علم الفلسفة
3.3K subscribers
240 photos
9 videos
154 files
45 links
القناة خاصة بنشر دروس وكتب وابحاث ومقالات في علم الفلسفة (الفلسفة اليونانية،والفلسفة الإسلامية،والفلسفة الغربية)
@Azml9


علم المنطق
@Azml8
Download Telegram
علم الفلسفة
رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس عن 96 عاماً. أحد أبرز مفكري أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، كرّس سنواته الأخيرة للدفاع عن أوروبا فيدرالية باعتبارها الضمانة لمنع عودة النزعات القومية والصراعات التي شهدها القرن العشرون
وبين نزعة ما بعد الحداثة post-modernisme الخاصة بالمحافظين الجدد”(14) . بعد أن صنّف الفلاسفة الفرنسيين الجدد في عداد المحافظين الشباب: ” يمتد هذا الاتجاه في فرنسا من جورج باتاي إلى ديريدا مروراً بفوكو”(15).

كلمة أخيرة لامتحان مقولة هابرماس حول كون الحداثة مشروعا لم يكتمل. لنتخيل معاً مفكِّراً مسيحياً ظهر مع نهاية القرون الوسطى وبداية عصر الحداثة فرفض هذه الظاهرة الجديدة بوصفها نزعة ما بعد قروسطية كاتباً مقالاً بعنوان: “العصور الوسطى: مشروع لم يكتمل” متحدِّثاً فيه عن مخاطر الحداثة مشدِّداً على تلك العلاقة التي يجب الحفاظ عليها بين الفكر المسيحي وروحانية العصور الوسطى (كما يؤكد هابرماس على علاقة الحداثة بعقلانية عصر التنوير). ولنتصوَّر كذلك أن هذا المفكِّر الافتراضيّ قد احتجّ ضد مناصري مشروع الحداثة مُصنِّفاً إياهم في فئاتٍ من المحافظين محذِّراً (على طريقة هابرماس) من أنّ الحداثة ليست في حقيقة الأمر إلا انحرافاً عن مبادئ القرون الوسطى. هل يمكن لنا بعد هذا أن نصنِّف هذا المفكر بوصفه حداثوياً أم محافظاً؟ يا ساداتي إنّ الملك عارٍّ. وهي ليست إلا صرخة طفل أمام صمت البالغين الذين يصفقون لثياب الامبراطور الجديدة كما صوّرها قلم الأديب المبدع هانس كريستيان اندرسن.

الهوامش:

1- تمثلت المرحلة التي اهتم فيها هابرماس بمسألة الحداثة بثلاثة أعمال أساسية: تمثّل العمل الأول بمقالته حول الحداثة التي ألقاها في فرانكفورت عام 1980 بمناسبة استلامه جائزة تيودور أدورنو والتي نُشرت في ألمانيا عام 1981 تحت اسم “الحداثة: مشروع لم يكتمل”. والثاني تجلى في مؤَلَفه الضخم نظرية الفعل التواصلي 1981. أما عمله الثالث فهو كتابه الخطاب الفلسفي للحداثة 1985.

2- قمنا بكتابة بعض العبارات بالخط العريض وذلك للتشديد عليها.

3- Ch. Baudelaire, Le Peintre de la vie moderne, in Œuvres complètes, Paris, p. 1163.

4- G.W.F. Hegel, Préface à la Phénoménologie de l’esprit, trad. J. Hyppolite, Paris, 1966, p. 33. in Habermas, Le Discours Philosophique de la Modernité, trad. Christian Bouchindhomme & Rainer Rochlitz, Gallimard, 1988, p.

5- K. Marx et F. Engels, « Manifeste Communiste », trad. Maximilien Rubel et Louis Evrard, in K. Marx. Œuvre I, t. I, Paris, 1965, p. 164.

6- فريدريك نيتشه، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، تعريب الدكتور سهيل القش، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1981، ص. 55.

7- يزعم نيتشه أن فكرة العود الأبدي قد جاءته على شكل إلهامٍ مفاجئ أو وحيٍ دفّاق. في الحقيقة إن هذه الفكرة لم تكن غائبة عن فكر نيتشه فهي بالأصل فكرة أستاذه الأول “هيرقليطس” والذي علَّق علها نيتشه في معالجته للفلسفة الإغريقية: ” ولكن عالم الاستقرار هذا سيعيد بناء نفسه بشكلٍ مشابه لما سبقه، وهو يتجدد بدون توقف. من سيكون بإمكانه أن يحرِّركم من لعنة الصيرورة؟” ، الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي، ص. 52.

8- Habermas, « La modernité : un projet inachevé », trad. franç. Gérard Raulet, in Critique, n° 413, « vingt ans de pensée allemande », oct. 1981, p. 953.

9- لا يتسع المجال هنا للحديث ليس فقط عن غياب المسألة الجمالية عن أبحاث هابرماس بل ومعاداته لها والذي قد يكون موضوعاً لحديثٍ آخر.

10- Le Discours Philosophique de la Modernité, p. 69.

11- Le Discours Philosophique de la Modernité, p. 354.

12- « The Role of the Student Movement in Germany, » in Autonomy and Solidarity, ed. Peter Dews (Verso, 1986), p. 231.

13- Jürgen Habermas, « On the Public Use of History, » in Habermas, The New consevatism: Cultural Criticism and the Historian’s Debate, ed and trans. Shierry Weber Nicholsen, with an intro. By Richard Wolin (MIT Press, 1989), p.233.

14- La modernité : un projet inachevé, p. 966.

15- المرجع نفسه.

.
بمناسبة رحيل هابرماس استعيد هذا النص من كتابي »الحداثة المحافظة»
هابرماس والدين.

بعنوان فرعي حمل اسم "ترجمة المحتوى الدينيّ بالتشارك"، يعمل هابرماس على الإعلاء من شأن الحس السليم على المعرفة العلمية للعلوم الطبيعية التي لا تتوهم فحسب قدرتها على امتلاك الحقائق، أو أكملها على الأقل، وإنما تلك التي راحت تطمح للتدخل بعملية الخلق عبر التغيير الجيني. يسمي هذه النزعة العلموية ﺑ "الإيمان العلموي" وينعتها بسخرية حادة ﺑ "الفلسفة السيئة مؤكداً: "إن الإيمان العلمويّ بعلمٍ – والذي قد لا يكتفي في المستقبل بمجرد إكمال الفهم الشخصيّ للذات عبر الوصف الذاتي المموضِع objectivant، وإنما الذي قد يعوّض الأول بالثاني أيضاً – هو ليس من العِلم في شيء. إنه ليس سوى فلسفة سيئة."
يرى هابرماس إذن أن العلم ولغته واكتشافاته يظل أقل من إشباع القدرة عن التعبير عن الحقيقة الإنسانية التي تذهب أبعد من مفردات العلم وتصوراته، وإن الحس السليم أو الحس المشترك Der commonsense هو أكمل من تصورات العلم فهو، بحسب هابرماس، "يؤكد في وجه العلوم بنيةً للتصور تستجيب لمنطقها الخاص." وهو إذ يضع الحس السليم فوق العلم من جهة فإنه يمايزه عن الدين من جهة أخرى. وإذ يتضمن كل دين من الأديان منظومة حقيقة مطلقة، تُخالف غيرها حد الاقتتال الدينيّ وهو ما أكده تاريخ صراع الأديان والآلهة، يسعى هابرماس من طرفه لإيجاد خلفية تعايش مشترك وحوار متبادل لأديان متعددة في فضاء عموميّ مفتوح دون إقصاء وعلى قاعدة من المساواة والاعتراف. لكن هذا الطموح تضمنه أصلاً الدولة العلمانية الحديثة فما الجديد الذي يريده هابرماس إذن؟ في الواقع إن مفكرنا مقتنع أن الدولة الأوروبية الحديثة قد قامت، في سيرورة الدمقرطة والعلمنة التي مرت بها، بإقصاء المتدينين أو هي تمارس شيء من التمييز بحقهم على الأقل في النقاشات العمومية المفتوحة وهو يريد أن يعيد لهم هذا الحق المُستلب المزعوم. يجد هابرماس أن المتدينين غير مرحب بهم في الفضاء السياسيّ العام وإنهم مضطرون لتبني خطاب غير ديني ليتم قبولهم فيه، بينما يريد هو أن يُرحب بهم لا كمواطنين متدينين فقط، وإنما بتصوراتهم الماورائية وبلغتهم الدينية وآراءهم ذات المرجعية الغيبية دون أن يضطروا للفصل بين معتقداتهم ورؤاهم ومواقفهم السياسية. فالفضاء العام السياسيّ يجب أن يكون مفتوحاً للجميع بحسب هابرماس الذي تستند مرافعته على الحجة الآتية: "ليس على الأكثرية المُعلمَنة [...] أن تستخلص أي نتيجة قبل أن تصيخ السمع بانتباه لاستنكار خصومها المتدينين الذين، سيشعرون بالجرح في قناعاتهم الدينية إن ظلت آذان العلمانيين صماء عنهم. وعلى هذه الأكثرية المُعلمنة اعتبار هذا الاستنكار فرصة تسمح لها أن بالتعلم من المتدينين. ثم ينطلق يعدها باسترسال وحمية، أشبه ما تكون بالحمية الدينية في الدفاع عن الدين (ما قبل الحداثي) ليس فقط مقابل العلموية والوضعانية المعرفية وإنما مقابل الفلسفة نفسها معتبراً أن هناك نقصاً تعانيه الفلسفة اليوم "فعندما أصبحت الخطيئة خطأً، وعندما أصبحت خيانة الوصايا الإلهية تجاوزاً للقوانين البشرية، فهذا يعني أن شيئاً ما قد فُقِدَ." ولكن كيف يمكن تعويض هذا الفقد الحاصل الذي لا تستطيع الفلسفة الحالية ولا العلوم المعاصرة ولا نظريات العدالة والأنساق الأخلاقية الحديثة ملأه أو تعويضه فإن جواب هابرماس هو الآتي: "في هذه اللحظات يبدو أبناء وبنات الحداثة غير المؤمنين مقتنعين أن عليهم دَيناً كبيراً أحدهم إزاء الآخر، وأنهم هم أنفسهم في عوز كبير تعوزهم الإمكانيات لبلوغه ليستطيعوا ترجمة التقليد الديني – الذي يبدو وكأن محتواه الدلالي لم ينضب بعد." ولو تساءلنا ما هو هذا العوزالذي يعنيه هنا ويعاني منه بنات وأبناء الحداثة؟ فجواب هابرماس باختصار ووضوح هو الدين. هكذا وفي بحثه عن حل للخروج من مأزق روحي لحداثة أفقدت العالَم سحره بعد أن قتلت آلهته، يرجع هابرماس إلى البحث في ما ورثته الفلسفة من الدين في الماضي اللاهوتي قبل الحديث الذي ترجمت الفلسفة لغته الماورائية إلى لغة معيارية وضعية معقلنة. وعليه فإن الماضي مرة أخرى وأخرى هو من يحدد وجهة هابرماس لما قد يبدو للوهلة الأولى سعي منه لإنقاذ الحاضر لمجتمعات مابعد علمانية ولفلسفة ما بعد ميتافيزيقة. لكن، وككل مرة، بدل البحث في أفق جديد يفتحه المستقبل والتقدّم يسعى هابرماس لتوسل الحلول من الماضي. وهو هنا يعمل على استعادة ماضٍ غيبي، وظلامي غالباً كانت الحداثة الغربية قد ناضلت طويلاً ضد دوغمائيته وظلاميته لتتجاوزه، فتجاوزه كان شرط ولادتها.

خلدون النبواني
#دعوة_استكتاب

تدعوكم إدارة تحرير مجلة (سميراميس) التي تُعنى بدراسات المرأة وشؤونها الفكرية والثقافية والاجتماعية، للكتابة والمشاركة في عدديها المقبلين الخامس والسادس، وذلك تحت عنوان:

(الإبستمولوجيا النسوية: مساءلة الحقيقة بين تموضع المعرفة وتشكل السلطة)

علماً أنّ المحاور التفصيلية للعددين تجدونها في مصفوفة الدعوة المدرجة في هذا المنشور.

وأنّ آخر موعد لاستقبال البحوث والمقالات هو: 2026/6/15

وللاطلاع على ضوابط الكتابة والترجمة وسياسة النشر، ولإرسال الملخصات والمقترحات والبحوث، يُرجى التواصل عبر رقم الواتساب التالي: 201092097481+
أو عبر الإيميل: e.i.c.samiramis.tajdid@gmail.com

#رابط دعوة_استكتاب مجلة سميراميس العدد الخامس والسادس

https://tr.ee/VtunFR
علم الفلسفة
Photo
#فوكويات

#الميكروفيزياء

يرى ميشيل فوكو أن الميكروفيزياء لا تشير إلى سلطة مركزية واضحة، بل إلى شبكة دقيقة من العلاقات تتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية. فالسلطة هنا لا تُمارَس من الأعلى فقط، بل تُنتَج وتُعاد إنتاجها عبر الأجساد، والعادات، والروتين اليومي. إنها سلطة غير مرئية، لكنها شديدة الفاعلية، لأنها تعمل من داخل السلوك نفسه.
بهذا المعنى، لم يعد الفرد كياناً حراً بالكامل، بل يغدو نتاجاً لتقنيات سلطة دقيقة تُشكّل سلوكه من دون وعي مباشر، مما يفتح إشكالية فلسفية عميقة حول مفهوم الحرية والإرادة.

وفي كتاب المراقبة والمعاقبة، يوضح فوكو كيف انتقل النظام العقابي من التعذيب العلني إلى أنظمة ضبط وانضباط دقيقة، حيث لم يعد الهدف مجرد معاقبة الجسد، بل تشكيل فرد منضبط يخضع للمعايير.

في الميكروفيزياء، السلطة ليست شيئاً يمتلكه الحاكم ويفتقده المحكوم، بل هي استراتيجية يشارك فيها الجميع. المعلم يمارسها على الطالب، والطالب يمارسها على زميله، والكل يمارسها على نفسه. إنها تشبه الكهرباء؛ لا نراها، لكننا نشعر بأثرها في كل جهاز (جسد) تمر عبره

كما يطرح نموذج البانوبتيكون، حيث يراقب الفرد نفسه بنفسه، لأنه يفترض أنه تحت المراقبة دائماً، فتتحول السلطة من قوة خارجية إلى آلية داخلية تمارس الرقابة الذاتية.

ومن الأمثلة المعاصرة، تعمل هذه الميكروفيزياء عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من خلال الإعجابات likes والمتابعة والخوارزميات، حيث يُعاد تشكيل السلوك وفق معايير غير مرئية، تجعل الأفراد يكيّفون أنفسهم باستمرار مع ما هو مقبول أو مرغوب.

https://t.me/Hussain_Mushriq/653
"فلو أنَّنا بحثْنا ملكاتنا العقلية بحثًا جيدًا، وكشفنا عن مدى علمنا لنرى الأفق الذي يفصل بين الأجزاء المضيئة والأجزاء المُظلمة من الأشياء،

أعني بين ما نستطيع فَهمه وما لا نستطيع، لاطمأنَّ الناس إلى جهلهم في الجانب المظلم ورَضُوا به، ولاستخدَموا أفكارهم وأبحاثهم في الجانب الآخر استخدامًا أنفع وأبعَثَ على الاطمئنان."

جون لوك | عن العقل البشري
#صدر_حديثاً..

ُعلن مركز تجديد للفكر والثقافة عن صدور العدد الرابع من مجلة «سميراميس» بواقع 352 صفحة، تحت عنوان:

«الإبستمولوجيا النسوية: محاولة لإعادة إنتاج المعرفة»

يأتي العدد الرابع من مجلة «سميراميس» ليضع المعرفة أمام سؤالها المؤجَّل: مَن يملك حق تعريف الحقيقة؟ ومن أيّ موقع تُصاغ الموضوعية؟ وأيّ خبرات أُقصيت كي يبدو العقل محايداً ومكتفياً بذاته؟

ينطلق العدد من الإبستمولوجيا النسوية بوصفها تفكيكاً لبنية المعرفة لا إضافةً هامشية إليها؛ فهي تكشف ما استقرّ داخل مفاهيم الحياد والعقل والموضوعية من سلطة صامتة، وتعيد وصل الحقيقة بالتجربة، والموقع، واللغة، وشروط الاعتراف.

تتحرّك بحوث العدد بين قراءة شهرزاد كصوتٍ يعيد إنتاج الحقيقة داخل العنف، واستدعاء فلسفة نسوية متعددة الثقافات، ورسم خريطة معرفية لتغيير الواقع، ومساءلة دي بوفوار في علاقتها بالوعي والسلطة وصناعة الآخر. وتوسّع البحوث المترجمة هذا الأفق عبر نقد العلم الوضعي، ومراجعة أساطير حضور النساء في العلم والفلسفة، وطرح سؤال إمكان المشروع الإبستمولوجي النسوي وحدوده.

ويخصّص العدد ملفاً لفيلسوفة الإبستمولوجيا النسوية إليزابيث إس. أندرسون، حيث تتقاطع المعرفة مع العدالة، والموضوعية مع المصالح الإنسانية، والفلسفة مع مسؤوليتها الأخلاقية. ومن خلال الحوار معها، وقراءة مفهوم العدالة في مشروعها، وترجمة نصّها حول المعرفة والموضوعية، يقدّم العدد مدخلاً مركّزاً لفهم الحقيقة حين تُقرأ من داخل شروط الإنصاف لا من خارجها.

بهذا التكوين، يقدّم العدد الرابع من «سميراميس» الإبستمولوجيا النسوية كفعل نقدي يعيد بناء النظر إلى المعرفة، ويكشف أن الحقيقة لا تكتمل حين تُنتَج من مركز واحد، ولا تصير عادلة إلا حين تعترف بالأصوات التي أسهمت في صنع العالم وظلّت خارجه.

علماً أنَّ العدد سيتم توزيعه من خلال الفروع المعتمدة في #دار_تجديد_للطباعة_والنشر في مختلف المحافظات العراقية والوطن العربي.

رابط موجز مجلة (سميراميس) العدد الرابع بعنوان:

«الإبستمولوجيا النسوية: محاولة لإعادة إنتاج المعرفة»

https://tr.ee/fojH8X

#إعلام_مركز_تجديد_للفكر_والثقافة.
علم الفلسفة
Photo
كيف ينشأ العقل والجنون؟ (بحسب ديكارت وفوكو ودريدا وفيتغنشتاين)

إن البحث في كيفية "نشأة" كل من العقل والجنون عند هؤلاء المفكرين يكشف عن صراع حول الأصول والآليات التي تدير هذه الثنائية.

آليات نشأة العقلانية
١- ديكارت (النشأة بالإرادة والوعي): ينشأ العقل كفعل إرادي من أفعال الذات التي تقرر الشك لكي تصل إلى الوضوح والتميز. العقل هنا هو "الهبة الإلهية" التي تضمن لنا الوصول إلى الحقيقة إذا استخدمنا المنهج الصحيح.

٢- فوكو (النشأة بالسلطة والإقصاء): العقلانية الغربية نشأت كـ "نظام خطابي" مرتبط بظهور الدولة الحديثة والبرجوازية. نشأ العقل من خلال الحاجة إلى "السيطرة" على الأجساد وتصنيف الفئات "غير المنتجة" كفئات غير عاقلة.

٣-دريدا (النشأة بالاختلاف والتفكيك): العقلانية تنشأ من خلال عملية "الاختلاف" (Différance) المستمرة. العقل لا يملك أصلاً نقياً، بل ينشأ دائماً كـ "رد فعل" على الهذيان واللامعنى اللذين يسكنان اللغة. العقل هو محاولة لضبط "الفيض" المعنوي.

٤- فيتغنشتاين (النشأة بالاجتماع والتدريب): العقلانية تنشأ من خلال الاندماج في "شكل من أشكال الحياة". هي ليست ملكة عقلية غامضة، بل هي "مهارة" في اتباع القواعد الاجتماعية التي نعتبرها يقينية لدرجة أنها تصبح جزءاً من طبيعتنا الثانية.

آليات نشأة الجنون
١- ديكارت (النشأة كخلل مادي): ينشأ الجنون كـ "عطل في الآلة". هو نتاج لفساد الأبخرة في الدماغ التي تشوه الصور الذهنية، مما يجعله حالة "خارج-فلسفية" لا يمكن دمجها في عملية البحث عن الحقيقة.

٢- فوكو (النشأة كصناعة مؤسساتية): الجنون ينشأ كـ "بناء اجتماعي". قبل القرن السابع عشر، لم يكن هناك "مجنون" بالمعنى الطبي الحديث؛ بل كان هناك "أبله" أو "ملهم". نشأ الجنون الحديث في المصحة والمستشفى العام كفئة "مشيئة" (Objectified) وجب علاجها أو عزلها.

٣- دريدا (النشأة كأثر بنيوي): الجنون ينشأ كـ "حد داخلي" للفكر. هو "الهاوية" التي تفتحها اللغة عندما تتجاوز حدود التمثيل. الجنون هو "الهذيان" الذي يسبق تشكّل الكوجيتو، وهو يظل "يسكن" العقل كتهديد دائم بالانهيار.

٤- فيتغنشتاين (النشأة كفقدان للمرساة): الجنون ينشأ عندما "تذهب اللغة في إجازة" (Language goes on holiday). هو الحالة التي يتوقف فيها الفرد عن التفاعل مع الآخرين ضمن القواعد المشتركة، فيصبح كلامه وتصرفه "غير مفهوم" لا لأنه بلا منطق، بل لأنه بلا "سياق اجتماعي".

الصراع الفلسفي حول "الاستثناء" والمقدس
يكشف النقاش بين فوكو ودريدا، وكذا ملاحظات فيتغنشتاين، عن بعد آخر لنشأة الجنون يرتبط بالقداسة والاستثناء.

الجنون بوصفه مقدسا مفقودًا
يرى فوكو أن الجنون في العصور الوسطى كان يمتلك بعداً "متعالياً"؛ كان المجنون قريباً من الله أو الشيطان، وكان وجوده يثير الرهبة. مع نشأة العقلانية الكلاسيكية، جرى "نزع السحر" عن الجنون وتحويله إلى "رذيلة" (العطالة) ثم إلى "مرض" (الاضطراب العقلي). هذا التحول يعكس نشأة العقلانية كعملية "علمنة" (Secularization) للفكر، حيث يُستبدل القس بالطبيب، والاعتراف بالتشخيص.

الجنون بوصفه استثناء سياديًا
عند دريدا، يظهر الجنون في سياق "عقوبة الإعدام" والسيادة السياسية. القرار السيادي بإعدام شخص ما هو قرار "مجنون" لأنه لا يمكن تبريره حسابياً؛ هو لحظة خروج عن العقلانية لكي يؤسَّس القانون. هنا، يلتقي الجنون بالسيادة؛ فكلاهما يقع عند "الحد" الذي يفصل بين الداخل والخارج.

"ألعاب اللغة" والطب النفسي المعاصر
توفر فلسفة فيتغنشتاين المتأخرة إطاراً لفهم الاضطرابات النفسية ليس كـ "أمراض في الدماغ" فحسب (كما كان يرى ديكارت)، بل كفشل في "التواصل والاندماج الاجتماعي". الجنون في هذا السياق هو "لعبة لغة" مختلفة تمتلك قواعدها الخاصة، ولكنها تفتقر إلى "الإجماع" العام. هذا يفتح الباب أمام مقاربات علاجية تركز على إعادة بناء "أشكال الحياة" والروابط الاجتماعية بدلاً من مجرد العزل أو التخدير الطبي.

التفكيك والعدالة
بالنسبة لدريدا، فإن الاعتراف بـ "الجنون" في قلب العقل هو فعل من أفعال العدالة. العدالة الحقيقية هي التي تستقبل "الآخر" (المجنون، الغريب) بضيافة مطلقة، دون محاولة إخضاعه لقواعد العقل الحسابية الضيقة. نشأ مفهوم "العدالة كجنون" في فكر دريدا المتأخر ليعبر عن تلك اللحظة التي تتجاوز فيها الأخلاق كل الحسابات العقلانية.
#صدرحديثاً..
#إعلان صدور العدد التاسع من مجلة (أخلاق)

كيف يتكوَّن الضمير؟ أهو صوتٌ فطريّ يسكن الإنسان، أم بناءٌ أخلاقيّ يتشكّل بالتربية والخبرة والثقافة؟ وأين تنتهي حدوده بوصفه معياراً للأحكام، لتبدأ أسئلته بوصفه نمطاً من الوجود الإنساني؟

يُعلن #مركز_تجديد_للفكر_والثقافة عن صدور (العدد التاسع) من مجلة (أخلاق) تحت عنوان: (الضمير: من التأسيس المفاهيمي إلى السؤال الأنطولوجي).
ينفتح هذا العدد على واحدةٍ من أكثر القضايا حضوراً في الفلسفة الأخلاقية؛ فيتتبّع مفهوم الضمير، وأصول تكوّنه، ودلالاته المعيارية، وعلاقته بالعقل والعاطفة والدين، كما يناقش موقعه بين الفطري والمكتسب، ويعيد مساءلته في أفقٍ وجودي يتجاوز وظيفته التقليدية بوصفه مجرد رقيبٍ أخلاقي.

ويضمّ العدد مجموعةً من البحوث المحكمة، العربية والمترجمة، التي تمثل مقارباتٍ فلسفية متنوعة، وتفتح حواراً نقدياً حول الضمير بوصفه أحد أكثر المفاهيم تأثيراً في فهم الإنسان ومسؤوليته الأخلاقية.

وسيتمّ توزيعه من خلال الفروع المعتمدة في #دار تجديد_للطباعة_والنشر في مختلف المحافظات العراقية والوطن العربي.


#إعلام_مركز_تجديد_للفكر_والثقافة