"ادعولي أموت "
لم أدْرِ يومها سبب طلبه الغريب فلم أكنْ فضوليّاً لأسأله،،لكنّ وجهه الملتحي الموسوم بالجدّية طُبِع في ذاكرتي كوشم،، كان شابّاً في أواخر عقده الثاني تقريباً يغزو وجهه الشعر تكسوه جلابيّة سوداء قصيرة يحملُ في جيبها العلوي سواكاً اهترأ رأسه من الاستخدام كُنْتُ وأخي ننتظر صلاة العشاء في المسجد يلفّنا التعب بعد ساعةٍ من حفظ القرآن وكنّا لم نتجاوز العشر سنين بعد،،وقف جانبنا بعد أن ألقى السلام منهَكاً وفرك أسنانه بالسواك يمنةً ويسرة فزاده اهتراءً ، دسّه مكانه ليستريح ، ثمّ من دون أن ينبس بكلمة أخرج من جيبه زجاجة عطر زيتيّةٍ صغيرة شرِبت الأيادي نصفها ومسح على ظاهر يدينا وقال"ادعولي أموت"
عندما هوَيْتُ ساجداً في صلاة العشاء قُلْتُ فيما دعوت : يا رب موّت الشب اللي عطّرنا ...
الله يسامحني يارب على هذه الفعلة المُشينة ..
..
من الذاكرة .. 😞
لم أدْرِ يومها سبب طلبه الغريب فلم أكنْ فضوليّاً لأسأله،،لكنّ وجهه الملتحي الموسوم بالجدّية طُبِع في ذاكرتي كوشم،، كان شابّاً في أواخر عقده الثاني تقريباً يغزو وجهه الشعر تكسوه جلابيّة سوداء قصيرة يحملُ في جيبها العلوي سواكاً اهترأ رأسه من الاستخدام كُنْتُ وأخي ننتظر صلاة العشاء في المسجد يلفّنا التعب بعد ساعةٍ من حفظ القرآن وكنّا لم نتجاوز العشر سنين بعد،،وقف جانبنا بعد أن ألقى السلام منهَكاً وفرك أسنانه بالسواك يمنةً ويسرة فزاده اهتراءً ، دسّه مكانه ليستريح ، ثمّ من دون أن ينبس بكلمة أخرج من جيبه زجاجة عطر زيتيّةٍ صغيرة شرِبت الأيادي نصفها ومسح على ظاهر يدينا وقال"ادعولي أموت"
عندما هوَيْتُ ساجداً في صلاة العشاء قُلْتُ فيما دعوت : يا رب موّت الشب اللي عطّرنا ...
الله يسامحني يارب على هذه الفعلة المُشينة ..
..
من الذاكرة .. 😞
"يلّا جراجيرو ، يلّا نعانيعو ...، يلّا نعنع بلدي.. "
كل يوم ومع انسدال ستار النهار ودخول عتمة الليل على مسرح الأرض ينطلق ذلك الصوت اليتيم بدرّاجته الهوائية ليجوبَ أرجاء رفح وربّما أبعد من ذلك، ثمّ بعد ساعاتٍ أنهكتْ جسده التّعِب يحصد في النهاية "شواكلَ" معدودةً لا تسمن ولا تغني من جوع ، فيحمد الله أن أبعده عن تلك التجارة الكاسدة التي يباع فيها ماء الوجه بثمنٍ بخس ويكون فيه صاحبه من الزاهدين ....
اصدح يا ذاك بكل ما أوتيت من صوت ،، لعلّ الجالسين على أبواب المساجد يعتبرون.
..
يوميًا في شارعنا .
كل يوم ومع انسدال ستار النهار ودخول عتمة الليل على مسرح الأرض ينطلق ذلك الصوت اليتيم بدرّاجته الهوائية ليجوبَ أرجاء رفح وربّما أبعد من ذلك، ثمّ بعد ساعاتٍ أنهكتْ جسده التّعِب يحصد في النهاية "شواكلَ" معدودةً لا تسمن ولا تغني من جوع ، فيحمد الله أن أبعده عن تلك التجارة الكاسدة التي يباع فيها ماء الوجه بثمنٍ بخس ويكون فيه صاحبه من الزاهدين ....
اصدح يا ذاك بكل ما أوتيت من صوت ،، لعلّ الجالسين على أبواب المساجد يعتبرون.
..
يوميًا في شارعنا .
ملابس رثّة مهترئة كادت تذبل ، "صندل" مقطوع الجوانب لبسه لئلّا يقال عنه مجنون ، وحزنٌ يسود قسَمات وجهه كأنّه ابن خمسين ،لم يكدْ يُكمل ذلك الطفل عقده الأوّل حتّى تمكّن الفقر منه ونهش الحزن من طفولته حتّى فقدها، يطوفُ في وسط البلد صباحاً كيْ يجدَ من يحنو قلبُه لحالته فيعطيه شيكلاً أو اثنين ، فيرفضه هذا ، ويمنعه ذلك ، ويصدُّه ذاك ،،، قال له أحدهم مرةً مازحاً : شايف الراجل هداك ، اجري عليه ، مليان مصاري ..
لفّ وجهه بسرعة البرق ، وشرع يتفحّصُ وجوه المارّة كمن يترقّبُ مسافراً لم يره منذ عقودٍ في محطّة المنتظرين وعندما لم يجد إلا السراب طأطأ وجهه يائساً بائساً ،،،
-عمّو ممكن تعطيني شيكل...
-أنت بصف ايش ي عمّو؟؟
-أنا بروحش ع المدرسة ، بطَّلت من المدرسة لمّا كنت بصف سادس..
-ليش بطَّلت من المدرسة ؟؟ مش المدرسة أحسلّك من اللفلفة زي هيك ؟؟
أطرق رأسه إلى الأرض كأنّه يستنجدها لتعطي هي الجواب ، فالجواب يمزِّق قلبه ويزيده وجعاً وبؤساً ، والأرض من كثرة خطاه عليها قد حفظت قصّته عن ظهر قلب ، وها هي يوميّاً تسردها لجاراتها من الكواكب في وقت النوم ...
أخذ نفساً عميقاً من فمه وقال:
-أبوي استشهد قبل سنتين في الحرب ، وأنا أكبر واحد في إخواني ، وإخواني كلّهم صغار في صف خامس وثالث وأول وروضة ،،،،
تنهّد ثمّ زفر كأنّه يريد للكلام أن يُقطع وللنفَسِ أن يُمنع كيْلا يخرجهما من شفتيْه فتحرقا حنجرته و فمه ،، ثمّ أكمل وعلامات الحزن واليأس قد ملأت ملامح وجهه راسمةً بذلك لوحةً دراميّة لا تُنْسى مهما كان للزمن نصيبٌ منها :
-وأمّي حكتلي بطّل من المدرسة وروح اشتغل وجيبلنا مصاري نطعمي اخوانك ، وأنا مش عارف وين أشتغل و بقدرش أشتغل ، والله منا عارف ايش أمي هتساوي لمّا تشوفني هيك ،،،
.
.
.
.
بالله عَلَيْك كفى ..
..
موقف من الذاكرة .. 😢
لفّ وجهه بسرعة البرق ، وشرع يتفحّصُ وجوه المارّة كمن يترقّبُ مسافراً لم يره منذ عقودٍ في محطّة المنتظرين وعندما لم يجد إلا السراب طأطأ وجهه يائساً بائساً ،،،
-عمّو ممكن تعطيني شيكل...
-أنت بصف ايش ي عمّو؟؟
-أنا بروحش ع المدرسة ، بطَّلت من المدرسة لمّا كنت بصف سادس..
-ليش بطَّلت من المدرسة ؟؟ مش المدرسة أحسلّك من اللفلفة زي هيك ؟؟
أطرق رأسه إلى الأرض كأنّه يستنجدها لتعطي هي الجواب ، فالجواب يمزِّق قلبه ويزيده وجعاً وبؤساً ، والأرض من كثرة خطاه عليها قد حفظت قصّته عن ظهر قلب ، وها هي يوميّاً تسردها لجاراتها من الكواكب في وقت النوم ...
أخذ نفساً عميقاً من فمه وقال:
-أبوي استشهد قبل سنتين في الحرب ، وأنا أكبر واحد في إخواني ، وإخواني كلّهم صغار في صف خامس وثالث وأول وروضة ،،،،
تنهّد ثمّ زفر كأنّه يريد للكلام أن يُقطع وللنفَسِ أن يُمنع كيْلا يخرجهما من شفتيْه فتحرقا حنجرته و فمه ،، ثمّ أكمل وعلامات الحزن واليأس قد ملأت ملامح وجهه راسمةً بذلك لوحةً دراميّة لا تُنْسى مهما كان للزمن نصيبٌ منها :
-وأمّي حكتلي بطّل من المدرسة وروح اشتغل وجيبلنا مصاري نطعمي اخوانك ، وأنا مش عارف وين أشتغل و بقدرش أشتغل ، والله منا عارف ايش أمي هتساوي لمّا تشوفني هيك ،،،
.
.
.
.
بالله عَلَيْك كفى ..
..
موقف من الذاكرة .. 😢
..
عن اليوم الأول في الصف الأول :
في ذلك اليوم الذي لا يُنْسى و ذلك الصباح المزيّن بالسماء الزرقاء كصفحة من بِركة لامعة وبالشمس الذهبيّة كعِقْدٍ في جيدِ فتاةٍ حسناء، كان قلبي يرفرفُ كعصفورٍ نجح في الطيران لأول مرة ، وكان صدري المكتسي بالقميص الأزرق الناصع يبتسم لمن وما يراه.عندما أوصلني أبي للمدرسة - شعرْتُ بغربةٍ تعتريني وتملأ داخلي ، لم أر عالماً كهذا من قبل، فقد اعتدتُ البيْتَ مسكناً وملاذاً ولم أدْرِ للمدرسة طريقاً،هل أنا وحدي من تتملّكني تلك المشاعر؟ أظنّ أن هذا الذي ينظر حوله نظرةً بلهاء مثلي، وذلك الذي يصرخ ويتملّص من يدي أبيه ليهرب من الباب أيضاً مثلي؛إذاً لا بأس،لستُ الأبلهَ الوحيد هنا "الحمد لله " ...، أياً يكن فها أنا أستمتع بالنظر لهذا وهو يجري خلف زميله و ذلك وهو يصرخ لأن والده تركه قليلاً ولم أتوقّع حينها أني سأكون مثله بعد قليل.. اشترى لي والدي قطعة بسكويت من مقصف المدرسة ووقَفْتُ لآكلها فقد نهشَ الجوع أمعائي وبدأتْ بالأنين المعهود ، ووقف هو مع رجلٍ يبدو عليه بأنهُ مُدرس , وفجأة، وجدُتني أبكي ويعلو بكائي أكثر ، لم يعبأ أحدٌ بي فقد كان الإزعاج يضجُّ بالمكان ، إلّا أنَّ أبي سمعني بعد نصف دقيقة تقريباً فسألني ونظرة استغراب قد علت ملامح وجهه : " ايش مالك بتصيّح؟؟"، لم أتوقّف عن البكاء وأشرْتُ له إلى أمامي هناك وقلتُ والصوت يخرج منّي متقطّعاً والنهنهات لا تكاد تفارق صدري وفمي : . "أخ أخد أهأأأههأأه البس هأه البسكوتة منّي"
"طيّب خلص اسكت ، الحين بشتريلك وحدة تانية"
يا لك من لصٍّ مُحْترف , لعلّك جائعٌ لم يوصلك والدك للمدرسة فقررتَ أن تحصل على شيء حتّى ولو بالسرقة
. يا لك من وغد لقد خرّبْتَ عليّ طفولتي في يوم مولدها ، دارت الدنيا في رأسي حينها ، ملامح السعادة البريئة الطفوليّة التي فقدُتها للتو قد تبدّلت إلى كآبة وحزن مريرين شديدين... وقف هناك بعيداً وشرع ينهش من قطعتي و جسدي قطعة قطعة وأنا أتوجع أكثر فأكثر ، جعل يأكل منها وينظر إليّ من أطراف عينيه ليضمن أنني لن أهاجمه، كان كقطٍّ أخذ لحم البيت وجعل يأكل منها ويتربّص بعينيه أحد البشر الذي سيسترد القطعة ... انتهى من القطعة ثم تراءى لي شبح الإمتنان يتمايل على وجهه ثمّ ذهب متربصّاً بضعيفٍ مثلي ليُفسد عليه ما تبقّى من يومه .
..
الذاكرة والحمدلله قوية .. 😂
عن اليوم الأول في الصف الأول :
في ذلك اليوم الذي لا يُنْسى و ذلك الصباح المزيّن بالسماء الزرقاء كصفحة من بِركة لامعة وبالشمس الذهبيّة كعِقْدٍ في جيدِ فتاةٍ حسناء، كان قلبي يرفرفُ كعصفورٍ نجح في الطيران لأول مرة ، وكان صدري المكتسي بالقميص الأزرق الناصع يبتسم لمن وما يراه.عندما أوصلني أبي للمدرسة - شعرْتُ بغربةٍ تعتريني وتملأ داخلي ، لم أر عالماً كهذا من قبل، فقد اعتدتُ البيْتَ مسكناً وملاذاً ولم أدْرِ للمدرسة طريقاً،هل أنا وحدي من تتملّكني تلك المشاعر؟ أظنّ أن هذا الذي ينظر حوله نظرةً بلهاء مثلي، وذلك الذي يصرخ ويتملّص من يدي أبيه ليهرب من الباب أيضاً مثلي؛إذاً لا بأس،لستُ الأبلهَ الوحيد هنا "الحمد لله " ...، أياً يكن فها أنا أستمتع بالنظر لهذا وهو يجري خلف زميله و ذلك وهو يصرخ لأن والده تركه قليلاً ولم أتوقّع حينها أني سأكون مثله بعد قليل.. اشترى لي والدي قطعة بسكويت من مقصف المدرسة ووقَفْتُ لآكلها فقد نهشَ الجوع أمعائي وبدأتْ بالأنين المعهود ، ووقف هو مع رجلٍ يبدو عليه بأنهُ مُدرس , وفجأة، وجدُتني أبكي ويعلو بكائي أكثر ، لم يعبأ أحدٌ بي فقد كان الإزعاج يضجُّ بالمكان ، إلّا أنَّ أبي سمعني بعد نصف دقيقة تقريباً فسألني ونظرة استغراب قد علت ملامح وجهه : " ايش مالك بتصيّح؟؟"، لم أتوقّف عن البكاء وأشرْتُ له إلى أمامي هناك وقلتُ والصوت يخرج منّي متقطّعاً والنهنهات لا تكاد تفارق صدري وفمي : . "أخ أخد أهأأأههأأه البس هأه البسكوتة منّي"
"طيّب خلص اسكت ، الحين بشتريلك وحدة تانية"
يا لك من لصٍّ مُحْترف , لعلّك جائعٌ لم يوصلك والدك للمدرسة فقررتَ أن تحصل على شيء حتّى ولو بالسرقة
. يا لك من وغد لقد خرّبْتَ عليّ طفولتي في يوم مولدها ، دارت الدنيا في رأسي حينها ، ملامح السعادة البريئة الطفوليّة التي فقدُتها للتو قد تبدّلت إلى كآبة وحزن مريرين شديدين... وقف هناك بعيداً وشرع ينهش من قطعتي و جسدي قطعة قطعة وأنا أتوجع أكثر فأكثر ، جعل يأكل منها وينظر إليّ من أطراف عينيه ليضمن أنني لن أهاجمه، كان كقطٍّ أخذ لحم البيت وجعل يأكل منها ويتربّص بعينيه أحد البشر الذي سيسترد القطعة ... انتهى من القطعة ثم تراءى لي شبح الإمتنان يتمايل على وجهه ثمّ ذهب متربصّاً بضعيفٍ مثلي ليُفسد عليه ما تبقّى من يومه .
..
الذاكرة والحمدلله قوية .. 😂
" وإن ضاقت الأعشاشُ بأهلِها، أُفقُ الحُب يزيدُها سعةً، وحدكِ يا أُمي لي عُشًا، وأنا طيرُكِ المكسورُ من أمدِ. 💜"
في رمضان شعور واستشعار برحمات الله، بمغفرته، برضاه يسيطر على الرّوح ويجلب الأمان .
اللّهمّ بلغنا رمضان ♥️
اللّهمّ بلغنا رمضان ♥️
"أخبرتنِي أمِي مرَة بأنَنا نحملُ أمواجًا في صِدورنا، هذا يفسّر ملوحة دموعنا، وعندمَا تُصبح مشاعِرنا ثَقيلة، تفيضُ".
و إذا حاول المرء أن يتأمل في سر العلاقة بين رمضان و القرآن . أو أزمان الصيام و القرآن ، فإنه يمكن أن تكون العلاقة أن الصيام يهذب النفس البشرية فتتهيأ لاستقبال رمضان ، ففي أيام الصيام تكون النفس هادئة ساكنة بسبب ترك فضول الطعام
و هذا يعني أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن و فهمه التقلل من الفضول .
مثل فضول الطعام ،و فضول الخلطة مع الناس ، و فضول النظر ،و فضول السماع ، و فضول تصفح الإنترنت."
و هذا يعني أن من أعظم ما يعين على تدبر القرآن و فهمه التقلل من الفضول .
مثل فضول الطعام ،و فضول الخلطة مع الناس ، و فضول النظر ،و فضول السماع ، و فضول تصفح الإنترنت."
رحمُ هذا الشّهر يتّسعُ لتوأم ❤️
تتمزّقُ أوصالُ الذّكرى تبكي على أطلال أيامي الحَرّة. وتعبثُ في ذهني أضغانَ نفسي، وتصرعني قتيلَ الفكرة، وتُسائلني، لماذا تراجعت ؟ توخّيت حذري في الإجابةِ هذه المرّة، واستقبلتُ في الحبّ قبلتي وعانقتُ شهادةَ التّوحيد، وقلتُ لها: "فلتسمعيني بعينيك".
إنّ المرء ما يلبث في تقلّبات شتّى، حتّى يأذن اللهُ لقلبِه أن يثبتَ في ضِفّة أمانٍ وبَرٍّ، وحتّى يُساقَ أو يأخذ بنفسِه نحو نجاةٍ أكيدةٍ، فقدرُهُ بين فكيِّ تخييرٍ وتسييرٍ، وهو عليه ذا يسيرُ.
لا ثباتَ على دوامٍ، النّهر الّذي يُبهر الفتى ويجعلُه شاعرًا محبًّا كشُعراءِ الأندلس بل أشدّ لوعة، هو ذاته النّهر الّذي سيغدو انسيابه اعتياديًّا ويفقد بريقه ولا يولّد إلّا شحيح الكلام، لكنّه يعود استثنائيًّا يومَ أن يرتعَ على ضفافه من يُعيد له الحياة.
لِذا في الحقيقةِ أنا لم أتراجع، ولكنّها نالت منّي الدّنيا قليلًا بزخرفها وغرّني طول الأمل، وغالبني شعورُ الحاجةِ للخروجِ من فطرةِ التزامي. وتهتُ في بئر جوفاء لا صدى لصوتي فيها ولا صوتَ لي فيها.. ولم أنجو كما نجا يوسفُ، فأين أخوتي؟ ولمَ لم يتبعني بعد السّنين منهم أحد؟ ولمَ لم تبيضّ عيون أبي لفقدي؟ وخُلّت موازيني وهويْت.
ولكنّني رغمَ انبعاث الشّؤم من كلّ جارحةٍ منّي عليَّ تشهدُ، يأتي اللّطفُ على هيئةِ ساعةٍ، وأحيانًا يوم أو أيام قليلة، والسّعد كلّ السّعد لمّا يأتي على هيئةِ شهرٍ بأيامه ولياليه.
وينشلُني كما لو أنّني في بحرٍ لُجيّ وجيء بي من قعرِ قعره وكأنّني أرى النّور لأوّل مرّةٍ، وكأنّ كلّ مرّةٍ تكون أولَ مرّة، وألبس حلية العافية بعد أن سقمتَ حتّى أصابَني السّقم في قلبي فآلمني، ولكنّه الحيّ يأبى إلّا أن يُحييَني ويعفوَ عنّي بعد أن عاهدته ألّا أكرّر ذنبي، وتماديتُ في التّكرارِ ونقضْتُ وعدي.
أكوّر نفسي على كلّ ما مضى وأقرُّ في ذاتي أنّها عودة، وتتلقّفني يدُ الله وأضعُ على حروفي نقاطها، وأرى الهلالَ المنيرَ يستبقُ زفراتي ويخبرني أنّني أحسنتُ الرّجوعَ، وأنّ القعودَ عن الشّغف لهي الخطيئة ولهو الحرمان، ويسرّها بيني وبينه أنّه فارقةُ قدرٍ من أحسن ما برأ المولى وما كتب، ومن أفضل ما منحَ الأنامَ وأنعمَ وأدهشَ.
ويقرِؤني السّلامَ ويبصرني بعيونٍ مشتاقة ويقولُ لي: "إنّ رحمَ هذا الشّهر يتّسعُ لتوأمٍ، يومَ يحسب الفتى أنّ أبوابَ العفوِ قد أُغلِقت، بل هو يتّسع للمعمورةِ كلِّها، ويجعل من جدارِهِ يديْن تعانق الجميع وتربّت على أكتافِ كلّ آدميّ جاءها يبغي الحنانَ والعطف، ويلدُهم جميعًا… معَ أوّل تكبيرةٍ في فجرِ العيد، يولَدون كأنّهم لم يعرفوا الزّمانَ ولا المكانَ ولا ضغينةَ الدّنيا، ومن بغى تلك الولادةَ حقًّا عليه أن يتكبّدَ عناءَ المخاضِ إذ سينسلخُ تمامًا عن ماضٍ من المعاصي قد سبق، ويقطع دابرَ الشّك باليقينِ أنّ العفو سيشمله حتمًا..
يأتينا جميعًا وكأنّه يأتي لكلّ واحدٍ منّا على حدى، يمنح الفضلَ لنا حتى ليشعر كلّ منّا أنه فاز بكلّ الفضل، هو البهيُّ على الاطلاق، في روحه وريحانه وجنّة نعيمه، يكفي الجمْعُ أنّهم في ركب التّنافس يسيرون، يكفي أنّه يضفي التّميّز علينا في كلّ يوم من أيامه، يكفي أنه يجمّعنا على الذّكر وعلى مائدة الإفطار، والقلوب قد تصافت والأرواح سألت الله القبول، والشّياطين مصفّدة، عنها ينأى المرء ويبلغ بحسن نواياه ما يغفر عنه ما تقدّم وما تأخّر من ذنبٍ.
رمضانُ الخير مسحةُ الارتقاءِ يوم دنت النّفس إلى حضيض رغباتها، وعلت تكبيرات القدوم عند أوّل إقبال لنا عليه، "الله أكبرُ لا أرباب دونه في الحبِّ والطّاعةِ والتّوحيدِ".
اليوم أشعرُ بكلّ ما أردفتُ بيقينٍ أنّي جمعتُ مشاعري ومشاعرَ غيري بقارورةٍ وأرسلتها طوعًا لأرواحنا علّها تعدّ العدّة جيّدًا وتستقبل الشّهر الكريم بهمّة وثباتٍ واصرارٍ على عدم التّضييع لهذه النّعمة الجزيلة، وبإقرارٍ أنّه سيطوي صفحة الماضي وستزهرُ من توبتِه رياحين العفو والغفران.
لي وللقارئ من بعدي:
لا يهمّ متى تعود، لكن من المهمّ أن تعرف أنّ طريق العودة دائمًا على استعداد لاستقبالك، وكلّما هممتَ في الولوجِ آجلًا كلّما اتّسعت بؤرة اليقين لديك وأصبحتَ شغفًا في البقاء، لا تسوّف، فقد لا تعلم متى تغمض عينيك ولا تملك لنفسك قدرةَ ابصارها من جديد، إنّ فرصة هذا الشّهر مرّة تأتي في كلّ عامٍ وهو بمثابة خير العام كلّه، فلا تضيعه فيضيع العام كلّه، ولا تلقى حينها في فسيح الدّنيا إلّا ضيق نفسِك وسعة ندمِك. ❤️
#الأثر_الطيب
تتمزّقُ أوصالُ الذّكرى تبكي على أطلال أيامي الحَرّة. وتعبثُ في ذهني أضغانَ نفسي، وتصرعني قتيلَ الفكرة، وتُسائلني، لماذا تراجعت ؟ توخّيت حذري في الإجابةِ هذه المرّة، واستقبلتُ في الحبّ قبلتي وعانقتُ شهادةَ التّوحيد، وقلتُ لها: "فلتسمعيني بعينيك".
إنّ المرء ما يلبث في تقلّبات شتّى، حتّى يأذن اللهُ لقلبِه أن يثبتَ في ضِفّة أمانٍ وبَرٍّ، وحتّى يُساقَ أو يأخذ بنفسِه نحو نجاةٍ أكيدةٍ، فقدرُهُ بين فكيِّ تخييرٍ وتسييرٍ، وهو عليه ذا يسيرُ.
لا ثباتَ على دوامٍ، النّهر الّذي يُبهر الفتى ويجعلُه شاعرًا محبًّا كشُعراءِ الأندلس بل أشدّ لوعة، هو ذاته النّهر الّذي سيغدو انسيابه اعتياديًّا ويفقد بريقه ولا يولّد إلّا شحيح الكلام، لكنّه يعود استثنائيًّا يومَ أن يرتعَ على ضفافه من يُعيد له الحياة.
لِذا في الحقيقةِ أنا لم أتراجع، ولكنّها نالت منّي الدّنيا قليلًا بزخرفها وغرّني طول الأمل، وغالبني شعورُ الحاجةِ للخروجِ من فطرةِ التزامي. وتهتُ في بئر جوفاء لا صدى لصوتي فيها ولا صوتَ لي فيها.. ولم أنجو كما نجا يوسفُ، فأين أخوتي؟ ولمَ لم يتبعني بعد السّنين منهم أحد؟ ولمَ لم تبيضّ عيون أبي لفقدي؟ وخُلّت موازيني وهويْت.
ولكنّني رغمَ انبعاث الشّؤم من كلّ جارحةٍ منّي عليَّ تشهدُ، يأتي اللّطفُ على هيئةِ ساعةٍ، وأحيانًا يوم أو أيام قليلة، والسّعد كلّ السّعد لمّا يأتي على هيئةِ شهرٍ بأيامه ولياليه.
وينشلُني كما لو أنّني في بحرٍ لُجيّ وجيء بي من قعرِ قعره وكأنّني أرى النّور لأوّل مرّةٍ، وكأنّ كلّ مرّةٍ تكون أولَ مرّة، وألبس حلية العافية بعد أن سقمتَ حتّى أصابَني السّقم في قلبي فآلمني، ولكنّه الحيّ يأبى إلّا أن يُحييَني ويعفوَ عنّي بعد أن عاهدته ألّا أكرّر ذنبي، وتماديتُ في التّكرارِ ونقضْتُ وعدي.
أكوّر نفسي على كلّ ما مضى وأقرُّ في ذاتي أنّها عودة، وتتلقّفني يدُ الله وأضعُ على حروفي نقاطها، وأرى الهلالَ المنيرَ يستبقُ زفراتي ويخبرني أنّني أحسنتُ الرّجوعَ، وأنّ القعودَ عن الشّغف لهي الخطيئة ولهو الحرمان، ويسرّها بيني وبينه أنّه فارقةُ قدرٍ من أحسن ما برأ المولى وما كتب، ومن أفضل ما منحَ الأنامَ وأنعمَ وأدهشَ.
ويقرِؤني السّلامَ ويبصرني بعيونٍ مشتاقة ويقولُ لي: "إنّ رحمَ هذا الشّهر يتّسعُ لتوأمٍ، يومَ يحسب الفتى أنّ أبوابَ العفوِ قد أُغلِقت، بل هو يتّسع للمعمورةِ كلِّها، ويجعل من جدارِهِ يديْن تعانق الجميع وتربّت على أكتافِ كلّ آدميّ جاءها يبغي الحنانَ والعطف، ويلدُهم جميعًا… معَ أوّل تكبيرةٍ في فجرِ العيد، يولَدون كأنّهم لم يعرفوا الزّمانَ ولا المكانَ ولا ضغينةَ الدّنيا، ومن بغى تلك الولادةَ حقًّا عليه أن يتكبّدَ عناءَ المخاضِ إذ سينسلخُ تمامًا عن ماضٍ من المعاصي قد سبق، ويقطع دابرَ الشّك باليقينِ أنّ العفو سيشمله حتمًا..
يأتينا جميعًا وكأنّه يأتي لكلّ واحدٍ منّا على حدى، يمنح الفضلَ لنا حتى ليشعر كلّ منّا أنه فاز بكلّ الفضل، هو البهيُّ على الاطلاق، في روحه وريحانه وجنّة نعيمه، يكفي الجمْعُ أنّهم في ركب التّنافس يسيرون، يكفي أنّه يضفي التّميّز علينا في كلّ يوم من أيامه، يكفي أنه يجمّعنا على الذّكر وعلى مائدة الإفطار، والقلوب قد تصافت والأرواح سألت الله القبول، والشّياطين مصفّدة، عنها ينأى المرء ويبلغ بحسن نواياه ما يغفر عنه ما تقدّم وما تأخّر من ذنبٍ.
رمضانُ الخير مسحةُ الارتقاءِ يوم دنت النّفس إلى حضيض رغباتها، وعلت تكبيرات القدوم عند أوّل إقبال لنا عليه، "الله أكبرُ لا أرباب دونه في الحبِّ والطّاعةِ والتّوحيدِ".
اليوم أشعرُ بكلّ ما أردفتُ بيقينٍ أنّي جمعتُ مشاعري ومشاعرَ غيري بقارورةٍ وأرسلتها طوعًا لأرواحنا علّها تعدّ العدّة جيّدًا وتستقبل الشّهر الكريم بهمّة وثباتٍ واصرارٍ على عدم التّضييع لهذه النّعمة الجزيلة، وبإقرارٍ أنّه سيطوي صفحة الماضي وستزهرُ من توبتِه رياحين العفو والغفران.
لي وللقارئ من بعدي:
لا يهمّ متى تعود، لكن من المهمّ أن تعرف أنّ طريق العودة دائمًا على استعداد لاستقبالك، وكلّما هممتَ في الولوجِ آجلًا كلّما اتّسعت بؤرة اليقين لديك وأصبحتَ شغفًا في البقاء، لا تسوّف، فقد لا تعلم متى تغمض عينيك ولا تملك لنفسك قدرةَ ابصارها من جديد، إنّ فرصة هذا الشّهر مرّة تأتي في كلّ عامٍ وهو بمثابة خير العام كلّه، فلا تضيعه فيضيع العام كلّه، ولا تلقى حينها في فسيح الدّنيا إلّا ضيق نفسِك وسعة ندمِك. ❤️
#الأثر_الطيب
يارب أعطني بقدر نيتي فاني لا انوي باحدٍ إلا خيرًا، وارزقني اجمل مما اتمنى واكثر مما اتوقع وافضل مما أدعو <3
التجهيزات لرمضان هذا العام :
- برنامج آخر كلمة
- برنامج قراء رفح
- برنامج نحو مفاهيم صحيحة
- برنامج أنت وشطارتك
..
جهود شخصية والحمدلله .. الله يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال .
♥️
- برنامج آخر كلمة
- برنامج قراء رفح
- برنامج نحو مفاهيم صحيحة
- برنامج أنت وشطارتك
..
جهود شخصية والحمدلله .. الله يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال .
♥️