لماذا ما زلنا نصر أن نجمّل أفكارنا بدلاً من التعامل مع واقعيتها؟!


هذا الكلام لا يجوز البتة إنزاله على العقائد، ولا المقاصد الكلية، لأن هذه ليست عرضة للبحث، ولا هي ضمن مجال المقارنات، ولا المزايدات، والذين يحاولون دوما إصباغ الخلاف على هذه القضايا هم متلعبون، يحاولون بالتضليل تعمية القضايا العملية، وعدم وضع سبل حلول شرعية حكيمة لواقعنا.

بين ثنائية النخبة والأمة:
أريد أن أحلف للمرة الألف، وما بعد الألف أني لا أعنى أبداً في جماليات الأفكار التي تتعلق بصخرة الواقع، ولم أعد أقيم شأننا لشعارات وضعية، وليست من الشرع في شيء، فالمرء يمكن له أن يتأمل بذكاء الكلمة في وصف الصخرة من حيث الجمال والقبح، ولكن لا يجوز أن يتعامل بهذه القواعد اللفظية الجمالية ولا الشعارات حين يتوجه لتفتيت الصخرة، لأنه حينها معني بشيء آخر، هي الأدوات اللازمة، والسبل الكفيلة واقعا لهذا الأمر.

يصر البعض أن يخاطب العالم المثالي عندنا عند الحديث عن هذا الباب، ويصر أن يضع صوراً خيالية جميلة تتلاءم مع أفكارنا الحالمة، وهذا أمر كان يمكن لنا قبوله في زمننا الماضي من كوننا جماعات، الكثير منا سرياً، يجمع الواحد والاثنين ليستكثر بهم، حتى وهو يظهر دعوته فهو محكوم بواقع النخبة رغم أنفه، فهي في واقعها قدر لا مفر منه لا اختيار، لكن هل يصلح هذا في زماننا هذا؟!
عندما دعا البعض للتعامل على وجه ما مع الشيخ الغرياني حفظه الله ورعاه، وجعله إماماً مهدياً هادياً، وذلك للخروج من مأزق البلاء الذي عاشه المسلمون في ليبيا، وهو بلاء جامع لكل دعاة المسلمين، ولكل جماعاتهم، والمعركة بين إسلام وجاهلية، حينها كيف تعامل البعض مع هذه الدعوة؟

دعوني من كل كلماتكم التي لا تساوي عندي شيئا في باب الواقعية، بل هي في واقعها مبارزات كلامية، وجمالية بحتة، واذهبوا للنظر إلى طرق التعامل مع هذا الواقع... وأكرر: الواقع.
نحن لسنا أمام مبارزة لفظية، ولا جمالية، نحن أمام واقع.

لا أدري لم لا يفهم الناس، ويصرون أن الحديث صعب وشاق، وغير واضح، وعام!!!!
كنّا أمام غلاة خوارج، وأمام جاهلية صلبة، وعملاء متواطئون معها تحت أبواب قذرة من الفقه والتفسير الديني ممن نسميهم بالجامية، وتآمر دولي، وكلهم في صف واحد، فما الواجب أمام هذا الظرف؟

جهل وحمق حين نتجادل بين جهاد نخبة وجهاد أمة، وبين ما يلزمنا في ظرفنا ولا يلزمنا في غيره، بل مجرد الحوار هذا في زمن الفتنة يدل على أننا أمام حمقى لا يحق لهم تمثيل الإسلام، ولا جهاده، ولا تمثيل مطالب الأمة.
الحق أن المرء يعتريه غضب يكاد يقتله وهو يتحدث هذا الحديث بهذه الصراحة، لأننا نكشف فيه عمق حمقنا وجهلنا، وطفوليتنا.

يا قوم، نحن أمام طريق واحد إن أردنا ان يسلم للناس دينهم، وأن نمنع حكم الجاهلية، وأن نحقق أدنى ما يبقي الأمة تحت حكم الإسلام وسلطانه.

وأنا لا أريد أن أستعرض الكلمات والمبارزات التي طفت على السطح يومها، ولا أريد أن أؤرخ لتلك الفترة الماضية، والتي عشنا نتائجها هذا اليوم، وغداً، بل أترك هذا لمؤرخ صادق يبين إجرام فئة أصرت أن يذهب الناس وحدهم دون غيرهم، ويقفوا موقف الفتنة في التفريق بين الناس، وضرب مصداقية مواجهة الخوارج بأنهم عملاء أمريكا يستجيبون لأمرها في قتالهم.

كان حواراً بالكلمات التي تجري على الواقع دماءً وأشلاءً لأخوة أحبة، وقفوا بصدورهم أمام كل هذا الشر، وجلسنا نقرع، ونسب تحت دعوى النصح، وما كلماتنا في كل معاجم الدنيا تقع في معنى النصح، بل هو الطعن في توحيد القوم ودينهم وجهادهم.

كلما فتحنا في واقع لا تنظير، وفي بلاء لا في سعة، ضرورة فتح هذا الجهاد وصدورنا لكل مسلم يريد نصرة الشريعة وتحكيم القرآن والسنة، انبرى لنا من يجمع أخطاء المخالفين، وتاريخهم، ليصنع خصومة قلبية، وحواجز نفسية ودينية وعقدية مع كل هؤلاء، ويبدأ الجدال العقيم، وتضطرب النفوس بين الإقدام الشرعي بوجوب الاتفاق، حتى يتجاوزنا الزمن، وتحل الكارثة، ثم نؤوب إلى زماننا الأول؛ جماعات تذوب شوقاً لهذا الزمان الماضي حيث كنا على قلب رجل واحد! وشيخ واحد! يشعرنا أننا أهل التوحيد دون بقية الخلق، وأننا فقط من يفهم دين الله دون بقية الأمة!.
ثم ما زلنا في حوارنا العقيم: نخبة أم أمة!

ووالله لولا أن دين الله حق، وأن الحق لا يعرف بالرجال لكنا أكبر أفاعي الضر والفساد في الجلوس على البئر لمنع الناس من السقاية منه.

لست متعجبا من أهل العقل من المجاهدين أن يدركوا يوما وجوب هجر كل كلماتنا، وكل نصائحنا، لأننا بدل أن ندل على الطريق، ونرحم السائرين فيه، صرنا سبب فتنة وفرقة، ونخلط نفوسنا بكلماتنا، فيظنها المسكين دينا، وهو لا يعلم أنها مجرد هوى قاهر، ورؤى مريضة، فاللهم رحمتك.