قناة العلم والإيمان
822 subscribers
7 photos
11 files
214 links
تُعنى بنشر أبحاثٍ دينيةٍ علميةٍ ثقافية بقلم الشيخ محمد مصطفى مصري العاملي
Download Telegram
to view and join the conversation
الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَب !

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k

بسم الله الرحمن الرحيم

الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَب !

عبارَةٌ ينقُلُها ثقة الإسلام الكليني رحمه الله في الكافي الشريف (ج6 ص461) عن رسول الله صلى الله عليه وآله، يعتبِرُها الشريف المرتضى رحمه الله من مجازات النبي (ص)، فإنّ: (بهاء العرب يكون بعمائمها، كما يكون بهاء ملوك العَجَم بتيجانها) (المجازات النبوية ص193).

يتزيّا الملوك بالتيجان، ويتزيّا (العَرَبُ) بالعمائم..
ولكن..
أين تاجُ الملوكِ والسلاطين من تيجان الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقرَّبين ؟!

فالعمامة (تاجُ كرامةٍ) و(عزٍّ) توَّجَ الله تعالى بها الملائكة كما توَّجَ الأنبياء والأوصياء عليهم السلام.

لقد عمَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله علياً عليه السلام ثم قال له: هَكَذَا تِيجَانُ الْمَلَائِكَةِ (الكافي ج‏6 ص461).

ورُوي عنه صلى الله عليه وآله أن العمامة من المروّة، وأنها تزيد في الحلم، وأن الركعتان بالعمامة أفضل من أربعة دونها، فإنَّ للِّباس آداباً ومستحبات، ولأهل الصلاح لباسٌ يتناسب وشأنهم.. وهكذا..

وقد ورد في أدعية التعمُّم:
- اللَّهُمَّ سَوِّمْنِي بِسِيمَاءِ الْإِيمَانِ وَتَوِّجْنِي بِتَاجِ الْكَرَامَةِ..
- اللَّهُمَّ تَوِّجْنِي بِتَاجِ الْكَرَامَةِ وَالْعِزِّ وَالْقَبُول..

لكنَّ الباحث يتساءل عن سرِّ كون العمامة سبيلاً (للعزّ) بعد كونها كرامةً من الله تعالى ؟!

وإذا نَظَرَ في كلمات المعصومين تَنَبَّه إلى أن للرواية الشريفة المتقدِّمة (الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ) تتمةٌ نقلها الطبرسي في مكارم الأخلاق (ص119) يقول فيها (ص):

الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ، فَإِذَا وَضَعُوا الْعَمَائِمَ وَضَعَ اللَّهُ عِزَّهُم !

ارتبطت العمامة في هذين النصين بالعزّ:
1. فعندما تُوِّجَ بها المؤمن دعا الله تعالى أن يُتَوِّجَهُ بالعزّ.
2. وعندما وَضَعَ العربُ العمائم وَضَعَ الله عزَّهُم !

فما السرُّ في هذه العمامة ؟!
وكيف يصيرُ لِقِطعَةٍ من القماش يلبسُها الناس كلَّ هذا الأثر ؟! أم أن وراء ذلك معانٍ خفية ؟!

إن لهذه الأحاديث وجهان محتملان:

الوجه الأول: عمائم أهل الحق !

إنَّ شريعةَ السماء السَّمحاء تشمُل كل جوانب الحياة، الإجتماعية والنفسية والثقافية وغيرها، ولمّا كان لأهل الإيمان علاماتٌ يُعرفون بها، ولأهل النفاق والكفر سِماتٌ تختصُّ بهم، منعت الشريعة عمّا كان شعيرةً أو شِعاراً أو علامةً لأعداء الدين، أو ما كان من مختصاتهم.. فنَهَت في أحكامها عن التشبه بأعداء الدين، كقولهم عليهم السلام: وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُود..

ولعلَّ الشريعة أرادت الحفاظ على اللباس الذي يحفظ للمرء وقاره ورزانته، ويكسبه زينةً في المظهر والجوهر، فحثَّت على التعمُّم وحكمت باستحبابه، ونهت عن تركه، وقَرَنَت بين تركه وبين سلب (العزِّ) من هذه الأمة، لأن في نزع العمائم سَلبٌ للوَقار عند شريحةٍ من المؤمنين.. ولأنَّ نزعَها عند العموم قد اقترنَ بتغيُّر المفاهيم الدينية والثقافية والفكرية والإجتماعية، وهو الذي يشير إليه حديث أمير المؤمنين عليه السلام:

لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَلْبَسُوا لِبَاسَ الْعَجَمِ، وَيَطْعَمُوا أَطْعِمَةَ الْعَجَمِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ (المحاسن ج‏2 ص410).

لا تفرِّقُ الشريعة بين عَرَبيٍّ وعجميٍّ، فالأفضلية للتقوى وحدَها، والعجميُّ هو كلُّ من لم يكن عربياً، والحديثُ الشريف يُرشدُ إلى أنّ الأمة إذا غيَّرَت لباسها وطعامها إلى لباس غيرها وطعامه، وتشبَّهت بسواها فيه وفي غيره، صارت مصداقاً لكلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهجه الشريف: قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُم‏ ! أو (يَصِيرَ مِنْهُم‏).

وفي هذا حَثٌّ على التمسُّك بالآداب والسنن في شتى مجالات الحياة، والتعرُّف على أصالة الشريعة وعَظَمَتِها.

على أنَّ العمامةُ اليوم لم تَعُد من لباس العرب عموماً، وإن ظلَّت رمزاً لأهل العِلم.

الوجه الثاني: عمائم الأئمة !

لا يبعُدُ أن يكون هناك وجهٌ آخر أعظمُ وأبلغُ وأكثر خطورةً مما تقدَّم، يبيِّن وجه الاقتران بين العمامة والعزَّ، ففي بعض الروايات إشاراتٌ عظيمة المعنى..

فَرَمزُ العزِّ الأول في الإسلام هو (الإمامة) ! كما عن الإمام الرضا عليه السلام:
إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ، وَنِظَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَصَلَاحُ الدُّنْيَا، وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ (الكافي ج‏1 ص200).

ولما سُلِبَ حقُّ الأئمة، وَأَقَامَ النَّاسُ غَيْرَ عَلِيٍّ: (لَبِسَ إِبْلِيسُ تَاجَ الْمُلْكِ) !
ثم قال لأبالسته: اطْرَبُوا، لَا يُطَاعُ اللَّهُ حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ ! (الكافي ج‏8 ص345).

فلولا أن العربَ قد فرَّطوا في من تقلَّد عمامة رسول الله صلى الله عليه وآله، لما لبسَ إبليسُ تاجَ الملك !
أما ألبسَ النبيُّ (ص) عمامته (السَّحَابَ) لأمير المؤمنين عليه السلام يوم الخندق ؟! حين قال: بَرَزَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ إِلَى الشِّرْكِ كُلِّه‏.

أما بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ إِلَى عَلِيٍّ فَعَمَّمَهُ وَأَسْدَلَ الْعِمَامَةَ بَيْنَ كَتِفَيْه‏ ؟!

أما ورثَ عليٌّ عمامة النبي (ص) وكان يلبسُها بعد شهادته صلى الله عليه وآله، ثم أورثَها بنيه عليهم السلام، حتى قال الحسين عليه السلام يوم عاشوراء: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ هَذِهِ عِمَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ أَنَا لَابِسُهَا ؟!

لم تقبل الأمة مَن لَبِسَ عمامة رسول الله، وقَبِلَت إبليسَ الذي لبس تاج الملك!

المعادلةُ واضحةٌ جلية..

1. إما عمامة رسول الله، يلبسُها عليُّ بن أبي طالب وبنوه.. تورثُ عزاً في الدُّنيا والآخرة.

2. وإما أن ترفُضَ الأمّة هذه العمائم، فيلبس إبليسُ وزبانيته تاج المُلك، فيُكسبُ الله هذه الأمة ذلاً لا عزّ بعده إلا بظهور الإمام !

وإذا كان خلع العرب لعمائمهم سبيلاً للذل، فما بالك برفضهم لصاحب عمة رسول الله، الإمام المطهر المعصوم، وإنكارهم لحقه..

لقد قال صلى الله عليه وآله:
مَا وَلَّتْ أُمَّةٌ أَمْرَهَا رَجُلًا قَطُّ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا لَمْ يَزَلْ أَمْرُهُمْ يَذْهَبُ سَفَالًا حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مِلَّةِ عَبَدَةِ الْعِجْل‏..

وهذه الأمة قد ألبسها الله ثوب الذلّ، بعدما ضيَّعت حقَه تعالى وحق رسوله وأوليائه..

ولكن..

لا يزال في أمة الإسلام اليوم من يحمل شيئاً مِن عَبَقِ رسول الله صلى الله عليه وآله، أولئك هم العلماء الحلماء الأبرار الأتقياء، حَمَلَةُ علوم آل محمد، يتعلمونها ثم ينتشرون في بلاد الله الواسعة، يحملُ كلٌّ واحدٍ منهم بقدر وسعه واستطاعته من علوم المعصومين، ليبذرها في القلوب المتعطشة لمعارفهم الحقة..

ويرعى هذه البذرة صاحب العصر والزمان، فتنمو وتثمر في زمن القحط والجدب..

هكذا.. رفضت الأمة عمامة عليٍّ عليه السلام وقدّمت تاج إبليس.. إلا شرذمة قليلة تمثِّلُ مذهب الحق..
واختار الله فئةً منهم تعمموا بتلك العمامة، وتُوِّجُوا بتيجان الملائكة..
ثم صار شغل الملائكة الاستغفار لهم وفَرش الأجنحة أمامهم: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضاً بِه‏ !

هؤلاء من قال عنهم الإمام عليه السلام:
لَوْ لَا مَنْ يَبْقَى بَعْدَ غَيْبَةِ قَائِمِكُمْ (ع) مِنَ الْعُلَمَاءِ الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ.. لَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّه‏ ! (الإحتجاج ج‏1 ص18).

هؤلاء أصحاب التيجان.. الْعَمَائِمُ تِيجَانُ الْعَرَبِ !

هو تكليفٌ قبل أن يكون تشريفاً..
ومسؤوليةٌ عظيمة تُلقى على عاتق العلماء العاملين، الساعين لكفالة أيتام آل محمد، بحسب الوُسع والمُكنَة..

نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، وأن يوفقنا وإياهم وجميع المؤمنين لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بيدنا ويرضى عنا إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين

الأربعاء 20 ربيع الأول 1443 هـ
27 - 10 - 2021 م
https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k
عُلَماءٌ جَبابِرَة !!

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k

بسم الله الرحمن الرحيم

وصفَ اللهُ تعالى نفسَهُ في سورة الحشر فقال: (الْعَزيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (23).

إنَّ الإلهَ العظيمَ الجبّارَ قاهرٌ لعباده، لا يملكون منه أمراً..
والتجبُّرُ كالتكبُّر، من مُختَصّاته تعالى، حيثُ وَصَفَ به نفسه، ونفاه عن أنبيائه ورسله، أقرب الخلق إليه، فذكرَ منهم:

1. يحيى عليه السلام: (وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا) (مريم14).
2. وعيسى عليه السلام: (وَبَرًّا بِوالِدَتي‏ وَلَمْ يَجْعَلْني‏ جَبَّاراً شَقِيًّا) (مريم32).
3. وخير الخلق محمد صلى الله عليه وآله: (وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) (ق45).

وهكذا صار التَجَبُّرُ تُهمةً اتُّهِمَ بها بعض أنبياء الله، منهم كليمه موسى عليه السلام حين قيل له: (إِنْ تُريدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ) (القصص19).

ولكنَّ الأنبياء منزَّهون عن ذلك حقّاً، فإن جزاء المتجبِّر ما قاله تعالى: (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر35).

والتجبُّرُ قد يكون على صُوَرٍ، منها ما ذكره الفراهيدي:

1. والجَبَّار: العاتي على ربه، القتّال لرعيته..
2. والجَبَّار من الناس: العظيم في نفسه الذي لا يقبل موعظةَ أحد.. (العين ج‌6 ص117‌).

أما المعنى الأوَّل، فهو ما اعتادَ النّاسُ وصفَ الملوك الظالمين به، المتسلِّطين على رقاب النّاس، الذين يقهرونهم بالباطل ظُلماً وعدواناً.

لكن في ثاني المعنيين نوعٌ من الغرابة، إذ كيف يكون (العظيمُ في نفسه) جبّاراً ؟!

نُقَلِّبُ صفحات كتب اللغة، فنرى من كلماتهم في التَجَبُّر واستعمالاته أنَّهُ:

- جِنْسٌ من العظَمة والعُلوّ (معجم مقائيس اللغة ج‌1 ص501‌).
- وأنّه: يقال لمن يجبر نقيصته بادّعاء منزلة من التعالي لا يستحقها (مفردات ألفاظ القرآن ص184‌).
- والجَبَّارُ: المتكبر الذي لا يرى لأَحد عليه حقّاً (لسان العرب ج‌4 ص113‌).
- وقَلْبٌ جَبَّارٌ: ذو كبر لا يقبل موعظة (لسان العرب ج‌4 ص113‌).

بهذا يتَّضح أن الجبّارَ ليس هو الملك العاتي وحده، ولا المتسلِّطُ الظالم فقط، فإنَّ مِنَ النّاس من يعيشُ التَجَبُّرَ ولو كان وضيعاً بين النّاس، يعيشُ التجبُّر بينه وبين نفسه، يستشعرُ العظمَةَ في ذاته بدلاً من التذلُّل أمام الله تعالى، يرى لنفسه رِفعةً أمام الله عزَّ وجل أو أمام عياله.. ولا يرى لأحدٍ عليه حقاً، ولا يرى أحداً خيراً منه، ولا يقبلُ نصيحةً من أحد، ولا يستمع لمتكلِّمٍ مهما كان.

إنَّهُ يُنازعُ الله تعالى في علوّه وعظمته، فيصيرُ جبّاراً !

وعلامات التَجَبُّر قد تكون جليَّةً بيِّنة، وقد تكون خفية..

وقد يتَّصفُ بها الملوك، وقد تعثُرُ عليها في من لا يُحتمل التجبُّر في حقِّه، حتى في النِّساء الضعاف، كالمرأة التي: (قِيلَ لَهَا تَنَحَّيْ عَنْ طَرِيقِ رَسُولِ الله)، فامتنعت بحجّة كون الطريق عريضاً، فهمَّ بها بعضُهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله: دَعُوهَا فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ ! (الكافي ج‏2 ص309).

هكذا يكونُ مَن نراهُ مخلوقاً ضعيفاً مستحقَّاً للشفقة والرَّحمة (جبّاراً): (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) !

وهذا نوعُ امتحانٍ يخضعُ له عبادُ الله، فمَن خلع جلباب التواضع ابتلي بالتجبُّر، وكان أبعدَ الناس عن الله تعالى، كما عن الصادق عليه السلام: الْجَبَّارُونَ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (ثواب الأعمال ص222).

لكنَّ أكثرَ النّاس امتحاناً بهذا الأمر هم (أهلُ العلم)، حَمَلَةُ رسالة السَّماء، الذين يلزمهم التواضع في كل حالاتهم، فإن لم يكونوا كذلك، كانوا (علماء جبابرة)!

فعن الصادق عليه السلام:
1. اطْلُبُوا الْعِلْمَ.
2. وَتَزَيَّنُوا مَعَهُ بِالْحِلْمِ وَالْوَقَارِ.
3. وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ الْعِلْمَ.
4. وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ طَلَبْتُمْ مِنْهُ الْعِلْمَ.

5. وَلَا تَكُونُوا عُلَمَاءَ جَبَّارِينَ ! فَيَذْهَبَ بَاطِلُكُمْ بِحَقِّكُمْ (الكافي ج‏1 ص36).

لَقَد اقترَنَ التواضُعُ بالعلم، فكان خيرُ خلق الله وأعلمهم على الأطلق أكثرهم تواضعاً، وهو الذي خاطبه الله تعالى: (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ) (الحجر88).
وأما مَن لم يكن متواضعاً في تعلُّمه من العلماء، وتعليمه لعباد الله، كان (جبّاراً) ! وصار عِلمُهُ وبالاً عليه !

نعم.. إنَّ ممَّن يتزيا بزيّ أهل العلم مَن يكون (جبّاراً) في نفسه ! وقَد بيّن الصادق عليه السلام بعضاً من علاماته، فعنه عليه السلام:

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَذْهَبُ فِي عِلْمِهِ مَذْهَبَ الْجَبَابِرَةِ وَالسَّلَاطِينِ:

1. فَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنْ قَوْلِهِ
2. أَوْ قُصِّرَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ

غَضِبَ ! فَذَاكَ فِي الدَّرْكِ الرَّابِعِ مِنَ النَّارِ (أعلام الدين ص97).
لقد أصيبَ هؤلاء بالتجبُّر (في عِلمهم)، فكانوا على مذهب السلاطين الظلمة، أولئك يظلمون عباد الله بالقهر والبطش لتجبُّرهم، وهؤلاء يملكون قلوباً متجبِّرة ! وقد يجتمعُ الوصفان عند بعضهم !

وهؤلاء العلماء الجبابرة لا يرون لأحدٍ حقّاً في مناقشتهم حتى وإن كان محقاً !
ولا يقبلون الردَّ عليهم ولو كلمةً مقابل الكلمة..

يُعامِلُ أحدُهُم عبادَ الله كأنَّه صاحب الفضل والفضيلة عليهم جميعاً، وكأنّه أعلى وأسمى وأرفع من كل مَن سواه، ولا يقبلُ من أحدٍ موعظةً ولو كانت حقاً وصدقاً !

ثمَّ يرى لنفسه حقاً على الناس، يغضبُ إذا ما قصَّروا في أدائه، أو خالفوه في شيء من قوله!

ولكن.. لماذا صار هذا في الدّرك الرابع من النار ؟!
إنّ المتكبّر ينازعُ الله رداء الكبرياء، وهذا المتجبِّر ينازع الله رداء العظمة والعلوّ.

ومنشأ هاتين الخصلتين الذميمتين شيءٌ واحد: الذلّة !
فعن الصادق عليه السلام: مَا مِنْ رَجُلٍ تَكَبَّرَ أَوْ تَجَبَّرَ إِلَّا لِذِلَّةٍ وَجَدَهَا فِي نَفْسِهِ (الكافي ج‏2 ص312).

هي نفوسٌ ذليلةٌ حقيرةٌ، يسعى أصحابُها للتخلُّص من هذا الذلّ بالتجبُّر !
تُقابِلُها نفوسُ المؤمنين التي تتواضع لله ولعباده المؤمنين، فيرفعها الله تعالى في الدُّنيا والآخرة.

ثمَّ يخفض المتكبر المتجبر، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله: إِنَّ فِي السَّمَاءِ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ بِالْعِبَادِ فَمَنْ تَكَبَّرَ وَتَجَبَّرَ وَضَعَاهُ (المحاسن ج‏1 ص123).

ثم يجزيهم (مَنَازِلُ الْجَبَّارِينَ)، حيث (سَقَر)، فيستقرّون في جُبٍّ يُدعى (هَبْهَبُ): كُلَّمَا كُشِفَ غِطَاءُ ذَلِكَ الْجُبِّ ضَجَّ أَهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ ! (المحاسن ج‏1 ص123).

هكذا يصيرُ الامتحانُ عظيماً لأهل العلم، وقد هوَّنَهُ عليهم أنبياء الله ورسله، حينما كانوا قمَّة في التواضع، فهذا روح الله عيسى بن مريم عليه السلام يغسل أقدام الحواريين ! ثم يقول لهم: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِدْمَةِ الْعَالِمُ، إِنَّمَا تَوَاضَعْتُ هَكَذَا لِكَيْمَا تَتَوَاضَعُوا بَعْدِي فِي النَّاسِ كَتَوَاضُعِي لَكُمْ ! (الكافي ج‏1 ص37).

نعم للعالِمِ حقٌّ على الجاهل، لكنَّه يغضُّ النظر عن حقه ويتواضع في تعلُّمه وتعليمه..
هذه سنَّةُ الله في شريعة عيسى عليه السلام كما في شريعة محمد صلى الله عليه وآله، بل سنَّته في كل العصور والدُّهور.. فمن تواضع لله رفعه، ومَن تكبَّر أو تجبَّر كان ذليلاً في نفسه، وعندَ ربه..

اللهمَّ إنّا لا نرى لأنفسنا خطراً وعزّاً أمامك.. ولا فضلاً على عبادك.. فآمنّا من هذا البلاء، وادفعه عنا، وارحمنا برحمتك، وأعنّا على حمل أمانتك.. إنك مجيب الدّعاء.

والحمد لله رب العالمين

الجمعة 22 ربيع الأول 1443 هـ
29 - 10 - 2021 م
https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k
أربعون يوماً.. بَعدَ الرَّسول !

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k

بسم الله الرحمن الرحيم

الثامنُ من ربيع الثاني، هو يومُ شهادة الزَّهراء عليها السلامُ على روايةٍ ! فَيَومُ شهادَتِها مُختَلَفٌ فيه، كاختلاف الأمة حول آل محمد عليهم السلام !

وللأيام الأربعين خصوصيتها عند الزَّهراء عليها السلام.. حيثُ كان بينَ زواجِها من عليٍّ عليه السلام في السماء وزواجها منه في الأرض (أَرْبَعِينَ يَوْماً) كما عن الباقر عليه السلام (دلائل الإمامة ص93).

ولها خصوصيتها عند المؤمنين، فلا يمرُّ على العبد المؤمن أربعون يوماً دون بلاءٍ من الله تعالى ! كما عن الصادق عليه السلام:

مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَهُوَ يذكَّرُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِبَلَاءٍ يُصِيبُهُ: إِمَّا فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، أَوْ فِي نَفْسِهِ، فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، أَوْ هَمٍّ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُو ! (مشكاة الأنوار ص293).

ولذا صارَ البلاءُ رفيقَ المؤمن منذ أيام آدم إلى ما شاء الله.. فهذا آدم عليه السلام: بَكَى عَلَى هَابِيلَ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَة ! (تفسير القمي ج‏1 ص166).

لكنَّ ما جرى على الزَّهراء كان أعظَمَ من بلاء آدم وأشقَّ ! وأصعبَ من بلاء المؤمنين وأشدّ !

فما بلاءات المؤمنين مجتمعةً أمام هَولِ ما جرى عليها ؟!
وكيف كانت أيامُها الأخيرة بعد شهادة النبي (ص) ؟!
سواء كان آخرها يوم الأربعين.. أو كانت الأربعين جزءً من هذا البلاء العظيم ؟!

يُعرَفُ بَعضُ ذلك من لسان أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله.. في رواية عجيبةٍ يرويها ابن عباس، حين دخلَ الحسنُ عليه السلام، ثم الحسين عليه السلام، ثم الزهراء عليها السلام، ثم أمير المؤمنين عليه السلام، وفي كلِّ مرةٍ يبكي النبيُّ صلى الله عليه وآله !

حتى قال له أصحابه: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَرَى وَاحِداً مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا بَكَيْتَ !
أَ وَ مَا فِيهِمْ مَنْ‏ تُسَرُّ بِرُؤْيَتِهِ ؟!

سؤالٌ عجيبٌ من الصحابة ! هؤلاء أعَزُّ النّاس على رسول الله، وأقربهم إليه، فكيف لا يُسرُّ برؤيتهم ؟!
جَهِلَ هؤلاء الصحابة أو تجاهلوا سببَ بكاء النبيِّ صلى الله عليه وآله، وتوهّموا أو تظاهروا بأنَّ بكاءه ينافي سروره بهم !

فبادَرَ صلى الله عليه وآله إلى رفع هذه الشبهة بقوله: إِنِّي وَإِيَّاهُمْ لَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْهُمْ !

ثم بيَّن فضائلهم واحداً واحداً.. وأوضحَ سبب بكائه..

فالزّهراء: بَضْعَةٌ مِنِّي، وَهِيَ نُورُ عَيْنِي، وَهِيَ ثَمَرَةُ فُؤَادِي، وَهِيَ رُوحِيَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ !

مَن ذا الذي يُدركُ أبعاد كلمات الرَّسول الخاتم صلى الله عليه وآله !

النبيُّ صلى الله عليه وآله يقول: يا جابر، أوّل ما خلق اللّه نور نبيّك، اشتقّه من نوره‏..
يا جابر، فالعرش من نور نبيّك، والعلم من نور نبيّك، واللوح من نور نبيّك، والشمس والقمر والنجوم وضوء النهار وضوء الإبصار من نور نبيّك‏ ! (غرر الأخبار ص195-197)

ثم يقول عن الزَّهراء: نُورُ عَيْنِي !

فهي (نورُ عينِ) الرَّسول.. والرَّسول نورُ الله تعالى !

فهي نورُ عين النّور !

أيُّ معنى هذا ؟!
ليس لمَن خُلِقَ من فاضل طينتهم أن يُدرِكَ عظمة حقيقتهم، ومقدار رفعة أنوارهم، وعلوّ درجتهم عند الله تعالى.. إلا أن يُدرِكَ قطرةً من بحر فضلهم ومجدهم وسؤددهم..

ثمَّ يكشفُ رسول الله ما يجري على (سيِّدةِ الإماء) فكان سبباً في بكائه.. وما أعظمَ كلَّ واحدٍ من هذه البلايا، فكيف وقد اجتمعت كلُّها على هذه العظيمة الجليلة ؟!

يقول صلى الله عليه وآله:
وَ أَنِّي لَمَّا رَأَيْتُهَا ذَكَرْتُ مَا يُصْنَعُ بِهَا بَعْدِي:

1. كَأَنِّي بِهَا وَقَدْ دَخَلَ الذُّلُّ بَيْتَهَا !

لقد سئل الإمام عن حديث النبي (ص): مَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَبُيُوتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّة، فقيل له: بُيُوتُ النَّبِيِّ (ص) وَبَيْتُ عَلِيٍّ مِنْهَا ؟
قَالَ: نَعَمْ وَأَفْضَل‏ (الكافي ج4 ص556).

إنَّ بيتَها روضةٌ من رياض الجنَّةِ وأفضل.. وهو مهبطُ ملائكة الرحمان.. رغم ذلك أدخلوا الذلَّ بيتَها !
إنَّ أمَّةً تُدخِلُ الذلَّ بيتَ مُحَمدٍ وعليٍّ وفاطمة عليهم السلام هي أمّة الخذلان والرذيلة !
إن أمَّةً لا تتألَّمُ لما جرى عليها فتنصُرها هي أمَّةٌ قاسية القلب، وقُساة القلب أبعد الناس عن الرحمان عزَّ وجل.

2. وَانْتُهِكَتْ حُرْمَتُهَا

3. وَغُصِبَتْ حَقَّهَا

4. وَمُنِعَتْ‏ إِرْثَهَا

5. وَكُسِرَ جَنْبُهَا [وَكُسِرَتْ جَنْبَتُهَا]

6. وَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا وَهِيَ تُنَادِي: يَا مُحَمَّدَاهْ، فَلَا تُجَابُ، وَتَسْتَغِيثُ فَلَا تُغَاثُ !

هيَ الزهراء.. حرمتها من حرمة الله.. وحقُّها من حقّ الله.. وكلُّ ما جرى عليها تَجاوُزٌ لحدود الله..
وهي تستغيثُ.. لإتمام الحجة وإكمالها.. فهي عالمةٌ بما جرى ويجري..
ولئن لم تجد من ينصُرها في أيامها.. فقد حقَّ أن ينصرها الله تعالى ويغيثها.. وهو الذي كتَبَ لذلك أجلاً، أوَّلُهُ عند ظهور المنتظر عليه السلام، وآخره لا انقطاع له في يوم الحساب..

ثمَّ يذكر صلى الله عليه وآله عظيمَ مصائبها.. وكلُّ واحدةٍ منها داهية عُظمى، فيقول صلى الله عليه وآله:

فَلَا تَزَالُ بَعْدِي:

7. مَحْزُونَةً مَكْرُوبَةً بَاكِيَةً

8. تَتَذَكَّرُ انْقِطَاعَ الْوَحْيِ عَنْ بَيْتِهَا مَرَّةً

9. وَتَتَذَكَّرُ فِرَاقِي أُخْرَى

10. وَتَسْتَوْحِشُ إِذَا جَنَّهَا اللَّيْلُ لِفَقْدِ صَوْتِيَ الَّذِي كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَيْهِ إِذَا تَهَجَّدْتُ بِالْقُرْآنِ

11. ثُمَّ تَرَى نَفْسَهَا ذَلِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي أَيَّامِ أَبِيهَا عَزِيزَةً، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُؤْنِسُهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِالْمَلَائِكَةِ..

12. ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِهَا الْوَجَعُ فَتَمْرَضُ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهَا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ تُمَرِّضُهَا وَتُؤْنِسُهَا فِي عِلَّتِهَا.

فَتَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ يَا رَبِّ: (إِنِّي قَدْ سَئِمْتُ الْحَيَاةَ ! وَتَبَرَّمْتُ بِأَهْلِ الدُّنْيَا ! فَأَلْحِقْنِي بِأَبِي !)

لا حول ولا قوّة إلا بالله..
ليست الزَّهراء من أهل السآمة والمَلَل، لكنَّ حياةً تجتمعُ فيها هذه المصائب على أمثالها لا تستحقُّ أن تُرتجى !
وأهلُ دنيا لا يؤمنون بالله رباً ! ولا يمتثلون لمحمدٍ (ص) أمراً ! ولا يتركون لعليٍّ وفاطمة وآلهما حرمةً الا انتهكوها.. أحطُّ من أن تتمنى الزَّهراءُ عليها السلام البقاء بين ظهرانيهم !

وهذا عليٌّ عليه السلام يكرِّرُ القولَ نفسه بعد سنين، وهو الخائف ظُلمَ رعيته، فيقول لهم:
اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَئِمْتُ الْحَيَاةَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَتَبَرَّمْتُ الْأَمَلَ، فَأَتِحْ لِي صَاحِبِي حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِنْهُمْ وَيَسْتَرِيحُوا مِنِّي، وَلَنْ يُفْلِحُوا بَعْدِي‏ ! (الإرشاد ج1 ص277).

ما أفلحوا بعدَ الزّهراء كما لم يفلحوا بعد علي عليهما السلام.. ولن يفلحوا حتى يتمَّ الحجةُ الحجةَ ثم يعمل السّيف في رقاب الظالمين المعاندين.

قالت عليها السلام: فَأَلْحِقْنِي بِأَبِي !

وقال الرسول (ص):

فَيَلْحَقُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِي، فَتَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَلْحَقُنِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَتَقْدَمُ عَلَيَّ (مَحْزُونَةً مَكْرُوبَةً مَغْمُومَةً مَغْصُوبَةً مَقْتُولَةً) !

فَأَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ ظَلَمَهَا، وَعَاقِبْ مَنْ غَصَبَهَا، وَذَلِّلْ مَنْ أَذَلَّهَا، وَخَلِّدْ فِي نَارِكَ مَنْ ضَرَبَ جَنْبَهَا حَتَّى أَلْقَتْ وَلَدَهَا.

فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: آمِينَ (الأمالي للصدوق ص112-114)

وهكذا نقول.. ويقول المؤمنون: آمين رب العالمين..

عظَّمَ الله أجورنا بمصاب البَتول.. ولعنَ الله ظالميها.. وعجَّلَ في فَرَجِ الآخذ بثارها..

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ليلة الثامن من ربيع الثاني 1443 هـ
13 - 11 - 2021 م

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k
قناة العلم والإيمان pinned «أرشيف قناة (العلم والإيمان) بسم الله الرحمن الرحيم فيما يلي أرشيف معظم المواضيع التي نشرت في قناة العلم والإيمان خلال عامٍ تقريباً، ضمن سلسلة تحتوي 118 موضوعاً، في مجالات العقيدة والسيرة والشعائر وغير ذلك.. بناء على طلب بعض الأخوة الأعضاء، ليسهل الرجوع إليها.…»
فاطمةُ المَعصُومة.. قَبَسٌ من نُورِ الزَّهراء !

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k

بسم الله الرحمن الرحيم

تُدفَنُ الزَّهراءُ ليلاً.. ويُعَفِّي عليٌّ موضعَ قبرَها !

تتلَهَّفُ قلوبُ الموالين لزيارتها، لكنَّها تُزَارُ دون مَرقَدٍ ظاهر !

خَفيَ قَبرُ فاطمة الزَّهراء عليها السلام..
فأظهَرَ اللهُ قبراً لفاطمة المعصومة سلام الله عليها !

وَكَأنَّ العُلقَةَ الباطنة لا تَروي غليل المؤمنين، فأظهَرَ الله تعالى لهم مَرقداً عظيماً وقبَّةً شامخةً للمعصومة، يقصدونها لتبقى صلةَ وَصلٍ بين الآل وبين شريفات البيت الطاهر.. مع ما لهنَّ من عظيم المنزلة عند الله تعالى، وَمِن حَقٍّ يلزمُ على المؤمن معرفته.

لقد خَفيَ قبرُ الزَّهراء.. تأصيلاً للبراءة من الأعداء..
وظَهَرَ قبر المعصومة.. تأكيداً للولاية والبراءة، ففي زيارتها عليها السلام: أًتَقَرَّبُ إلَى اللهِ بِحُبِّكُمْ، وَالْبَراءَةِ مِنْ أعْدائِكُمْ !

هيَ فاطمةُ المعصومة.. قَبَسٌ مِن نور الزَّهراء، سَيِّدَةٌ جليلةٌ عظيمةٌ، لا يُدانيها في الفضل أعاظمُ الرِّجال..

حَقُّها من حقِّ محمدٍ وعليٍّ وفاطمة عليهم السلام.. وقد اشتهر بين الناس عن أخيها الرضا عليه السلام قوله: مَنْ زَارَهَا عَارِفاً بِحَقِّهَا فَلَهُ الْجَنَّةُ ! (بحار الأنوار ج99 ص266).

ليست معرفةُ حقِّها مُيسَّرَةً لكلِّ أحد، فكما يحتاجُ الإقرار بولاية أمير المؤمنين إلى طينةٍ طيِّبَةٍ، وإخلاصٍ لله، وتوفيق منه، كذلك لا يُقِرُّ بحقِّها وفضلِها إلا شيعة العترة الطاهرة، الذين يعلمون بَعضاً من فضل الذريّة التي قال عنها تعالى: (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْض‏).

إنَّ لذريَّة النبيِّ كرامةٌ عند الله تعالى، فكيف بأشرافهم وعظمائهم ؟!

لقد قال النبي (ص):
إِنِّي شَافِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ، وَلَوْ جَاءُوا بِذُنُوبِ أَهْلِ الدُّنْيَا:

1. رَجُلٌ نَصَرَ ذُرِّيَّتِي
2. وَرَجُلٌ بَذَلَ مَالَهُ لِذُرِّيَّتِي عِنْدَ الْمَضِيقِ
3. وَرَجُلٌ أَحَبَّ ذُرِّيَّتِي بِاللِّسَانِ وَبِالْقَلْبِ
4. وَرَجُلٌ يَسْعَى فِي حَوَائِجِ ذُرِّيَّتِي إِذَا طُرِدُوا أَوْ شُرِّدُوا (الكافي ج4 ص60).

فمَحَبَّتُهُم بنَفسِها شَرَفٌ يُشَرِّفُهُ الله للمؤمن، ينالُ به شفاعةَ النبيّ صلى الله عليه وآله أولاً.

ثمَّ شفاعة الزهراء عليها السلام ثانياً، حينما يأتي النداء يوم الجزاء من الله جلَّ جلاله:

يَا حَبِيبَتِي وَابْنَةَ حَبِيبِي، سَلِينِي تُعْطَيْ، وَاشْفَعِي تُشَفَّعِي !

.. فَتَقُولُ: إِلَهِي وَسَيِّدِي: ذُرِّيَّتِي، وَشِيعَتِي، وَشِيعَةَ ذُرِّيَّتِي، وَمُحِبِّيَّ، وَمُحِبِّي ذُرِّيَّتِي !
فَإِذَا النِّدَاءُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ: أَيْنَ ذُرِّيَّةُ فَاطِمَةَ وَشِيعَتُهَا وَمُحِبُّوهَا وَمُحِبُّو ذُرِّيَّتِهَا ؟

فَيُقْبِلُونَ وَقَدْ أَحَاطَ بِهِمْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، فَتَقْدُمُهُمْ فَاطِمَةُ (ع) حَتَّى تُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ (الأمالي للصدوق ص18).

فالرَّسولُ لا يشفعُ لِمَن لا تشفَعُ له الزَّهراء، والزَّهراء لا تشفعُ لمن لا تشفع له المعصومة عليها السلام !

كيف ذلك ؟

إنَّ فاطمة المعصومة جزء من سلسلةٍ طهَّرَها الله وشرَّفها، وأوجب لها حقاً على الخلق لا يَقبَلُ تبعيضَه، فليس من إيمانٍ بالله تعالى دون الإقرار بالنبي صلى الله عليه وآله، ولا نبوّة دون الإمامة، ولا إمامة دون الزّهراء، ولا يُقبلُ عَمَلُ عاملٍ لم يقرَّ لآل محمدٍ عليهم السلام بالفضل.

ولكن.. يقول قائل:
إذا كان المؤمن ينالُ شفاعة النبيِّ والزهراء.. فما حاجته لشفاعة المعصومة عليها السلام؟!

يأتي الجواب عن لسان الإمام الرضا عليه السلام أولاً حين يعلِّمنا أن نقول في زيارتها:
السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ فاطِمَةَ وَخَديجَةَ، السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ أميرِ الْمُؤمِنينَ !

يشير في هذه الفقرات وسواها إلى الترابط بين هذه السلسلة، وأنّ إنكار بعضِها إنكارٌ للكلّ، كآيات الكتاب العزيز، وقد قال تعالى: (أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى‏ أَشَدِّ الْعَذابِ).

وآلُ محمدٍ أعظَمُ آيات الله، فلا يُقبل الإيمان ببعضهم وإنكار الآخر..

وكأنَّ طريقَ الزّهراء تمر بالمعصومة.. فهي سلسلةٌ واحدةٌ.. وقد بيَّنَ لنا الرضا عليه السلام حاجتنا لشفاعة المعصومة، حين نقول في زيارتها:
يا فاطمةُ اشْفَعي لي فِي الْجَنَّةِ، فَإنَّ لَكِ عِنْدَ اللهِ شَاْناً مِنَ الشَّاْنِ !

أيُّ شأنٍ هو هذا ؟! يحارُ أهلُ العلم في فهم هذه العبارة (شَاْناً مِنَ الشَّاْنِ)، ولا نزعمُ الإحاطة بما لها عند الله، فإنَّ حديثاً واحداً في فضلها يُحَيِّرُ العقول، حيثُ روي عن الصادق عليه السلام قوله عنها:
وَتدْخلُ بِشَفَاعَتِهَا شِيعَتِي الْجَنَّةَ بِأَجْمَعِهِم‏ ! (بحار الأنوار ج‏57 ص228).

كلُّ مؤمنٍ يدخُلُ الجنّة بشفاعة فاطمة الزهراء عليها السلام (فَتَقْدُمُهُمْ فَاطِمَةُ (ع) حَتَّى تُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ)، فكيف صارَ دخولهم (بِأَجْمَعِهِم‏) للجنة بشفاعة فاطمة المعصومة عليها السلام ؟!

إنَّها قَبَسٌ مِن فاطمة الزهراء !
ونورٌ من نورها .. ونورها نور الله تعالى !
وقد وَرِثَت منها الفضيلة والكرامة والعزّ والشرَّف.. والشفاعة.. وما لا يخطر على بال..

هكذا تكون الشفاعةُ متسلسلةً عند الأطهار.. فيحتاجُ المؤمن إلى شفاعة آخرهم كأوَّلِهم، ولا يشفعُ الأوَّلُ ما لم يشفع الآخر !

فما مِن شفاعةٍ للنبي (ص) ولا للزهراء (ع) ولا لأمير المؤمنين (ع) ما لم تشفع سلسلة الأطهار.. فهي شفاعةٌ مُوَحَّدَةٌ لهم جميعاً، ومنهم السيدة المعصومةُ، مَعَ أنَّ لكلٍّ منهم عليهم السلام خصوصيَّتُه، وللأربعة عشر فضلهم.

أما المعصومة، فقَد شرَّفَها الله تعالى، وشرَّفَ الأرضَ التي دُفِنَت فيها شَرَفاً عظيماً، فـصارت: قُمُّ عُشّ آلِ مُحَمَّدٍ وَمَأْوَى شِيعَتِهِمْ (بحار الأنوار ج‏57 ص214).

وهي التي ظَهَرَ العِلمُ فيها، ثم (يُفِيضُ الْعِلْمُ مِنْهُ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) (ص213).

كلُّ هذا نَزرٌ من بركات العترة الطاهرة.. تَظهَرُ حيثُ يريد الله تعالى لها ذلك، وما خَفيَ وادّخره الله عزَّ وجلّ لهم ولمحبيهم أعظم.

لقد خَفِيَت عنّا سيرةُ هذه السيدة الجليلة، وشخصيّتها، وغاب عنّا جُلُّ ما جرى عليها، ولكن أبى الله تعالى إلا ان يُظهِرَ شيئاً من فضلها، فلا يُعقَل أن تنال هذه المنزلة العظيمة لو لم تتمتع بما يؤهلها لذلك..

إنَّها من قومٍ زُقّوا العلم زقاً..
أصحابُ نُفوسٍ قُدسيَّةٍ كساها الله تعالى من نوره..

السلام عليكِ يا فاطمة المعصومة..
السَّلامُ عَلَيْكِ يا بِنْتَ فاطِمَةَ وَخَديجَةَ..

أنتِ شفيعتنا عند الله تعالى..
وأنتِ أهلٌ للقبول..
فما رَجَعَ مَن جاوَرَكِ يوماً خائباً..
وما رُدَّ نَزيلُكِ عن بابك يوماً..

ونحن الراجون كَرَمَكم.. في الدُّنيا والآخرة..

اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ، فَلَا تَسْلُبَ مِنِّي مَا أَنَا فِيهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.

وإنا لله وإنا إليه راجعون

من جوار المعصومة.. في ذكرى ارتحالها سلام الله عليها

ليلة العاشر من ربيع الثاني 1443 هـ
15 - 11 - 2021 م

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k
عندما نَكونُ سبباً.. لِظُلمِ أبنائنا !

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد كان إبراهيمُ عليه السلام كثيرَ الدُّعاء لذريّته أو بعضها، فخاطب اللهَ تعالى تارةً بقوله: (رَبِّ اجْعَلْني‏ مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتي‏)، وأخرى: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك)‏، وثالثة دعا لهم فقال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِم‏)، ورابعةً طلب الإمامة فيهم..

كشفَ ذلك عن حُبِّ الكُمَّلِ من الخَلقِ لذراريهم كعموم الناس، وعن طلبهم لكمالهم وقُربِهِم من الله تعالى، وهو يكشفُ عن نفوسٍ شريفةٍ تُريدُ أن يكون نَسلُها مِن أهل التقوى والصلاح، والقُربِ من الله تعالى.

وتظهر هنا معادلتان:

الأولى: معادلةُ القيامة !

يُقابلُ اللهُ تعالى صلاحَ أهل الإيمان، بأن يُلحِق بهم ذراريهم يوم القيامة، فيرفَع من دَرَجَتِهم ليكونوا معَ أهلهم، فتقرَّ عيونهم بهم: (وَالَّذينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ).

يقول الإمام الصادق عليه السلام: قَصَرَتِ الْأَبْنَاءُ عَنْ عَمَلِ الْآبَاءِ، فَأَلْحَقُوا الْأَبْنَاءَ بِالْآبَاءِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ (الكافي ج3 ص249).

فمَن بلَغَ المراتب السامية من المؤمنين ولم يكن أبناؤه بتلك المثابة، وكانوا في درجاتٍ أدنى من الجنة، رفَعَ الله درجَتَهم إكراماً لآبائهم، فلا يبقى بُعدُهم عن ذراريهم حسرةً عليهم وإن كانوا معهم في الجنة ! ولا يتأسَّفُ الآباء على عدم بلوغ أبنائهم الدرجات العالية.

هكذا هي المعادلةُ في الآخرة، يحكُمُها كَرَمُ الله تعالى، ويتنعَّمُ المؤمنُ فيها بالجنة دون تنغيص.

الثانية: معادلةُ الدّنيا !

وهي تستحقُ التأمُّلَ مِن أهل الإيمان وَسِوَاهم.. وتُستفادُ من قول الله تعالى:

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً)
فأنذَرَت الآيةُ الناسَ في ذريَّتهم !

وكأنَّها تقول:
أيُّها الإنسان، ليس عليك أن تخشى الله تعالى في نفسك فقط، فتقول: أنا لا أخافُ آثارَ المعاصي، فإنَّها لا تقتصر عليك أيُّها العبدُ الجاهل !
إنَّ لكَ ذريَّةً حقَّ أن تخشى عليها، لو عصيتَ الله عزَّ وجل !

ولكن..
إذا كانت التقوى سبباً لرفعة شأن الذريَّة في الآخرة، فما الربط بين معصية الله وبين الخوف على الذرية ؟!

يُبَيِّنُ ذلك الإمام الصادق عليه السلام حين يقول:

مَنْ ظَلَمَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ:
1. مَنْ يَظْلِمُهُ
2. [أَوْ عَلَى عَقِبِهِ‏]
3. أَوْ عَلَى عَقِبِ عَقِبِهِ

وعنه عليه السلام: مَنْ ظَلَمَ مَظْلِمَةً أُخِذَ بِهَا فِي نَفْسِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ (فِي وُلْدِه) (الكافي ج2 ص332).

إنَّ مَن اتّقى الله تعالى أكرَمَهُ عزَّ وجلّ في ذريته، ومَن عصى الله تعالى وتجرَّأ عليه بظُلمِ عباده (أُخِذَ) في نفسه أو في (وُلده) !

وليسَ الظُّلمُ حِكراً على الحاكم الجائر، مع عِظَمِ ما يقوم به..
فإنَّ له صوراً وألواناً.. يجتنبُها العبدُ المؤمن..

فلا يأكلُ أموال الناس بالباطل، ولا يقهَرُ المؤمنين، ولا يغصبهم حقوقَهم، ولا يمكُرُ بهم، ولا يفتنُ بينَهم، ولا يهتكُ سِترَهم، ولا يجرَحهُم بكلماته..
يَعلَمُ أنَّ الكلمةَ قد تكون ظُلماً.. وأنَّ النَّظرة التي يُخيف بها عباد الله ظُلمٌ.. والتّوهين ظُلمٌ..

فكلُّ إنسانٍ قد يكون ظالماً لِمَن حولَه، لإخوانه أو جيرانه أو أصدقائه أو سواهم.. فيُسَلِّطُ الله تعالى عليه من يظلمه أو يظلم أحداً من ذريَّته !

فإن قيل:
كيف يُسَلِّطُ الله تعالى ظالماً على أبرياءٍ لا ذنبَ لهَم إلا ظُلم أبيهم أو جدِّهم لعباده ؟!

قلنا:
حاشا لله أن يكون ظالماً، وتعالى ربُّنا عن ظُلمِ عباده (وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبيد).

لكنَّ ههنا معادلةً في قمَّةِ الرّوعة والجمال، تَجمَعُ بين حقوق العبادِ جميعاً، وبين غضب الله ورحمته !

ذلك أنَّ الله تعالى يَعلمُ من العَبدِ حُبَّه لذريَّته، واستعداده للتضحية في سبيلهم حتى بحياته، فحذَّرَهُ من أن يكون سبباً في أذيَّتهم (في الدُّنيا)، وهذا التحذيرُ ينبغي أن يكون في غاية الأهمية عند من يُنشدُ السلامة والعافية لذريَّته، فيكون سبباً في حثِّهِ على الهداية والإستقامة، وحافزاً للنجاة من النار بتقوى الله وامتثال أمره.

أما ما يُنزِلُهُ الله تعالى بذريَّته مِن بلاءٍ على فرض ظلمه للعباد، فهو أولاً سببٌ لأذية هذا العاصي، وثانياً بابٌ لرِفعَةِ شأن هؤلاء المظلومين عند الله تعالى، عند صبرِهم على ما يقعُ عليهم من بلاء وظُلم !

كيف ذلك؟
إنَّ الله تعالى لم يأمُرَ ظالماً بظلمٍ أبداً، ولكنّه يُسلِّطُ الظالم على عباده ليختبرهم.. فلا يكون الظالمُ مجبوراً على ظلمه (حاشا لله)، بل هو عاصٍ لأمر الله تعالى، لكنَّه تعالى لا يحول بينه وبين ظلم العباد امتحاناً لهم.
فيُنزِلُ هذا الظالمُ الظُّلمَ على ذريَّة العاصي، وهو الظالمُ الأول، فإن كانوا من أهل الإيمان كان في ذلك كلُّ الخير لهم، وعظيم الثواب من الله تعالى.
فما نَزَلَ عليهم ليسَ عقوبةً لهم على شيءٍ فعلوه، بل امتحانٌ منه عزَّ وجل، يؤجرون عليه إن صبروا.

قال الإمام الصادق عليه السلام:
مَا ظَفِرَ أَحَدٌ بِخَيْرٍ مِنْ ظَفَرٍ بِالظُّلْمِ !

أيَّ أنَّ الظُّلمَ الذي يقَعُ على العَبدِ هو أفضَلُ ما يُنَال!

هي مُعادَلَةٌ يصعُبُ فَهمُها والإقرارُ بها، فكيف يصير وقوع الظُّلمِ على عبدٍ (ظَفَراً وفوزاً) بل (خيرَ فوزٍ) ؟!

يكمل عليه السلام بيانه فيقول:
أَمَا إِنَّ الْمَظْلُومَ يَأْخُذُ مِنْ دِينِ الظَّالِمِ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْخُذُ الظَّالِمُ مِنْ مَالِ الْمَظْلُومِ (الكافي ج2 ص334)
أو (مِنْ دُنْيَا الْمَظْلُومِ) كما عن الباقر عليه السلام.

لَقَد سَلَبَ الظالمُ الثاني ذريَّة الظالم الأول شيئاً من دنياهم وأموالهم، لكنَّهم أخذوا من دينه أكثر مما أوقع بهم، فما مقدارُ ما سَلَبَهُم أمام نعيم الجنّة الذي ينالُه هؤلاء مقابل صبرهم على ما يقع عليهم ؟!

وما مقدار ظُلامة يوم أو سنة أو عُمرِ أمام الخلود في جنّةٍ عرضُها السماوات والأرضُ ؟! فعنهم عليهم السلام: وَاللَّهُ يُعَوِّضُ هَذَا الْمَظْلُومَ بِأَضْعَافِ مَا لَحِقَهُ مِنَ الظُّلْم‏ !

هكذا يصيرُ وقوع الظُّلمِ على العباد المؤمنين فوزاً! وعلى الظالم وَبالاً !

أما في الدُّنيا: ففي نفسه أو ماله أو ذريّته !
وأما في الآخرة فَتَحرُمُ عليه الجنة، ويشتدُّ غضبُ الله عليه: اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ !

وهكذا يصيرُ الخوفُ من وقوعِ البلاء على الذريَّةِ مانعاً للعاقل من ظلمِ عِبادِ الله، فمَن تجرأ وعصى ووقع البلاء على ذريَّتِه رَفَعَ الله درجتَهم بصبرهم إن كانوا من أهل الإيمان.. فلا ظُلم لأحدٍ في البَين.

ولَعَليٍّ عليه السلام كلمةٌ ساحرةٌ في نهج البلاغة حين يقول:

وَلَا يَكْبُرَنَّ عَلَيْك‏ ظُلْمُ مَنْ ظَلَمَكَ، فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي مَضَرَّتِهِ وَنَفْعِك‏ !

هكذا يكونُ أهلُ الله، يصبرون على ما يقع عليهم من ظُلم، ويخشون ظُلمَ النّاس، لخشيتهم من ربِّهم أولاً، ولخوفهم على أنفسهم وعلى ذريَّتهم ثانياً.

كما يخشون أكلَ مال الحرام، فإنَّ: كَسْب الْحَرَامِ يَبِينُ فِي الذُّرِّيَّةِ (الكافي ج5 ص125).

أجارناَ الله تعالى مِن لقمة الحرام، ومِن كلِّ معصيةٍ.. سيَّما ظلم عِباده، بكلِّ ألوانه..

والحمد لله رب العالمين

الخميس 12 ربيع الثاني 1443 هـ
18 - 11 - 2021 م

https://t.me/joinchat/VrfsA3TnShqpVF6k