بُندار
5K subscribers
7 photos
1 link
.. من هنا وهناك ..
Download Telegram
to view and join the conversation
القنوط من رحمة ﷲ كبيرة من كبائر الذنوب، ولا يحسن بمؤمن ضاقت عليه حاله أن يقنط من إله سمى نفسه (الرحمن)، واستوى بصفة الرحمة على عرشه، وكتب كتابًا عنده فوق العرش: (إن رحمتي سبقت غضبي).
وقراءة كتب التاريخ هي عمر الإنسان الذي يحياه بتجارب لم يجربها، وحوادث لم يعشها، وأكثر الناس معرفة لتجارب لم يرها هو أكثرهم قراءة في كتب التاريخ الصحيح، والسنة في الأمم والأفراد ماضية ومتشابهة، ليست مختلفة ولا متباينة، وكل أحوال اتحدت أسبابها فلا بد أن تتحد نتائجها، وإنما ينفع التاريخ من كان عارفا بالأسباب المتشابهة ومقدار التباين فيها إن تباينت، فإن اختلاف العواقب يكون بحسب اختلاف الأسباب، وإنما يغتر بعض الناس في عدم الاتعاظ بالتاريخ وتجارب الأمم لأنه يجهل الأسباب، ويرى العواقب مختلفة فيضعف عنده الاعتبار، فيرى ظَلَمةً نجوا، وأصحابَ عدلٍ قتلوا، وفسّاقًا ذُكروا، وصالحين نسوا.

الفصل بين النفس والعقل ص(178).
تبقى قواعدُ الموازنات أفكارًا مُجرَّدةً حتى يخوض المرء تجربةً هائجةً تخرجها إلى حيّز التّطبيق، سيدرك حينها أنّ المعرفة وحدها لا تكفي، وأنّ في طيّات الأحداث فراغات لا توجد إجاباتها في الكتب، التجربة وحدها من يحسن ملء تلك الفراغات، ولكن بعد أن يدفع المرء ثمنها من الألم والحيرة والشتات!
قد يطول البلاء بالعبد لأن بابًا من العبودية لم يطرقه كما ينبغي، أو لأنه تعلّق معصيةً فلا يزال يُراوح أقدامه على أعتابها وإن توالت عليه النّذر، ومتى ما تفقّد حاله فعلم أنه إنّما أُتي من نفسه، ثم صحّت هذه المعرفة وانكسر لمولاه = أسرع إليه الجبر، لأن ﷲ عند المنكسرة قلوبهم من أجله!
لا يجوز امتحان الناس لإظهار خلاف ما يبطنونه، بل يؤخذ بظواهرهم، وتوكل سرائرهم إلى الله؛ فلا يمتحنون بلا ضرورة، ولو ظهرت قرائن -لا دلائل- تخالف ما يصرحون به؛ لأن هذا تنقيب عما في الصدور، لم يفعله النبي ﷺ، ولا أصحابه، مع وجود النفاق وكثرة الشرور.

وكان النبي ﷺ يقبل بيعة الناس له، ويأخذهم بظواهرهم، ويكل بواطنهم إلى الله.
ومن ذلك لما قدم النبي ﷺ من تبوك، جاءه المخلفون، وكانوا بضعة وثمانين رجلا؛ قال كعب بن مالك -كما في الصحيحين-: فقبل منهم علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله، وفي الحديث: (لم أومر أن أنقُب عن قلوب الناس).

وتتبع الناس واستزلالهم لكشف سرائرهم وإبداء ما يُبطنون؛ فتنةٌ لهم، وفتنةٌ لمن يتتّبعهم، وقلما يخلو الناس من سريرة يخفونها، إما فسقًا، وإما نفاقًا، وإما ديانةً.

والخوض في السرائر بلا بيّنة منازعةٌ لله في حقّه، كما قال سبحانه: (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون)، وقد جعل الله للإنسان الأخذ بما ظهر له، ونهاه عن تتبع ما عداه؛ فإن السرائر لا تخرج إلا يوم القيامة، كما قال تعالى: (يوم تُبلى السرائر)، ومن قطع أن أحدًا يُسرُّ كذا وكذا -وهو لم يُعلنه- فهو يرجم بالغيب.

الخراسانيّة (470 - 471).
Forwarded from بُندار
ولو فُتحت خزائن الغيب أمام عبدٍ مُنع من الإجابة -بعد طول تضرّعه- لعلم أن اللحظة الواحدة في مقام المناجاة خيرٌ له من حصول مطلوبه أبد الدهر، وأن حكمة افتقاره إلى ذلك المطلوب كانت في فتح أبواب المناجاة أمامه لا في حصول مطلوبه، ومن فُتح له باب الرضا عن ﷲ أعاضهُ أضعافَ أضعاف ما فاته!
الفرق بين كتابة حديث الراوي والنظر فيه، وكتابة حديثه اعتبارًا.

الجرح والتعديل للدكتور إبراهيم اللاحم ص(300).
من أخذ بعقائد المدرسة السنية ولم يأخذ بسلوكها فهو لم ينتسب إلى مدرسة السنة حقا، والانتساب الحق إلى المدرسة السنية لا بد له من شرطين: 1- موافقتهم في الجانب العقدي، 2- وموافقتهم في الجانب السلوكي.

‏د. سلطان العميري | قانون التأسيس العقدي (117).
وهذه عادة الله سبحانه فى الغايات العظيمة الحميدة: إذا أراد أن يوصل عبده إليها هيأ لها أسبابا من المحن والبلايا والمشاق، فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت، وأهوال البرزخ، والبعث والنشور والموقف، والحساب، والصراط، ومقاساة تلك الأهوال والشدائد، وكما أدخل رسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى مكة ذلك المدخل العظيم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المحرج، ونصره ذلك النصر العزيز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه.

ابن القيم | إغاثة اللهفان (2/ 108).
تأملات في اسم ﷲ الرفيق (1/ 5):

من جلال اسم الله الرفيق أنه يهيئ عباده لما يريد بهم من عظيم أقداره، فتراه يسوق من الأحداث العجيبة ما يكون توطئة لهذه الأقدار قبل نزولها، إذ لو هجمت عليهم فجأة دون مؤشرات ومبشرات لكان فيها اختلال أحوالهم، أو ذهاب عقولهم، أو هلاك نفوسهم، ولكنه لكمال علمه بضعف عباده وكمال رحمته ولطفه يسوق المقادير شيئًا فشيئًا، وهو القادر -لو شاء- أن يجعل خلقه وأمره يحدث في لحظة، ولكن حكمته لا تبلغها الأفهام ولا تحيط بها الأوهام، ولك أن تتخيل أن نبينا ﷺ والذي كان من أكمل الناس عقلًا وأقواهم نفسًا قد هيأه الله للنبوة شيئًا فشيئًا فلم تهجم عليه مرة واحدة، وإنما ساق بين يديها من الأقدار ما يكون توطئة لها، فقد مكث قبل نزول الوحي ستة أشهر يرى الرؤيا فتقع مثل فلق الصبح، وكان إذا خرج لشعاب مكة وبطون أوديتها يسمع تسليم الشجر والحجر: (السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله)، فيلتفت عن يمينه وشماله فلا يرى شيئًا، فمكث يسمع تسليمها عليه بالرسالة ما شاء الله أن يمكث، حتى جاءه جبريل -عليه السلام- بما جاءه من كرامة الله وهو في غار حراء، فكان لهذا الحدث الرهيب أثر بليغ عليه ﷺ؛ إذ رجع وفؤاده يرجف من هول ما رأى وسمع، حتى دخل على خديجة وهو يقول: (إني خشيت على نفسي)، أي خاف على نفسه الهلاك من شدة الرعب على ما استظهره ابن حجر في تفسير هذه الجملة، فما ظنك بحاله لو هجمت عليه النبوة فجأة من دون مقدمات وممهدات؟!

وكذلك ما مهّده لمريم الصدّيقة في الرزق الذي يأتيها بلا سعي ولا سبب، حتى ذكر بعضهم أنها تُرزق بالطعام في غير أوانه زيادة في العجب، فكانت فاكهة الصيف تأتيها في الشتاء، وفاكهة الشتاء تأتيها في الصيف إمعانًا في خرق العادات، وكل ذلك مستمر متكرر كما يُفهم من لفظ (كلما) في الآية الكريمة: (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا)، ولعل من حكمة ذلك ترسيخ معاني القدرة الإلهية قبل حملها بعيسى -عليه السلام-، فكان خرق العادة في رزقها تمهيدًا لخرق العادة في حملها، وزيادةً في يقينها وإيمانها وصبرها، وترقيها من درجة (علم اليقين) إلى درجة (عين اليقين) ثم إلى (حق اليقين).
تأملات في اسم ﷲ الرفيق (2/ 5):

ومن أجلّ صور الرفق الإلهي ما يكون تمهيدًا وتوطئة لعباداتٍ عظيمة يريدها ﷲ لعبده، فيسوق بين يديها من الأقدار والأحداث العجيبة ما يكون صنعًا وتربيةً لهذا العبد، ولولا ذلك الصنع الذي تقدمها ماكان للعبد أن يحمل أعباءها، ولكن ﷲ رفيق بعباده ولطيف بهم، يفتح لهم من أبواب الخير أبوبًا صغيرة تنتهي بهم إلى أبوابه الكبيرة، وقد يسوقهم مع تلك الأبواب الممهِدة على كرهٍ منهم، فتجد الواحد منهم يكابد مراحلها مرحلةً مرحلةً، يتبصّر الحكمةَ من ورائها فلا يبصرها، ولربما حاول أن يعود أدراجه فيُحال بينه وبين ما أراده، فيختار أن يمضي في طريقٍ لا يعلم نهايته، وما علم أن الخير مخبوء في عاقبته، وأن هذا الطريق الذي يقطع فيه أيامه وأعوامه ما هو إلا صنعٌ يمهّده لباب من الخير الممتد، والعطاء الذي لا ينفد، وأنّى للعبد أن يدرك حجم العطاء حتى ولو عرض عليه في أوّل أمره، لأن عقله عاجز عن استيعاب خفايا الحكمة وقاصرٌ عن إدراك خبايا الألطاف، فكان من رحمة ﷲ به أن ساقه إلى هذا الخير على كرهٍ منه، لينال هذه الكرامة في عاقبة أمره، وصارت حاله كحال من يُقاد إلى الجنة رغمًا عنه، و (عجب ربك من أناس يقادون إلى الجنة بالسلاسل).
تأملات في اسم ﷲ الرفيق (3/ 5):

ومن مشاهد رحمة ﷲ ورفقه عند البلاء ما يهيء لعباده من أسباب الصبر والرضا قبل نزول البلاء وبعد نزوله، وتختلف هذه الأسباب تبعًا لاختلاف البلاء وشدته، وكلما كان البلاء عظيمًا كانت أسباب الثبات التي يسوقها ﷲ لعباده أكثر وأعظم، فهذا عثمان رضي ﷲ عنه يبشره النبي ﷺ بالجنة على بلوى تصيبه، وكانت هذه البشارة والتثبيت قبل نزول البلاء بنحوٍ من ثلاثين سنة، ولا زال النبي ﷺ يتعاهده بالتثبيت حتى في مرض موته وقبل أن يفارق الدنيا، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ أرسل إلى عثمان، فجاء، فخلا به، فجعل رسول ﷲ ﷺ يكلمه ووجه عثمان يتغير، فكان من آخر ما كلمه أن ضرب على منكبه وقال: (يا عثمان: إن ﷲ عز وجل عسى أن يلبسك قميصًا، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني) كررها عليه ثلاثًا زيادةً في التأكيد وإمعانًا في التثبيت.
ولا يزال الرفيق -تبارك وتعالى- يتولى ذا النورين بالعناية والرفق والتأييد حتى بعد نزول الفتنة، فقد ورد عنه أنه قال قبل موته: (إني رأيت رسول الله ﷺ البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر؛ فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف، فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه)، ومتى ما رأى العبد أن الله يبعث في طريقه أمورًا تعينه على الصبر أيام بلائه، فليعلم أنه قد أراد أن يُبلّغه، ولو أراد أن يقطعه؛ ما تابع عليه المَدد!
تأملات في اسم ﷲ الرفيق (4/ 5):

ومن رأفة ﷲ ورفقه بالمكروبين، أنه لا يفجؤهم بالفرج وهم في عمق البلاء، بل يسوق بين يدي رحمته ما يُشعر بحصولها أو قرب وصولها (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف)، وذلك حتى لا يهجم عليهم الفرح وهم في شدة الحزن فيكون في ذلك ذهاب عقولهم أو هلاك نفوسهم.
وكلما كان البلاء عظيمًا كانت البشارات بالفرج أعظم وأكثر، وصور هذه البشارات لا ينتظمها الوصف ولا يحيط بها العد، فقد تكون رؤيا صالحة، وقد جاء في الحديث: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات؛ الرؤيا الصالحة يراها العبد أو تُرى له)، وقد تكون آية يقرؤها العبد أو يسمعها فتستقر في قلبه، أو كلمة يلقيها ﷲ على لسان عبد من عباده فتجري من نفس المبتلى جريان الماء في العود فتورق بها نفسه وتخضرّ بعد طول يباسها، أو مشهدًا يراه فيعتبر به، أو رَوْحًا يجده في نفسه من دون سبب، والله يتابع على عباده نَفَحَات الفرج كلما أجدبت أرواحهم وقلّت موارد صبرهم، فتكون كالغيث الذي يحيي آمالهم ويملأ حياض الصبر في أرواحهم، وهي رياح البشرى التي يسوقها ﷲ بين يدي رحمته، فمن أحسها فليستبشر، فالله أكرم من أن يُذيق عبدَه نَفْحَةَ الفرج ثم لا يبلُّغه إياه!
تأملات في اسم ﷲ الرفيق (5/ 5):

غير أن هاهنا ملحظًا لطيفًا أختم به، وهو أن هذه البشارات قد تكون قبل مجيء الفرج بزمن بعيد، وذلك حتى لا يهلك العبد غمًّا أو يموت أسفًا من شدة ما يلقاه من البلاء، فتأتي هذه البشارات لكي تنتشله كلما أشرف على الهلاك أو انقطعت به السُّبل، ولأجل أن يحفظ الله جذوة حسن الظن به في نفس عبده المؤمن، لأن سوء الظن بالله واليأس من رحمته عذابٌ لا يُصب على قلب مؤمن أبدًا (إنه لا ييأس من روح ﷲ إلا القوم الكافرون).
كثير من الناس يسير على قاعدة مطردة في دعوته، وهي: أنه يقدم المسائل العقدية في الدعوة -في كل الأحوال- بحجة أن هذا النوع من المسائل أهم من غيره وآكد، وهذا السلوك غير دقيق؛ بل قد تكون المسألة العملية مما يبحث في الفقه أو الأخلاق أهم من المسألة العقدية فتقدم عليها، وقد تكون المسألة العقدية مما تترتب عليه مفاسد أعظم من المصالح لبعض الناس أو في بعض الأحوال، فيوجب ذلك تأخيرها.

‏د. العميري | قانون التأسيس العقدي (323، 324).
علق ابن القيم على قول الهروي: (وكل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك) بكلام يكتب بماء الذهب:

قال: يحتمل أن يريد به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي ﷺ: «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله»، قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه.

وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضا مرفوعا: «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك».

ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس، وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى، والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله، وما أقرب هذا المدل من مقت الله!

فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر!

مدارج السالكين (1/ 195).
تأمل في دعاء الكرب:
ومن موجبات التوبة الصحيحة: كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء، ولا تكون لغير المذنب، لا تحصل بجوع، ولا رياضة، ولا حب مجرد، وإنما هي أمر وراء هذا كله، تكسر القلب بين يدي الرب كسرة تامة، قد أحاطت به من جميع جهاته، وألقته بين يدي ربه طريحا ذليلا خاشعا، كحال عبد جان آبق من سيده، فأخذ فأحضر بين يديه، ولم يجد من ينجيه من سطوته، ولم يجد منه بدا ولا عنه غناء، ولا منه مهربا، وعلم أن حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد علم إحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبه لسيده، وشدة حاجته إليه، وعلمه بضعفه وعجزه وقوة سيده، وذله وعز سيده.

فيجتمع من هذه الأحوال كسرة وذلة وخضوع، ما أنفعها للعبد وما أجدى عائدتها عليه! وما أعظم جبره بها، وما أقربه بها من سيده! فليس شيء أحب إلى سيده من هذه الكسرة، والخضوع والتذلل، والإخبات، والانطراح بين يديه، والاستسلام له، فلله ما أحلى قوله في هذه الحال: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.

يا من ألوذ به فيما أؤمله
ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره
ولا يهيضون عظما أنت جابره

فهذا وأمثاله من آثار التوبة المقبولة، فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتهم توبته وليرجع إلى تصحيحها، فما أصعب التوبة الصحيحة بالحقيقة، وما أسهلها باللسان والدعوى!

وما عالج الصادق شيئًا أشق عليه من التوبة الخالصة الصادقة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

مدارج السالكين (1/ 204 - 205).
من غرائب ما سمعت أن أحدهم حفظ القرآن من كثرة تلاوته فقط، ولم يجلس يومًا لحفظه ولا مراجعته، وإنما هو حالٌّ مرتحل، لا ينتهي من ختمةٍ إلا ويشرع في أخرى، والآن يختم كل ثلاث، ويقرأ القرآن عن ظهر قلبٍ في غالب أحواله!

‏لا تستهينوا بالتكرار على المُدد المتطاولة فإن تأثيره أبلغ من السحر!
Forwarded from بُندار
لا أحب الفصل الكامل بين العقل والعاطفة، لأن منطق العقل جافُّ وحادّ، والنفس تعتمد في تكوينها على كثير من المشاعر، والخطاب المتزن يراعي هذا التكوين ولا يهمله، بل قد يأخذ من العاطفة قدرًا يكسر به حدة العقل وجفاف أحكامه.

والرأي الحكيم لا يتمحور حول الأحكام العقلية دائمًا، وإنما يجعل الصواب قطب رحاه ويَغُضُّ الطَّرف عمن يتولّى إدارة هذه الرّحى، سواء أكان العقل أم كانت العاطفة، لأنه يدرك أن السّير في جادَّة العقل دائمًا = ضربٌ من ضروب الجهالة، كما أن التسليم للعواطف دائمًا = لونٌ من ألوان السَّفاهة، وإذا كانت العاطفةُ عاصفةً، فإنّ إهدارها وعدم اعتبارها في كل قضيّة يجعل الحكم العقلي المجرّد جائحةً تقصمُ كلَّ شيءٍ وقعت عليه!

والنَّظر الصحيح يقتضي أن لكلِّ موقف ذوقٌ خاص، وتقديرٌ يراعي ما يترتب عليه من آثار، والتي قد تكون أضخم بكثير من الموقف نفسه، والحكيم لا يبني قصرًا ويهدم مصرًا، بل يحسن الموازنة بين معطيات كلّ قضية -ولكن- بعد أن يعرف حجم هذه المعطيات قبل إخضاعها للموازنة.

والتوازن بين العقل والعاطفة قد يقضي بترجيح العاطفة على العقل في بعض الأحيان، وهذا الترجيح -في حقيقته- ليس عاطفيًا عند التأمّل، بل هو عقلٌ مآليّ وإن بدا عاطفيًا في أوّل وهلة!

وأحب أن أختم هذه الخاطرة بالتنبيه على أن العقل والعاطفة ليسا (ضدين) ولا (نقيضين)، بل هما (خلافان) يجوز اجتماعهما في المحل الواحد، ومن الجائز أن يكون القرار العاطفي قرارًا عقليًا في نفس اللحظة، لأني رأيت من يتحرج من أي قرار تكون العاطفة جزءًا من تركيبه وإن كان صوابًا، وكل ذلك حتى لا يقال عنه أو عن قراره أنه عاطفي، وهذا غلط؛ إذ ليس من شرط العقل انتفاء العاطفة، ولا من شرط العاطفة انتفاء العقل، فقد يكون القرار مركبًا من الأمرين على حد سواء أو بنسبٍ متفاوتة، ومن رحمة ﷲ بعبده أن يكون مصب عقله يوافق مصب عاطفته حتى لا يتخذ قراره على أشلاء روحٍ مُمزَّقة!