذاهباً إليها، مرعبة وكريهة إلى قلبه.
ألم يخفق قلب السيد بيليكوف بالحب يوماً؟ نعم، هذا الرجل المعلَّب كاد يتزوج. أكيد مزحة. لا والله ليست مزحة، كاد أن يتزوج مهما بدا ذلك غريباً. فقد جاء ذات يوم إلى المدرسة مدرساً جديداً للتاريخ والجغرافيا يُدعى كوفالنكو ميخائيل سافيتش، من الأوكرانيين، وقد وصل مع أخته فارنكا. كان شاباً، طويل القامة، أسمر، بيدين طويلتين. أما هي فقد تخطت سن الشباب، في حوالي الثلاثين، ولكنها أيضاً طويلة القامة، رشيقة، سوداء الحاجبين، حمراء الخدين، وباختصار لم تكن فتاة بل قطعة حلوى. وكانت مرحة صاخبة، تغني دائماً الأغاني الأوكرانية وتقهقه. ولأتفه الأسباب تغرق في ضحك رنان. في حفلة عيد ميلاد مدير المدرسة تمَّ التعارف بين قطعة الحلوى والرجل المعلَّب. عندئذ فكر الجميع بما يلي: لماذا لا نزوجهما؟ وقالت زوجة المدير: حسناً لو زوجناهما. وتابعت: لقد تخطى الأربعين منذ زمن بعيد، وهي في الثلاثين، يخيل إليَّ أنها ستقبله زوجاً.
2
هذه الشخصية التشيخوفية الروسية الأصيلة تميل في مجمل تصاريف الحياة إلى وضع نفسها فيما يشبه "العلبة" التي يمكن أن تعزلها وتحميها من المؤثرات الخارجية. كان الواقع المُعاش يثير أعصاب السيد بيليكوف ويخيفه، ويجعله في قلق مستمر، وربما لكي يبرر وجله هذا، وتقززه من الحاضر، كان يمدح الماضي دائماً. وكانت اللغة القديمة التي يُعلمها، والتي بطل استعمالها في الحياة اليومية، هي الأثيرة عنده، معشوقة مدللة، وكان يقول بتعبير عذب: أوه، ما أروع اللغة الاغريقية، كم هي موسيقية. ويزرّ عينيه ويرفع أصبعه ويقول كأنما يدلل على صدق كلماته: "أنثروبوس" الإنسان.
وكان السيد بيليكوف يسعى إلى إخفاء أفكاره في علبة. فلم تكون واضحة له سوى الأوامر الحكومية التي تأتي في نشرات دورية أو في الصحف الرسمية التي تمنع شيئاً ما. كان ذلك بالنسبة له واضحاً ومحدداً، ممنوع وانتهينا. أما السماح والإباحة فكانا ينطويان بالنسبة له على عنصر مشكوك في أمره دائماً، وشيء غامض لا يُفصح عن نفسه أبداً. وكان الخروج عن القواعد في سلوك الناس العام يجعله مهموماً، بالرغم من أن لا دخل له بذلك. فإن شُوهدتْ المشرفة المدرسية في وقت متأخر من الليل مع أحد الضباط، كان ينفعل بشدة ويردد أنه يخشى أن يحدث شيء.
كان في اجتماعات مجلس التربية يرهق المجتمعين بحذره وارتيابه وأفكاره المعلَّبة للغاية بخصوص السلوك المعيب للشباب في مدرستي البنين والبنات والضجة التي يثيرونها في الصفوف، ويخشى أن يصل الأمر إلى الرؤساء. وكانت له عادة غريبة وهي أن يطوف بمنازل رفاقه من المعلمين بين الحين والحين، يجلس صامتاً، ويظل على جلسته تلك ساعة أو ساعتين ثم ينهض مودعاً. وكان يسمى ذلك الحفاظ على الروابط الطيبة مع الرفاق. فرض السيد بيليكوف سطوته على المدرسين والمدير، نعم، هذا الشخص الذي كان يسير بخف وشمسية سيطر على المدرسة خمسة عشر عاماً، بل وانتقلت هذه السيطرة على المدينة بأكملها فقد كانت السيدات قد امتنعن عن اقامة حفلات غناء في المنازل خشية ان يلاحظ ذلك، وكان على رجال الدين أن يكونوا أكثر كياسة واحتشاماً في الحديث أمامه. وبتأثير أمثال السيد بيليكوف أصبح سكان المدينة في العشر او الخمس عشرة سنة الأخيرة يخشون كل شيء. يخشون التحدث بصوت عال، وإرسال الرسائل، والتعارف، يتجنبون الحفلات الموسيقية، وقراءة الكتب، ويخشون مساعدة الفقراء وتعليم القراءة والكتابة. كيف استطاع صاحب الخف والشمسية أن يبسط سلطانه على مدرسين مثقفين ثقافة رفيعة وفيهم من يجيد عدة لغات أجنبية، ومع ذلك خضعوا له، وتحملوه، هذه هي المسألة فعلاً.
كان منزل بيليكوف كأنه علبة مغلقة، فهو يشبه صاحبه كل الشبه، نوافذ الغرف مغلقة دائماً، والأبواب موصدة بالمزاليج، خشية أن يحدث شيء. كانت غرفة نوم بيليكوف صغيرة، كالصندوق، وكان سريره تحت ناموسية. وعندما يأوي إلى الفراش يغطي جسمه حتى رأسه. كان جو الغرفة خانقاً، كان يرتعد رعباً تحت البطانية. كان يخشى أن يحدث شيء، أن يتسلل اللصوص، ثمَّ يرى طوال الليل أحلاماً مزعجة، وفي الصباح، عندما يتوجه إلى المدرسة، كان يلوح كئيباً، ممتقعاً، ويبدو واضحاً أن المدرسة الكبيرة المزدحمة التي كان ذاهباً إليها، مرعبة وكريهة إلى قلبه.
ألم يخفق قلب السيد بيليكوف بالحب يوماً؟ نعم، هذا الرجل المعلَّب كاد يتزوج. أكيد مزحة. لا والله ليست مزحة، كاد أن يتزوج مهما بدا ذلك غريباً. فقد جاء ذات يوم إلى المدرسة مدرساً جديداً للتاريخ والجغرافيا يُدعى كوفالنكو ميخائيل سافيتش، من الأوكرانيين، وقد وصل مع أخته فارنكا. كان شاباً، طويل القامة، أسمر، بيدين طويلتين. أما هي فقد تخطت سن الشباب، في حوالي الثلاثين، ولكنها أيضاً طويلة القامة، رشيقة، سوداء الحاجبين، حمراء الخدين، وباختصار لم تكن فتاة بل قطعة حلوى. وكانت مرحة صاخبة، تغني دائماً الأغاني الأوكرانية وتقهقه. ولأتفه الأسباب تغرق في ضحك رنان. في حفلة عيد ميلاد مدير المدرسة تمَّ التعارف بين قطعة الحلوى والرجل المعلَّب. عندئذ فكر الجميع بما يلي: لماذا لا نزوجهما؟ وقالت زوجة المدير: حسناً لو زوجناهما. وتابعت: لقد تخطى الأربعين منذ زمن بعيد، وهي في الثلاثين، يخيل إليَّ أنها ستقبله زوجاً.
2
❤8
وبدأت الماكينة النسائية في العمل، لم يعد هناك إلا سيرة زواج السيد بيليكوف من فارنكا. لقد انتعشت زوجة المدير، والمفتشة، وكل سيدات المدرسة، بل وازددن جمالاً، وكأنما عثرن فجأة على غاية الحياة. وإذا بزوجة المدير تحجز مقصورة في المسرح، وإذا فارنكا في المقصورة ممسكة مروحة، وهي سعيدة، مشرقة، وبجوارها بيليكوف، صغيراً، منطوياً، كأنما أخرجوه من المنزل بكماشة. واتضح أن فارنكا لا تمانع في الزواج لأنها لم تكن مرتاحة في حياتها مع أخيها، إذ لم يكن لهما عمل سوى الجدال والشجار طول النهار. الجديد في حياة بيليكوف أنه وضع صورة فارنكا على مكتبه، وأخذ يتحدث عنها، وعن الحياة الزوجية، ويقول إن الزواج خطوة جادة، ولكنه لم يغير من طريقة حياته قيد شعرة. بل بالعكس، لقد أثَّر عليه قراره بالزواج تأثيراً مَرَضياً، فهزل وشحب وجهه وبدا أنه قد غاص أكثر في علبته.
وفي نهار الأول من شهر أيار المشمسة قررت إدارة المدرسة الانطلاق في رحلة مشياً على الأقدام إلى الغابة المجاورة للمدينة. كنت ترى التلاميذ والمدرسين جماعات إثر جماعات على الطريق. كان بيليكوف في خفه وشمسيته يرافق بعض الزملاء في المسير، وفجأة، وكثيراً ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص وتغيِّر مصائر البشر في الكثير من الأحيان، ويحبها الكتاب حباً جمَّاً. على كل حال، فجأة، نقولها مرة ثانية، ظهرت فارنكا تسير خلف أخيها على دراجة، على دراجة! نعم، على دراجة. خداها أحمران بلون الورد الجوري، وهي مرهقة، ولكنها مرحة مسرورة. وتصيح: إننا نسير إلى الأمام، يا للجو الرائع، شيء خرافي! واختفيا عن الأنظار بدراجتيهما المنطلقتان بحرية على الدرب. تحول اربداد وجه بيليكوف إلى شحوب، وبدا كأنه تلقى صدمة، فتسمر في مكانه. وراح يحملق، ثمَّ سأل: عفواً، ما هذا؟ أم أن نظري يخدعني؟ هل من اللائق لمدرسي المدرسة وللنساء أن يركبوا الدراجات؟ كان مصعوقاً لدرجة أنه لم يشأ أن يواصل السير وقفل عائداً إلى المنزل.
انتظر بيليكوف صباح اليوم التالي بفارغ الصبر، كان يفرك راحتيه بعصبية وينتفض، وكان واضحاً أنه في حالة سيئة. وترك الدروس، الأمر الذي حدث لأول مرة في حياته، ولم يتناول الغداء، وقبيل المساء ارتدى ملابس ثقيلة رغم ان في الخارج كان الجو صيفياً تماماً ومضى إلى بيت فارنكا، لم تكن في المنزل فلم يجد سوى شقيقها كوفالنكو. وكان وجهه ناعساً ما يزال، فقد أفاق لتوه من نوم بعد الغداء، وكان مزاجه معتلاً للغاية. جلس بيليكوف صامتاً عشر دقائق ثمَّ بدأ يقول: لقد جئت إليكم لأخفف عن قلبي. إنني مرهق نفسياً جداً. ولديَّ ما أقوله لكم. إنني أخدم منذ زمن طويل، أما أنت فمازلت في بداية الخدمة وأرى من واجبي كرفيق أن أحذرك. إنك تركب الدراجة، وهذه تسلية لا تليق أبداً بمرب نشء.
سأل كوفالنكو بصوت غليظ: ولماذا؟ فقال بيليكوف: وهل هناك داع لشرح ذلك، أليس ذلك مفهوماً؟ إذا كان المدرس يركب دراجة، فماذا يتبقى للتلاميذ؟ لا يبقى لهم إلا أن يسيروا على رؤوسهم. وإذا كان ذلك غير مسموح به في المنشورات الدورية فهذا يعني أنه ممنوع. لقد ارتعت أمس. عندما رأيت شقيقتكم غامت عيناي. المرأة أو الآنسة فوق الدراجة، هذا فظيع.
كان ذلك فوق احتمال طاقة كوفالنكو فقال وهو يتضرج: لا شأن لأحد بركوبي الدراجة أنا وشقيقتي. أما من سيتدخل في أموري المنزلية العائلية فسأبعث به إلى الشياطين. فامتقع بيليكوف ونهض. وقال: إذا كنت تتحدث معي بهذه اللهجة فأنا لا أستطيع أن أواصل. وأرجوك ألا تتحدث عن الرؤساء أبداً بهذا الشكل في حضرتي. ينبغي أن تنظر إلى السلطات باحترام. فسأله كوفالنكو وهو يحدق فيه بغيظ: وهل قلت شيئاً عن السلطات؟ أرجوك دعني في حالي. أنا رجل شريف، ولا أريد التحدث مع سيد مثلك. أنا لا أحب الوشاة.
وارتبك بيليكوف في عصبية، وأخذ يرتدي معطفه بسرعة وقد ارتسم الرعب على وجهه. فقد كانت أول مرة في حياته يسمع فيها هذه العبارات الفظة. فقال وهو يخرج من الباب إلى عتبة السلم: بوسعك أن تقول ما تشاء. غير أني ينبغي أن أحذرك، فربما سمع كلامنا أحد. وكي لا يحرف حديثنا ويحدث شيء، ينبغي أن أبلغ السيد المدير فحوى حديثنا في الخطوط العامة. يجب عليَّ أن أفعل ذلك. قال كوفالنكو: تبلغ؟ اذهب وبلغ. وأمسك بقبة معطف بيليكوف من الخلف ودفعة إلى الأمام فتدحرج على السلم وهو يقرقع بخفة. وكان السلم عالياً وشديد الانحدار، ولكنه تدحرج حتى وصل إلى الأسفل سالماً، ثمَّ نهض وتحسس أنفه ليتأكد هل النظارة سليمة أم لا؟
ولكن في اللحظة التي كان يتدحرج فيها على السلم دخلت فارنكا بصحبة سيدتين. وقفن في الأسفل ينظرن. وكان هذا أفظع شيء توقعه بيليكوف. وعندما عاد إلى داره بادر قبل كل شيء برفع صورة فارنكا عن الطاولة، ورقد في السرير ولم يقم بعدها. وبعد شهر توفى بيليكوف وسار الجميع في جنازته، وبعد ان تمدد في التابوت اكتسى وجهه تعبيراً لطيفاً، بل حتى مرحاً، كأنما كان سعيداً بأنهم وضعوه أخيراً في علبة لن يخرج منها أبداً.
3
🟧 أنطون #تشيخوف
وفي نهار الأول من شهر أيار المشمسة قررت إدارة المدرسة الانطلاق في رحلة مشياً على الأقدام إلى الغابة المجاورة للمدينة. كنت ترى التلاميذ والمدرسين جماعات إثر جماعات على الطريق. كان بيليكوف في خفه وشمسيته يرافق بعض الزملاء في المسير، وفجأة، وكثيراً ما تقابلنا "وفجأة" هذه في القصص وتغيِّر مصائر البشر في الكثير من الأحيان، ويحبها الكتاب حباً جمَّاً. على كل حال، فجأة، نقولها مرة ثانية، ظهرت فارنكا تسير خلف أخيها على دراجة، على دراجة! نعم، على دراجة. خداها أحمران بلون الورد الجوري، وهي مرهقة، ولكنها مرحة مسرورة. وتصيح: إننا نسير إلى الأمام، يا للجو الرائع، شيء خرافي! واختفيا عن الأنظار بدراجتيهما المنطلقتان بحرية على الدرب. تحول اربداد وجه بيليكوف إلى شحوب، وبدا كأنه تلقى صدمة، فتسمر في مكانه. وراح يحملق، ثمَّ سأل: عفواً، ما هذا؟ أم أن نظري يخدعني؟ هل من اللائق لمدرسي المدرسة وللنساء أن يركبوا الدراجات؟ كان مصعوقاً لدرجة أنه لم يشأ أن يواصل السير وقفل عائداً إلى المنزل.
انتظر بيليكوف صباح اليوم التالي بفارغ الصبر، كان يفرك راحتيه بعصبية وينتفض، وكان واضحاً أنه في حالة سيئة. وترك الدروس، الأمر الذي حدث لأول مرة في حياته، ولم يتناول الغداء، وقبيل المساء ارتدى ملابس ثقيلة رغم ان في الخارج كان الجو صيفياً تماماً ومضى إلى بيت فارنكا، لم تكن في المنزل فلم يجد سوى شقيقها كوفالنكو. وكان وجهه ناعساً ما يزال، فقد أفاق لتوه من نوم بعد الغداء، وكان مزاجه معتلاً للغاية. جلس بيليكوف صامتاً عشر دقائق ثمَّ بدأ يقول: لقد جئت إليكم لأخفف عن قلبي. إنني مرهق نفسياً جداً. ولديَّ ما أقوله لكم. إنني أخدم منذ زمن طويل، أما أنت فمازلت في بداية الخدمة وأرى من واجبي كرفيق أن أحذرك. إنك تركب الدراجة، وهذه تسلية لا تليق أبداً بمرب نشء.
سأل كوفالنكو بصوت غليظ: ولماذا؟ فقال بيليكوف: وهل هناك داع لشرح ذلك، أليس ذلك مفهوماً؟ إذا كان المدرس يركب دراجة، فماذا يتبقى للتلاميذ؟ لا يبقى لهم إلا أن يسيروا على رؤوسهم. وإذا كان ذلك غير مسموح به في المنشورات الدورية فهذا يعني أنه ممنوع. لقد ارتعت أمس. عندما رأيت شقيقتكم غامت عيناي. المرأة أو الآنسة فوق الدراجة، هذا فظيع.
كان ذلك فوق احتمال طاقة كوفالنكو فقال وهو يتضرج: لا شأن لأحد بركوبي الدراجة أنا وشقيقتي. أما من سيتدخل في أموري المنزلية العائلية فسأبعث به إلى الشياطين. فامتقع بيليكوف ونهض. وقال: إذا كنت تتحدث معي بهذه اللهجة فأنا لا أستطيع أن أواصل. وأرجوك ألا تتحدث عن الرؤساء أبداً بهذا الشكل في حضرتي. ينبغي أن تنظر إلى السلطات باحترام. فسأله كوفالنكو وهو يحدق فيه بغيظ: وهل قلت شيئاً عن السلطات؟ أرجوك دعني في حالي. أنا رجل شريف، ولا أريد التحدث مع سيد مثلك. أنا لا أحب الوشاة.
وارتبك بيليكوف في عصبية، وأخذ يرتدي معطفه بسرعة وقد ارتسم الرعب على وجهه. فقد كانت أول مرة في حياته يسمع فيها هذه العبارات الفظة. فقال وهو يخرج من الباب إلى عتبة السلم: بوسعك أن تقول ما تشاء. غير أني ينبغي أن أحذرك، فربما سمع كلامنا أحد. وكي لا يحرف حديثنا ويحدث شيء، ينبغي أن أبلغ السيد المدير فحوى حديثنا في الخطوط العامة. يجب عليَّ أن أفعل ذلك. قال كوفالنكو: تبلغ؟ اذهب وبلغ. وأمسك بقبة معطف بيليكوف من الخلف ودفعة إلى الأمام فتدحرج على السلم وهو يقرقع بخفة. وكان السلم عالياً وشديد الانحدار، ولكنه تدحرج حتى وصل إلى الأسفل سالماً، ثمَّ نهض وتحسس أنفه ليتأكد هل النظارة سليمة أم لا؟
ولكن في اللحظة التي كان يتدحرج فيها على السلم دخلت فارنكا بصحبة سيدتين. وقفن في الأسفل ينظرن. وكان هذا أفظع شيء توقعه بيليكوف. وعندما عاد إلى داره بادر قبل كل شيء برفع صورة فارنكا عن الطاولة، ورقد في السرير ولم يقم بعدها. وبعد شهر توفى بيليكوف وسار الجميع في جنازته، وبعد ان تمدد في التابوت اكتسى وجهه تعبيراً لطيفاً، بل حتى مرحاً، كأنما كان سعيداً بأنهم وضعوه أخيراً في علبة لن يخرج منها أبداً.
3
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
❤13
Forwarded from روائع الأدب الروسي
قنوات مهمة وخاصة بعشاق الأدب الروسي (الإنساني) :
للدخول أضغط على
أسم الكاتب:
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
🕊5❤3👍2😍1
"عندما تهزأ من الأفكار التي تدّعي أنك تعرفها، فإنك تبدو أشبه بالجندي الهارب من ميدان القتال، ولكنه — كي يغطّي على خزيه — يسخر من الحرب والشجاعة.
وفي إحدى قصص دوستويفسكي، يطأ العجوز صورة ابنته الحبيبة بقدمه لأنه مخطئ في حقها، أما أنت فتسخر بصورة وضيعة مبتذلة من أفكار الخير والحق، لأنك لم تعد قادرًا على العودة إليها."
أنطون #تشيخوف
الروايات
وفي إحدى قصص دوستويفسكي، يطأ العجوز صورة ابنته الحبيبة بقدمه لأنه مخطئ في حقها، أما أنت فتسخر بصورة وضيعة مبتذلة من أفكار الخير والحق، لأنك لم تعد قادرًا على العودة إليها."
أنطون #تشيخوف
الروايات
💔11😍4👍3❤2
"إن مئات الكيلومترات من السهوب الخاوية، الرتيبة، العارية، لا تستطيع أن تصيبك بهذه الكآبة التي يصيبك بها شخص واحد، عندما يجلس ويتحدث، ولا تدري متى سيرحل."
أنطون #تشيخوف
الروايات
أنطون #تشيخوف
الروايات
❤20👏7👍4💔1
أنطون تشيخوف pinned «قنوات مهمة وخاصة بعشاق الأدب الروسي (الإنساني) : للدخول أضغط على أسم الكاتب: 🔽 ⏺ روائع الأدب الروسي ✔️ ⏺ ليو تولستوي ✔️ ⏺ أنطون تشيخوف ✔️ ⏺ فيودور دوستويفسكي ✔️ »
أن ترى وتسمع كيف يكذبون، ثم يرمونك أنت بالغباء لأنك تطيق هذا الكذب. أن تتحمل الإهانات والإذلال دون أن تجرؤ على الإعلان صراحة أنك في صف الشرفاء الأحرار، بل تكذب على نفسك، وتبتسم، وكل ذلك من أجل لقمة العيش، من أجل ركن دافئ، من أجل وظيفة حقيرة لا تساوي قرشًا... كلا، حياة كهذه لم تعد محتملة.
أنطون #تشيخوف
الروايات القصيرة
أنطون #تشيخوف
الروايات القصيرة
❤28🏆2
Forwarded from تمويل قنوات ومجموعات - اعلانات محمد سلمان
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
👍3😍1
خارج كل أبواب السعادة والرضا، يجب أن يكون هناك رجل يحمل مطرقة، والذي كان يذكرهم باستمرار بأن هناك أشخاصاً غير سعداء، بغض النظر عن مدى سعادتك، ستقلب الحياة جوانبها المظلمة عاجلاً أم آجلاً إلى/ وسوف تتأثرون بالمحن، والمرض، والفقر، والخسارة، وبعد ذلك لن يراك أحد أو يسمعك، تماماً كما أنك الآن لا ترى أو تسمع الآخرين
أنطون #تشيخوف
أنطون #تشيخوف
💔13❤8🔥2💯1
عندما اعتدت أن أقف أنا وإخوتي في وسط الكنيسة ونرنّم الثلاثي "لتُعَلَى صلاتي" أو "صوت رئيس الملائكة"، نظر إلينا الجميع بعاطفة وحسد، لكن في تلك اللحظة شعرنا أننا سجناء صغار
أنطون #تشيخوف
أنطون #تشيخوف
❤12💔6👍2
من أصدق ما كتبه أنطون #تشيخوف:
هناك أَشياء في الحياة لا يبوح بِها المرءُ سِوى إلى شخصٍ وحيد يطمئن إليه، وهو ما يدعوني لِلكتابة لأمي دونَ الآخرين .. في هذا العالم الفاِسد لا يتبقى لنا أخلص مِن الأم.
هناك أَشياء في الحياة لا يبوح بِها المرءُ سِوى إلى شخصٍ وحيد يطمئن إليه، وهو ما يدعوني لِلكتابة لأمي دونَ الآخرين .. في هذا العالم الفاِسد لا يتبقى لنا أخلص مِن الأم.
❤19😭14💔9🕊4👍2
قصة دموع لا يراها العالم | أنطون تشيخوف
– آه يا سادة يا كرام لو نتعشَّى الآن.
قال القائد العسكري المُقدَّم ريبروتيوسوف، وهو رجل طويل نحيف كعمود البرق، وكان خارجًا من النادي مع جماعة من أصحابه ذات ليلة مُظلِمة من شهر أغسطس. ومضى يقول: في المدن المحترَمة، مثل ساراتوف، يمكنك دائمًا أن تتعشى في النادي، أما هنا، في مدينتنا العفنة تشيرفيانسك، فبخلاف الفودكا والشاي بالذُّباب لا تحصل على شيء. ليس هناك ما هو أسوأ من أن تشرب ولا تجد ما تَمُز به!
– نعم، لا بأس الآن بشيء ما، هكذا يعني — أمَّن مُفتِّش المعهد الديني إيفان أيفانيتش دفويتوتشيف وهو يلتَفُّ بمعطفه الأصفر اتقاءً للريح — الساعة الآن الثانية، والحانات مُغلَقة، آه لو يَعني فسيخة مُملَّحة … أو فُطر مُخلَّل … أو يعني شيئًا ما هكذا.
وحَرَّك المفتِّش أصابعه في الهواء ورسم على وجهه أكلة، يبدو أنها شهية جدًّا؛ لأن كل من نظروا إلى وجهه لَعقوا شفاهم. وتوقَّفَت الجماعة عن السَّير وأخذت تُفكِّر، وفكَّرَت طويلًا، ولكن تفكيرها لم يَتفتَّق عن شيء يُؤكَل. واضطُرَّت إلى الاكتفاء بالأحلام فقط.
وتنهد نائب مأمور المركز بروجينا-بروجينسكي وقال: يا لَه مِن ديك رومي عظيم ذلك الذي أكلتُه بالأمس عند جولوبيسوف … بالمناسبة يا سادة، ألَم يزُرْ أحد منكم وارسو؟ هناك يفعلون هكذا … يأخذون سمك الشَّبُّوط العادي، وهو حي … يَتلوَّى، ويُلقُون به في اللبن … ويَظل هذا الوغد يَعوم في اللبن يومًا، وبعد ذلك يَغمِسونه في القِشدَة ويَقلُونه في مقلاة تُطشطِش … وعند ذلك لا حاجة يا أخي لأناناسك! إي والله … خاصة إذا شربت كأسًا أو كأسين … تأكل ولا تحس، كأنك في غيبوبة … الرائحة وَحدَها تجنن!
فأردف ريبروتيوسوف بنبرة مشاركة قلبية: فإذا أضفت إليه خيارًا مملَّحًا … عندما كنَّا مُعسكرِين في بولندا كان يحدث أن تحشر في جوفك حوالي المائتين من البيلميني مرة واحدة … تملأ بها طبقًا كاملًا وترُش عليها الفُلفل والشَّبَت والبَقدونس و… لا أستطيع أن أُعبِّر لكم!
وتوقف ريبروتيوسوف فجأة واستغرق في التفكير؛ تَذكَّر حساء السمك الذي أكله عام ١٨٥٦م في دير الثالوث الأقدس، وكانت ذكرى هذا الحساء لذيذة إلى درجة أن القائد العسكري شَم فجأة رائحة السمك وحرَّك فكَّيه لا إراديًّا ولم يلحظ تَسرُّب الوحل إلى خلف حذائه.
وقال: كلا، لا أستطيع، لا أستطيع أن أصبر أكثر!
سأذهب إلى البيت وأُمتِّع نفسي، اسمعوا يا سادة، فلتأتوا معي! إي والله! لنشرب كأسًا، ونمُز بما رزقَنا به الله؛ خيار، مرتدلة … ونشعل السماور … هه؟ لِنَمُز، ونتحدث عن الكوليرا، ونتذكر ما مضى … زوجتي نائمة الآن، لن نوقِظها … سنجلس في هدوء … هيا بنا!
ولا حاجة لوصف الإعجاب الذي قُوبل به هذا العرض. يكفي فقط أن أقول إنه لم يكن لدى ريبروتيوسوف في أي وقت مضى مثل هذه الكثرة من الخيِّرِين كما كان لديه في هذه الليلة.
– سأقطع أذنيك.
قال القائد العسكري لجندي المراسلة وهو يدخل بالضيوف إلى غرفة الجلوس المظلمة: قلتُ لك ألف مرة يا حيوان أن تُشعل البخور عندما تنام في المدخل، اذهب يا غبي وأشعل السماور، وقُل لإيرينا أن تحضر اﻟ … أن تحضر من القبو خيارًا وفِجلًا … ونظِّف بعض الفسيخ … وقطِّع البطاطس دوائر … والبنجر أيضًا … وكُلُّ هذا صُبَّ عليه الخل والزيت، يعني، والمسطردة أيضًا … ورُشَّ الفلفل فوقه … باختصار طَبَق مَزَّة … مفهوم؟
وحرَّك ريبروتيوسوف أصابعه مصوِّرًا الخلطة، وأضاف إلى المَزَّة بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يضيفه بالكلمات … وخلَع الضيوف أخفافهم ودَلفوا إلى القاعة المظلِمة. وأشعل صاحب البيت عود ثقاب ففاحت رائحة الكبريت، وأضاء الجدران المزيَّنة بهدايا مجلة «نيفا» ومناظر البندقية وصورتَين للكاتب لاجيتشنيكوف وجنرالٍ ما بعينين مدهوشتين للغاية.
– حالًا، حالًا، همس ربُّ الدار وهو يوسع المنضدة بهدوء، سأَعُد المائدة ثم نجلس … ماشا زوجتي مريضة اليوم … أرجو المعذرة إذن … عندها مرض نسائي ما … الدكتور جوسين يقول إن ذلك بسبب أكل الصيام … جائز جدًّا! ولكني أقول لها: «يا روحي، ليست المسألة في الأكل! ليست المسألة فيما يدخل الفم بل فيما يخرج من الفم … فأنت تأكلين أكل الصيام ولكنك عصبية كما كنت … وبدلًا من أن تتعبي جسدك، الأفضل ألا تغضبي، وألا تتفوهي بكلمات …»، ولكنها لا تريد حتى أن تسمع! تقول: «لقد تعودنا على ذلك منذ الصغر.»
ودخل جندي المراسلة، ومَدَّ عنقه وأسرَّ بشيء ما في أذن رب الدار … ولعَّب ريبروتيوسوف حاجبيه.
ودمدم بصوت كالخوار: هم … نعم … هم … هكذا … عمومًا بسيطة … حالًا سأعود … دقيقة واحدة … ماشا أوصدت القبو والخزائن في وجه الخدم وأخذت المفاتيح. ينبغي أن أذهب لإحضارها.
وصعد ريبروتيوسوف على أطراف أصابعه، وفتح الباب بهدوء، ودخل على زوجته … كانت نائمة.
وقال وهو يقترب بحذر من السرير: يا ماشا! استيقِظي دقيقة واحدة يا ماشا!
– من؟ أهو أنت؟ ماذا تريد؟
– آه يا سادة يا كرام لو نتعشَّى الآن.
قال القائد العسكري المُقدَّم ريبروتيوسوف، وهو رجل طويل نحيف كعمود البرق، وكان خارجًا من النادي مع جماعة من أصحابه ذات ليلة مُظلِمة من شهر أغسطس. ومضى يقول: في المدن المحترَمة، مثل ساراتوف، يمكنك دائمًا أن تتعشى في النادي، أما هنا، في مدينتنا العفنة تشيرفيانسك، فبخلاف الفودكا والشاي بالذُّباب لا تحصل على شيء. ليس هناك ما هو أسوأ من أن تشرب ولا تجد ما تَمُز به!
– نعم، لا بأس الآن بشيء ما، هكذا يعني — أمَّن مُفتِّش المعهد الديني إيفان أيفانيتش دفويتوتشيف وهو يلتَفُّ بمعطفه الأصفر اتقاءً للريح — الساعة الآن الثانية، والحانات مُغلَقة، آه لو يَعني فسيخة مُملَّحة … أو فُطر مُخلَّل … أو يعني شيئًا ما هكذا.
وحَرَّك المفتِّش أصابعه في الهواء ورسم على وجهه أكلة، يبدو أنها شهية جدًّا؛ لأن كل من نظروا إلى وجهه لَعقوا شفاهم. وتوقَّفَت الجماعة عن السَّير وأخذت تُفكِّر، وفكَّرَت طويلًا، ولكن تفكيرها لم يَتفتَّق عن شيء يُؤكَل. واضطُرَّت إلى الاكتفاء بالأحلام فقط.
وتنهد نائب مأمور المركز بروجينا-بروجينسكي وقال: يا لَه مِن ديك رومي عظيم ذلك الذي أكلتُه بالأمس عند جولوبيسوف … بالمناسبة يا سادة، ألَم يزُرْ أحد منكم وارسو؟ هناك يفعلون هكذا … يأخذون سمك الشَّبُّوط العادي، وهو حي … يَتلوَّى، ويُلقُون به في اللبن … ويَظل هذا الوغد يَعوم في اللبن يومًا، وبعد ذلك يَغمِسونه في القِشدَة ويَقلُونه في مقلاة تُطشطِش … وعند ذلك لا حاجة يا أخي لأناناسك! إي والله … خاصة إذا شربت كأسًا أو كأسين … تأكل ولا تحس، كأنك في غيبوبة … الرائحة وَحدَها تجنن!
فأردف ريبروتيوسوف بنبرة مشاركة قلبية: فإذا أضفت إليه خيارًا مملَّحًا … عندما كنَّا مُعسكرِين في بولندا كان يحدث أن تحشر في جوفك حوالي المائتين من البيلميني مرة واحدة … تملأ بها طبقًا كاملًا وترُش عليها الفُلفل والشَّبَت والبَقدونس و… لا أستطيع أن أُعبِّر لكم!
وتوقف ريبروتيوسوف فجأة واستغرق في التفكير؛ تَذكَّر حساء السمك الذي أكله عام ١٨٥٦م في دير الثالوث الأقدس، وكانت ذكرى هذا الحساء لذيذة إلى درجة أن القائد العسكري شَم فجأة رائحة السمك وحرَّك فكَّيه لا إراديًّا ولم يلحظ تَسرُّب الوحل إلى خلف حذائه.
وقال: كلا، لا أستطيع، لا أستطيع أن أصبر أكثر!
سأذهب إلى البيت وأُمتِّع نفسي، اسمعوا يا سادة، فلتأتوا معي! إي والله! لنشرب كأسًا، ونمُز بما رزقَنا به الله؛ خيار، مرتدلة … ونشعل السماور … هه؟ لِنَمُز، ونتحدث عن الكوليرا، ونتذكر ما مضى … زوجتي نائمة الآن، لن نوقِظها … سنجلس في هدوء … هيا بنا!
ولا حاجة لوصف الإعجاب الذي قُوبل به هذا العرض. يكفي فقط أن أقول إنه لم يكن لدى ريبروتيوسوف في أي وقت مضى مثل هذه الكثرة من الخيِّرِين كما كان لديه في هذه الليلة.
– سأقطع أذنيك.
قال القائد العسكري لجندي المراسلة وهو يدخل بالضيوف إلى غرفة الجلوس المظلمة: قلتُ لك ألف مرة يا حيوان أن تُشعل البخور عندما تنام في المدخل، اذهب يا غبي وأشعل السماور، وقُل لإيرينا أن تحضر اﻟ … أن تحضر من القبو خيارًا وفِجلًا … ونظِّف بعض الفسيخ … وقطِّع البطاطس دوائر … والبنجر أيضًا … وكُلُّ هذا صُبَّ عليه الخل والزيت، يعني، والمسطردة أيضًا … ورُشَّ الفلفل فوقه … باختصار طَبَق مَزَّة … مفهوم؟
وحرَّك ريبروتيوسوف أصابعه مصوِّرًا الخلطة، وأضاف إلى المَزَّة بتعابير وجهه ما لم يستطع أن يضيفه بالكلمات … وخلَع الضيوف أخفافهم ودَلفوا إلى القاعة المظلِمة. وأشعل صاحب البيت عود ثقاب ففاحت رائحة الكبريت، وأضاء الجدران المزيَّنة بهدايا مجلة «نيفا» ومناظر البندقية وصورتَين للكاتب لاجيتشنيكوف وجنرالٍ ما بعينين مدهوشتين للغاية.
– حالًا، حالًا، همس ربُّ الدار وهو يوسع المنضدة بهدوء، سأَعُد المائدة ثم نجلس … ماشا زوجتي مريضة اليوم … أرجو المعذرة إذن … عندها مرض نسائي ما … الدكتور جوسين يقول إن ذلك بسبب أكل الصيام … جائز جدًّا! ولكني أقول لها: «يا روحي، ليست المسألة في الأكل! ليست المسألة فيما يدخل الفم بل فيما يخرج من الفم … فأنت تأكلين أكل الصيام ولكنك عصبية كما كنت … وبدلًا من أن تتعبي جسدك، الأفضل ألا تغضبي، وألا تتفوهي بكلمات …»، ولكنها لا تريد حتى أن تسمع! تقول: «لقد تعودنا على ذلك منذ الصغر.»
ودخل جندي المراسلة، ومَدَّ عنقه وأسرَّ بشيء ما في أذن رب الدار … ولعَّب ريبروتيوسوف حاجبيه.
ودمدم بصوت كالخوار: هم … نعم … هم … هكذا … عمومًا بسيطة … حالًا سأعود … دقيقة واحدة … ماشا أوصدت القبو والخزائن في وجه الخدم وأخذت المفاتيح. ينبغي أن أذهب لإحضارها.
وصعد ريبروتيوسوف على أطراف أصابعه، وفتح الباب بهدوء، ودخل على زوجته … كانت نائمة.
وقال وهو يقترب بحذر من السرير: يا ماشا! استيقِظي دقيقة واحدة يا ماشا!
– من؟ أهو أنت؟ ماذا تريد؟
❤10💔3
– أنا ياماشنكا بخصوص اﻟ … أعطني يا مَلاكي المفاتيح ولا تقلقي … نامي مطمئِنَّة … سأهتم أنا بهم … سأعطي كلًّا منهم خيارة، ولن أُبدِّد أكثر من ذلك شيئًا … أقسم لك … هناك دفويتوتشيف، أتدرين، وبروجينا-بروجينسكي … وآخرون … كلهم أشخاص رائعون … مُحترَمون في المجتمع … أتدرين أن بروجينسكي يحمل وسام فلاديمير من الطبقة الرابعة؟ أوه، كم يحترمك!
– أين سكرت إلى هذا الحد؟
– ها أنت ذي تغضبين … يا سلام عليك … سأعطي كلًّا منهم خيارة، وهذا كل شيء … وسينصرفون … أنا سأهتم بهم ولن نزعجك أبدًا … نامي يا لعبتي … هه، وكيف صحتك؟ هل جاء جوسين في غيابي؟ انظري، ها أنا ذا أُقبِّل يدك … والضيوف كلهم يحترمونك … دفويتوتشيف رجل مُتديِّن، أتدرين … وبروجينا، والصرَّاف أيضًا … كلهم يُكنُّون لك أطيب المشاعر … يقولون: «ماريا بتروفنا ليست امرأة، بل شيء عسير على الفهم … إنها كوكب إقليمنا.»
– ارقد! كفاك هذرًا! يَسكر هناك في النادي مع صعاليكه ثم يروح يغلي طول الليل! ألا تخجل؟ عندك أولاد!
– أنا … عندي أولاد، ولكن أرجوك ألا تغضبي يا ماشا … لا تحزني … إنني أقدرك وأحبك … والأولاد إن شاء الله سأدبر أمورهم؛ ميتيا سأدخله المدرسة … لا أستطيع أن أطردهم … لا يليق … جاءوا ورائي وطلبوا أن يتعشوا، قالوا: «نريد أن نأكل، أطعمنا» … دفويتوتشيف، وبروجينا-بروجينسكي … ناس ظرفاء جدًّا … كم يُقدِّرونك ويعطفون عليك … فلنعطِ كلًّا منهم خيارة وكأسًا، وليمضوا في سبيلهم أنا سأتكفَّل بهم.
– اللعنة! ماذا؟ هل جننتَ؟ أي ضيوف في هذه الساعة؟ ألا يخجلون، هؤلاء الشياطين المتسولون، يزعجون الناس في الليالي؟ مَن سمع بضيوف يأتون في الليل؟ هل يظنون بيتنا حانة؟ سأكون حمقاء لو أعطيتك المفاتيح! فليفيقوا وليعودوا غدًا!
– هم … هلا قلت هذا من البداية؟ إذن لما تذللتُ أمامك … إذن فأنتِ لست بشريكة العمر، لستِ سلوى زوجك كما جاء في الكتاب، بل … من العيب أن أقول … كنتِ أفعى وظللتِ أفعى.
– آه … وتشتم أيضًا يا وغد؟!
ونهضتِ الزوجة و… حكَّ القائد العسكري خده، ومضى يقول: ميرسي … صحيح ما قرأتُه في إحدى المجلات: «بين الناس قديس، ومع زوجها إبليس.» … عين الحقيقة … كنتِ إبليس، وظللتِ إبليس.
– خذ، خذ!
– اضربي، اضربي … اضربي زوجك الوحيد! ولكني أرجوك، أتوسَّل إليك يا ماشا … سامحيني! أعطِني المفاتيح! ماشا يا مَلاكي! يا مُعذِّبَتي الشريرة، لا تفضحيني أمام الناس! أيتها المتوحِّشة، إلى متى ستعذبينني؟ اضربي … اضربي … أرجوك … بل أتوسَّل إليك!
واستمر حديث الزوجين بهذه الصورة طويلًا … ركع ريبروتيوسوف على ركبتيه، وبكى مرتين، وسب وهو يحك خده بين الحين والحين … وانتهى الأمر بأن نهضَت زوجته وبصقت وقالت: يبدو لن تكون نهاية لعذابي! أعطني فستاني من على المقعد أيها الكافر!
وقدَّم لها ريبروتيوسوف الفستان بحرص، وسوَّى شعره، وذهب إلى ضيوفه. كان الضيوف واقفِين أمام صورة الجنرال يتطلعون إلى عينيه المندهشتين وهم يُقرِّرون مسألة: مَن الأكبر؛ الجنرال، أم الكاتب لاجيتشنيكوف؟ وكان دفويتوتشيف في صف لاجيتشنيكوف، مشددًا على الخلود، أما بروجينسكي فقد قال: بالطبع هو كاتِب جيد، لا شك في هذا … ويكتب فيثير الضحك والشفقة، ولكن لو أرسلتَه إلى الجبهة فلن يستطيع قيادة حتى سَرية، أما الجنرال فلتعطه ولو فيلقًا كاملًا، لن يهمه.
وقال رب الدار وهو يدخل مقاطعًا: زوجتي ماشا ستأتي الآن … حالًا.
– لقد أزعجناكم حقًّا … يا فيودر أكيميتش، ماذا حدث لخدِّك؟ يا إلهي، وتحت عينك كدمة! أين حصلت على هذا؟
فقال رب الدار محرَجًا: خَدِّي؟ أين خدي؟ آه، نعم … لقد ذهبتُ الآن إلى ماشا متسللًا، أردتُ أن أخيفها، وإذا بي أصطدم في الظلام بالسرير! ها … ها … ها هي ذي ماشا … أوه كم أنت مُشعثة يا عزيزتي! مثل لويزا ميشيل تمامًا!
– أين سكرت إلى هذا الحد؟
– ها أنت ذي تغضبين … يا سلام عليك … سأعطي كلًّا منهم خيارة، وهذا كل شيء … وسينصرفون … أنا سأهتم بهم ولن نزعجك أبدًا … نامي يا لعبتي … هه، وكيف صحتك؟ هل جاء جوسين في غيابي؟ انظري، ها أنا ذا أُقبِّل يدك … والضيوف كلهم يحترمونك … دفويتوتشيف رجل مُتديِّن، أتدرين … وبروجينا، والصرَّاف أيضًا … كلهم يُكنُّون لك أطيب المشاعر … يقولون: «ماريا بتروفنا ليست امرأة، بل شيء عسير على الفهم … إنها كوكب إقليمنا.»
– ارقد! كفاك هذرًا! يَسكر هناك في النادي مع صعاليكه ثم يروح يغلي طول الليل! ألا تخجل؟ عندك أولاد!
– أنا … عندي أولاد، ولكن أرجوك ألا تغضبي يا ماشا … لا تحزني … إنني أقدرك وأحبك … والأولاد إن شاء الله سأدبر أمورهم؛ ميتيا سأدخله المدرسة … لا أستطيع أن أطردهم … لا يليق … جاءوا ورائي وطلبوا أن يتعشوا، قالوا: «نريد أن نأكل، أطعمنا» … دفويتوتشيف، وبروجينا-بروجينسكي … ناس ظرفاء جدًّا … كم يُقدِّرونك ويعطفون عليك … فلنعطِ كلًّا منهم خيارة وكأسًا، وليمضوا في سبيلهم أنا سأتكفَّل بهم.
– اللعنة! ماذا؟ هل جننتَ؟ أي ضيوف في هذه الساعة؟ ألا يخجلون، هؤلاء الشياطين المتسولون، يزعجون الناس في الليالي؟ مَن سمع بضيوف يأتون في الليل؟ هل يظنون بيتنا حانة؟ سأكون حمقاء لو أعطيتك المفاتيح! فليفيقوا وليعودوا غدًا!
– هم … هلا قلت هذا من البداية؟ إذن لما تذللتُ أمامك … إذن فأنتِ لست بشريكة العمر، لستِ سلوى زوجك كما جاء في الكتاب، بل … من العيب أن أقول … كنتِ أفعى وظللتِ أفعى.
– آه … وتشتم أيضًا يا وغد؟!
ونهضتِ الزوجة و… حكَّ القائد العسكري خده، ومضى يقول: ميرسي … صحيح ما قرأتُه في إحدى المجلات: «بين الناس قديس، ومع زوجها إبليس.» … عين الحقيقة … كنتِ إبليس، وظللتِ إبليس.
– خذ، خذ!
– اضربي، اضربي … اضربي زوجك الوحيد! ولكني أرجوك، أتوسَّل إليك يا ماشا … سامحيني! أعطِني المفاتيح! ماشا يا مَلاكي! يا مُعذِّبَتي الشريرة، لا تفضحيني أمام الناس! أيتها المتوحِّشة، إلى متى ستعذبينني؟ اضربي … اضربي … أرجوك … بل أتوسَّل إليك!
واستمر حديث الزوجين بهذه الصورة طويلًا … ركع ريبروتيوسوف على ركبتيه، وبكى مرتين، وسب وهو يحك خده بين الحين والحين … وانتهى الأمر بأن نهضَت زوجته وبصقت وقالت: يبدو لن تكون نهاية لعذابي! أعطني فستاني من على المقعد أيها الكافر!
وقدَّم لها ريبروتيوسوف الفستان بحرص، وسوَّى شعره، وذهب إلى ضيوفه. كان الضيوف واقفِين أمام صورة الجنرال يتطلعون إلى عينيه المندهشتين وهم يُقرِّرون مسألة: مَن الأكبر؛ الجنرال، أم الكاتب لاجيتشنيكوف؟ وكان دفويتوتشيف في صف لاجيتشنيكوف، مشددًا على الخلود، أما بروجينسكي فقد قال: بالطبع هو كاتِب جيد، لا شك في هذا … ويكتب فيثير الضحك والشفقة، ولكن لو أرسلتَه إلى الجبهة فلن يستطيع قيادة حتى سَرية، أما الجنرال فلتعطه ولو فيلقًا كاملًا، لن يهمه.
وقال رب الدار وهو يدخل مقاطعًا: زوجتي ماشا ستأتي الآن … حالًا.
– لقد أزعجناكم حقًّا … يا فيودر أكيميتش، ماذا حدث لخدِّك؟ يا إلهي، وتحت عينك كدمة! أين حصلت على هذا؟
فقال رب الدار محرَجًا: خَدِّي؟ أين خدي؟ آه، نعم … لقد ذهبتُ الآن إلى ماشا متسللًا، أردتُ أن أخيفها، وإذا بي أصطدم في الظلام بالسرير! ها … ها … ها هي ذي ماشا … أوه كم أنت مُشعثة يا عزيزتي! مثل لويزا ميشيل تمامًا!
❤6💔4
دخلت ماريا بتروفنا إلى القاعة، مشعثة الشعر، ناعسة، ولكنها متهلِّلة ومرحة. وقالت: هذا لطيف منكم إذ جئتم إلينا! إذا كنتم لا تأتون إلينا في النهار فشكرًا لزوجي الذي جاء بكم ولو ليلًا. كنت نائمة، وإذا بي أسمع أصواتًا … فقلتُ لنفسي: «يا ترى من هؤلاء؟» … لقد أمرني فيديا أن أرقد وألا أخرج، ولكني لم أُطِق.
وهرولت الزوجة إلى المطبخ وبدأ العشاء.
وعندما خرجوا بعد ساعة من دار القائد العسكري قال بروجينا-بروجينسكي وهو يَتنهَّد: ما أطيب أن تكون متزوجًا! تأكل عندما تريد، وتشرب وقتما تشاء … وتعلم أن هناك مخلوقًا يُحبُّك … ويلعبُ لك على البيانو شيئًا ما، هكذا … ما أسعد ريبروتيوسوف!
أما دفويتوتشيف فلَزِم الصمَت. كان يَتنهَّد ويفكر، وعندما وصل إلى البيت وراح يخلع ملابسه، تَنهَّد بصوت عالٍ حتى إنه أيقظ زوجته.
– لا تَدقَّ بحذائك أيها الرحى! قالت زوجته: تمنعني من النوم. يشرب حتى السكر في النادي ثم يثير الضجة، هذا المَسخ!
فتنهد المفتِّش قائلًا: لا تعرفين سوى السُّباب! لو أنك رأيتِ كيف يعيش آل ريبروتيوسوف! ما أروع حياتهم! عندما ينظر المرء إليهم يود لو يبكي من التأثُّر، أنا وحدي التعيس؛ إذ بُلِيت بشمطاء مثلك، أفسحي!
وتَغطَّى المفتِّش بالبطانية، ونام وهو يشكو في سره حظه البائس.
وهرولت الزوجة إلى المطبخ وبدأ العشاء.
وعندما خرجوا بعد ساعة من دار القائد العسكري قال بروجينا-بروجينسكي وهو يَتنهَّد: ما أطيب أن تكون متزوجًا! تأكل عندما تريد، وتشرب وقتما تشاء … وتعلم أن هناك مخلوقًا يُحبُّك … ويلعبُ لك على البيانو شيئًا ما، هكذا … ما أسعد ريبروتيوسوف!
أما دفويتوتشيف فلَزِم الصمَت. كان يَتنهَّد ويفكر، وعندما وصل إلى البيت وراح يخلع ملابسه، تَنهَّد بصوت عالٍ حتى إنه أيقظ زوجته.
– لا تَدقَّ بحذائك أيها الرحى! قالت زوجته: تمنعني من النوم. يشرب حتى السكر في النادي ثم يثير الضجة، هذا المَسخ!
فتنهد المفتِّش قائلًا: لا تعرفين سوى السُّباب! لو أنك رأيتِ كيف يعيش آل ريبروتيوسوف! ما أروع حياتهم! عندما ينظر المرء إليهم يود لو يبكي من التأثُّر، أنا وحدي التعيس؛ إذ بُلِيت بشمطاء مثلك، أفسحي!
وتَغطَّى المفتِّش بالبطانية، ونام وهو يشكو في سره حظه البائس.
❤7💔5